منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة
منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة ترحب بالزوار من ابناء المنطقة وجميع الاحباب والمريدين داعين لمد جسور التعارف بين الجميع ودوام التواصل
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» مهدي الدود.. البقاء لله
الأربعاء 07 سبتمبر 2016, 2:26 pm من طرف عائدة محمد الحسن

» هاوية الحدس
الجمعة 19 أغسطس 2016, 3:06 am من طرف ناصر البهدير

» أحزان آل سيد أحمد محمد
الثلاثاء 02 أغسطس 2016, 7:27 pm من طرف ناصر البهدير

» قصص .. عبد العزيز بركة ساكن
السبت 23 يوليو 2016, 5:36 pm من طرف ناصر البهدير

» الغالي أوشي.. فرحنا العام
الأربعاء 20 يوليو 2016, 10:27 am من طرف ناصر البهدير

» غياب بطعم الحضور (2)
الأربعاء 06 يوليو 2016, 1:36 am من طرف ناصر البهدير

» الكتابه في العربات (الركشات +الحافلات)
الأحد 12 يونيو 2016, 11:04 pm من طرف ناصر البهدير

» أحزان التوم لاعب التضامن والسكر
الأحد 12 يونيو 2016, 11:00 pm من طرف ناصر البهدير

» أقوال
الأحد 12 يونيو 2016, 12:03 am من طرف ناصر البهدير

» هَيْثَمات.. أحد عشر كوكبا
الخميس 02 يونيو 2016, 2:57 pm من طرف ناصر البهدير

» طرائف رباطاب -مساخة -سرعة بديهه
الخميس 02 يونيو 2016, 1:31 pm من طرف ناصر البهدير

» أحزان آل آدم حامد
الأحد 29 مايو 2016, 2:32 pm من طرف ناصر البهدير

» من أَنبأَك هذا!
السبت 28 مايو 2016, 10:05 pm من طرف ناصر البهدير

» حبيبنا المصنع
الخميس 26 مايو 2016, 9:40 pm من طرف ناصر البهدير

» زفاف أشرف يوسف
الخميس 26 مايو 2016, 11:27 am من طرف ناصر البهدير

» عبد الله المصري.. ساقية الحس المرهف
الإثنين 23 مايو 2016, 3:35 pm من طرف ناصر البهدير

» لحن الصباح
الإثنين 23 مايو 2016, 9:23 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» مع السكر حتى الصعود
الخميس 19 مايو 2016, 2:40 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» قبيلة السكر
الأربعاء 18 مايو 2016, 8:16 pm من طرف ناصر البهدير

» لحن المساء
الأربعاء 18 مايو 2016, 4:31 pm من طرف ناصر البهدير

» احزان على عوض سعد
الثلاثاء 17 مايو 2016, 3:23 pm من طرف ناصر البهدير

» افراح ال بشير مهدى
الثلاثاء 17 مايو 2016, 3:12 pm من طرف ناصر البهدير

» الدلاله
الإثنين 16 مايو 2016, 3:21 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» الذكرى الخامسة لتأسيس المنتديات
الخميس 12 مايو 2016, 6:09 am من طرف محمود بلال

» زوله حنينه .. قلبها ابيض
الأربعاء 11 مايو 2016, 10:29 pm من طرف محمود بلال

»  الأحباب المشرفين..
الأربعاء 11 مايو 2016, 10:11 pm من طرف محمود بلال

» أفراح آل هشام سيد أحمد صالح
الأربعاء 11 مايو 2016, 6:33 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» أفراح آل عبد الرؤوف سعيد
الأربعاء 11 مايو 2016, 6:31 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» افراح ال يحى محمد
الأربعاء 11 مايو 2016, 5:24 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» سيدون .... وصل
الثلاثاء 10 مايو 2016, 8:54 pm من طرف محمود بلال

» بلال الصغير وصل
الثلاثاء 10 مايو 2016, 7:51 pm من طرف محمود بلال

» الخدمه المستديمه الف مبروك
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:46 pm من طرف نازك يوسف طه

» شهرالشفاعه(شعبان)
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:32 pm من طرف نازك يوسف طه

» مجدى (كجيك)عريس السكر
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:26 pm من طرف نازك يوسف طه

» عيال الفكى عرسان السكر
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:22 pm من طرف نازك يوسف طه

» حافظ عمر .. في ذمة الله
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:02 pm من طرف نازك يوسف طه

» عنتر عريس
الثلاثاء 10 مايو 2016, 1:59 pm من طرف نازك يوسف طه

» إنتــــــــــــــــــباه
الإثنين 09 مايو 2016, 8:42 pm من طرف محمود بلال

» أحمد المصري .. في ذمة الله
الإثنين 09 مايو 2016, 6:32 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» عرفة حميدي.. البقاء لله
الأحد 08 مايو 2016, 9:36 am من طرف ناصر البهدير

» دنان واطة حموري
الجمعة 06 مايو 2016, 9:21 pm من طرف ناصر البهدير

» يا اسمر
الجمعة 06 مايو 2016, 7:51 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» قرموني.. ليس وحده!
الخميس 05 مايو 2016, 1:17 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» نهائى (ميلنو)
الخميس 05 مايو 2016, 1:14 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» رمضان جانا
الخميس 05 مايو 2016, 7:20 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» مرحــــبا بالتسعة الجدد
الأربعاء 04 مايو 2016, 2:51 pm من طرف نازك يوسف طه

» العنصرية تطفو من جديد
الأربعاء 04 مايو 2016, 12:29 pm من طرف سامر صلاح

» الطيب سعيد(عريســــــا)
الثلاثاء 03 مايو 2016, 10:33 am من طرف ناصر البهدير

» احزان ال هدو
الأحد 01 مايو 2016, 4:31 pm من طرف ناصر البهدير

» اعتذار
الأحد 01 مايو 2016, 4:17 pm من طرف ناصر البهدير

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع

أكتوبر 2016
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
     12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31      

اليومية اليومية

مجموعة الفيس بوك
</li></ul><div
 id="follow_fdf"><a target="_blank" href="https://www.facebook.com/#!/groups/sugarhalfa/"><img alt="Facebook"
src="http://illiweb.com/fa/optimisation_fdf/fr/facebook10.png"/></a><a
 target="_blank" href="https://www.facebook.com/#!/groups/sugarhalfa/"><img alt="Twitter"
src="http://illiweb.com/fa/optimisation_fdf/fr/twitter10.png"/></a></div>


<style>

#follow_fdf {
  float: right;
  background: url('http://i40.servimg.com/u/f40/11/60/75/36/follow14.png') no-repeat scroll 0 5px transparent;
  padding-left: 1098px;
}

#follow_fdf img {
  vertical-align: middle;
  max-height: 50px;
  transition-duration: 400ms;
  -moz-transition-duration: 400ms;
  -o-transition-duration: 400ms;
  -webkit-transition-duration: 400ms;
}

#follow_fdf img:hover {
    transform:rotate(-10deg);
    -ms-transform:rotate(-10deg);
    -moz-transform:rotate(-10deg);
    -webkit-transform:rotate(-10deg);
    -o-transform:rotate(-10deg);
}
</style>
FacebookTwitter

مفازات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 24 مايو 2010, 12:12 pm

مفازات
حجوة تخربش السلطة (1-2)
[b]ناصر البهدير
للشاعر جميل المفردة والادهاش عثمان بشرى قصيدة أطلعت عليها بمحض الصدفة في صيف لاهب من العام 1996م، كما أزعم، أوان تلك الفترة الملتهبة بفعل فتائل البارود وفتيان مكافحة الشغب ومخاشنة الطلاب. أطلق عليها البشرى "بت ضحكته تخربش السلطة"، وعذرا له ان استعرناها منه من باب اللزوم، وتشابه المواقف؛ وقت كانت فيه ضحكات طالبة جامعية تزعج السلطة.
تلك حقبة مرت وأنسربت خلسة، كما تمر جحافل (الكتكو) بمدن السكر. لكن الآن بقدر ما يزعج السلطة حركة بحجم قبيلة، ما أنفكت تطن في أذنيها كطنين (الجنقو) في حوش المجلس الاتحادي للمصنفات الأدبية والفنية هذه الأيام، إلا أن الإنقاذ الآن مع ذلك تخلت عن شراستها الموسومة بها لحد الجلافة أيامئذ، إن شئنا ليس على وجه التحديد منتصف التسعينات من القرن الماضي، كما يظن أفندية التجمع الديمقراطي في تلك الفترة انهم يشكلون خطورة على السلطة حسب أناشيدهم من شاكلة (سلم مفاتيح البلد وما بتسلم)، رغم ذلك إستطاعت الانقاذ أن تحجز لهم غرف نوم وهيطة بمحض إرادتهم في قطارها المسرع، بعد أن ألقت على ظهر بعضهم بعض الحقائب الوزارية المفخخة، والأخرين محاصصة من كراسي البرلمان اللزجة، وقتئذ في مزارع مصنع سكر حلفا الجديدة، كانت تدور وقائع أخرى.
لقد خرجت (السرة ام الظاهر) ذات مساء من أزمنة السكر، تولول وتهجس وتقول لنا بإن (الخواجات خلاص ضربو البلد)، لحظتها رائحة مسيل الدمع تسد أفق المغيب، السرة المسنة لم تكن تعلم بأن الجنقو يتصارعون بالحراب والكوكاب على أطراف حقول قصب السكر كعادتهم ذودا عن حمأ القبيلة في الغالب او ربما من أجل أمراة تعرت في الحقول مع أحدى موظفي الزراعة ضبطها الجنقو تمارس الرزيلة، وحينها تغيب المراة عن الوعى لأيام لما جرى لها من جرأ حماقتها التي رمت بها في طريق هؤلاء الرجال. الجنقو يا سادتي .. رجال قبائل سودانية لم تفرخهم منصات الانابيب الطبية ولا كواكب السماء السبعة؛ من كل العشائر إصطفوا، وكانما خلقوا لحصاد قصب السكر والذرة والسمسم فقط، وهذا نصيبهم من الدنيا والوطن.. الجنقو في مصانع السكر يشكلون لوحة بهية الطلعة تتجمل بها الحقول زهاء شهور الإنتاج التي تصل أحيانا إلى الثمانية أشهر، يطلق عليهم (الكتكو) .. لذا جاء أختيار الكاتب الشاب عبد العزيز بركة لسكون هذا العوالم إنطلاقا من زوايا مثلث متخم بتابو السياسة والجنس والدين، ثمة مزيج فريد من ثقافة (الجنقو)، ربما ظنا منه إن مخاض البلاد الديمقراطي قد إنتهى إلى غير رجعة، مما دفعه بفضول وثقة زائدة عن اللزوم، وايمان قاطع لا تتناوشه الهواجس والمظان، لوضع روايته الفصيحة (الجنقو مسامير الارض) على طاولة أفندية إدارة المصنفات الأدبية والفنية لإجازتها، عسى ولعل أن يشير ولو بكلمات عن حياة هؤلاء الشغيلة التي ما فتئت تنقذ الناس من الجوع في ظروف عمل بالغة التعقيد وأحراش وعرة لا تتوفر فيها معينات الحياة الأساسية.
لم يتبع الكاتب أضل السبل لتوصيل فكرته البسيطة عن أناس بسطاء في الحياة، كما توهمت إدارة المنصفات. قطعا أن رواية بحجم كفة اليد لن تخوض بنفس طويل معركة الكرامة او الذراع الملتف او المحقوف او اللولبي او المستدير او المنفرج او الحاد او القائم او الملتوي من أجل تحرير الجنقو المعدمين مهما يكن الأمر.
كان من الأولى أن تحتفي المصنفات بتلك الرواية وبشلة (الجنقو) شغيلة الوطن المنهوبة ومساميرها المصلية في نهارات الحقول؛ تشوي وجوهم صهد الشموس الحارقة في تلك الهجائر اللافحة من أجل بضع جنيهات تتسرب منهم هنا وهناك الى مسارب المرابين وطفيلية العرق الانساني بدلا من رفضها المشين. على كل أستطاع الكاتب رغم الغيوم الداكنة التي تظلل سمائه أن يمتطي راحلته المعطوبة ويصور بمهنية عالية وذائقية بارعة وقائع حياة بائسة يعيشها هؤلاء الناس؛ بشر مثلنا تماما. كما أحب أن يقول للناس على طريقته الخاصة والمعروفة للجميع، بأن الرواية سلاح الوعى والعلم والتنمية.
نواصل
،،،[/b]

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 24 مايو 2010, 12:16 pm

مفازات
حجوة تخربش السلطة (2-2)
ناصر البهدير
في الجزء الأول من هذا المقال أشرنا بأن (الجنقو) بشر مثلنا تماما وليس كائنات من شاكلة ود امبعلو والغول والعنقاء، حتى تقف المنصفات لهم بالمرصاد، وتوصد الباب أمامهم تجنبا لشعبنا العزيز أن يرى مأساتهم وجغرافيتهم التي يتحركون من خلالها ويجوسون الديار.
بالطبع إن الواقع لا يزال بحاجة إلى قراءة من نوع أخر، وليس تخديره بمساكنة من نوع تلك التي على صدر الصحف، وما نعيشه معقد على نحو كبير. في ثنايا خطاب ضامر المتن، يضيع المعنى وإبهامه بشكل يدعو إلى الرثاء والشفقة، تسنمته سطوة المصنفات، وأفلحت منه بالخروج بمنفستو خائب الرجأ، يتلجلج بلهجة فجة وقاسية بين الإبهام والسبابة؛ قلم خائر العزيمة والسؤود. هل من الممكن أن تتمادي سلطة القوانين وتكشف عن وجهها القبيح ضد سلطة النصوص بهذه الحيل المخزية، وتعلن للناس من جديد ونحن مقبلون على مشارف رأس العهد الثالث على التوالي من الفقر المعرفي وإستمرار حقب الوصاية الابوية من لدن آليات الإنتخاب الثوري والسياسي الهش؟.
رواية بهذا النضج، كشفت المستور في بنيتنا السياسية والاجتماعية والثقافية الممزقة، بلا شك عرت تفاصيل عقدين من الزمان، أختلط فيها حابل الدجل بنابل الجدل في تضاد غريب وإنفصام بين، أرادت الرواية أن تقول لنا هذا هو الواقع بكل رتوشه وطقوسه وهناته وأوجاعه، يوم أن باغتنا مرة أخرى ريح اليابسة وطحلب البحر وتمساح النهر وحلوف البر.
أقول ذلك، وفي خاطري الفشل الذريع الذي تقدمه أجهزة الاعلام الرسمية والموالية وإدارات العلاقات العامة بمؤسسات الدولة المختلفة من وقت لآخر؛ غثاء كزبد البحر، لا ينشد الوعى بقدرما يغوي، ويمارس دوره القاصر في تشكيل الشخصية النمطية التي أقعدت بنهوض الوطن، وإنعتاقه من ربقة التجهيل والأذى المقيت ومصادرة حق الناس بالتساوي في الكلأ والماء والنار.
أعرف جيدا بصورة قاطعة لا تشوبها أدنى شكك بأن كل رجال المصنفات لا يعرفون عن الجنقو شيئا؛ صغر او كبر، تعاظم أم تضاءل، زاد أم نقص، سوى أن هذا الأدب رخيص لن يحسن تربية صبية وصبايا بلادنا: (الجنقو زول قليل أدب، كما أن الأدب قلة أدب كمان).
يا سادتي (مسامير الارض) ليست حركة مقاومة مسلحة او كتيبة من الفحش إن كنتم تظنون، محض رواية منسوجة من خيوط الخيال والواقع، تمنى لها الراوي أن تجد حظها من النشر، على الأقل عبرها أن يقدم للوطن الجريح كلمات تقيه يد أبي لهب، ومعاول السياسي، وتهيؤات خيالة المنصفات.
إن صناعة تغبيش الوعى، صناعة سايكولوجية بإمتياز، ولكنها ليست خيارا أبديا دائما، وشأنا سلطويا محضا، يخصص فقط لمغاوير السياسة والحكم، دونه خرط القتاد لكى تجده في يدك وقت ما تشاء كضمادة تتيح لك كرسي صهوة الخيل دون عناء، في أن تقول وتفعل ما تريد، وسط جلبة من الهمج والرعاع.
كان من الأجدى أن تمنح الرواية حق الإفراج حتى لا نصاب في مقتل من جرائم النفايات الثقافية التي تعبر حدودنا؛ المسلسلات المكرورة، والاغاني المشروخة، وبرامج الاطفال السمجة والمدسوسة السم.
أحيانا نص فجيعة الممنوعات ينبجس من إستحضار تقابلات الصولجان بكل أخطائه، أمام البيت والشارع والمكتب والمصنع والحقل وأنما بسياق ما تحمله كينونة المجتمع من ذات مضطربة وروح عرجاء تبحث عن ملاذاتها.
إن نص الرواية يستمد تفاصيله كخطاب ورؤية ولغة من حياة الناس العاديين، بنوع من التداعي الباذخ والشفيف الحر، هو خطاب يتجدد بإعتبار أن نسق القراءة نزوعا عميقا نحو الذات الإنسانية، وكأنه الكتاب هنا يصدر شهادته للحياة كدلالة فاعلة ومتماهية مع الخروقات المستمرة بفعل القابع بلا وعى خلف المناضد، يستلذ بأناقته وفرط هوسه المحموم بالوسامة، كذاك الدرويش الذي جُبل على ملاطفة الحضرة؛ حينا كثيفاً وحينا آخر لطيفاً.
ما لا يقال، ويملأ الهواء الطلق كثير لن يملأ زكائب المنصفات، وأن طالت الرقابة والمصادرة والمنع. ومثلما قال الراوي (الونسة بتفك الزهج)، نأمل مرة أخرى أن تطلق المصنفات سراح الرواية لتبدل ضيقنا إلى فرح وإنبساطة.

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 31 مايو 2010, 8:27 pm

أعجاز نخل خاوية
ناصــر البهديــر
كما هي الحقيقة مفازات، يعلم الجميع أن كل أمر مزيف في استشراف ليفضح مدلوله، بالطبع لايمكن له أن يظل يسيطر على الأمر برمته ويجعله مخالفة للحقيقة الواقعة التي لا مناص عنها. تكفى لحظة التفاتة خضراء ولكنها ليست عابرة بعين واحدة إن شئت أن تمنح البصيرة امتحاناً غير مقروء، يكفى أن ترى تالد النخل كما رأيت في سابق الأيام في أربع مدن عربية ليس محض صدفة، بل تفكيراً واتساقاً مع ثقافتنا المحلية والدينية.
ترى النخيل مقهوراً بعد رحلة شراء طويلة ومملة ربما من بلاد التمور (الرافدين)، مقارنة مع ما تستغرقه الرحلة وقيمتها الحقيقية، حتما تكون المقاربة خيالية لثمن نخلة واحدة، ينتهي بها المطاف على إحدى الشوارع العربية، وأيام وتمضي إلى ربها. هل جاءت لتزين ما في الخفاء ودوار سفرنا المرهق أم شيئاً آخر. ولكن دعونا نقول برفقة عمتنا النخلة؛ لاتستقيم الحياة إلا في أرضها الأولى كما الحنين إلى المكان الأول، النخلة لها إحساس نبيل تجاه الحياة يجسده عطاؤها الدافق بأطيب الثمر.
من أوشى للسادة بجميع بلديات الوطن العربي في أن يرسموا للنخلة هذا الشقاء الأبدي؟ تشويهاً لشوارعنا الشغوفة، والتي تحن إلى الصبايا؛ شتول التمور مثلاً نقول، بدءأ من المنامة انتهاء بأغادير، تسودها دمى النخيل الميتة، والموسومة بفسيفساء الزجاج، وغبار الشوارع.
صعب أن نقول للأخرين أننا أبناء النيل، فنظرة واحدة لشارع النيل كمدخل لمدينة الخرطوم، من ناحية المقرن، تصيبك بالفتور الوطني، تلقي عليك عسراً في فهم الجمال الإنساني، رغم أخضرار النخيل وأصفراره الباين، صورة باهتة، وكأنها تقول لنا، ها أنذا أوضح لكم "كولاج" فوضانا لنصدرها للعالم. دعونا أن نحلم ولو في بيداء الديمقراطية القادمة بظهور وطني ماهر وأمين يعيد العافية لشتى مدننا المترعة بالقبح، عسى ولعل أن يزرع للناس خضرة ونضارة في هذا الشارع وغيره من شوراعنا المثقلة إلى حد الكراهة بثقافة غرس النخيل المثمر الجاهز.
وراهن الحال، يلقي بالسؤال من أعلى عراجين النخيل وأعجازه الخاوية، التي توهطت ممرات هذا الشارع أسوة برفقائه هنا في الخرطوم، وفي الشارقة، وجدة، والمنامة، ألم تجد البلديات حتى ولو من الفسائل الصغيرة التي نبتت بغير أذنها أمام مكاتبها الماهلة، لتزين بها عري شوارعنا الرحبة؟
حقا الشتول الصغيرة كما الاطفال، يا ربي لا تحرم وطن منها ..
مفازة !!
الحقيقه قد تقلق البعض، مثل ما تزعج أحيانا المرأة القبيحة في منبت الخير.

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 02 يونيو 2010, 7:34 pm

[size=24]مفازات
ما لم يقال عن العركي (1-2)
ناصر البهدير
تتعثر أنفاسي وخطواتي حين ما أقبل على معهد إعداد المعلمات للمرحلة المتوسطة سابقا - كلية التربية للاساس بجامعة الخرطوم حاليا - الكائن جوار مركز شباب ام درمان ومدرسة احمد بشير العبادي، للقاء الاستاذ محمد الامين العركي في فترات متصلة إمتدت لأكثر من ستة أشهر، وقتئذ كان الشوق يملأ جوانحي ويضمخها بفعل المعلمة سلوى احمد مالك، تلك المرأة التي علمتنا معنى الحياة ومعنى أن يكون لك التزام، إتساقا مع ما قاله محجوب شريف: (قوانين الطبيعة لا تسمح بغير الإنتماء).
ذلك زمان مضى في بداية التسعينات، والإنقاذ في حرارتها تشعل الجو سحبا من الدخان وأنهار من الدم المسكوب على الأرض، ومن ثم أعقبتها سنين من الهلاك السياسي في كهوف التاريخ، ألجمت خيولنا عن الصهيل، وصدتها عن أودية الانتماء.
عن طريق سلوى ولجت إلى عالم المعهد، وتعرفت على الاستاذ الهرم العركي، أطال الله عمره ومتعه بالصحة والعافية، وهو في زحام التضاريس الوعرة والمناخات المتغيرة ما زال يمارس فضيلة التعليم والتدريب بأناة وصبر أنيق. العركي يسهل تصفحه من أول وهلة دون بوصلة وخطوط كنتور لتحدد معالمه الإنسانية. نظرة واحدة تكفي، وأنت داخل على مكتبه، وحوله الصبايا يفحن بعطرهن الآخاذ، تلميذات في نداوة زهور الباشندي وطلاوتها ورائحتها الذكية من مدرسة التدريب المتوسطة بالمعهد، كعصافير في شدو جميل، واحدة أعلى كتفه، وأخريات خلفه، وسرب أمامه، يتعاركن ويتصايحن ويغنين ويمثلن الحياة كهديل يمام. كل الفصل تقريبا في حضرة الأب العركي، منهن من تعبث بمحتويات شنطته العجيبة (الهاندباق) التي يحملها صباح ومساء كل يوم من وإلى المعهد، ومنهن من تصر أن تتحدث معه في ظل أخريات يروي لهن قصة. كولاج من الفوضى تسطر وتلون وتحتل مكتبه، مع ذلك يبتسم في سعادة كبيرة، وإبتسامة لا تفارق شفتيه البتة، وإستقامة يعزَّ نظيرها.
العركي معلم مجبول بالدراما، كأنه سوفكليس؛ أعظم من نظم التراجيديا الإغريقية او هنريك إسبن الكاتب المسرحي النرويجي، الذي يُعرف بـ "أبي الدراما الحديثة"، لذا لم يكن من المستغرب أن يدير شعبة الدراما والمسرح بالمعهد بفطنة وإقتدار، ومكتبه مفتوح ومكتظ بجوغة من الدراميين عصر كل يوم من لدن قاسم ابوزيد ونادية احمد بابكر وغيرهم من أساطين المسرح السوداني؛ خريجي المعهد العالي للموسيقى والمسرح، حالهم كحال تلك الزوجة التي وصفت زوجها "زوجي لحم جَملٍ غَثّ، على رأس جبل وعر، لا سهلٌ فيرتقى، ولا سمينٌ فينتقل. ذلك شأن آخر نحيله لآخرين، أصحاب حنكة وموهبة في تشريح علة الدراما السودانية، ولماذا تقف كحمار الشيخ عند العقبة؟.
على طريقته، يطوف بك العركي مدائن الأدب والدراما والشعر والقصة في تهويمات لا تنتهي تمتد إلى ما لا نهاية، تحسن الظن بالبشر. عنده وعن كثب تعرفت على أدب صلاح احمد ابراهيم والبروفسير على المك صديق البسطاء وجميع الناس: عربجية وعتالة وموظفين وعمال وطلبة. حكى عنهم بشغف وبعمق وتفصيل وأُباة وشموخ وتواضع ملأ الدنيا خيراً كالسنابل ولم يزل، مثل ما حكى عن آخر، سنذيع سره غدا إن شاء الله إذ إمتدت بنا الأيام وبحروفنا العركية في بلاط الحروف المدغمة.
لوحة مدهشة تستبين منها عظمة هذا المخلوق الخرافي. هذه المشاهد رأيتها بعينى يوم تعرفت عليه لأول مرة، وهو باسط كفيه وقلبه جسراً للإنسانية والرحمة. يا ليت كل معلمي بلادي تعلموا من العركي إبجديات ثقافة التربية والتعليم، لو حدث ذلك لما كان حالنا هكذا يسير نحو الهاوية، وفي كل صباح جديد من كل ناحية تنمو حوانيت العلم المنتشرة كسرطان البحر وطحلب الواقع؛ لزوجة وإنزالقاً.
خريف مثل عركي لن يأتي، مهما تكثفت مياه البحار والانهار، وإجتمعت على أن تبذل العطاء. واثق جدا أن نوع هذا المعلم نادر التكرار كالبصمة لا يتكرر مرتين، يؤدي رسالته في صمت وخجل وغيرة جمة، لا تشغله عاديات الزمان وبهارجه ووجاهته، اكتفى من الدنيا بقضيته وحبه للناس من داخل مكتب صغير، معفر بالكتب والأوراق والغبار.
نواصل،،،
n.albahdair@yahoo.com

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 02 يونيو 2010, 7:37 pm

مفازات
ما لم يقال عن العركي (2-2)
ناصر البهدير
مثلما ذكرت في المقال السابق، إن الاستاذ محمد الامين العركي من القلائل الذين أنجبتهم الحياة السودانية، وقت كانت فيه "الحبوبة" تربى وتعلم الناس والمجتمع برمته عبر الأحاجي والغناء الانساني الرفيع فقط، تلك المؤسسة الدرامية العتيقة التي هدَّ (حيله ومروته)، وأحالها الى متحف التاريخ: غول المال الجديد.
واصل العركي الدور التاريخي لثقافة (الحبوبة)، في تغذية وجدان المؤسسات التعليمية، وإكمال إندياحها بعد مؤسس التعليم المدني، المعلم والمربي بابكر بدري، إلا إن الأفندية الجدد سطوا على رونق الحصص، وغيرها من مشاعل النور، كما الأشياء الأخرى. تربصوا به وسط إستغراب وإندهاش، تلميذاته قبل زملائه. فجاءة بارح المعهد لأسباب غير منطقية، وتجرع المُر، كما جرعتنا ذات يوم اسطبلات بعانخي ساعة دخلناها ناحية الكرو، رائحة نفاذة تصنعها خفافيش الظلام السياسي كل حقبة تمر من تاريخنا التليد. تلك الرائحة، أقتفينا أثرها، حتى حل علينا ليل المدافن الكريه، لشيء في نفوسنا، حرصنا على تنقيب تراثنا ومعرفته، رغم أنه تبقت منه رائحة تزكم الأنوف، وقنطور ترابي، وبقايا طرابيل تداعت نتيجة الزمن السياسي الفاجر.
مثل ما حكى عن آخرين، سنحكي عن آخر شغل الناس ولا يزال محطة وطنية نتزود منها كلما عصف ليل السابلة، حكى عنه العركي بعمق كبير، وسنذيع سر هذا الرجل الأمة، وعلاقة الصداقة التي جمعت بين المعلمين، ضمت تشابها في المهنة والدراما والتشكيل والغناء، والاخلاق والكرم والانسانية، وأشياء نبيلة تتقاصر دونها هامات أقلامنا وتفشل في تسطيرها.
رجل وصفه الشاعر حميد في أغنية شجاعة، فضحت الكائنات المنتفعة بغنائه، كطحالب تكافلية، إعتاشت لزمن طويل على حنجرته، ومضت إلى مزبلة التاريخ والخذلان الوطني، وبان عجزها يوم أن تهربت من مصيدة ديموقراطية الإنقاذ الفاترة، مع إنها نالت فتات بغاث منابرها.
من كان يسمع مصطفي
صنَّ ووهج صوتو انطفى
من كان يسمع ما أصطفي
حى بى قضيتو وبس كفى
حكى عنه العركي بصدق ودموع تتقاطر كل لحظة، مواقف صادقة. قال عن مصطفي سيداحمد المقبول، ما لم يقوله سلاطين باشا في الخليفة عبد الله بتاتا، ذاك الموسوم بكراهية الأخير، كلنا يعلم تلك الحكاية النشاز، وقصة أشهر سجين في حضرة أوتقراطية التعايشة. لا علينا، المهم إن الفنان مصطفي رحمه الله وطيب ثراه، رفيق العركي في السكن لفترة من الوقت في جهة الامتداد او الديم لا أتذكر ذلك، إلتقيا سويا لسالف ما ذكرت من صفات ومواهب جمعت بينهما في أروع رحلة لم تدم طويلا.
في تلك الفترة التسعينية، كنت أتكبد المشاوير للمعهد، وفي داخلي أضمر نية الإستماع عن الرائع الذي مر سريعا كالنسيم بلسان العركي وكفى، رغم في ذات اللحظات كان قاسم ابوزيد يكثف وجوده قرب مكتب العركي. إكتفي بالعركي ونمضي من حكاية إلى أخرى، في ود يلفه صمت كثيف، يتخلله دموع يداريها عركي كل لحظة عني، ولحظتها أعرف ما يبكيه؛ لسان حاله يقول: ( خوفي من بعد ما أتوحدنا فيك .. ننفك قبائل وننكتل)، وفعلا كان ذلك.
وسأكتفي بحكاية واحدة، صغيرة في حروفها وكبيرة في معناها تجسد عظمة مصطفي والعركي. والحكاية تقول على لسان العركي: (ذات مساء خرطومي، مصطفي يدندن بالعود في بداياته، صوت طارق، ناديت على مصطفي، لحظات دخل وخرج وثم عاد إلى أغنياته، وهو يذرف الدموع، تركته على حاله يباصر أوجاعه، وعندما حانت وجبة العشاء، دلفت إلى خزانة ملابسه، وفشلت في العثور عل المال، ومسبقا أعلم حجم المبلغ المودع، ضخما لدرجة لا تقارن (800 جنيه سوداني)، عدت إدراجي إلى مصطفي أساله أين خبأ المال، وأن كانت تلك ليست من شمايله، الجمتني الدهشة حينما قال: (إن المال ناله صاحبه المحتاج)، تلك المرأة التي وقفت جوار الباب تسأل الله أن يعينها في محنتها، رغم حاجته الماسة للمبلغ، ومع أنه يدري ليس هنالك مال غير ذلك، ولا أحد سيأتي بعد ذلك ينقذنا من هذا الموقف).
غفر الله لك يا مصطفى، ومتعك الله بالصحة والعافية يا استاذي عركي ..
n.albahdair@yahoo.com

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الخميس 03 يونيو 2010, 11:52 pm

مفازات
يا مولاى كيف يجهلوك؟
ناصر البهدير
بالطبع لا أقصد أبكار من خدعنا وإنخضع له الشعب، تلك قصة طويلة ستملأ سطور التاريخ ذات يوم، يوم يضطر فيها بعض قوم أن يتدثروا بلحاء شجر الغرقد من وطأة الهول، ذلك شأن يخصنا وإن غضينا عنه البصر، ودفنّا رؤوسنا وعورة من نكره.
آه من غلبك يا مولاى ويا وطني!. حين ركلتك  الأيام في وظيفة باشكاتب في أحدى دواوين الدولة بناحية الدامر في أخر أيامك، ومنها إرتحلت إلى دار الخلود، مخلدا أضخم الدفاتر الشعرية التي كتبتها أوان تجوالك كمترجم للغة المستعمر، وحينا صائد في عتامير (الاتبراوي)، أرنبا وتمساحا وغزالة، وكثيرا مواطن بسيط بدامر المجذوب.
ما يمكن قوله عن شاعرنا الاديب والمترجم عكير الدامر؛ إنه مثقف وحضري في علمه الى حد بعيد، ترافقه بداوة باينة للعيان تتمثل في جلوسه الدائم على الأرض مثل عشيرته بالعشير وبادية البجا. شغفه حب للبادية، جاب أوديتها وديار أعالى نهر عطبرة، وديار المجاذيب - أشعل جذوة نارها، ونار أوقدها إبن ضريحها الشاعر محمد المهدي المجذوب - وهو على صهوة زاملته؛ يمتطي حمار .. رجليه فويق الأرض ليس بإعزل، يجوب به تلك الأصقاع والبلاد كحال معظم الناس بالشمال، متنقلا بين الفرقان وسوق المدينة بشخصيته المحببة، مربوع القامة يمشي، فصيح اللسان، كث الشوارب، وهذا ما يميزه من بعيد، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، وعينه وقلبه على الشعر.
يناديه الناس باسم عكير الدامر لأنه ذاكرة المدينة، وجزء لا يتجزأ منها، رُغم إن اسمه الحقيقي هو علي ابراهيم محمد ادريس (اوكير)، والاخير بجاوي حُرّف إلى عكير لأن والده من البجا، وأمه من الجعليين بالدامر. ومثل تمازج الاسم (عكير الدامر).  
وعكير إحدى ثمار زيجة وحدت بين قبيلتين مثل كثير من الزيجات المتداخلة؛ الهدندوة والجعليين مما مكنه من إجادة البجاوية مع اللغة العربية، إضافة إلى إجادته للغة الإنجليزية. وهنا له قصة تروى عنه، وتقول الحكاية: (كان يجلس يوماً في سوق الدامر في أحدى حوانيتها الحديثة (بوتيك) لأحد أقربائه الشباب، فدخلن مجموعة من الفتيات وسخرن من الشاعر وصديقه البجاوي، وكانت لغة الحوار بينهم الإنجليزية، ولم يعرفن أن الشاعر عكير يفهمها، فعندما انتهى حديثهن رد عليهن بالإنجليزية، ووبخهن بأن العلم إذا أتخذ للسخرية من الناس لا فائدة منه، وهنا لم يفهم صديقه البجاوي شيئاً، فالتفت إليه ووضح له كل ما دار، لكن باللغة اللبجاوية، أما الفتيات لم يفهمن شيئاً).
وأشتهر عكير بشعر الحكم، المدح، وصف الطبيعة، والسياسة، والغزل، وما عرف عن عكير أنه قدم أغنيات خالدة إلتصقت بالوجدان السوداني. ولقد تغنى بشعره الكثيرون منهم؛ اولاد الموردة، (ميرغني المأمون وأحمد حسن جمعة)، وأيضا المرحوم خضر بشير في رائعته: (كيف يجهلوك .. لو أنصفوك ما بيجهلوك!)، الجيلي الشيخ في (يا مولاى آه من غلبك!).
ولقد تميز عكير بمواقفه السياسية ومنافحته للإستعمار، ويحفظ له إنتمائه لطائفة الأنصار، وقد نظم رباعياته السياسية عن وعى كبير، وهذه رباعية أظهر فيها موقف حزب الامة من قضية الاتحاد مع مصر ..
ما بنقبل حكم ناس في بلاد الغربة
وتحت التاج نقع جمل انكسر في هربة
بدل الذل وعيشة العار وحالة الكربة
أولى الآخرة "ميت ما بخاف التربة"
ولم يكن عكير معزولا عن الشان الخارجي، وموليا اهتمامه فقط لما يدور في حدود وطنه. فكانت القضية الفلسطينية شغله الشاغل، وبان تضامنه في قصيدة باسم (فلسطين)، صور فيها واحدة من الحروب العربية مع اسرائيل:
شعلوها اليهود سالت سبب تحريكه
اصلها نابعه من بير الفساده امريكا
بريطانيا الدنيه البدري نازله شريكه
فرحت لي الحرب عجب الزمان يدريك
ومن أجمل وأصدق ما نظمه عكير في أُخريات أيامه، وصف حاله ودنو أجله بعد المرض الذي ألم به، ومنها فارق دنيانا بعد رحلة طويلة سطر فيها أروع الشعر.
ما بتخدر البسقوها بعد النشفة
وبعد الروح تروح طعن الابار ما بيشفي
يارمز الوفا النادر عريس الكشفة
في المعدودة مابنفع دوا المستشفى
n.albahdair@yahoo.com

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 05 يونيو 2010, 2:17 pm

مفازات
الكلام (البو) في حضرة بلية(1-5)
ناصر البهدير
عندما يموت صغير البقرة، فإن الراعي يقوم بسلخه، وحشوه بالقش والحشائش حتى يستطيع أن يحلب البقرة وينال منها اللبن دون مصادمات ومكر. (أي مكر أكثر من ذلك يا صديقي)، المهم هذا الأبن .. القش يسمى "بواً" ونسمع كثيرا عن الراجل "البو".
ويستخدم (البو) لإستثارة الحنان وإدرار اللبن مع تزويد العواطف، فبعد حشوه يقرب من أمه تمهيداً لأن تدر اللبن، يأخذ الأمر فترة من الزمن بالنسبة للناقة بين التصديق والريبة، ولكن تقلبها المشاعر فتمتلئ الأثداء. الغزالة وحدها تصمد في الساحة، فلا تدر اللبن، بل الدم هو الذي ينفجر من بين الحلمات العنيدة.
قطعاً لن يلوثنا روث البهائم ودهاء الرعاة، ولكن دخولنا سيكون على حافة جبل (الدش) كما أطلق عليه أهل عروس الجبال (الدلنج) مؤخرا في تسعينات القرن الماضي هذا الاسم، بكثير إعتزاز وثقة، والمكان هو معرض الفنان التشكيلي عبد الرحمن بلية، وبلية لمن لا يعرفه صمد حتى غادر البلاد في رحلة وجع قاهرة، سلبته أعز ما يملك؛ وطن ما زال يعشقه، وينسج له من نبات القرع البلدي، أجمل وأنضر المناظر والصور.
هذا الرجل، بإزميله وشخصه كله يحقق النموذج الكامل لما يمكن أن ندعوه المثقف الشامل، ثقافة متناهية تمازجها نظافة يد وكرم، وذلك مزاج الرجل، مزاج نادر الوجود، يوقع في القلب ذلك الاحترام المزدوج الذي نشعر به نحو الرجل الفقير جدا، ونحو الرجل الفاضل جدا. كما قال (جان فالجان) عن مسيو مادلين في رواية البؤساء لفيكتور هيجو.
بلية أتخذ من منزله أسفل الجبل بحى قعر الحجر بالدلنج، معرضا دائما، مفتوح الأبواب بلا من ولا أذى، يستقبلك هاشا وباشا، حتى عندما أضحى بلا (مريم)، ولا زالت هى حزنه النبيل أينما إتجه، في حضرة الاستاذة (مريم) كان يتجلى بالجمال والأدب وما زال، مهما تقطعت به السبل.
ولـ(مريم) قصة وضيئة، خرجت للحياة معلمة من ضمن نساء الجبال، قضت جل عمرها في حث البنات على التعليم بعزيمة وسؤدد، رحلت أوان الطلق، ومضت في أعظم سفر، مانحة (بلية) طفلا (قدر الدنيا)، وبدوره أكمل المهمة بحياد وإنتماء انساني رائع في تفاصيله، ووهبه اسم محمد تيمنا برسول الهدى (ص).
ولأن الرجل بحق كان يمثل حالة الـ(بو)، دعونا ان نقول بكل صدق (الكلام البو)، وعطفا على ما قيل في المقدمة، ذات يوم من تلك الأيام المغسولة بمطر الجبال، وفي مساء شفيف، على هامش معرض إنتظم المدينة بالمدرسة المتوسطة الاميرية حضر رجل مهندم وقصير يميل إلى البدانة، وما زلت أتذكره بتلك الصفة، رغم أنه يحمل بطاقة وزير ثقافة بولاية كردفان، يرتدي ربطة عنق، تتدلى على بطنه المنتفخة كأوداجه، دخل في حوار مع (بلية)، إنحصر جله في محاولة بائسة ويائسة منه لنقل معرضه إلى الخارج، وأستبسل الرجل مستعرضا عضلاته اللغوية بكلمات تشتم منها رائحة خبث المؤامرة (تعرف معرضك دا يا استاذ عبد الرحمن ح اوديه ليك السويد اعرضو هناك، نحن طبعا شغالين شغل كتير على مستوى الثقافة، وقريب دا ان شاء الله ح نبني فندق خمسة نجوم بالدلنج على خور ابو حبل قريب من الغابة).

وقتها أصابت (بلية) حالة من هستيريا الصمت والاشفاق والقلق، وبوضوحه ذلك الذي نعرفه به، لم يتلكأ بعدها بثوان في تلقينه درساً قاسياً بصوت خافض، قائلا: (دا كلام سياسة وسياسين بنسمع فيهو من زمن عبود ونميري، لا بودي ولا بجيب، الدلنج دايرة كهربا وموية) ولم يزد.
بعدها بأيام تحول مسرح المدينة الملاصق للمدرسة الاميرية المتوسطة، إلى سوق المحاصيل في أبشع مجزرة تشهدها الدلنج قبل إجتزاز تبلدية الشاعر جعفر محمد عثمان خليل بعدها بفترة ليست بالقصيرة. هذا المسرح وما حدث له ورد من ضمن أحداث رواية (الطريق الى المدن المستحيلة) للكاتب والشاعر طبيب الاسنان ابكر ادم اسماعيل.
وللكاتب ابكر ادم قصة مع بلية سيلي ذكرها حين أوانها.
مفازة!
تسلم يا ابو محمد في دوحة العرب
ونواصل،،،
n.albahdair@yahoo.com


عدل سابقا من قبل ناصر البهدير في الأحد 13 يونيو 2010, 2:45 pm عدل 2 مرات

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 05 يونيو 2010, 2:23 pm

مفازات
الكلام (البو) في حضرة بِلّيّة (2-5)
ناصر البهدير
أي حديث عن الفنان التشكيلي عبد الرحمن حامد جمعة المشهور بـ(عبد الرحمن بِلّيّة) بمعزل عن زوجته المعلمة مريم، هو قول يشوبه النقصان بالدلنج، حاضرة الجبال وعروسها الجميلة، وإذا تجاوزت ذلك، سيتهمك الناس بالجنون والهراء. فالمدينة تكتمل أفراحها بالأثنين معا؛ النحات بِلّيّة في حقول القرع والجذور والخشب ورحاب الأنسانية، والمعلمة مريم بين جداول الحصص؛ تربية وتعليم وثقافة وهمة ونشاط، ومن يجاريها في ذلك؟.
ومن نافلة القول أن نحكي عن مشاوير الدلنج، وأكثر عن مثقفيها وناسها وفرقانها؛ قعر الحجر، أقوز شرق، أقوز غرب، العصارات، الملكية، حى المطار، ام روابة، الرديف، التومات، وغيرها من أحياء المدينة.
شاء حظي في أول زيارة لعروس الجبال أغسطس خريف 1992م، والعروس في أبهى حلتها، والأرض تكتسي بالخضرة والنضار حتى أسطح المنازل، أن ألتقي الفنان بِلّيّة والمعلمة مريم كما العصافير؛ أروع زوجين، وأن نصعد إلى جبل قعر الحجر المسطح (جبل الدش) سويا برفقة ثلة ممن تفرقت بهم الأيام ودوارات الأنقاذ العنيفة.
يمتاز الجبل بسهل حجري مسطح يبدأ من بيت بِلّيّة أي تحديدا من مرسمه الطبيعي الذي يوجد به مقعد كبير من جزع شجرة في تناسق طبيعي وفرته الطبيعة وآخر أكملته أنامله البديعة، وينتهي في أعلى قمته بطبق فضائي دخل المدينة ليدعم سلطة البيت الحكومي. ويمثل بيت بِلّيّة بين قعر الحجر وأحياء الدلنج حالة تماثل وجسر محبة، ومن تلك النقطة يمكنك أن تصعد الجبل او أن تمضي مروراً إلى الحى، وأنت مؤتمن في بيت (بِلّيّة ومريم).
ولعل مريم في تلك الفترة تقترب من أوان المخاض، رغم ذلك مضت معنا لترينا عروس الجبال في مشهدها الثنائي الذي تولد من عمق الكراكير وابو حبل، حيث أصطفت في مزاج المدينة وأتصفت به؛ بِلّيّة ومريم، مريم و بِلّيّة.
ومن المناسب أن نذكر ساعة الرحيل المؤلمة، لحظة صعدت روح مريم إلى باريها، مما أدخلت رفيق دربها في أزمة نفسية إضافة إلى وجودية سابقة تجددت مرة أخرى. وخرجت المدينة عن بكرة أبيها، وبكت الفقيدة، فكان نواح من نوع آخر، لم تشهده البلاد من قبل.
وشاء حظي العاثر أن أزور المدينة مجددا عهدي بها بصفة شبه دائمة هذه المرة في غياب مريم التي رحلت في بواكير شتاء 1992م، وفي ظروف بالغة التعقيد ومختلفة عن يوم قصدتها زائر، ثم أمضي إلى ذات البيت عن قصد وبوعي كامل، وأرى بصورة مرهقة ومفجعة مريم تعانق حطام القرى والحرائق ونزيف الدم المتناثر هنا وهنالك، ولقد تمكن (بِلّيّة) من فضح سماسرة الحرب والموت في تلك اللوحة والتي مزج فيها بين ريش اليمام وقطع الذخيرة، وأشياء البيوت البسيطة، ومخلفات الحرب المادية، وكل ما صنعته حرب الايدولوجيا والهوية وما أفرزته من خيبات متتالية وثراء فاحش؛ (الحرب بقرة حلب)، كأجمل ما يكون الكولاج الطبيعي.
لم يتوان الفنان في تجسيدها في أروع اللوحات التي أسكنها فناء غرفة نومها، ووسطها صورتها البهية، أبان إنشغالها بقضية تعليم بنات الجبال. وسكب عليها عصارة فنه، وكلما إستقبلتها ترى وجه مريم يوجه إليك أسئلة الحياة، وثقافة المشافهة، وكأنها تقول: متى يحين السلام، وتنعم الجبال بالتعليم والعافية؟، ومن جانب آخر أوصيكم بـ(محمد بِلّيّة).
وتقديراً لمريم، تحول بيت حى (قعر الحجر) إلى معرض ومسرح وساحة للسجال الفكري تكاملت فيه الأشياء، وبل أختار بِلّيّة بيتاً أخر بحى الملكية ليقيم فيه متحفاً رائعاً لأعماله الباذخة المحيا، ومنه يلتقى (محمد) بعيدا عن معرض مريم رفيقة دربه الراحلة، مجددا مساء كل يوم من مساءات خور ابو حبل الدافئة رؤيته. ولقد تربى محمد في حضن خالته، كعادتنا حال فقد الأم. وبين المعرضين، كان يقضي بِلّيّة سحابة يومه هائما في فنه، رغم براغيث الظلام وعسس المدينة، فقط لأنه كان يمنح المدينة فرصة طيبة ونادرة في ذات الوقت لرؤية فظائع الحرب عبر ريشته التي لم تخنه مع اؤلئك الذين يحكموننا والذين يسعون إلى حكمنا؛ أثرياء الغفلة والكوارث والحرب.
ونواصل،،،
n.albahdair@yahoo.com

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 07 يونيو 2010, 8:08 pm

مفازات
الكلام (البو) في حضرة بِلّيّة (3-5)
ناصر البهدير
بقدر ما حظيت منطقة جبال النوبة بخور أبو حبل كثروة طبيعة مهملة، وجمال آخاذ، نثر على المكان بصماته بفرعيه العابرين والملتقيان داخل حدود الدلنج، بذات القدر رسمت الأقدار لها أن تصادق على ميلاد فنان تشكيلي مخضرم من جيل العصاميين، نسج على خيوط تلاقيه في أغرب حالة تصالح مع الذات والمجتمع مما حدا بتحالف والتفاف شباب لم يأخذ الانعطاف السياسي مدخلاً بل نحا اتجاهاً مغايراً، واستطاع في صيرورة حركته وتماساته أن يجعل من الفنان عبد الرحمن بِلّيّة محور مركزيته وانطلاقه نحو تأسيس أول رابطة أصدقاء لفنان يتخذ من اللون والنحت منهجاً مناهضاً ومستقلاً عن أي جماعات وتنظيمات مهما علا شأنها وتعاظم.
وكان تأسيس هذه الرابطة في ذات الوقت محل حفاوة ومثار استغراب عند البعض، خاصة أنها مزجت في عضويتها بين أبناء الدلنج المثقفين باختلاف مواقفهم السياسية وبعض طلاب جامعة المدينة، فالرابطة أضحت حدثاً فريداً لم يماثله في النضج إلا تلك الرابطة التي تأسست في أعقاب رحيل الفنان مصطفى سيد أحمد.
عمل بهذا الجهد كان علامة فارقة في تاريخ المدينة والبلاد عموماً، إذ ينهض على عزائم رفع الوعي ودفعه إلى الأمام بعيداً عن تفخيخ وتفسيخ البنية الاجتماعية، وأحقية من يمثلها ويدافع عنها في وسط اللطمة التي منيت بها البلاد.
وقد تزامن تأسيس الرابطة مع بدايات الإنقاذ في استلاب وعي الناس، لذا فمن الطبيعي أن تشهد تنازعات وإغواءً للإيقاع بها في يم السقوط، ومحاولات احتواء متكررة وغير محدودة مارستها منظمة شباب الوطن والسلطات المحلية في عرضها الفج على عبد الرحمن بِلّيّة في أن يتولى منصب رئيس المنظمة من جهة خدمة المدينة، ولم تكن السلطة بالوعي الكافي في أن عطاء بِلّيّة أكبر من أن تحتويه وتؤطره مؤسسات رسمية تسعى إلى أن تقتات من ثمار الجبال الأهلية الطازجة، وفي ذات الوقت تمد يدها إلى فتات أهل السلطة المعطوب، وبقايا سموم موائدها.
ضمن هذه المجموعة برز نجم رجل صامت، كل قرائن الأحوال تشير إلى أن له صلة انتماء ما بمؤسسات المدينة الرسمية، شخص واسع الإنصات وذو مهارات نادرة ومشجعة على الاستقطاب، وتدجين خلق الله. وكلما هممت بدخول خباء بِلّيّة، وجدته عارضاً بضاعته في سمت ووقار بليغ، حتى خلته من طائفة الذين ينقلون الكلام ويحرفونه إلى غير مقصده، كبضاعة رائجة في خانة المدينة وكنيفها (أبو جردل).
كان من الطبيعي أن ألتقيه، طالما سمحت لنا دروب المدينة بتلك الفرصة الثمينة والقمينة بالاحتفاء في حضرة من نحب ونقيم، عسى ولعل أن نستثمرها بما يليق بظاهر البلدة وباطنها ضمن حراكها المحاصر بأعقاب البنادق وجوقة (الجستابو)، وفرق الصهيل النشاز؛ كصراع ديوك في نواحٍ (جبيت) او سباق حمير شغل الناس ذات يوم.
رجل بحجم صالح زكريا يفتخر به الناس، ويجتمعون عليه هنا بالمدينة، من موقعه وظف مصارف الزكاة لمن يستحقها، يعرف كل تفاصيل فقرائها، ومساكينها، والعاملين عليها، والمكاتبين والأرقاء، والمجاهدين فى سبيل الله، وأبناء السبيل، والغارمين، والمؤلفة قلوبهم، والعاملين عليها.
ربما يختلط على البعض في تلك الفترة الملتبسة والخائضة في الدم إلى حد الركب والأنوف، موقف صالح بحكم وظيفته أو ربما (يده اللاحقة) في ديوان الزكاة بمحافظة الدلنج. على كل صالح من غمار الناس، أراد أن يقدم لبلدته عبر يده المال من هنا، ومن هنالك زهرة مقطوفة من بساتين بِلّيّة على قدر حاله.
فالمهم في الأمر، ارتبط صالح بمؤسسة بِلّيّة، وبذل لها العطاء لوجه الله وللجبال وأخيراً للفنان نفسه، تجاوز انتماؤه كل حدود تقديم الجميل ورده. تجده أول من يدخل وآخر من يغادر، لصيقاً بهواء الدار وأريجها. رغم تحفظي تجاه صالح إلا أنه اقتحمنا بأدبه الجم وتواضعه وخلقه الرفيع.
في دار جاليري قعر الحجر، اتسمت ليالي المدينة بعروض فنون الجبال، وجلسات نقاش هادئة، ودفقات شعر ملتهبة ودافئة يقدمها طبيب الأسنان أبكر آدم اسماعيل من حين لآخر تتزامن مع حضوره المدينة.. ونواصل غداً عنه..
n.albahdair@yahoo.com

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الثلاثاء 08 يونيو 2010, 8:02 pm

مفازات
الكلام (البو) في حضرة بِلّيّة(4-5)
ناصر البهدير
مدخلنا لتلك البلاد الطيبة ارتبط بجامعة كردفان بالابيض التي كانت من الاهمية بمكان، بحيث لا يجوز إغفال ذكراها. فجاءة تحول دفتر قبولنا قسرا وقهرا منها لنعيد لخرابات معهد التربية العريق الحياة من جديد، ولكى تنهض جامعة باسم الدلنج. وهذه واحدة من مخرجات الاسلام الحركي لغاية في نفس يعقوب.
لكن رب ضارة نافعة، في أن تكتب لنا الايام لقاء مع بِلّيّة الذي يعتقد البعض بأن ما جمعه مع الأديب والمفكر والشاعر أبكر آدم اسماعيل هو الهم العام وضروب الثقافة فقط، صحيح ذلك إلى حد كبير قاسم مشترك بينهما، إلا أن وشائج الجغرافية جمعت بينهما من جهة إنتماءهما لمنطقة الفرشاية التي تقع شمال غرب الدلنج.
ذات نهار من نهارات جامعة الدلنج الفائرة والمسخنة بالجراح؛ والتي شاء حظنا العاثر أن نكون أوائل ضحاياها. في هذا النهار الموشك على الإنتصاف بينما كنت أسرح في نهاراتي التعيسة والمثقلة بالفتور والكآبة، فجاءة أمطرت سماء المدينة صديقي العزيز أبكر آدم اسماعيل من حيث لا أحتسب، بين مصدق ومكذب حرارة الموقف.
بجلالة قدره أبكر ادم بيننا في مدينته، بين دروب مشاغبته الأولى. أجتررنا بعض الذكريات وصوت الوتر السادس، وسرعان ما أتفقنا على زيارة بِلّيّة من دون أي تواطؤ بيننا، وأمتطينا بساط الريح نجوب المدينة، لا هنا ولا هناك عثرنا عليه او على أثر له، طفقنا نبحث عنه في البيت الذي يلتقي فيه محمد، ربما نجد محمد في حضنه يشرح له تفاصيل لوحاته. قيل لنا إنه معتكف بالمسجد الذي يقع شرق السوق، لم تكن المسافة بعيدة عن البيت، مسافة أن تدرك سجود السهو، وشهقة الصدفة التي منحتني رؤية أول إمراة تعبر نافذة قلب أبكر آدم الشاعر، ونحن جلوسا في حضرة القانوني أزرق.
خرجنا من المسجد بخفى حنين، عندها حار بنا الدليل، ووقتها لم تكن ثورة الاتصالات بهذا الإتساع، فقط ماكينزم ثورة تصدير الثورة هو الذي يسود. التقينا رجل بقرب المسجد، هو الذي دلنا على مكان بِلّيّة، والذي لم يكن يبعد عن المسجد كثيرا، ثواني بحساب الزمن وكنا عند حضرته، لم نحتاج إلى أن نسرع الخطى مع أن الوقت يشير إلى قرب أذآن المغرب، وباب المستشفى لا يغلق البتة، لا يمنع أحد من الدخول والخروج، وهذه سماحة المدينة وعراقة أخلاقها وقيمها.
سبق لى في عنبر عبارة عن صالة كحال البيوت التي شيدت في زمن الإنجليز، أن أقضي فيه بضعة أيام برفقة الاديب الراحل نزار جلاب أحد مثقفي المدينة الشباب، الذي رحل مبكرا جرآ وعكة صحية المت به وشخصي في يوم واحد. أصبنا بداء الملاريا اللعينة، مرض الفقراء والمعدمين والهامش.
الحكمة تفرض على الأطباء في مطلع التسعينات التعامل مع المرض عن طريق واحد في المناطق الموبؤة بأنثى الأنوفليس، مهما يقتضي العمل ونباهة الطب. الحكمة تقول أن يمنح المريض عقار (الكينا) عبر المحاليل الوردية، والتي في الغالب كانت تسبب للناس عاهات مستديمة ومختلفة حسب مقاومة كل مريض. لأ أحد ينكر إن نزار يحسب ضمن ضحايا (أمبولة الكينين)، حيث لم يتحمل جسده الضامر مفعول العقار، ولقد أثر عليه وأفقده الحركة لفترة ثم عاود نشاطه، ولكن كانت المنية أقرب إليه من حبل الوريد.
هكذا تسير الأمور في بلدي، بين غفلة وأخرى تفقد الدلنج خيرة شبابها وأعمدتها الصلبة. في ذات المكان وأحسب أيضا في نفس السرير الذي إحتله المرحوم نزار سابقا بمستشفى الدلنج، إستقبلنا بِلّيّة بصدر رحب وإعياء بالغ وجسد ناحل، لم يقو على النهوض لمصافحتنا او أن يتفوه بشيء، ولو بصوت خفيض، كما أعتاد مع مريديه، رغم ذلك ثابت في رباطة جأش متحملا أزمته التي لازمته مرة أخرى، دون أن تلين عزيمته أو تنهار قواه. وأصبح طريدا بين شقاوة فقد مريم، وخلوة وجلوة عزلته في مسجد المدينة، ومصاعب تربية أبنه محمد، وأذناب السلطان التي تطارده؛ حمرة عين وحقارة.
وغدا نختم بحديث بِلّيّة وأبكر ..
n.albahdair@yahoo.com

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 09 يونيو 2010, 4:42 pm

مفازات
الكلام (البو) في حضرة بِلّيّة(5-5)
ناصر البهدير
دار حديث طويل بين حملة مشاعل النور بكراكير الجبال التي عتمتها زخات الرصاص، حديث إمتدأ لزمن طويل حتى هدأت حركة الخفافيش وأستراح الناس في بيوتهم من كد يوم مرهق، ومعاناة متصلة تبدأ من الصباح إلى الليل، هذا حال المدينة وهى تستقبل الليل فاترة وبائسة منذ أن وطئت أرضها الهوام والعسكر والتمرد وتصاديق الغناء الليلي المنتهية الصلاحية وقت غياب الشمس وضياع القمر بحثاً عن صبايا الجبال المدهونات بعرق الحياة والغناء والدخن والسمسم والفول السوداني والكركدى الاحمر والابيض والكُرناكة واُم كِركِر والجوغانة والتبلدي والقشطة والمانجو والحليب والسمن ولحم الصيد والكدروك وماعز الجبال والحريق الذي في الصدور.
بوسعي القول إن الحديث الذي قاله بِلّيّة كان واقعياً ومريرا كالعلقم في حلق صديقه ود آدم، وعميقا وهادئا كهدوء الدلنج بعد ساعات النهار، المدينة التي تحتكم الى التوقيت الثنائي؛ ساعة لليل وساعة للنهار.
أجمل بِلّيّة قوله في ضرورة عودة ابناء الجبال تلبية لنداء البلد التي تستنشق البارود وتسنثر الموت في تراجيديا مفزعة ومهلكة. انبرى له أبكر آدم بصوته الشعري، حيث لم يزد في الامر قيد أنملة عن عود ثقاب الحقيقة، كل القصة لخصها في ان الامن بالبلد ينعدم لدرجة انه لا بيستطيع ان يصون نفسه عن الوصول الى حنجرته، وان البلد ايضا تطفح بالارزقية ومافيا الوصولية، فالخرطوم احسن حالا على الاقل لن يضل اخوان الانسانية طريق الوصول الى مكاتب الامم المتحدة وتبليغهم بالمفقود في شوارع العاصمة في ساعة نحس فارقة، فقط لحظتها كان ابكر يعي ما يقول على حد قوله: تجربة ومشاهدة، بادره بِلّيّة بصمت طويل وكأنه عتاب، وأن كان في الأمر شيئا آخر لم يود أن يقوله بِلّيّة وهو غائب في حضرة تجلياته وتهويماته الصوفية ليس اخباتا وادلاجا.
تلك الحالة التي وجدنا عليها بِلّيّة، لم تكن وليدة اللحظة انما استغرقت زمنا طويلا، اضحت تلازمه أحيانا وتنتابه كثيرا لفترات متقطعة بُعيد رحيل زوجته الاستاذة مريم، حالة يمكن وصفها بالاستغراق والوجد والصبابة والتعبد، بين الذات والوجود في أطول رحلة سار فيها بوجدانه وعقله وقلبه في امتزاج روحي باتع، دخل الجسد من باب الروح. مضي في تلك العزلة وأفضت به أخيرا إلى فناء المسجد، ذلك المسجد الذي يقع شرق السوق، نفسه الذي كنا نبحث فيه عنه حينما ضاقت بنا الدنيا في ملابسات إختفائه، حتى لقد كال سوء ظننا توهما آخرين كما أعتادوا دوما معه في أن ينغصوا عليه حياته. خاب ظننا الموتور والمغبون لحظة علمنا بأنه طريح الفراش بمستشفى المدينة نتيجة صوم طويل عن الطعام حين عافه معتكفا وإيمانا ونفورا أقعده بالمسجد متبتلا في محرابه صباحا ومساءا في أعظم روحانياته إلى الحد الذي أعاده إلى الحياة عبر المحاليل الوردية بعد الحاح متصل من أصدقاء الرابطة وفرسانها الأماجد.
ظاهر الحال فسحة للروح والبدن قضاها بِلّيّة بين جدران أماكن لا تشبه لوحاته الأنيقة، مضطرا غير باغ في أن تتحاوشه الأماني والخيبات والظروف اللعينة وتفضي به إلى هذه الدنيوات والمزالق. لم يكن هنالك خيارا إلا الصبر وأديمه، ولا راية تعلو فوق راية الوطن المبتلى بموزعو الصكوك ومنتجو فاقد السند وصانعو موسيقى الجيش يوم اختلطت على طوابير العسكر ذات صباح وهم في جلالتهم المنمقة باناشيد المدارس الحربية، كان يقولون لنفر البوليس: (الجيش ما شغل تحشيش هويا يا بوليس.. الجيش ما شغل بوليس).
صفوة القول أن الدلنج كم كانت أكثر من محظوظة عندما منحتها الحياة مثقفا بحجم ونضارة وصلابة رجل عصاميا سود نفسه، ونحت الصخر الجبلي كاجمل ما يكون؛ فن ودين وعلم.
وخسارة لهذه البلدة، يوم اضطرتها طينة العسكر أن تساهم في نزوح فنانها وإنسانها الأوحد نحو مدن لا تعرفه وتشتهيه وتلفظه في اليوم الف مرة بين جملة من التناقضات المريبة، وتعطيه العيش على استحياء وتكبر وقنوط.
هل من عودة يا (بِلّيّة) لتعطر سماوات بلادي وجبال النوبة، والدلنج والفرشاية، و(لابدة) بلدة أبكر آدم؟.
n.albahdair@yahoo.com


عدل سابقا من قبل ناصر البهدير في الأحد 13 يونيو 2010, 2:59 pm عدل 1 مرات

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الخميس 10 يونيو 2010, 5:57 pm

مفازات
أرخبيل المحسوبية والتجاوز
ناصر البهدير
القصة أكثر من عادية، وتحدث في كثير من بلاد الدنيا، حين تقع كارثة التجاوز والمحسوبية، المعنيون بالامور لا ينفون ولا يتجهمون، فقط القرار يصدر باقالة ومحاسبة فلان بن فلان، وليس مهما؛ ثرياً او فقيراً، حتى تبتر يده وتسحقه القوانين الرادعة، لأن لا أحد فوق القانون بمعنى الكلمة، ولا شيء يعلو الدساتير واللوائح والأسس والقيم. كثيرة هذه النماذج المخلصة في نشر الفضيلة وسماحة الدنيا وسيادة العدالة وتطبيقها بلا مواربة وتصفيف وتنميص. سويسرا، السويد، استراليا، البحرين، امريكيا، بريطانيا، قائمة طويلة من الدول ذات السجل الشفاف والتي تحترم البشر وتحاسبهم عبر القوانين عندما ينشزون، ويتلاعبون بقوانين بلادهم.
دولة الكيان الصهيوني التي نكن لها كره عميق، ولم يزل، مهما إستقامت وتطهرت من نجاستها، وتخلت عن بربريتها، قد مثلت موقفا يندُر في بلادنا، ويصعب أن تنتهجه. الاربعاء (9 يونيو 2010) صفعت  الرقابة الحكومية خد عشيقة مسؤول في جهاز الامن الداخلي الاسرائيلي، ومن ثم ركلت مؤخرة ذات المسؤول والذي كان يشغل الرجل الثالث في الجهاز المعروف بـ(شين بت) إلى الإيقاف عن العمل وإحالته للمحاسبة، لم تشفع له وظيفته المرموقة وسلطته المسنودة بالهروات والبارود والتجسس أن تبقيه لحظة في كامل وعيه لكى يعيد البصر كرتين من هول الفاجعة.
وقالت وسائل الاعلام الاسرائيلية إن هذا المسؤول الذي عرفته بحرف "الف" فقط كان يعتبر حتى فترة قريبة الرجل الثالث في الشين بت. وقد تولى إدارة القسم المكلف بمراقبة الشريحة "غير العربية" من سكان إسرائيل. والمدعو "الف" متهم بالمساهمة في ترقية عشيقته التي تعمل عميلة للشين بت ومحاولة إيذاء زوجها الذي تقوم باجراءات للإنفصال عنه والذي يعمل أيضا في جهاز الإستخبارات نفسه.
أي وطنية أكبر من تلك، فالاوطان تعلو ولا يعلو عليها. ولهذا إستمد الكيان بطشه وقوته من منهاج تربية صارمة وقوانين رادعة لا تسمح لأحد بالتغول عليها وإنتهاكها، مهما يكن الأمر، وكانت رتبة هذا الشخص.
ودخولنا هنا ليس من باب المقارنة، والإصطفاف لجلب السخط وإبداء عين المساوي وعورات الوطن المشينة، هى محاولة للإقتداء والإهتداء بأعمال حكومات رشيدة تجاه أمنها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي من التخريب والامراض التي تدهور الشعب والدولة الى جب الهاوية السحيقة، وأن إختلفنا مع سيئة وسالفة الذكر عقائديا وسياسيا؛ (دنيا وآخرة).
من المهم أن نلقي نظرة فاحصة وبقلب بصير داخل بواطن مؤسساتنا، وأن كان الأمر لا يستدعي ذلك، هذه النظرة ستنقلنا إلى واقع لا يشذ عن ما يدور خارجها. وكم من مسؤول أغدق على حاشيته و(نسابته)، بالمناصب والرتب والمزايا والمخصصات، دعك من عائلته وأفخاذ عشيرته.
هب أنك لم تسمع بالتجاوزات والطرق الملتوية في مؤسساتنا!!، دع حديثنا جانبا، وأدخل ما يروق لك من مؤسسات وكما تشاء، حتما سترى العجب العجاب، أسرة علان، وقبيلة فلان، وحزب فلتكان تحتل مساحة واسعة، تمرح وتسرح بلا رقيب ولا حسيب. وهذه السلوكيات أصبحت بمنزلة اللزوميات وجزء من القيم السالبة التي تفشت ببين جنبات مجتمعنا، وتحولت إلى عقائد هدامة.
وأديبنا الراحل الروائي القامة الطيب صالح أصاب يوم قال: "لا يجد السوداني حرجاً في أن يخلع ردائه ويتبول في وسط الشارع واقفا، والأعجب من ذلك أنه يرد التحية على المارة لأن في ذلك أجرُ وثوابُ".
قاصفة أن يتربص البعض بالقيم الاجتماعية ويحيلها إلى سلع إستهلاكية فاسدة، وسلماً للصعود إلى القصور، كحيل الفقهاء في فتح المنافذ للإستثناء والتخلص من الحرج. دون شك، مجتمع بلا قيم وأخلاق ومن غير بصيرة، يكاد لا يقل شقاء عن وطن من غير عدالة.
إن منهج التغيير الاجتماعي ليس بياناً عسكرياً منعوت برقم، يعرض ببساطة أفكاره ومنشطاته ويترك للتاريخ تقرير مسألة قيمتها، ويهرب إلى حوانيت السلطة، حتى لا نقف ونقول: من يهز الشجرة ومن يجني الثمار؟.
بالطبع إن نشوء المجتمع هو عملية تاريخية طبيعية وحتمية، لا مكان فيها لوجود الخرافات والصدفة وتخدير الناس بالهتافات لأن الأوهام غير مفيدة لعلاج أورام الوطن.
n.albahdair@yahoo.com

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 11 يونيو 2010, 7:30 pm

مفازات  
الخليفة جاكم !
ناصر البهدير
معروف عن السياسي الصادق المهدي رجل حزب الأمة الأوحد ونجم زمانه وريحانة مجالس السياسة منذ ستينات القرن الماضي، وصاحب الباع الطويل في صناعة التصريحات فيما يختص بكل شأن بلادنا، وكأنه يستمتع بممارسة سلطته على الورق كل صباح، رجل بهذه القدرات يقلّ نظيره في خدمة قضايا الفكر والسياسة حتى القضايا الاجتماعية والثقافية لا يمتنع من ولوغ ماعونها وعرض بضاعته المستنيرة على المستوى التنظيري، سواء اتفق الناس معه او اختلفوا.
كثير من الصحفيين مغرمين بالصادق الديمقراطي، يرتادون مجلسه ولا يخلو صالونه من صحفي خاصة اليوم المخصص لجلسة الصالون، فالرجل مولع بأدب الحديث وصناعة الاطروحات الفكرية والسياسية. لا تكتمل ساعات اليوم إلا وسارت مجالس الناس بقوله وصارت محط اهتمامهم، حتى صحف الخرطوم تأخذ حصتها، ويحتشد صدرها بسجالاته ونقده لأصحاب السلطة، لا يفلت من نقده أحد مهما اعتصم بسماء حتى لو في كوكب آخر.
في العهد الديمقراطي الأخير، لقد تندرت وسخرت منه جُل الصحف وأتخذته مادة يومية بحكم منصبه كرئيس للوزراء، مثل صحف الإتجاه الاسلامي التي تفننت في لسعه كل صباح، خاصة صحيفة الراية الناطقة باسم تنظيم الجبهة الإسلامية القومية. في أحدى تلك الصباحات المتوترة بفعل التشاكس السياسي، أفردت له الراية صورة كاريكاتيرية ربما تطابق واقعه، ولقد اظهرته فى شكل مضطجع على ظهره، ثلغ الرسام لسانه أي شدخه بريشته. صور الصادق مرهقاً وهو يخرج لسانه، بعد عناء يوم كامل في وردية بمصانع الكلام، ينادي على أبنه ويطلب منه أن يمسد له لسانه بدلاً من أرجله كما هو معتاد لأي سوداني يعود إلى بيته في المساء.
مع ذلك لم يفكر في مقاضاة صحيفة ما أو حتى الاتصال بها لنفي ما ذكر أو غيره كعادة كثير من السياسيين الذين أضحوا في عهد الإنقاذ يتخندقون وراء الإعلان وحجبه إذا تجرأت مطبوعة وانتقدتهم او أجهزة أخرى. الرجل مشهود له بالحلم والترفع عن الصغائر، وكم من مرة سطر مقدمة كتاب لصحفي انتقده مراراً وتكراراً بلهجة قاسية، قدم فيه منهجية راقية عن الديمقراطية وكيفية التعامل معها.
لكن ما يحدث الآن، لا يشبه الرجل. أن تجتمع عصبة من أهل بيته وتكيل الضرب لأناس لمجرد الاختلاف في الرأى او حتى لو كان شخصياً، إنه لأمر معيب في حق الأسرة وتاريخ الكيان. وهذا يؤكد عودة تاريخ أيام مريرة مضت، يبدو أنها بدأت تتشكل مرة أخرى إلى حيز الوجود.
لقد حكى لي الرجل العالم الحافظ لكتاب الله الكريم المرحوم عبد القادر مختار أبو قصيصة فظائع مؤلمة عن فعلة جهادية المهدية في نواحي السودان المختلفة، وما قاله أبو قصيصة تلقفه من أفواه رجال عاصروا حكم الخليفة عبد الله. ما نقوله مكرور وذكرته كتب التاريخ، وبينه بابكر بدري الجندي المعاصر لهذه الأحداث، ورجل تعليم المراة السودانية وباني مؤسسة الأحفاد العريقة، وهو من القلائل المشهود لهم بالصدق في رواية تاريخ المهدية حيث سرده في تجرد ونكرات ذات.
ما يدور بين الأسرتين يبدو أنه سجال ربما يدخل في باب الغيرة كحال معظم أهل بلادنا الذين ينشغلون بسفاسف الأمور وشيطان التفاصيل غير المجدية، يتركون الأهم وراهن اللحظة، لينفضوا على عجل دون وجهة معرفية مربحة. بالطبع أن أسرة المهدي ومادبو خاسرتان في مضمار الخلاف، ولن يجنيا إلا سخرية الناس وتشرذمهم.
في تقديري المتواضع أن الهزيمة قد لحقت بآل الصادق وحاقت بحزب الأمة وطائفة الأنصار، فالاعتداء على أبناء مادبو دق اسفيناً فى العلاقة بين الأنصار في دارفور والأمة القومي. ما عاد التاريخ يحكمنا ويرغمنا على ابتلاع مزاج الآخرين. وهذه الأيام، وإن تشابهت بزمن أوتقراطية التعايشة، و ثيوقراطية الإنقاذ، حتما لن تكون امتداداً لتلك العهود المؤذية، فالناس تعلموا من خضراء الدمن أن التاريخ لا تصنعه البيوتات المسنودة على حائط التاريخ، فهؤلاء الناس مثل آل البوربون فى أوروبا القديمة لا ينسون شيئاً ولا يتعلمون شيئاً كلما أتاحت الظروف لهم أن يتسنموا ظهر البلاد.
n.albahdair@yahoo.coo

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 12 يونيو 2010, 11:06 pm

مفازات
ثلاثة رابعُهُم واليهم (1-2)
ناصر البهدير
ثلاثة رابعهم واليهم او خمسة سادسهم واليهم، او سبعة وثامنهم واليهم، أمرا مهما في ولاية تعد بحجم دولة، وتعج بعدد مهول من السكان، حتى تريفت المدينة بفعل سياسة إفقار الريف التي تمارسها الحكومة بلا وعى.
الخرطوم من الولايات المهمومة بالتغيير في خارطة طاقمها الذي يدير شؤون جيوبها، لا تمضي فترة وإلا ويتناسل الغموض في محاريبها، ويحتدم الجدل داخل كهوفها، حتى يبلغ سيل الخروج الذبى، خاصة وزارة الشؤون الاجتماعية والتي تجري هيكلتها لوزارة التنمية الاجتماعية، وكأن العلة في هيكل الوزارة لوحدها. هذه الوزارة ليست ذات حظ منذ تغيير وزيرها الهمام والنزيه الاستاذ هاشم هارون، يكفيه فخرا أنه يسكن ضاحية الكلاكلة جهة ابو ادم وما زال في بيت لا يختلف إلا بمقدار تواضع وعفة سيده الذي سار بذكره الركبان.
لقد تغير اسم الوزارة منذ إرتحال هاشم من وزارة الشؤون الاجتماعية والثقافية إلى وزارة الشؤون الاجتماعية وإنشطرت إلى نصفين، وتسنمت سدة قيادتها الطبيبة سامية هباني التي جاءت بلا خبرات في العمل العام، والنصف الآخر باسم وزارة الشؤون الثقافية وتولى أمرها الوزير سيد هارون في محاصصة ناعمة بين القادمين الجدد من غابات التمرد والمتوهطين الظل.
مضت الأيام بالوزيرة سامية، وبعد إخفاق عارم إنتظم الوزارة أولا حتى فاحت رائحته لأنحاء الولاية كلها، ومن ثم طالها الإبعاد لتتولى الوزارة من بعدها أميرة الفاضل، وكل ذلك جرى في عهد الوالى وقتها عبد الحليم المتعافي.
ولكن دوام الحال من المحال، سرعان ما هزَّ التغيير دفة الوالى، وأعتلى الكرسي عبد الرحمن الخضر القادم من إتون حرب عنيفة شنها والى القضارف حالياً ورئيس المجلس التشريعي سابقا حينها كرم الله عباس، ليقضي مآل الحال بإبعاد أميرة، لتسند المهمة إلى الوزيرة الحالية عفاف أحمد عبد الرحمن ضمن مستحقات الإنتخابات الأخيرة، حيث عاجلت المستجدات مجلس الدعوة وعالجته بدعوة رفعته من إدارة بالوزارة إلى وزارة التوجيه والأوقاف تقوم بأمر الدعوة والأوقاف والحج والعمرة.
ثلاثة وزيرات من نساء السلك المخملي والدبلوماسي والتنظيمي، ووالي، قذفت بهم دوائر القرار بالولاية من غياهب اللا وجود الوظيفي بلا خبرات اللهم إلا خبرتهم في تنظيم المؤتمر الوطني خاصة اللائي قادمات من مؤسسة إتحاد المرأة بالحزب الحاكم، تلك هى خبرتهن إضافة إلى أن معظمهن زوجات لقادة في التنظيم، وهذا هو حظ البلاد أن يمتطي صهوة سلطته في هذه الأيام بعض أفخاذ العشائر الجدد المختلطة بالبيوتات الطائفية القديمة وأثرياء المدن ووجهاء الريف، ذلك شأن آخر سنعرج إليه ذات يوم.
في عهد الوزيرة سامية ماجت الوزارة بالفوضي الإدارية داخل حوش الوزارة الصغير، وأمتدت ليصل إرتداد موجاتها إلى إطراف الولاية، خاصة ضلعى مجلس الدعوة، والرعاية الاجتماعية، وحدث ما حدث من فوضى ضربت بأطنابها وكان نتاجها ما جرى مؤخرا في عهد الوزيرة أميرة الفاضل من فوضي في موسم شعيرة الحج والعمرة، وفي دار المايقوما لرعاية الأطفال فاقدي الوالدين.
أما عهد الوزيرة أميرة، سار في ذات الإتجاه القديم، وواصل العمل غير المنظم خاصة ثقافة العمل المرتبطة بالسلطة لا بالمواطن حينما ترفع شعارات براقة مثل (من أجل استكمال مستحقات السلام والإستقرار الإجتماعى)، ولا تجد لها مكان من التطبيق إلا في شوارع الخرطوم عبر اللافتات الملونة البراقة والمزينة لمداخل الجسور وغيرها لبرامج شوفينية على الورق وذات طابع سياسي محض لتصنع مرق وزبدة لأعضاء التنظيم، وملح أجاج وذباب لفقراء الهامش.
وها هى الوزيرة الجديدة عفاف عبد الرحمن لا تحيد قيد أنملة عن تلك الدروب السابقة التي مشتها عضوات المؤتمر الوطني، اللائي لم يقدمن شيئاً ملموساً لإنسان الولاية على وجه الخصوص تلك الأطراف النائية والمكتظة بأعداد كبيرة من البشر حيث لا رعاية ولا إهتمام.
لماذا ذلك الإتهام المسبق؟، فقط لأنها قادمة من ذات الجهة التي ما فتئت كل يوم تظهر خلاف ما تبطن، وتقول للناس هذا كتابي إن شئتم يا أغبياء بلادي في زمن الرقص بلا ساقين.
وغدا نواصل،،،n.albahdair@yahoo.com

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأحد 13 يونيو 2010, 2:36 pm

مفازات
ثلاثة رابعُهُم واليهم (2-2)
ناصر البهدير
ما قلناه في حق الوزارة في السابق، لم يكن إعتباطا كما سيتخيل بعض المنتفعين منها في دروب العيش، أو مرتبط بعهد الوزيرة الحالية عفاف أحمد عبد الرحمن. انما الأمر له جذور عميقة في تربة الوزارة منذ أن غادرها الوزير الصلب هاشم هارون إلى مجلس الشباب والرياضة بولاية الخرطوم، بالضبط في الوقت الذي حلت فيه الوزيرة سامية هباني محفوفة بسلطة اتحاد المرأة، وبعض لوائح المؤتمر الوطني بالدفع في اتجاه تنظيماته العديدة بدءاً من رابطة المراة العاملة والوحدة الجهادية وليس إنتهاءاً بالواجهات شبه الرسمية والخاصة التي تقتات من مال الزكاة والاوقاف والتخطيط العمراني بولاية الخرطوم.
قولنا لا تجافيه الحقيقة ويتخلله خلط مقصود، جاء عن مشاهدة ومعايشة لسنوات وصلت الى الخمس من عمر الزمان. يصيب نفوسنا الضجر والملل عندما نعلم ان الوزيرة الجديدة ستسير في دروب السابقين بذات الطرقعات والالتواء عبر نصب المهرجانات والاستقبالات العقيمة والسمجة. سندعكم وان كنا سنرهقكم بالقول المكرور، مع قولها قليلا عندما أكدت في يوم استقبالها الحاشد وحفل وداع سابقتها أميرة الفاضل: (إن الوزارة ستواصل مسيرتها في التنمية ارتكازاً على الارث الكبير في مجال العمل الاجتماعي مبينة اهمية توحيد اليات العمل الاجتماعي والعمل وفق معلومات واحصاءات واضحة تساهم في الوصول لكافة الشرائح المجتمعية من اسر فقيرة وارامل واسر متعففة مشيدة بالجهد المتميز الذي بذلته الاخت الوزير اميرة الفاضل خلال فترة عملها بالوزارة).
أين هى التنمية التي تتحدث عنها الوزيرة؟. ما تزال الوزارة في مشاريعها الاميبية التي ليس لها حظ من الواقع، والتي تشنف بها اذان المجتمع من حين لآخر مثل مشروع معالجة قضايا الاطفال المشردين بولاية الخرطوم الذي تمرغ شعار غزله في عرض الاطفال المهتوك، نسيجا يحاك في غياب قيم إندثرت بفعل سياسات اقتصادية ضاغطة ومفقرة، ارادت الوزارة ان تطمسها وتزيل بقعها بدهن القول والشعارات والهتاف. هل (اتحدوا من اجل الاطفال) تتسق مع قرائن الواقع كما تقول: (وفق رؤية تستند على تاصيل دور الاسرة ودراسة حالة كل طفل على حده من خلال الباحثين الاجتماعيين الذين يعملون ميدانيا مع الاطفال). أين هم الباحثين، واين هو المال الذي يتفرق بين ايادي غواني اللجان الغارقة في ميعة حوافز الافندية الكبار؟. وكما في تسأولها على موقعها المبذول على دفاتر (قوقل)، هل تعتقد ان هذه الخطة يمكن ان تكون خطوة فى بداية مشوار الحل الجذرى لقضية التشرد بولاية الخرطوم؟. ايضا طرحت الوزارة سؤال اخر تمحور حول بنك الاسرة ومؤسسة التنمية الاجتماعية وسط قيظ يلهب اعماق الفقراء ويجعل العيش امرا شاقا، السؤال هو: برأيك هل يعانى المواطن فى الحصول على مشروع عبر التمويل الاصغر؟
لا شك ان مشروع الاسر البديلة يلقي بظلال من الشك والريبة ويفتح اسئلة ليست للاجابة في الوقت الحالي ربما منذ اليوم الذي دخلت فيه بلادنا منظمة الامل والمأوى البريطانية في نهار غفلة لتعلن للناس بان هنالك مشروعا يتيح لاطفال المتعة الحرام العيش بكرامة، مانحة الامل لبؤر الفساد ان تنشط رغم المضادات القولية والفعلية.
سادتي ان ادراج منضدة السادة المسؤولون بالولاية مثقلة بوزر كل الجرائم الطافحة على السطح، في الهامش والمركز، لا فرق في الوقت الراهن بين سيد المدينة وفقيرها. وهل جاء المشروع من واجب المسئولية الاخلاقية تجاه حماية الطفل أم الامر محاولة لجمع ولملمة جراحات فرخت مثل الاعشاب السامة والتقيحات في زمن صدحت فيه الانقاذ بمشروع التأصيل، لدرجة انها انشئت مستشارية برئاسة الجمهورية؟.
شتان ما بين الضحايا وما أدى الى ذلك، لأن في جوهر الأمر، الحقيقة لا تحتاج الى تشريح وتفكيك طلاسم، ووزيرة محجوبة بالاجتماعات، تقضي جل يومها في كلام مطول لشرح مشروع الزى، ومحاضرات تتوزع على طالبات يكاد الفقر ان يقتلنهن من فرط الجوع. اقتلوا الفقر اولا ليس بالفراخ ووجبات الاناشيد المملة يا سادتي حكام الولاية لكى تنعموا بنوم هادئ في طرقات الاسواق وصوالين عمارات المدينة و(صواريخ) الشماسة، كما الشماسة يهجدون.

n.albahdair@yahoo.com

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الثلاثاء 15 يونيو 2010, 7:30 pm

مفازات
الكرة أم صليب
ناصر البهدير
رغم عن إنقطاعي زهاء العشرين عام من ممارسة ومشاهدة مستديرة الشعوب الابدية، وهذا العام ايضا واصلت صيام الدهر، إلا ان عيناى وقعت بمحض الصدفة وظروف المهنة على صور فوتوغرافية رائعة للوكالة الفرنسية المتميزة التي أرسلت طاقما فنيا مبكراً إلى جنوب افريقيا زاد عن المئة صحفي بكامل معداتهم، وهل ما يقع على العين يفطر؟.
لقد تبدد إهتمامي بعالم كرة القدم وما يدور في خبائها منذ عقدين، للحد الذي يمنعني عن متابعة العرس العالمي الذي يمر كل أربعة اعوام، حيث ما عاد يهمني ويدخل في دائرة حساباتي الترفيهية، وأصدقكم القول، إن المرة الأخيرة التي شاهدت فيها دورية المونديال العالمي، كانت صيف 1990م، حتى ذلك كان متقطعا.
على كل، تردي واقعنا الكروي وتدهوره إلى الحضيض، واحد من جملة أسباب تبعث في النفس الأسى والياس والقنوط خاصة منذ تسلم الانقاذ أمور البلاد، وإستغلالها الماكر للرياضة كمتنفس ومثبط سياسي يلهي أمتنا عن ما يجري في دهاليز السلطة وجبها، مما لا يشجع على الوقوف على أحوال الرياضة.
ومن منا لا يرى بعينيه الجدل البيزنطي (أيهم جاء أولا الدجاجة أم البيضة؟)، جدل يمتد إلى الساعات الطوال لا يؤدي في النهاية إلى نتيجة وكلما وصل إلى نقطة النهاية يعود الى البداية وهكذا دواليك، جدل ينتهي الى جدل متجدد، لا ينبت الا العجز والكسل وبؤس الحال. مجتمع باكمله يغوص في فراغ عميق ومخيف تاركاً همومه، وأساسيات الحياة بلا حلول، مولياً شطره قبلة (الغلاط الرياضي المخيف؛ المريخ عجب والهلال غلب وهلم جرا).
لم يكن في تصوري وفي بالي في يوم من الأيام أن تتحالف سلطة المال والسياسة وتعتلي سدة ميادين كرة القدم، والكل مدفوع بآلته التي تحركه وسلاحه الذي يمتشقه وترسانته التي ينطلق منها ليصوب باروده الساخن، لما لرياضة كرة القدم من طعم خاص ورونق وثقافة لا تنتمي بصلة للسلطتين، لذا أحكم طوبجية التوجيه طوق دائرتهم المربحة؛ ماليا وسياسيا، واغلقتها بالمفتاح والضبة.
فتواطؤ السلطة وإحتلالها للميادين الرياضية في الأحياء الشعبية مروراً بالاندية الوسطى وصولا إلى الأندية الكبرى، أضحى مثار تعليق وملاحظة وتندر، يمكن القول معه أنه تحول إلى إستثمار نشط، وبديلاً تعويضاً ذا عائد سريع في منطقة جذب سياسي ونشاط تجاري محض يرتقي بنجوم السياسة ورجال الاعمال الجدد إلى مصاف نجوم المجتمع المخملي، وفي حينه تجارة رائجة لا تبور بضاعتها ولا تفقر أهليها وسماسرتها، والفاشل من ظن هذا هو النجاح.
ما أردت أن أقوله من خلال الصور التي أشاهدها يوميا منذ أنطلاق منافسات كاس العالم، والتي إستهوتني وأثارت إهتمامي خاصة صور المشجعين بالوانهم المزركشة وأشكالهم الغريبة ورقصهم، ان هذا واحد من جنونيات كرة القدم وتجلياتها المرحة. لفت نظري الصليبين المتداخلين؛ الكبير والصغير المرسومان باللون الابيض على ملابس لاعبي الفريق الصربي ذات اللون الأحمر وهم يؤدون مباراتهم ضد غانا. وهذا واحد من جملة الاستغلال الذي يمارس من خلال الانشطة الرياضية، حتى أضحت الرياضة مضمار لممارسات غير اخلاقية للعبة شعبية ليست لها علاقة البتة بالتنظيمات والمؤسسات التجارية والسياسية والدينية.
دون شك لا يختلف أثنان حول ديانة صربيا الجمهورية الوليدة من ركام الحرب العرقية والدينية التي قضت على أخضر وأحمر دولة يوغسلافيا الكبرى، وفتتها إلى دويلات وجمهوريات مشحونة بالكراهية والبغضاء، مثل أعواد الثقاب تنتظر من يقدحها .. مقدونيا وكوسوفا وكرواتيا والبوسنة والجبل الأسود والبانيا وسلوفينيا. ولقد خلفت حروب التسعينات البلقانية أكثر من نصف مليون من اللاجئين والأشخاص المشردين داخليا. ونتيجة لعهود القهر السابقة، هُجر الآلاف من المسلمين من مناطق ما كان يسمى بيوغسلافيا، وهم الآن موزعون في تركيا والبلاد العربية، وخاصة في سورية وغيرها.
والمعروف عن هذه القومية تعصبهم الشديد لعرقيتهم نظرا لغلبة الاعتزاز لدى الصرب انطلاقاً من اعتزازهم القومي، إضافة الى ديانتهم المسيحية الأرثوذكسية وهى الديانة الرسمية في صربيا حيث يعتنقها أغلب السكان، ويكفينا من شرورها العصبية عنوان نشيدها الوطني؛ اله العدل.

n.albahdair@yahoo.com



ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 18 يونيو 2010, 2:43 am

مفازات
جائزة الحكم التليد
ناصر البهدير
لم يكن من المدهش أن لا تجد جائزة مؤسسة محمد ابراهيم للحكم الرشيد في افريقيا فائزا للعام الثاني على التوالي كما قالت المؤسسة، بحكم أنها جائزة تبلغ قيمتها حوالى خمسة ملايين دولار، وتمنح للزعماء الافارقة الذين يضربون المثل في الحكم الرشيد.
قارة أفريقيا معروفة بطول أمد حكامها وتمترسهم حول أُبهة السلطة لأطول فترة ممكنة، ولا يمكن لأحد إنتزاعهم مهما تعددت أساليب التنحية وشراسة الاقتتال حول المنصب. وغياب النظم الديموقراطية واحد من الاسباب الرئيسية التي تجعل الحكم قاصراً على أصحاب البأس والقوة وبعض العوائل صاحبة السطوة والمال. وينعدم حظ القارة من العيش الكريم والحكم الرشيد منذ أزمان سحيقة في التاريخ، حتى الإستعمار الذي أنهك ظهرها وحملها ما لا تقدر عليه من أطنان الجهل والإدقاع المعرفي والإملاق والمسغبة، لم يغادر أطراف القارة بمثل ما جاء، لقد خلف إرثاً ثقيلاً محكوماً بصلف وإنتهازية القبائل وأنصاف المثقفين؛ ربائب المستعمر وأذنابه الوالغة في نهب ثروات القارة ومواردها الوفيرة مما أدخلها في حروب مدمرة للذات والهوية، وأشعل فيها ناراً لن تطفيها قوى الإستنارة ومحصلة الجوائز التي تطلق بين الحين والآخر، أياً كان نوعها.
فالقارة تعيش اسوأ لحظاتها التاريخية من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، كل بقعة فيها مفخخة بالرصاص والموت والجوع والفساد، طالما الرشوة تلعب دوراً محبطاً ومثبطاً للهم ومشجعاً للذمم التي لا تعيش إلا في غياب معايير الحوكمة والشفافية وأنظمة الرقابة المالية.
لا شك مكافاءة مثل جائزة محمد ابراهيم متعهد الاتصالات السوداني المولد، لن تعزز سيادة حكم القانون، فقط إذا نظرنا إلى مبلغها المحترم بلغة البسطاء، لا يعني شيئاً لرئيس أي دولة بافريقيا، فقط إنه يمثل ثمن وجبة صغيرة من الرشاوي المعنوية والمادية نظير توقيع على أوراق بيضاء لمؤسسة ترغب في الدخول لبلد ما والاستحواذ على رخصة تجارية أو ما شابه ذلك.
صحيح الجائزة، تعتبر أكبر جائزة فردية في العالم كوسيلة لتشجيع الحكم الرشيد في قارة يستشري فيها الفساد والإلتزام الفضفاض بالمبادئ الديمقراطية، ولكن لا تمثل رقماً كبيراً وفخماً لحكام افريقيا المتسنمون لكراسي الشيطان، لا سيما أنهم يستندون على إرث كبير من المخصصات والحوافز التي يرتخي لها جفن القوانين وتترهل لها الدساتير المصنوعة بمقاييس يسيل لها اللعاب ويتبلد لها العقل والحس وتشتد لها العضلات المأجورة لصيانة مبدأ السلطة الوراثية.
وأي خيبة امل أكبر مما نراه، يوم انتقلت رشاوى التتريك والفرنجة من صغار الموظفين إلى صوالين الساسة وقصور الحكام، حتى عصافير اسيا الطنانة لحقتها وبسطت أجنحتها، إذ نراها نهاراً جهاراً تجوب مستنقعات افريقيا بحثا عن النفط والمعادن في صراع محموم ولاهث وقوده المال.
لذا ابراهيم كان صادقا في بيانه المنشور على دفاتر رويترز حين قال: "المعايير المحددة للفائز بالجائزة عالية وعدد المرشحين المحتملين في كل عام قليل. ولذلك فمن المرجح أن تكون هناك سنوات لا تمنح فيها أي جائزة".
وبما أن الجائزة حديثة العهد، ولم تشهد عصر المناضل رئيس جنوب افريقيا الأسبق نلسون مانديلا، مع ذلك قد نالها بشكل فخري في عام 2007م، وكأن صاحب الجائزة قرأ ما بين سطور المستقبل المظلم لمجاهل افريقيا، وأدرك لا أحد يستحق الجائزة في بلاد السود الموبؤة بداء النخبة وأباطرة المال الجدد.
كان من الممكن أن ينجح مشروع الجائزة في الإستمرار إذا قرر صاحبها أن يمنحها لأي حاكم في احتفاله بالعيد الذهبي لاعتلاء سدة السلطة. هذه من الممكن أن تتوفر شروطها وتتيسر لرجال كُثر بدلا من نشدان الحكم الرشيد في بيداء الفساد الافريقي.
وافريقيا جزء من عوالم العالم الثالث ليست إستثناء كما بينها ضمير الشعب الشاعر حميد يوم قال:
لسع في جزائر مخجوجه
وفي خلائق لايجة ومختله
لسع في فلسطين محتله
وفي فلسطينات راح تحتلا
لسع في أفريقيا العريانه
وإنسانا يفرفر وينزله
آسيا الكحيانة وصبيانه
تتفرج في رمي الجله
لسع في أمريكا تضاديكا
بي مالا ...رجالا ... وبالغله

n.albahdair@yahoo.com

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 19 يونيو 2010, 8:18 pm

مفازات
ورطة القريش
ناصر البهدير
لا تحتاج البتة إلى حزم بروتوكولية وأمينة مكتب وموظف علاقات عامة حين تقصد مجلسه، رجل في كامل أناقته وبساطته ينتظرك هاشاً وباشاً، ومفعما بأملٍ كبيرٍ بأن البلاد سيسودها طقس رائع. زاهد بطبعه، وهذه سجيته، ومثقلاً بلطائف الهدى، يترنح كدرويش في حضرة مصطفاه، لا يميل إلى ولائم السلطان، وليس به مس من تهافت المثقفين. تدلف إلى بابه بكل أريحية في أي وقت تشاء، سواء كان أميناً عاماً لأروقة للثقافة والفنون أو المجلس القومي لرعاية الثقافة والفنون أو مديرا عاما لهيئة إذاعة وتلفزيون ولاية الخرطوم أو عضو مجلس أمناء مجلس الدعوة والحج والعمرة بولاية الخرطوم وغيرها من المناصب التي تقلدها في غابر الأيام.
معروف عنه رجل مثقف ومتدين، وفنان صاحب قفشات ونكات ساخرة ولازعة، وبديهة حاضرة لا تثنيه عن القيام بواجبه على أكمل وجه، فوق ذلك يؤم الناس لصلاة الجمعة بمسجد سيدة سنهوري بلا مقابل، جامعا بين دفّتي قلبه؛ كتاب الله سبحانه وتعالى لكى ينبهه من غفلته، وبين ثقافة وطن مأزوم حد النخاع يوقظه من سباته.
لم يأت من فراغ فهو خريج مدرسة الحركة الإسلامية الراسخة في الحراك الديني والسياسي والسلطوي قبل أن يكون خريج جامعة الأزهر الشريف فى مجال اللغات والترجمة، فهو واحد من المشهود لهم بإجادة ناصية الكلام في دروب الفكر والمعرفة والعلوم الشرعية.
فإختياره لمنصب وزير الثقافة الاتحادي مؤخراّ صادف أهله فالرجل ليس غريباً على الثقافة، يجمع بين يديه اللغات والقرآن الكريم والثقافة والنشاط. ولكن مع ذلك نحسب أن إختياره غير موفقا، لما عرف عنه بإجادته لمسك العصا من طرف واحد بقوة وشكيمة، فالأوضاع الحالية تتطلب الفهلوة والشطارة حتى تجرى المياه وتعبر مهالكها القفرة نحو ثقافة المخصصات والإسترخاء والأمان الوظيفي.
وكان من الممكن أن تزدهر الثقافة في عهده، وتتوسع دائرة الإهتمام بشتى ضروب المبدعين من فصائل اليسار إلى كتائب اليمين، وأن تتفجر جيوب الثقافة الساكنة، وراهنها المؤطر داخل علب النظام في مختلف جوانب الأدب والمسرح والغناء والفن التشكيلي والسينما، وأن تُفتح على يديه أبواب النشر والتوثيق المغلقة، حتى تسمو قبائل الجنقو كشغيلة رفيعة تفتقد حقوقها الأساسية في كريم العيش، وتجد لها ملاذاً في حضن الوطن الرؤوم. وكما مأمؤلا أن يرتفع سقف الحريات إلى الحد الذي يمكن للناس أن يقولوا للإنقاذ شكراً جزيلاً.
ما لم يكن في الحسبان، أن يمتطي الرجل ظهر سفينة الإستوزار أو أي وظيفة حكومية، بما عرف عنه، قلقه المستنير، وكُرهه للبيروقراطية سيدة مجالس المؤسسات الحكومية، ونشاطه الجم الدافق الذي لا تحتويه المواعين السياسية وثقافة الأبواب الموصودة بالجميلات والوسائط، وله مواقف معروفة.
لقد جاء إبحار الرجل في بحر لجي متلاطم الأمواج، والإنقاذ لا تزال تحبو في أولى عتبات الديمقراطية المزعومة بعد طوفان التعسف الشمولي وغول التوالي السياسي. رحلة لها ما بعدها، أذن لقد تورط السمؤال خلف الله القريش في محرقة الزمن الضائع، وفي رحلة محفوفة بالمخاطر والمكاره، ما بين زفير وشهيق (شيمة) تتلوى، وغيمة تتوارى خلف الأفق والفراغ الممتد نحو الأفول من ناحية، وما بين (دوار) جبهة متصاعد، وريح مارينزي عاصف مشتد من ناحية أخرى.
سيدرك سعادة الوزير القريش عاجلاً أم آجلاً ان سفينته تدفعها رياحاً لا تشتهيهاً، وتتناوشها مناخات الخدمة المدنية البالية والخربة. وقتها سيبين كلام القصير، إذن عليه أن يعي هذه الحقيقة، وأن ينأى بنفسه عن مزالقها، قد سبقه رجل في سابق الأوان، وفي ذات مقامه من مسجد قريب من مسجده بضاحية المنشية، لن ينس الجميع يوم أن حررت له منابر المساجد بالولاية شهادة وفاة بمجرد أن صمت لسانه عن قول الحق بعد جولات ساخنة بردت السلطة أوار لهيبها المتقد.
سيذكرك الناس بالخير يا (سمؤال) ما دمت وفياً لهم في مغانمهم الاجتماعية وثغورهم الثقافية في أعظم مشاريعك التي قدتها؛ منبر سيدة سنهوري، المولد النبوي الشريف، ميلاد الأغنيات، أروقة للثقافة والفنون، وغيرها من النجاحات التي حققتها.
n.albahdair@yahoo.com

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 23 يونيو 2010, 8:19 pm

مفازات
الكرة أم قروش
ناصر البهدير
لم يكن جديداً فحش الرأسمال، فهو منذ قديم الزمان يستوطن عالمنا، تتجدد مفاهيمه ومعاييره بمتوالية هندسية، مما يصعب تداركه، ووقف قضبان عجلته المسرعة.
إن الرأسمال لم يترك مجالاً إلاَّ ودخله من أضيق أبوابه، فالسماء عنده تمطر ذهباً طيلة أيام السنة، لا يعرف الفواصل ولا تبدلات المواسم، كل شيء يسير ضمن طقس دولة المال وأقانيمها.
لا يخطر بالبال كثيراً أن يزحف الرأسمال وينطلق من عقاله ويتفلت نحو عالم الرياضة، ليس متاجرة في المعدات الرياضية أياً كان نوعها، بل أن يقطع أشواطاً بعيدة المدى، ويؤسس لثقافة ميديا اخترقت حُجب القيم الإنسانية وضربت على أوتارها الحساسة، وقضت وطرها وما تزال ترمي بشواظ حيامن النهمة، وجشعها مجاهل رحم الإنسانية وشظفها.
من كان يصدق أن الرياضي لاعب السلة السوداني منوت بول الذي رحل في التاسع عشر من يونيو الجاري، أنه كان لا يملك من الدنيا إلا طوله الفارع  الذي منحه أضخم الثروات من عالم كرة السلة، محبوبة الأمريكان. صال وجال في صالات المحترفين برابطة السلة الأمريكية حتى وقع في فخ استثمارات الميديا، وكما إنه لم ينجُ من تربص مافيا السياسة والرأسمالية التي وظفته لحشد الدعم لقضية صراع إقليم دارفور، وبل استطاع أحد القطاعات السياسية أن يرهن ذيوع نجوميته، ليفسح له المجال في موسم الانتخابات، موديل 2010م، رغم حالته الصحية المتدهورة.
وخير مثال لما نتحدث عنه، وقائع مونديال 2010، التي تجري فعالياتها حالياً بجنوب أفريقيا، حيث أفلحت مؤسسات الرأسمال في أن تصنع من الحدث العالمي مهرجاناً لعددٍ كبيرٍ من حسناوات العالم من أجل الدعاية المبتذلة. ولقد تركزت عدساتها القميئة في مفاتن وبواطن نساء جميلات جلبن للاستثمار بصورة مقززة للنفس البشرية السوية.
وفي ذات الوقت، وفي ظل الشركات العديدة التي تسعى إلى الربح، لعب الاتحاد الدولي لكرة القدم دوراً سيئاً في حرمان ومنع ملايين البشر من مشاهدة إبداعات نجوم العالم، وسار في نهج فحول الرأسمال، بتوقيعه عقداً مع شبكة الجزيرة الإعلامية لاحتكار ملكية حقوق البث لجميع المباريات. والقصة معروفة منذ سنوات، لم يعد بمقدور المشاهد العادي التمتع بالمونديال.
وفي غمرة الحدث، وما بين انشغال البعض بمجرياته، وحزن الآخرين المحرومين من رؤية الشاشة البلورية، بثت هيئة الإذاعة البريطانية تقريراً مقتضباً عالي المهنية عن النجم الكونغولي الفذ مالمومبا نداوي، ساحر وقناص الكرة الزائيرية في سبيعنات القرن الماضي. وقد أظهرت القناة التلفزيونية، القسم العربي النجم مالمومبا في أوضاع مزرية وبائسة في معسكر للاجئيين بإحدى ضواحي جنوب أفريقيا, كرجل كهل نال الزمان منه، بعد أن قدم للكرة الأفريقية عهداً حافلاً بالعطاء. ولقد تفرد مالمومبا في إحدى بطولات الأمم الأفريقية سابقاً، وحاز على نجومية أكثر اللاعبين تسجيلاً للأهداف في بطولة واحدة برصيد 9 أهداف في عام 1974، وهذا ما يحفظه له التاريخ.
ولكنه الآن حبيس خلف الأسلاك الحديدية الشائكة، مغلوباً على أمره، ومكبلاً بلوائح معسكرات اللجوء الإنساني، حيث دفعته أهواء السياسة ومعمعة التوترات العرقية وأهوال الحرب الداخلية في بلده الممزق الشبيه بحالنا، إلى هذا المكان دون جريرة ارتكبها.
وأصبح مالمومبا رهين المحبسين؛ من جهة ظروف مسكن تعيس، ومن جهة أخرى حرمان من معشوقته. حيث وصف أمره في جملة أكثر قساوة، يهتز لها الضمير، حيث قال: (أنا فقير ولا يمكنني أن أشاهد كأس العالم، وأين لي بالمال، طالما طعامي لا أستطيع أن أتدبره).
هذا حال يوضح مآلات الأوضاع التي يسير عليها العالم، كل يوم يمضي من عمر البشرية يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن العالم صار قرية كونية صغيرة تتحكم فيها عصبة من أولي البأس المالي، ومعدومي الضمير الإنساني من أجل حفنة دولارات مجمدة.
لا ضير في ذلك، أن تتقاسم الرأسمالية ثراء العالم مع الفقراء خدم الرأسمال، وأن يتوازى الفعل السياسي بما يقدمه الناس له من بذل، كل في مجاله، حتى ينعم المجتمع العالمي بحياة هنيئة يسودها الوئام والخير.
وهل من مجيب؟.

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأحد 27 يونيو 2010, 9:12 pm


مفازات
أم جريدة (1-5)
ناصر البهدير
لم تكن ماكرة وصاحبة قدرات باطنية تتوكأ عليها إلى الحد الذي يؤهلها للتسرب رويداً رويداً مع مياه خور أبو حبل صوب سهول الحقائب الوزارية بخرطوم الصفوة، مثلما فعلها (ود أمونة) في رواية (الجنقو مسامير الأرض)، في رحلته التي انطلقت به من أقبية سجون قضروف سعد إلى منصة الحديث السياسي، وكرنفالات الأبواق التي تفتح لها شوارع بلادنا قلبها المعطون بقردود التفسخ الاجتماعي، كمسخ متسلل في جنح الظلام بخفة بابون يتلوى في غابات بلادي التي من المحتم أننا سنفقدها قريباً بفعل ساسة جدد فقدوا رشدهم يوم أن تولوا القيام بمصالح الناس؛ بين ليلة وضحاها يصبح ود أمونة وزير دولة، كما جاءت سيرته عبر القفز بالزانة في سفر الكاتب الفذ عبد العزيز بركة ساكن.
فقط الحظ العاثر هو الذي قذف بأم جريدة إلى أتون فاقة المسغبة والحرمان، وقادها للاتجاه إلى التعفف ببيع الشاى إن جاز لنا القول، في تلك الأصقاع التي فقدت الرجال منذ وقت مبكر في متاهة الحرب اللعينة التي لا تزال تلقى بظلالها السالبة عليها. غادر زوجها حي (اقوز شرق) بالدلنج ضمن أفراد ضاقت بهم حياة المدينة للالتحاق بثوار جبال النوبة الذين انضموا لاحقاً للحركة الشعبية لتحرير السودان، والتي مثلت في ذلك الوقت الخيار الاقتصادي للكثير من أبناء الجبال العاطلين عن العمل، ومتنفساً عن أوجاعهم وهمومهم.
على أية حال، غادر أبو نهى المكان خلسة، وحينها نهى لم تر النور. وفي ذات الوقت أم جريدة تكابد وجع مخاض اختفاء زوجها، وأنات طلق وحدتها، وهى ترهن رزقها اليومي كصافات الطير، وتتدبره من معاش والدها العامل السابق بمعهد التربية بالدلنج، إذ لا تزال أسرتها الكبيرة تسكن في منزل يجاور المعهد من الناحية الجنوبية، ويتبع لإدارته.  
نزل قرار وزارة التعليم العالي الخاص بإنشاء جامعات إقليمية برداً وسلاماً على المجتمع المحلي المحيط بكلية التربية بالدلنج في تلك الفترة، حيث تدفق الجميع إلى العمل داخل أسوار الكلية، وأصبحت المنطقة برمتها مسرحاً لسوقٍ شعبيٍ كبيرٍ تنتظم فيه جوقة من نساءٍ لبيع الأطعمة وأخريات لصنع الشاى والقهوة خاصة نقطة المعهد الارتكازية: مخبز محمد المنقالي البلدي.
وجاء افتتاح القسم الأدبي بالكلية في مطلع تسعينات القرن الماضي، بينما اقتصر القسم العلمي على الأبيض ضمن جامعة كردفان، ولاحقاً تحول القسم إلى الدلنج في العام 1993م، وعندها أرتات إدارة الوزارة ضرورة تحويل الكلية إلى جامعة باسم الدلنج ضمن خطة متعسفة اعتزمتها الإدارة في الخفاء من أجل التوسع في التعليم العالي بلا خطط وهدى، ولا برامج عملية وعلمية، ولا إمكانيات مادية.
من دون تخطيط أيضاً، كحال وزارة البروفسير ابراهيم أحمد عمر آنذاك، ولجت أم جريدة أسواق الجامعة الوليدة من رحم التنطع السياسي، والقرارات الارتجالية التي تصنعها ميديا الحديث السياسي زمانها بإذاعة أم درمان؛ سرف الثورة االمتفجر. ومن المهم أن نذكر، رغم الظروف الحالكة والمكفهرة وقتئذٍ، لقد توفرت علاقات إنتاج جديدة وسط أجواء متلونة المزاج وغير متوقعة على الإطلاق، استطاعت أم جريدة أن تجعلها طوع بنانها، رجماً لشيطان الفقر المدقع؛ أبو موسى.
وليس من المستغرب وبسرعة، أن تعرب عن نيتها التي لا تحتمل التأجيل. إذ قررت، ولأسباب عدة، بأن أكثر ما يناسبها هو الانضمام إلى النساء العاملات في مجال صناعة الشاي بمدينة الجامعة. وبالتأكيد هذا ما كان، ولكن يبقى الشيء الأكيد الآخر، بأن المعاش ما عاد يكفي الأسرة الصغيرة على حد قولها، وهذا ما اضطرها لحمل صغيرتها إلى سوق المزاج، والذي كانت تراه على فجاعته، يعبر عن حالة من الانتصار مع محاولات أمل كبير لربط نفسها بالواقع الذي من حولها.
وبين ذلك والممكن، اختارت لها ركناً قصياً في الجنوب الغربي لداخلية بنات الكلية، ذات المكان الذي انهمر فيه سيل الدم صوب خور أبو حبل مؤخراً، وما يزال يغلي ويهدر، ميمماً وجهه شطر (تردة أحزاننا المتراكمة)، في أسوأ حالات التصرف الأرعن وغير المسؤول تجاه طلاب عزل.
ونواصل..

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الخميس 08 يوليو 2010, 10:02 pm

مفازات
أم جريدة (2-5)
ناصر البهدير
كما ذكرت سابقاً، إرتضت أم جريدة أن تضع كل معدات التشغيل (عدة الشاى) جوار داخلية الطالبات، تحت شجرة مخضرة ظليلة، تمتاز بصفق طولي وأنبوبي رقيق شبيه بقطع (الشعيرية)، تسمى (الإنجل)، تمخض الناس لبنا ابيضا لا يستساغ البتة، مثل لبن نبات العشر، ويستخدمه تلاميذ المعهد وقتذاك في لصق الورق بديلا عن الصمغ العربي وغيرها من مهمات مدرسة تدريب المعهد الابتدائية.
وقد جلب الانجليز هذه الشجرة التي لا يزيد طولها عن الثلاثة أمتار، إبان فترة حكمهم للسودان، لتسوير المعهد، كغيرها من أنواع الأشجار الأخرى التي أُستجلبت من بلاد الهند؛ المانجو، النيم. وينبت (الإنجل) غزيراً ومتساقطاً نحو الأسافل كمشاط فتاة أرخت مسايرها تتهادل مع رياح السافنا. شجرة قصيرة لدرجة أن الماعز الجبلي يتسلقها لينال قليلا من صفقها الإبري، ويمضي في سبيل حاله خاصة في مواسم الجفاف.
تعرفنا على أم جريدة عن قرب، وباسمها الوحيد كهذا مجردا من كل شيء، ومع ذلك لم نتجرأ في أي يوم من أيامنا تلك أن نقترب من حدودها أكثر من ذلك، او الاستفسار عن كنه اسمها النباتي أو الصحفي كما تخيلناه، أو حتى السؤال عن اسم والدها أو قبيلتها، لأن الأمر في ذلك الوقت لا يعنينا كثيراً، أو هل جاءت إلى المدينة كهذا، كحال (دبوية بت المطر)، تلك الحشرة الحمراء التي تظهر في موسم الخريف، وكانها إبنة شرعية للمطر في بلاد النوبة.
وكل ذلك يتبدد طالما أن أسرتها الكبيرة على مقربة من الكلية لا تزال تكافح في أزمنة العيش الضنين. فقط كل الذي كان متاحاً تحت الشجرة لا يتجاوز دائرة أم جريدة التي تقدم الشاى والقهوة لطلاب الكلية بكل أدب وإنشراح وطيب خاطر يقودك إلى عراقة منبتها.
وفي ظلال تلك الشجرة الوارفة، وجدت صغيرتها نهى ملاذاً لتلعب وتلاعب بنات خيالها وألعابها المصنوعة من القماش وذاكرتها البضة، مما جعلها محور إهتمام رهط من طلاب الجامعة، فكانت مثار حديثهم وشغبهم، وأنسهم الشفيف مع أم جريدة. كيف لا؟، ونهى من أوائل الحاضرين في الصباحات الباكرة المغسولة برائحة العود الجبلي العتيق، والموزونة باكسجين الحياة الدلنجاوية أينما إتجهت أمها، وحيثما أتفق ذلك: الجامعة أم السوق.
أفرزت وشائج (الصلات الطيبة) بين الطلاب ونهى علاقة سمت بأم جريدة لأفاق أبعد، وتداخلت العلاقة ونسجت خيوط إلفتها، وحبكت حكاويها حتى حبلت بأجمل التواصل. وإلتف الطلاب في أروع ما يكون حول شجرة الإنجليز ممثلة في أميرتها سيدة شباب ستات مقاهي الكلية؛ أم جريدة. وتناولوا ما شاءوا من تصاريف المضارع السياسي المعلول، وماضي الشعر المجهول، وحاضر الأدب المغلول حتى غدت الكلية مسرحا.
تضطرد صباحات المكان بنداوة البخور العالق في الأجواء ومزاج فونقا الشاي (الصاموتي) ونكهة كبابي القهوة المنقوعة بأعواد الجنزبيل، وكان جلوسنا على أرائكها الخشبية المصنوعة بمهارة من أشجار الجبال في أشكالٍ هندسيةٍ بديعةٍ. وتتكون الاريكة من ساق شجرة مسطح موضوع على عمودين في شكل (شعبة) تستند على الأرض بفرعين. ويشكل الجلوس عليها متعة لا تضاهيها مقاعد القاعة الحديثة بكلية التربية، وفي ذات الوقت تشكل خطورة كبيرة لمن لا يجيد التعامل معها، وربما تهوي به على الارض.
وهذه صناعة تجود بها المنطقة على إمتداد ربوعها، وهى حرفة يتقنها أهلها كأرث تاريخي تليد، ويمتاز بها عصاميين عتاة منحوا المدينة أجيالاً مفتونة بفن التشكيل من لدن الفنان الموهوب عبد الرحمن بِلّيّة الذي عاد أخيراً إلى مدينته شارعاً في تعليم الناس وتثقيفهم عبر مركز ثقافي كبير حمل اسم (مركز بِلّيّة الثقافي)، ليشغل فراغ المدينة ويسد رتقه الذي إشعل محتواه بالاتساع والخرق حملة كرابيج الامارة والمؤلف بطونهم. وكما لا ننسى جهد الاديب ابكر ادم اسماعيل الذي إحال ليالي القباحات الدامسة، والنتوءات المغبشة للوعي إلى عالم من نهارات الجمال الفاتن وضوء من الابداع الساحر الذي لون مساءاتهم الوردية، وشنف الفضاء بإيقاع الكرنق إتساقاً مع حركة الناس وطريقة معاشهم.
ونواصل عن ام جريدة: كشكول الغرام،،،

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الخميس 08 يوليو 2010, 10:04 pm

مفازات
أم جريدة (3-5)
ناصر البهدير
عروس الجبال مدينة لا يُشقُّ لها غبار، من نوع تلك المدن التي تغويك بالفتنة والخضرة والماء والوجه الحسن. وما يذكر في الدلنج كثيرُ، لا تحتويه كتب، ولا دفاتر، حتى أم جريدة صاحبتنا يعجز كشكول غرامها المعهود أن يدون، ولو قليل من جمالها المترع بالنصاعة، والتي تضارع كسلا وتبزّها، رغم ما بينهما من جبال؛ النوبة والتاكا، وخورى؛ أبو حبل والقاش، وجنائن؛ غابة الدلنج، والسواقي الجنوبية والشمالية.
كعهدها وسط غالبية الطلاب، تميزت أم جريدة بعلاقات صادقة، وجادة إلى حدود بعيدة، من خلالها إجتازت تابو الطلاب أنفسهم، وفتحت بيتها، كحال أهل الدلنج، لجموع طلاب كلية التربية دون فرز، لكل من قصد ديار أهلها العامرة.
توطدت العلاقات، وكم من مرة طرق الطلاب باب البيت لمعاودتها من مرض ما، وكما كثيراً هى بالمقابل تحمل (عمودها) محملاً بأطايب الطعام، وتقطع شاسع المسافة راجلة إلى مستسفى الدلنج الريفي، مفرغة الأواني بشهامة وكرم، ومن ثم تعود وتكررها، حتى يتعافئ المريض، ويمضي إلى الداخلية، طالباً أو طالبة.
لم تجد أم جريدة أي صعوبة في الاندماج مع مجتمع الجامعة والتماهي فيه بعمق، إلى الدرجة التي بلغت شاؤاً بعيداً، مما مكنها من التقاط القفاز، والفوز بعلاقات راسخة ونبيلة. ولم تغب عن عينيها (النجيضة)، حتى أدق تفاصيل العلاقات الاجتماعية بين الطلاب ومجموعاتهم المختلفة، وعلاقاتهم الغرامية؛ الظاهر منها والمخفي، ما تلبث أن تفضحهم في عفوية لا تحتمل، مما تعكر مزاج البعض، وتدخل السرور على آخرين.
وما يهمنا هنا، إكتناز ذاكرة أم جريدة الفولاذية، بوريقات كل الدفاتر الغرامية في كشكول منمقاً ومنضداً، كحبيبات الندى صباحاً، ومسطراً، كتساقط المطر العمودي ليلاً، وكل سطر فيه يحكي قصص ممتعة ومشوقة، كحكايات (ود عكام) حينما يدلهم الليل، وتشاطرنا (الوطاويط) داخلية (تندية) بركس الجامعة، منها ما ارتقأ وسما، كنجم أضاء دياجير الكون، ومنها ما خبأ وانطفأ، كبريق فلز أكسدته الظروف وأفسدته.
من المناسب أن نحكي عن ليالي (ود عكام) الطويلة، ونهارات أم جريدة القصيرة، وكل الفرق بينهما، كالفرق بين حصص اليوم الدراسي، وحصص درس العصر، تكرار يقود إلى تكرار، بفعل براغيث الظلام وجنادب الغفلة. ولكن مع ذلك، لا نملّ ولا نكلّ، تمضي بنا الأيام معتوهة ومعتقة، يشعلها (ود عكام) بصرخاته المبهمة والمتقطعة، ويختمها مراراً بمقولته الفلكلورية المكرورة: (الفولة بتتملي والبقارة بجو)، والمجذوب في ظنه إن خريف الامتحانات يجذب الفراشة.
وهنالك ترصد شجرة (الإنجل) كل شاردة وواردة، ما قيل وما لا يقال، وما هو متوقع قوله، قرب تبلدية جعفر محمد عثمان خليل، أو عند منعطف (ودع هريرة) في السادسة مساء أوان إنتهاء ساعة النهار، وبدء ساعة الليل، وقتها ذوات الخدور يستعدن للحشر في تلك الغرف المعتمة، والتي إحتلتها هوام المدينة في أزمنة هوان معهد التربية العريق، وأستغلنها كمراحيض وغرف نوم وثيرة، لا يعكر صفوها إلا شغب شواذ حشرات الليل وقمل بناتها.
وما أن ينتصف النهار حتى تذيع أم جريدة سيرة ود عكام في المدينة، (تعرف صاحبك دا رجيجيف خلاص من يشوف فاطمة السمحة تجيهو حالة اخير منها يموت .. يكضم عديل وحيلو ما يشيلو)، وقرنا إستشعار المراقبة تلاحق (ود عكام)، أينما يمضي، من الشجرة إلى القاعة أو المكتبة أو فرن محمد أو عمادة الطلاب أو المركز الصحي، والمنى حين يقررن صويحباتها الذهاب إلى السوق أو مستشفى المدينة، تنتابه حالة من النشاط والمرح، كعصفور أُطلق صراحه، رغم أنه مهيض الجناح.
وتستمر أم جريدة في تلفتها يمنة ويسار، كغزال يتوهم، فجاءة يروعها (ود مدني) من بين سردياتها المستمرة، ويضبطها تتحدث في سيرة البنت التي حلبت ضفائرها، وتقول له: (هجمتني والله، البت من الصباح قاعدة مقابلا الولد لا فطور ولا غداء ولا بترتاح، مسكينة القراية كمان فاتت، الله يلعن الولد دا، جنن البت جن، كان لقيت طريقة كان كلمت ليهو العميد وناس الصندوق. وتنبسط (دلوكة فرحها)، لأن الشنافرة قادمون.
ونواصل عنها، وعنهم ..

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 09 يوليو 2010, 9:52 am

مفازات
أم جريدة (4-5)
ناصر البهدير
كما أسلفت القول عن حالة العلاقات الاجتماعية بكلية التربية، وإمتزاجها بما كل ما هو جميل ورائع في إيوان أم جريدة، سمفونية عصافير تبلدية جعفر، مثلها ومثل نغمة سمفونية بحيرة البجع الخالدة للموسيقار الروسي تشايكوفسكي.
بكل أسف فقدت عصافير التبلدية دوحتها، جرآء تهور نزق وقبيح وقتها، إذ قام مدير جامعة الدلنج ابراهيم مختار فجاءة بلا مقدمات باجتزاز وازالة فروع أعظم شجرة تبلدية عرفتها جبال النوبة، وسار بذكرها كل طلاب معهد التربية بالدلنج، وكل طالب سوداني نال تعليماً ثانوياً، قبل تجفيف المناهج وتمييعها، للمساهمة في إذابة سنام الوعى والمعرفة. وكأن المدير أراد أن يقول للطلاب: لقد ولى عهد الغرام، والوقت الآن للعلم، لأن للتبلدية قصة، يبدو أنها مرتبطة بشيء مثل ذلك في ذاكرة التربويين.
في حضرة أم جريدة، وظلها الوارف، لا يمكن إهمال جماعة الشنافرة، ودورها المتعاظم في إحياء الحراك الاجتماعي بمنطقة الداخليات. وتبقى أم جريدة الرقم الذي من الصعوبة بمكان أن تتجاوزه في مسيرة فلاة الشنافرة، بينهم كان الود متصلا، وأموراً كثيرة، بالطبع أم جريدة لا تحكيها، وهذا سر مناكفتها المستمرة لهم.
وجماعة الشنافرة واحدة من الجماعات الاجتماعية التي رفدت الجامعة بالوعى والثقافة، وشغلت حيز الفراغ الذي خلفه غياب التنظيمات، والروابط الاقليمية، والجمعيات الثقافية. ومثلها أيضا جماعة ساكورة التي إختارت لها منزلاً في حى (اقوز شرق) خارج منطقة الداخليات المعهودة، مما قلل من نشاطها واقتصاره على الكلية فقط.
ولقد تفرق شمل الجماعتين، ومع ذلك هم على إتصال دائم، لم تقطعه حالكات الظروف، وما زالوا يحافظون على الود القديم في شبكة معقدة تجمعهم، ويصعب الفصل بينهم، الشنافرة بقيادة الحجاج بن يوسف، ليس ذاك الذي نعرفه تاريخيا، عاطف النور، على ادم (السعودية)، محمود عبد الماجد المحقق (اليمن السعيد)، حسين الريح (الامارات العربية المتحدة)، الهادي عبدالله عنقدة (الدمازين)، السماني زين العابدين (ام درمان)، الهادي بدرالدين كندورة (كنانة)..
أما جماعة ساكورة، بقيادة جابر اسماعيل، مصطفى سعيد، عبد الناصر العليفون، (السعودية)، خالد كنش، على ود المعاك، خالد ابو دوم، عباس فيصل، محمد سراج "سرجة"، قيس يوسف الريح (الخرطوم)، ، ابو هداية (النهود) ..
الشاهد إن أم جريدة إنحازت إلى (الشنافرة) مبكراً، في ظل ظروف عدة فرضتها دائرة حركتهم وسكنهم، وأختارت لها موقعا بينهم ترافقها صغيرتها نهى، لذا لم يكن غريباً أن تجد الصغيرة في حضن أحد الشنافرة ترقص على إيقاع دندناتهم، وتلعب بلا قيود ولا خوف، وساهموا في صيغة وجدانها وتربيتها، وكانوا خير معين وبديل لفقد والدها الغائب في مجاهل الغابات والجبال.
وبقدر ما كان يهم أم جريدة إعالة نهى، وإحسان تربيتها، بذات الفهم تسامت عن ديونها المتعثرة عند الكثير من الطلاب، وهى لا تأبه لذلك، ولا يشغل بالها. وفي خضم كل ما يجرى، إدخلت دوائر إنتاج ومعاملات جديدة خلاف السائد، وواحدة من هذه المعاملات، خبرها الشنافرة، عند قدومهم لتناول الشاى، جبلوا على حمل السكر أيا كان مقداره، لتعد لهم أم جريدة طلباتهم، كل حسب مزاجه، تلبيها دون تذمر أو تعالي، وتقدر ظرف كل طالب، رغم فقرها المدقع.
ومما عرف عن جوقة الشنافرة، حراكهم الكثيف في منطقة الداخليات وكأنهم طيور جارحة، لا يهدى لهم بال، يحلون لوقت قصير، ومن ثم يغادرون على عجل وبقلق غريب يستوطن بواطنهم، يتنادون ويهبطون كالجراد، ويغادرون كذلك، ولا يلوون على شيء. هذا مزاجهم ولكن عند أم جريدة يختلف الحال، يدقون خيام أنسهم وينشرحون، ومن (كباية) شاى واحدة يصنعون تسعة بعددهم، وهذا هو عين المستحيل الممكن.
من الخطل أن نحسب ذلك عليهم، ونزج بهم في دائرة البخل، كل الأمر يتلخص في إنهم يطلبون (كباية شاى تقيلة جدا) وهنا مربط الفرس، وقبل أن تجهز لهم، يبذلون حيلهم والاعيبهم، وكل واحد منهم ممسك بـ(كباية) خالية، يعبون من الطلب الواحد بعد اقتسامه، ومن ثم يضيفون الماء المغلي عليه، وهكذا ينعمون بشاى (خفيف المزاج).
ونواصل ...

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 10 يوليو 2010, 7:09 pm

مفازات
أم جريدة (5-5)
ناصر البهدير
الحديث عن عوالم أم جريدة يبدو سهلاً لناظره بشواهد واقع تلك الأيام التي قضيناها في الدلنج، إلا أن الفرضية الثانية بالشواهد التي تؤكد أن هذه العوالم تكتنزها كنوز المعرفة رغم إنعدام فرصة التعليم ونزوع هذه المرأة العاملة في مهنة بيع الشاى نحو إستخدام الكجور مطية لأغراض حياتها، تعجز عن حصره الذاكرة.
ذات يوم شفيف وماطر لفترات متقطعة كحال ثلاثة وجبات تذدردها عروس الجبال، والمساء يرخي سدوله، مررنا كعادتنا نحو داخلية تندية، ومنها لنغادر إلى سوق المدينة في ساعة اليوم الثانية، لنقتات خبز المساء. فالمهم في الأمر، التقينا أم جريدة في مكان قريب من بيت اسرتها، تبيع من خلاله الشاى والحليب بعد إنتهاء دوام ساعة النهار تحت شجرة الإنجل. كنا مجموعة نهم بالجلوس معها لننال حصتنا المسائية من دردشتها الشيقة، وما أن حاذينا المكان حتى بدأت نقط المطر في الدفق برفق متوازية مع صياحها بعنف مبالغ فيه، لم أشهده من قبل. (تعرف المطرة دي قاصداني عديل .. انا الا امشى اسه اكلم ليها الكجور يوقفه في حدها .. ما ممكن كل ما اخت عدتي تجي هي تنقط وتكب .. ما اشتغل يعني ولا شنو؟).. (قلت لها: الكجور ما بقدر يعمل حاجة للمطرة .. قالت: اسه بجي بوقفه .. خلي بالك انت ما بتعرف الكجور).
دار معها حوار طويل والمطر يتصاعد، حوار إشتعل برغبة الطقس الماطر، وإمتد إلى ما وراء أكمة الهامش القاسي، وظراب تابو الدين، أحسب أن أم جريدة إتفقت في جله مع حديث جرى من قبل مع الاديب ابكر ادم اسماعيل بالخرطوم يوم إستدعت الظروف أن يرسل برفقة خاله (حارن) مضاد السكري إلى الفرشاية لجدته المريضة. بالطبع لا يخفى على أحد تلك الظروف القاسية التي تتمدد عنوة بفعل قادر، وتهيمن قسوة على ريف سوداننا الحبيب، مع ذلك يكيفون أنفسهم مع الفاقة والحرمان؛ أملاً ورجاءً.
مما أشرقت به ديار النوبة، إستطاعت أن تخلق رغم الظروف الطاحنة أمراة مثقفة وطنت نفسها على مغالبة الحياة بالصبر والكدح والمعرفة، لا تفوت فرصة نقاش إلا وأغتنمتها وصارت حديث مجلسها تشريحاً وبحثاً وتفصيلاً، حتى أضحت ذات قدرات مبهرة بزّت جماعة (ساكورة) المعروفة ببيانها الثقافي الراسخ في أرض الكلية، تجادلهم ببساطتها ولهجتها المحببة والأقرب إلى الفهم دون رتوش.
حشدت أم جريدة يوم أن إنعقد مؤتمر السكان العالمي الرابع في اكتوبر 1994م بالقاهرة، كل معرفتها في جدل كثيف غطى المكان وفاض، وأدلت بدلوها العذب من منهلها بكل عفوية ومعرفة فطرية إكتسبتها من حوش المعهد في صباها، ومن ثم قذفت أتون الجدل بحمم نارية صاقعة، وإنفجرت حيال جماعة (الشنافرة) بكلمات مطهمة كجريان خور أبو حبل: (الناس ديل منلمين في مصر عشان ينكلموا دي تلد واحد ودي ما تلد .. شان شنو يعني .. الله دا ما عرفو بالعقل .. وكت جابن الخلقن زى دا ما ساى .. يجو كمان المطاليق يقول كلام زى دا .. الله يسخطن يبقيهن قرود ان شاء الله .. الناس ديل فهمن يبقى الدنيا فاضية من الناس زى الجبال دي .. الحرب ما خلاص عدمتها جت من الرجال).
ووقتها كانت مفجوعة بفقد والد صغيرتها نهى، وتغالب واقعها المرير، وتمني النفس بعودته من غيابات الحرب وكراكير الجبال وأحراشها، وفي الوقت عينه، تخوض صراعاً خفي لا نراه ولا نحس له وجود إلا إذا وجدناها صدفة متلبسة وملتبسة في نقاش حاد مع زميلاتها في سوق العمل خاصة (عسكرية)؛ تلك المرأة التي إتخذت لها مكاناً بالقرب من كافتريا طلاب معهد التربية سابقا، وهو مكان قفر تحتله دواب المدينة معظم الوقت لاتجد من يردعها ويهشها عن وسط أراضي ومباني المعهد القديمة.
ومع ذلك تغفر لنساء السوق كيدهن، وتقول: (ديل حاسداتني ساى في لمة الناس الكتار ديل). أمراة بهذا القوة تثرى المدينة كل صباح وتسقيها فيض إنسانيتها كما خور ابو حبل.

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أبو الليل: عودة الروح

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الثلاثاء 13 يوليو 2010, 8:42 pm

مفازات
أبو الليل: عودة الروح

ناصر البهدير
قبل مئة وستون عاماً تقريباً، إنبرى يراع (إيان كوزاك) في كتابه (بدون طلقة) بسلاسة ومصداقية يحسد عليها، حين وصف مسار الأزمات المالية والاقتصادية، ومنشئها بشفافية لم يكن يتوقعها أحد في ذلك القرن. وقال كوزاك: "أخلقوا مشكلة، ثم أدفعوا الناس الذين ستخنقهم للمطالبة بقوانين تخدم اولئك الذين صنعوا المشكلة".
ويكمن أس المشكلة الحقيقية في أن راس المال يمارس هذه السلوكيات الضارة لكى يكسب مساحة على ملعب الاقتصاد العالمي، يوما بعد يوم، لتعزيز سيطرته على مفاصل الحياة. وما تطرقنا إليه، أسبابه كثيرة، من ضمنها الآن إشتداد أوار الازمة المالية العالمية وتداعياتها المريرة على العالم الثالث؛ الضحية الأساسية لغواية الراسمالية النتنة. ولقد تكبدت الكثير من الاقتصاديات الضعيفة خسائر فادحة، بين ليلة وضحاها، منذ إشتعال ضراوة الأزمة مطلع العام 2008م، وقابلها في ذات الوقت أزمة غذاء عالمية، ما تزال أثارها تنضح بالتواتر، وسط ظروف كونية بالغة التعقيد.
بالطبع الأزمة لم تستثن الساحل الخليجي الطافح بالزيت وفيوضات الأرصدة المهولة في المصارف العالمية، حتما لا نقصد الساحل الفارسي الذي وظف الأزمة لصالحه على طريقة الثعلب، حينما يكون متخماً، ويجد نفسه في قن الدجاج، كلنا يعلم كيف يتصرف!، ثم يمضي وينتظر صباح الغد لأن النهر سيحمل له صيده الليلي مجاناً كما يصح القول الصيني المأثور قديماً.
على كل، إختلطت كل أوراق الإستثمار والاقتصاديات الخليجية، وتبعثرت في اليم الخليجي كدواماته، في اسوأ ازمة كساد رفعت معدلات التضخم، حيث تصاعدت أسعار السلع الغذائية بصورة جنونية، وأيضا قضت على معظم مدخورات النفط في السنين السمان، وقت أن تصاعدت أسعاره، وبلغت حداً لايمكن معه تصديقه؛ 147 دولاراً للبرميل.
لذلك، لم يكن مستهجناً، أن تتكالب المؤسسات التجارية في إنتهاج حيل التخلص من الحرج، كما أعتاد فقهاء بلادي في إباحة الرشوة لإسترداد بعض الأوقاف الوطنية المطموسة، نتيجة هوان وطني ماضي، أيقظه الإختلال السلطوي. أعتقد جازماً أن ذلك لن يفيد طالما سابقاً جربت هذه الخطة في عهد منسق قديم للحج والعمرة بجدة حيث دخلت بعض ملايين من الريالات في (حيص بيص) رغم أنف اللجان المعينة، التي نصحت سابق الذكر بتدبير بعض الفواتير لمعالجة أوجه القصور.
ورغم ذلك، تمكن محمد أبو الليل أن يمضي في خطته وينهي حالة إغترابه التي أوشكت أن تبلغ سبعة عشر عاماً قضاها معتكفاً وصنديداً في ورش صيانة سيارات المرسيدس كأعظم السودانيين إخلاصاً ونبلاً بمملكتى السعودية والبحرين.
محمد الامين يوسف خريج مدرسة أبو العلا لتوكيلات المرسيدس، والتي جار عليها الزمان، وأصبحت في طى النسيان وأقبية الذاكرة، وتبقت في ذاكرة القليل من الذين عاصروها. تعلم في تلك المدرسة على ما يعينه لصيانة السيارات الفاخرة، وسلك طريقاً وعراً، ولكنه نجح بمقاييس ذلك الزمان الجميل.
أما قرار عودته، من ناحية تحفها المخاطر وتهددها الفتائل الملغومة، والدخول المبكر في برنامج عودة رحلة صيف الطيور المهاجرة في فجاج الأرض من ناحية أخرى. فالأرزاق بيد الله، ويبقى السؤال قائماً ماذا أعدت الدولة لجموع العائدين، وهم كُثر؟، ما بين من تنكب الصعاب، وحزم أمر العودة، ومضطر غير باغٍ ولا عادٍ، وآخر لفظه سوق العمل الخارجي، وآخرين تقطعت بهم السبل ومحن الهجرة والمغترب.
أبو الليل عبر عباب المخاوف، وتدثر بتفائله ومضى، وهو الآن جوار والدته وأهله وأصحابه وجيرانه بالحارة (17) الثورة بام درمان منذ يوم 8 يوليو العام الجاري، ينثر حكاوي الغربة اللعينة وتداعياتها عليه، وسط تحسر على زمان مضى في جحيم بيئة عافته كبشر، ومكان هنا بالبلاد إعتراه تخثر الريف، ومال المدينة، ودوارات شمس الضحى الخاسرة.
ثمة ما يدعو للفرح في حالته، كونه إنتهى إلى أن عذابات سوق العمل الأجنبي غير رحيمة، فضلاً عن أنها قاتلة مهلكة للروح، وتشوه الأبناء وتحيلهم إلى مسخ مشوه، لا هو قادر على التعبير عن ثقافته الاصلية، ولا هو تماهى في الجديد المكتسب؛ كشر مستطير، وخيراً حين عاد وإنتصر على أشواق النفس المقيتة.

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مفازات

مُساهمة من طرف خالد حسن بخيت في الخميس 10 أبريل 2014, 9:23 am

هل مثل هذا الجمال ...
ينسي ... ؟؟



..

مشرف المنتديات الأدبية


خالد حسن بخيت
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 1930
نقطة : 7157
تاريخ التسجيل : 10/02/2010
العمر : 40
الموقع : www.3aza.com/vb
المزاج : مسلم

http://www.3aza.com/vb

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى