منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة
منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة ترحب بالزوار من ابناء المنطقة وجميع الاحباب والمريدين داعين لمد جسور التعارف بين الجميع ودوام التواصل
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» مهدي الدود.. البقاء لله
الأربعاء 07 سبتمبر 2016, 2:26 pm من طرف عائدة محمد الحسن

» هاوية الحدس
الجمعة 19 أغسطس 2016, 3:06 am من طرف ناصر البهدير

» أحزان آل سيد أحمد محمد
الثلاثاء 02 أغسطس 2016, 7:27 pm من طرف ناصر البهدير

» قصص .. عبد العزيز بركة ساكن
السبت 23 يوليو 2016, 5:36 pm من طرف ناصر البهدير

» الغالي أوشي.. فرحنا العام
الأربعاء 20 يوليو 2016, 10:27 am من طرف ناصر البهدير

» غياب بطعم الحضور (2)
الأربعاء 06 يوليو 2016, 1:36 am من طرف ناصر البهدير

» الكتابه في العربات (الركشات +الحافلات)
الأحد 12 يونيو 2016, 11:04 pm من طرف ناصر البهدير

» أحزان التوم لاعب التضامن والسكر
الأحد 12 يونيو 2016, 11:00 pm من طرف ناصر البهدير

» أقوال
الأحد 12 يونيو 2016, 12:03 am من طرف ناصر البهدير

» هَيْثَمات.. أحد عشر كوكبا
الخميس 02 يونيو 2016, 2:57 pm من طرف ناصر البهدير

» طرائف رباطاب -مساخة -سرعة بديهه
الخميس 02 يونيو 2016, 1:31 pm من طرف ناصر البهدير

» أحزان آل آدم حامد
الأحد 29 مايو 2016, 2:32 pm من طرف ناصر البهدير

» من أَنبأَك هذا!
السبت 28 مايو 2016, 10:05 pm من طرف ناصر البهدير

» حبيبنا المصنع
الخميس 26 مايو 2016, 9:40 pm من طرف ناصر البهدير

» زفاف أشرف يوسف
الخميس 26 مايو 2016, 11:27 am من طرف ناصر البهدير

» عبد الله المصري.. ساقية الحس المرهف
الإثنين 23 مايو 2016, 3:35 pm من طرف ناصر البهدير

» لحن الصباح
الإثنين 23 مايو 2016, 9:23 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» مع السكر حتى الصعود
الخميس 19 مايو 2016, 2:40 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» قبيلة السكر
الأربعاء 18 مايو 2016, 8:16 pm من طرف ناصر البهدير

» لحن المساء
الأربعاء 18 مايو 2016, 4:31 pm من طرف ناصر البهدير

» احزان على عوض سعد
الثلاثاء 17 مايو 2016, 3:23 pm من طرف ناصر البهدير

» افراح ال بشير مهدى
الثلاثاء 17 مايو 2016, 3:12 pm من طرف ناصر البهدير

» الدلاله
الإثنين 16 مايو 2016, 3:21 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» الذكرى الخامسة لتأسيس المنتديات
الخميس 12 مايو 2016, 6:09 am من طرف محمود بلال

» زوله حنينه .. قلبها ابيض
الأربعاء 11 مايو 2016, 10:29 pm من طرف محمود بلال

»  الأحباب المشرفين..
الأربعاء 11 مايو 2016, 10:11 pm من طرف محمود بلال

» أفراح آل هشام سيد أحمد صالح
الأربعاء 11 مايو 2016, 6:33 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» أفراح آل عبد الرؤوف سعيد
الأربعاء 11 مايو 2016, 6:31 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» افراح ال يحى محمد
الأربعاء 11 مايو 2016, 5:24 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» سيدون .... وصل
الثلاثاء 10 مايو 2016, 8:54 pm من طرف محمود بلال

» بلال الصغير وصل
الثلاثاء 10 مايو 2016, 7:51 pm من طرف محمود بلال

» الخدمه المستديمه الف مبروك
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:46 pm من طرف نازك يوسف طه

» شهرالشفاعه(شعبان)
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:32 pm من طرف نازك يوسف طه

» مجدى (كجيك)عريس السكر
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:26 pm من طرف نازك يوسف طه

» عيال الفكى عرسان السكر
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:22 pm من طرف نازك يوسف طه

» حافظ عمر .. في ذمة الله
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:02 pm من طرف نازك يوسف طه

» عنتر عريس
الثلاثاء 10 مايو 2016, 1:59 pm من طرف نازك يوسف طه

» إنتــــــــــــــــــباه
الإثنين 09 مايو 2016, 8:42 pm من طرف محمود بلال

» أحمد المصري .. في ذمة الله
الإثنين 09 مايو 2016, 6:32 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» عرفة حميدي.. البقاء لله
الأحد 08 مايو 2016, 9:36 am من طرف ناصر البهدير

» دنان واطة حموري
الجمعة 06 مايو 2016, 9:21 pm من طرف ناصر البهدير

» يا اسمر
الجمعة 06 مايو 2016, 7:51 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» قرموني.. ليس وحده!
الخميس 05 مايو 2016, 1:17 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» نهائى (ميلنو)
الخميس 05 مايو 2016, 1:14 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» رمضان جانا
الخميس 05 مايو 2016, 7:20 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» مرحــــبا بالتسعة الجدد
الأربعاء 04 مايو 2016, 2:51 pm من طرف نازك يوسف طه

» العنصرية تطفو من جديد
الأربعاء 04 مايو 2016, 12:29 pm من طرف سامر صلاح

» الطيب سعيد(عريســــــا)
الثلاثاء 03 مايو 2016, 10:33 am من طرف ناصر البهدير

» احزان ال هدو
الأحد 01 مايو 2016, 4:31 pm من طرف ناصر البهدير

» اعتذار
الأحد 01 مايو 2016, 4:17 pm من طرف ناصر البهدير

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع

أكتوبر 2016
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
     12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31      

اليومية اليومية

مجموعة الفيس بوك
</li></ul><div
 id="follow_fdf"><a target="_blank" href="https://www.facebook.com/#!/groups/sugarhalfa/"><img alt="Facebook"
src="http://illiweb.com/fa/optimisation_fdf/fr/facebook10.png"/></a><a
 target="_blank" href="https://www.facebook.com/#!/groups/sugarhalfa/"><img alt="Twitter"
src="http://illiweb.com/fa/optimisation_fdf/fr/twitter10.png"/></a></div>


<style>

#follow_fdf {
  float: right;
  background: url('http://i40.servimg.com/u/f40/11/60/75/36/follow14.png') no-repeat scroll 0 5px transparent;
  padding-left: 1098px;
}

#follow_fdf img {
  vertical-align: middle;
  max-height: 50px;
  transition-duration: 400ms;
  -moz-transition-duration: 400ms;
  -o-transition-duration: 400ms;
  -webkit-transition-duration: 400ms;
}

#follow_fdf img:hover {
    transform:rotate(-10deg);
    -ms-transform:rotate(-10deg);
    -moz-transform:rotate(-10deg);
    -webkit-transform:rotate(-10deg);
    -o-transform:rotate(-10deg);
}
</style>
FacebookTwitter

قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

عبد العزيز بركة ساكن{من أبناء خشم القربة}

مُساهمة من طرف عبد الرحمن موسي ادريس في السبت 14 يناير 2012, 9:44 pm

الروائى المبدع عبد العزيز بركة ساكن الذى سكن مقص الرقيب بين طيات كتاباته الطليقة التى لاتؤمن بالحدود, هو من أبناء مدينة
خشم القربة تشبع بطيبتها وطبيعتها وعراقتها وطيبة إنسانها ..فكانت روايته وقصصه المحظورة جميعها دون إستثناء..
{إمراءة من كمبو كديس}{الجنقو مسامير الأرض}الحائزة على جائزة الطيب صالح {رماد الماء}من ثلاثية البلاد الكبيرة..
أقدمه لكم ليس تحيزاً لبلدى الثانى {القربة}ولكن لأنه محارب فى إبداعه لصدقه مع نفسه وقرائه..وسنواصل فى تقديم بعض من أعماله
تباعاً إن شاء الله....

بَيتيَ:غَابةٌ صَغيرةٌ وَجبلٌ،بَيتُهَا قَلبَيْ. - (مجلة الى الثقافية)
قلبي زرائبُ خنازيرٍ، أعشاشُ دجاجِ وزنبقةٌ سوداءْ. في فصل المطر تمر البروق عبر نافذتي، تستريح قليلاً على لحافي الباردِ، تدفئه، تغني لي بهزيمها العنيف. تدهش دجاجات القلب و خنازيره، قلبي مطرقةٌ وعيناها طبلانْ.
في هذا الصباح، لا امرأة لي، لذا ظلت أظافري تطول، نمى الفطر الطيب في إبطيَّ، وعلي هامتي يسكن العنكبوت. عندما لا تكون امرأتي في البيت، أذهب الى المقبرة ، احمل لها بقايا ماتركت في غرفة النوم، جرائد صفراء، قصائد لم تكتمل، اشرطة فديو لحفل تخرجها من الجامعة، احذيتها الكثيرة الخالية من الكعوب، ورود و اناتيك صغيرة، جهاز موسيقي عاطل، قوارير عطر كثيرة،هاتفها الذي ظل يرن الليل كُله- كنت اخشي ان تكون هي من يتصل- آنية المطبخ، جواربها، صور طفولتها، سريرنا السنطي الفسيح، عيناها مسمرتان في كل زوايا البيت، يدها تلوح لي خلف الستائر، حقائبها الكبيرة المملوءة بالأشياء، التي لم تستخدمها قط، صورتي الشخصية في ملف المرض اللعين، لحظة أن شاهدتها أول مرةٍ، أحمل لها قُنينة الدواء، مصاحفها و كتيباتها الصفراء.
عندما لا تكون في البيت فانها حتما تكون هنالك، تملأ الغياب اغنيات باهيات، لماذا يترك لك الراحلون مسئولية ذكرياتهم، لماذا يتركون لك البيت وحدك، لماذا يتركون ملابسهم هنا وهنالك، لماذا لا يحملون معهم بعض الأمتعة الخاصة، مثل اشجار الزينة و الأصص، دولاب الملابس المحشو،عطر الصندل، الأعشاب الطبية، والجدران. لماذا يتركون رائحة اجسادهم في المكان، لماذا لا يأخذون ارواحهم أيضاً؟
عرفت الآن الحكمة من أن أجداي كانوا يدفنون مع الراحل كلما يخصه، لأنهم كانوا يعرفون، ان الراحل يبقي حزينا في متعلقاته.
في هذا الصباح لا امرأة لي، ليس هنالك من يطقطق اصابعي لينبهني ان وقت العمل قد آن، و أن الأطفال سيمضون الى المدرسة و ان الطريق اليوم به وردتان، ولا موسيقي غير نشيد الحياة، كل تلك الأغنيات سوف لا تجد شفةً تموسقها، وجسداً يرقصها، تبقى في أغبية الروح، ما بين دجاجة وأخرى خنزير، يمرق انوفه في الوحل، يبحث عن اصل الأشياء، تقرصه دودتان، الرجل الذي قُدَّ من عُشبة الخريف، لا يثمر الا في ساعة الفصول. يرتب ايقاعِه بنشيد الوقت، ولا وقت لي. أنام في ارجوحة صمتي و لا صمت لي. اتجول مابين اليوم و غروب الشمس، لا شمس لي. أعرفُ كيف اضحك بنصف قلبٍ و أبكي بالقلب كُله، مثل صديقي أحمد زكي. تعلمتُ من الطائر فلسفة الريشة، فكتبتُ. وتعلمتُ من الريشةِ حكمةِ الطيران، فحلقتُ بعيدا في سماوات الحبيبة. علمتني الحبيبة ألا اثق إلا في الجسد ، فهو لا يكذب بل يبقى مثل الوجود: فانيا ودائما.
في هذا الصباح تحكي لي العُشيباتِ ما يبكيني و يضحكني، تحدثني عن الله، وكنت اظنني قد مررت على الجبل مرات كثيرة، و أنني خبرتُ الغابة مثل كف يديّ، و أظنني في الوحدة صرتُ العالم كله، وكان البرقُ يمر بنافذتي، يقبِّلُ طينَ الشبابيك، يتوعدني بهزيم يطيح بالعالم خلف الطرقاتِ المنسية. العالمُ يبقى دائما تحت سطوة البرق، يبلل المطر شفة البرق، يلعق بلسانه الروج البني، تتبسم العصافير الصغيرة المتخفية تحت النافذة، عصافيرُ الكُلجْ كُلجْ.

صباحي يخلو من امرأةٍ، أعني : يخلو من طعم الخبز الطازج وثرثرة الماء.

على كفي تنمو اشجار الجوغان، تمتد اغسانها في دمي، تظلل وجهي وتركُ عليها اليمامات، تزرغ اليمامات في عيني، وعندما ينتهي موسم المطر الصيفي تثمر الذكرايات الجميلة. لم يكن ضمن احلامنا الموت، كنا نتجاهله و نثور عليه لأننا لم نتعرف على ثروته العدمية بعد ، لعبنا على ظهره الفسيح ورسمنا تمائم البقاء في ساقيه بالحناء و الحنظل، وظننا – وكنا محقين- إنَّ الموت مات، و قلنا لي: احذر الحياة. الحياة تغويني كسُرَةِ الطَفَلةِ. كسرطان حميم يذهب بأنفاسك الشهية نحو بئر الإختناق، مثل كابوس لا فكاك منه إلا بالرحيل.
يخلو الصباح منك: يخلو مني، يبدو غريباً عن نزق الفجر ووسوسة اللإنتشاء.

عبد العزيز بركة ساكن
الكرمك
26-7-2010




..

المدير العام


عبد الرحمن موسي ادريس
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 1830
نقطة : 6475
تاريخ التسجيل : 19/09/2011
العمر : 59
الموقع : مصنع سكر حلفا الجديدة
المزاج : مسلم/سنى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف عبد الرحمن موسي ادريس في السبت 14 يناير 2012, 9:49 pm

مباشرة بعد حصولك على جائزة الطيب صالح للرواية قلت أنك تشعر و كأنك مصاب بالغثيان هل تشعر بعدم جدوى مثل هذا النوع من التكريمات؟
ومازلت أحس به،اشعر بأنني سعيت إليها مدفوعا ، حيث أنها تمثل البديل الوحيد لتوصيل الكتاب إلى القارئ و الناقد الجاد في بلد لا توجد فيه مؤسسة ثقافية فعلية رسمية واحدة، ومكبل فيه العمل الثقافي بقوانين عفا عنها الزمن وهي اقرب لقوانين محاكم التفتيش في القرون الغابرة، لقد كنت وصوليا وحقيرا وانأ استلم تلك الجائزة وغيرها من الجوائز، حقيقة لم أحس بنيلي للجائزة أنني أنجزت بذلك شيئا ذا بال، بل فضحت نفسي أكثر. بالطبع، مع كامل احترامي لجائزة الطيب صالح ومركز عبد الكريم مرغني الذي يعمل في صمت و ظروف صعبة من اجل الثقافة و الإنسان.




..

المدير العام


عبد الرحمن موسي ادريس
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 1830
نقطة : 6475
تاريخ التسجيل : 19/09/2011
العمر : 59
الموقع : مصنع سكر حلفا الجديدة
المزاج : مسلم/سنى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 14 يناير 2012, 10:51 pm

شكرا الحبيب عبد الرحمن وانت تنتقل بنا الى رحاب فضاءات المبدع عبد العزيز بركه ساكن ويبدو انك لا تعرف انه قريبا منك يقطن حلفا الجديدة حيث يعمل موظفا في منظمة بلان سودان بشارع الدكاترة بدبروسة ولكن لا ادري ما زال موجودا ام غادر على عجل لانه قلق كحال المبدعين ببلادي ... ويمكن ان تسأل عنه الاخ احمد عثمان الحاج من ابناء الحارة الثانية لانه يعمل هنالك ايضا.
واذا كان موجودا من الممكن ان توظفوا ذلك لصالح المنتدى وتدعوه لندوة نقدية على الاقل لمناقشة قصصه الرائعة وذلك على مسرح المصنع باسم منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة ولا اعتقد بان المشروع كبيرا طالما هو قريبا منكم .. ونحن معكم بالغالي والنفيس ...


عدل سابقا من قبل ناصر البهدير في الثلاثاء 30 يوليو 2013, 1:24 pm عدل 1 مرات

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف مندكورو في الأحد 15 يناير 2012, 10:46 am

أستاذ عبد العزيز ساكن إنسان مسكون بالإبداع

تدهشك كتاباته وتحلق بك إلي عوالم من الجمال والإنبهار

أضم صوتي لصوت الأخ ناصر وياريت

تباصر لينا ود مدينتكم هذا الجميل ليشرف

هذا المنتدي ويجمله بروائعة

شكرآ ياود موسي يا جميل

مندكورو
عضو فضي
عضو فضي

عدد المساهمات : 345
نقطة : 3900
تاريخ التسجيل : 10/01/2012
الموقع : سلطنة عمان
المزاج : هادي

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

المَجَرُوحْ: عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف عبد الرحمن موسي ادريس في الأحد 15 يناير 2012, 9:27 pm



1
ضُلايَةْ.
زوجتي هي التي أصرت علي العودة إلى البيت، على الرغم من أننا استطعنا أن نأخذ أطفالنا الخمسة جميعاً معنا إلى الجبل، الشيء الذي لم ينجح فيه الكثيرون، حيث إن ضجيج الطائرتين المقاتلتين أربك الناس كلهم، وجعل الأطفال يهربون في كل اتجاه مما صعّب مهمة الآباء و الأمهات في إنقاذ جميع أطفالهم، وخاصة أن بعض الأسر لديها أكثر من عشرة أطفال ، وكثير من الأسر لا آباء أو ذكور ناضجين بها، فإما أنهم مقاتلون في الجبهات، و إما أنهم قتلوا، أو مهاجرون في أنحاء السودان الأخرى بحثا عن العمل، طلبت منها أن ننتظر قليلا حتى نتأكد من أن جميع الجَنْجَوِيدْ الذين قاموا بالهجوم - بعد أن مضت الطائرتان- قد غادروا القرية ، وكنا نرى الدخان من موقعنا ولكنّا لم نستطع أن نرى حركة الجَنْجَوِيدْ، فإنهم يعملون بسرعة ، يقتلون من يقع في بصرهم، إذا كان رجلا و يغتصبون من كانت امرأة، وهم في ذلك لا يفرِّقون مابين من هنَّ طفلات ومن هنَّ ناضجات، أو عجوز، ينهبون، ويحرقون القطاطي، ولكن كل شيء يتم بسرعة بالغة، وقد يأتي بعدهم الجيش النظامي أو لا يأتي، ودائما لا يخشى الناس الجيش النظامي كثيرا؛ لأنه في الغالب يتعامل مع المسلحين فقط، ولا يوجد مسلحون في القرية. و لكنهم أيضا لا ينتظرون من الجيش النظامي أنْ يحميهم من الجَنْجَوِيدْ، المهم أصرَّتْ زوجتي أن نعود ، طالما لم يكن هنالك جَنْجويد ولا خوف من الجيش النظامي، فهي تخفي إرث أسرتها كله من الذهب في القطية، وتظن أننا قد نستطيع أن ننقذ شيئا من الثروة تساعدنا علي العيش في معسكر النازحين، إذا استطعنا أن نصل إليه في تخوم مدينة نيالا، حيث لا جدوى من البقاء في ضُلايَةْ مرة أخرى.
وجدنا عددا كبيرا من الأهل و الجيران قد سبقونا إلى القرية وتوافد آخرون بعدنا، كانوا مثلنا يتخفون من المهاجمين عند الجبل الوعر، كل أسرة تهرول الآن تجاه بيتها أو ما تبقى منه، قليل من القطاطي هي التي سلمتْ من الحريق ولكن كل البيوت قد نهبت تماماً، وُجِدَ بعض الرجال وجلهم من كبار السن قتلى، بعض الصبيات المغتصبات يبكين و يرتجفن من الخوف و الإحساس بالعار، كانت(ضُلايَةْ) قرية صغيرة تقع غرب مدينة نيالا في إقليم دارفور، بها مائتا أسرة فقط وحوالي ثلاثمائة قطية مبنية من قصب الذرة و القش،محاطة بجبل وعر من جهتي الشمال و الشرق، وفي جهة الجنوب يحتضنها أحد روافد وادي (بِرْلِيْ) الكبير ويطمر بمائه سهلا خصبا يمتد عشرات الكليومترات، يستغله السكان القرويون في الزراعة،فوجود القرية على ضفة الوادي، ما فوق السهل وبين هذه المرتفعات، جعلها تصبح مثل كومة من البيوت متلاصقة متراصة مع بعضها البعض؛ لذا كان صراخ زوجة آدم التجاني وطلبها المساعدة، قد سُمِعَ في كل بقاع القرية، وحمل الرجال ما لديهم من أسلحة بلدية و مضوا نحوها تلحق بهم النسوة و الأطفال، كانت(أيّة ) زوجة آدم التجاني تقف عند راكوبتها المتهالكة قرب قطيتها المنهوبة وهي تصرخ و تشير بيدها إلى مخلوق لا تبين ملامحه جيدا، يغطيه ركام الراكوبة، تقول إنه:
- جَنْجَوِيد !
هتف أخي منصور بكل ما لديه من صوت
- جَنْجَوِيد وَدْ البُقُسْ.
وأراد مهاجمته، إلا أنني أوقفته خوفا من أن يكون الجَنْجَوِيدْ مسلحا، نصح البعض بأن نحرقه وهو في الراكوبة المتهالكة، آخرون كانوا يفضلون دفعه علي الخروج ثم ذبحه أو تقطيعه حيا، و أقسمت امرأة مغتصبة أنها سوف تأكل كبده ، هتفنا فيه أن يخرج و إلا قمنا بإشعال النار في الراكوبة و بذلك سيشوى حيا،وكاد البعض أن يفعلها، لولا أنه زحف خارجا من القطية، كان سميناً ذا شعر كثيف، له وجه طفولي مستدير، يحيط نفسه بالتمائم و الأحجبة، لونه بني، تحت إبطه طفلة صغيرة يبدو انه مغمى عليها، يضع سكينا كبيرا في نحرها علامة تهديد بأنه إذا هوجم سيقوم بقتلها، كان مصابا إصابة واضحة وبالغة في رجله اليسرى وتبدو عمامته التي يربط بها الجرح حمراء تماما من الدم، ولكن ما استغرب له الناس جميعا هو أن الجَنْجَوِيدْ لم يكن سوى آدم راشد ، ابن راشد الأبالي المعروف في كل القرى التي تقع على مسير أو درب العرب الرعاة ، كانت تربطه أواصر صداقة و تجارة ونسب بسكان ضُلايَةْ ، إحدى نسائه هي عمتي سعدية بت أبو علوية، وكان يبيع السمن و الجمال الذكور إلى الناس في القرية و يشتري الذرة و العسل و الصابون من القرويين، بل انه كان يترك كثيرا من حيواناته التي كبرت في السن ولا تستطيع المسير إلي بحر العرب في الصيف و بعض الجمال الصغيرة التي لا تتحمل الظعن ، يتركها في القرية أمانة في منزل جدي (أبو علوية) الذي يقوم بسقيها و إطعامها طوال فصل الصيف ، وأن ابنه آدم راشد، هذا الجَنْجَوِيدْ هو أخي في الرضاعة.
طلبت منه شخصيا أن يترك البنت التي تبدو كالميتة الآن، ويسلمها لأمها، و ذكرته بأننا نعرفه، وهو ليس غريبا عن هذه القرية ولا أهلها و إن أباه رجل يحترمه الجميع هنا و ذكّرته بأنه أخي في الرضاعة، أخي أنا زكريا، ولكنه أشترط علي أن أحلف قسما على كتاب الله بألا أدع الناس يقتلونه،و إلا قتل الطفلة و مات معها، أحضرت أم الطفلة مصحف قرآن محروق نصفه حيث لم يوجد مصحفا سالما في الجوار، حُرقت المصاحف مع القطيات، حلفتُ علي المصحف الحَرِيقْ، فترك الطفلة، حيث إن أمها خطفتها من بين يديه، وهرولت بها بعيدا محاولة إنعاشها أو إحيائها من جديد، حاول الناس الإجهاز عليه، إلا أنني وبعض الشيوخ طلبنا من الناس المشورة أولاً و أن يحترموا قسمي على المصحف، فعلوا وتفرقوا كل إلي مأساته ، أما الجَنْجَوِيدْ آدم راشد حيث أنه لا يستطيع الهرب نسبة لجرحه البليغ، قمت بتركه قرب الراكوبة ذاتها مع ربط رجله السليمة علي وتد كانت تربط به الجُحُشُ، ثم قمنا جميعا - نحن الرجال- بدفن الموتى في قبر واحدٍ كبير، حيث لا وقت ولا طاقة لنا بتخصيص قبر لكل واحد من الموتى العشرين، من ثم لحقت بزوجتي و أبنائي الذين وجدتهم يعملون بجد في البحث عن كنز أمهم تحت رماد قطيتنا المحروقة.
2
الجَنْجَوِيدْ (هَمْسٌ).
أنت تَحِسُ الآن بالندم، بل بالخوف، لأنك ما كنت لتندم لو استطعت الانسحاب مع زملائك الجَنْجَوِيدْ بسلام، بدلاً من الندم لكنت الآن تستعيد ذكريات القتل و الاغتصاب الممتعين مع أصحابك علي رائحة شواء الأغنام المنهوبة ولسعة عرقي البلح المنعشة، مثلما حدث عقب عشرات الغزوات التي أنجزتها بنجاح مع رفاقك، و الذين يحتفلون الآن في مكان ما، ويذكرونك ضمن الأموات و المفقودين، ووفقا لقانون سري صارم تعملون به، إنه لا رجعة للبحث عن مفقود أو دفن مقتول ، ولكنك أيضاً بدأت تحس بالندم، لأنك هاجمت هذه القرية بالذات، قرية ضُلايَةْ و اغتصبت الطفلة التي تعرف أمها جيداً و أباها وكلَّ أسرتها، القرية التي جئتها صغيراً مريضاً حيث تركك والدك راشد الأبالي في منزل أبي علوية صديقه ؛لأنه لا يستطيع أن يظعن بك و أنت مريض تحتاج إلى علاج لا يوجد في الفلوات و المفازات، ولو أنه ليست هنالك مستشفى أو عيادة بالقرية، إلا أن أبي علوية نفسه يعمل كطبيب بلدي وهو غالباً ما به، وأنه أخي في الرضاعة .
- أقتله أنا؟ ينجح في علاج القرويين من أمراض مثل الملاريا و البرجم و الحصبة وفقر الدم وحتى السعال الديكي و اليرقان، ولأن أمك مضت مع أبيك نحو بحر العرب، طلب أبو علوية من أخته أن تقوم بإرضاعك مع طفلها زكريا،أنت الآن لا تنسى كل ذلك، تذكره، وتذكر طفولتك الأولي ولعبك مع أقرانك في شعاب القرية، الطريق الى المدرسة في قرية (كُويَا) البعيدة ، و السباحة في الوادي و الرقص و الغناء مع البنيات و الصبايا في ليالي ضُلايَةْ المقمرة، ولم تذهب مع والدك إلا وأنت في الثامنة من عمرك، وكنت تحفظ القرآن و تتحدث لغة أهل ضُلايَةْ بطلاقة، إلى الآن تجيد التحدث بها، تحس بالخوف، لأن جُرحك ما يزال ينزف و هو يؤلمك بشدة، كما أنك لا تستبعد أن يتسلل إلى مكانك أحد القرويين الذين فقدوا أعزائهم وممتلكاتهم و يقوم بالانتقام منك بقتلك، أو أن تقتلك أم الطفلة التي اغتصبتها، ربما تكون قد ماتت الآن، وبينما أنت مابين خوف وندم، قفز في ذهنك سؤال عصي: لماذا قمتَ بما قمتَ به؟؟
وهنا مَرّ أمامك شريطٌ طويل من الأحداث، بدأ بالرجل الغريب الذي اجتمع بأبيك، وكيف أن أباك تشاجر مع الرجل، ثم بموت أبيك المفاجئ بعد ذلك، ثم بعودة الرجل الغريب مرة أخري ومعه غرباء آخرون و بعض شيوخ و شباب رعاة الإبل، كانوا يطوفون علي الفرقان ويقنعون الناس بالتدريب علي حمل السلاح وفنون القتال، من أجل حماية إبلهم و فرقانهم من النهب المسلح و اللصوص، وبعد أن تدربوا على حمل السلاح تحدث الغرباء عن الأرض و الحواكير و الأودية و المراعي والعرب و الزُرقة، ولأول مرة تعرف– كنت في العشرين حينها- أنك من العرب وأن سكان ضُلاَيَة وغيرها من الزُرقة؟، لقد شرح لكم الغرباء العارفون بكل شيء الذين يوزعون السلاح و المال بكرم و سخاء عظيمين، من هم الزُرقة ومن هم العرب، واندهشت مرة عندما أكد الغرباء لكم أن قبيلةً ما من العرب ، ثم عادوا مرة أخروا وقالوا لهم إنها من الزُرقة ؟
قطعت سليل أفكاركَ حركة أقدام تقترب منك.
3
زَوجَتي الشِرِيرةَ.
قررنا جميعا أن نغادر إلى مدينة نيالا حيث معسكرات النازحين، بحثا عن الأمن و سبل العيش، فلم تعد هنالك مساكن تأوينا ولم يعد هنالك سوق نستاق منه، وكل أشجار الفاكهة و المزارع تم تدميرها و حرقها بواسطة مادة تلقيها الطائرات عليها فتشتعل، يعرفها الناس بالبدرة، الشيء الوحيد الذي بقي سالما ولم يمس بسوء هي بئر ضُلايَةْ الشهيرة المعروفة في تلك النواحي ذات الماء الكثيف الدائم القريب من سطح الأرض، نحن نعرف السبب من ترك هذه البئر سالمة، بعد أن أخذنا من الماء ما وجدنا له أوعية، قمنا برمي الحيوانات النافقة من حمير و إبل و أبقار فيها و ما استطعنا نقله من حجارة و أوساخ فيما تبقى لنا من زمن بضُلايَةْ، تركناها بئرا لا يمكن أن يشرب منها بشر أو حيوان قبل أن نعود إليها نحن الذين قمنا بحفرها، حتماً في يوم ما .
كان يؤرقني مصير أخي الجَنْجَوِيدْ آدم راشد، لا يمكن أن نأخذه معنا فالرحلة إلى نيالا بالأرجل، لقد قُتِلَتْ الحميرُ أو هَرَبت في الخلاء، ولا سيارات في القرية غير تراكتور حاج إدريس و قد تم حرقه كذلك، و آدم راشد لا يستطيع المشي، ولا يمكن حمله، فبالإضافة إلى أنه سمين فهو لا يستحق ذلك،لأنه قاتل وناهب و مغتصب، وأيضا لا أستطيع تركه ليموت عطشا و نزفا، لأنه بصورة أو بأخرى أخي، كانت تنازعني مشاعرٌ و أفكارٌ متضاربة، وقلت لنفسي دع الأشياء تمضي وفي اللحظات الأخيرة قد يأتي الحل، حدثتني زوجتي المسرورة التي تحصلت علي كنزها أخيرا في قلته المدفونة في وسط القطية سالماً،أن نستعجل الرحيل وخصوصا أن الليل أخذ يسدل أستاره وهو الوقت المناسب للرحيل ، قلت لها
- و آدم راشد؟
قالت لي ، بصورة قاطعة
- اقتله.
صرختُ مندهشا، لأنني ما كنت أتوقع مثل هذه الإجابة منها ، وهي تعرف علاقتي
قالت ببرود
- أيوا.
وعندما رأتني استغرب ذلك أكدت لي أنه الحل الوحيد؛لأنني حلفت أمام الناس ألا أدع أحدا يقتله و الناس احترموا حليفتي، ولكني لم أحلف بأنني لم أقتله، وهاهي طفلة زينب جبرين التي اغتصبها دون رحمة تموت نزفاً، ولا يعلم الناس كم هي الأرواح التي أزهقها هذا الرجل قبل أن تصيبه طلقةٌ طائشةٌ من بندقية رفاقه و تعيقه، فإذا هو نجا الآن، فسوف يعود إلي قتل الناس مرة أخرى. و أنا السبب و المسؤول، هذا إذا لم تقتلني زينب بت جبرين بنفسها.
قلت لها
- لكن أنا ما قتلت إنسان قبل كدا.
قالت لي بحزم، وهي تنظر إلي في أم عيني الشيء الذي لم تفعله قبلها أية امرأة من دارفور لزوجها، وقرأت في نظرتها شيئا مرعباً، ثم قالت من بين أسنانها:
- دا ما إنسان.
ثم أشارت لي بصورة ملتوية ولكنها واضحة تماماً، بما يعني إذا لم تكن رجلا بما يكفي لكي تقتله، سوف أقتله أنا
لأول مرة في حياتي أعرف أن زوجتي آمنه هذه الزولة النحيفة الطويلة المنشغلة دائما بالبيت ، الزرع ، الرضاعة إنجاب الأطفال و إعداد نفسها للفراش، تلك الرقيقة الحنينة في الفراش، إنها أيضاً شر مستطير، و الحق يقال أنني خفت منها.

4
وَرَطِتي.
خرجنا من ضُلايَةْ في مجموعات ثلاث ، عدد من الرجال الشباب في المقدمة، ثم النساء و الأطفال ثم الرجال مرة أخرى، هذه الطريقة جنبتني نظرات زوجتي لحد ما أو لبعض الوقت، علي الرغم من أنني أكدت لها أنني قد قتلته، إلا أنها كما هو واضح من رد فعلها لم تصدقني، وكانت تنظر إلي بنظرات الاحتقار ذاتها، ولكن الحقيقة التي سوف تعرفها زوجتي قريباً جداً، أو إنها عرفتها الآن من النساء،إن زينب بت جبرين، أم الطفلة المغتصبة، عندما تسللت لقتل آدم راشد ، لم تجده.




..

المدير العام


عبد الرحمن موسي ادريس
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 1830
نقطة : 6475
تاريخ التسجيل : 19/09/2011
العمر : 59
الموقع : مصنع سكر حلفا الجديدة
المزاج : مسلم/سنى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف عوض احمد ادريس في الإثنين 16 يناير 2012, 2:10 pm

ما هذا الابداع ايها الحبيب فانا مسكون بهذا الرائع الذى ظلمه الاعلام والنظره الضيقه وهنا اتذكر ليالى سنار الادبيه ورابطة سنار الادبيه حينها كنا نبحث عن نصوص هذا الرائع المتفرد وكانت المناقاشات والنقد الجميل فالتحيه له

عوض احمد ادريس
مشرف سابق
مشرف سابق

عدد المساهمات : 1205
نقطة : 5197
تاريخ التسجيل : 07/11/2011
الموقع : امدرمان
المزاج : سودانى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

إمرأة من كمبو كديس

مُساهمة من طرف عبد الرحمن موسي ادريس في الإثنين 16 يناير 2012, 9:35 pm

في صباح قائظ من يوم خريفي، بينما كنت أتسكع في شوارع المدينة – كعادتي – منذ أن طُردت من وظيفتي للصالح العام قبل سنتين – سمعت صرّاخ أطفال وما يشبه التهليل والتكبير وأصوات نسوة تندفع إليَّ مع ريح السموم الصباحية، آتية من جهة تجمع سوق النوبة، كان نهيق حمير الأعراب القادمين من أطراف المدينة هو الصوت الوحيد المعتاد بين مظاهرة الأصوات تلك. هادئون كانوا دائماً رواد سوق النوبة، يساومون في هدوء وخبث وحنكة، يشترون ويبيعون في صمت وكأنهم يؤدون صلاة خاصة. نعم قد يسمع نداء موسي السَمِح الجزار بين الفينة والأخري،وقد تتشاجر بائعتان، و قد، لكن تهليل وتكبير وصراخ أطفال؟!، وكفرد أصيل في هذه المدينة أمتلك حساً تشكيكياً عميقاً هتف في:
- إن هنالك شيئاً ما في سوق النوبة…
وكما يتشمم كلب الصيد أثر الأرنب البريّ تشممت طريقي الي المكان.
عزيزة – إبنة كلتوم بائعة العْرقِي – كنا نحن قطيع المثقفين نطلق عليها اخصائية العْرقِي – مرت امام وجهي كالطلقة الطائشة وهي تحمل – على كتفها – أخاها الصغير منتصر، غير عابئة بصرخاته المتقطعة المخنوقة بلعابه اللزّج والتي تثير الشفقة في قلب أقسى شرطي في العالم الثالث، كان أعجفا صغيرا،له عينان مستديرتان لامعتان كعيني سحلية.. أعرفها جيداً وأعرف أيضاً أنها عائدة من عند أمها كلتومة التي تبيع الكسرة. نهاراً بالسوق، فكان لزاماً على عزيزة أن تحمل منتصر الرضيع ثلاث مرات في اليوم الى أمها بالسوق لكي ترضعه رضعة الصباح، رضعة النهار، ورضعة الغداء، وتحرص كلتومة أشد الحرص بألا تفّوت على إبنها الصغير رضعة واحدة حتى لا يمرض مرض الصعّيد، ويموت. لأن منتصر كان نزقاً شقياً و هبّاش، فما كانت كلتومة ترغب في ابقاءه معها في السوق.
صرخت فيها..
- يا بت.. يا عزيزة..
إلتفتت الي بسرعة رشقتني بنظرة عابرة وجدت في سعيها الي حيث تشاء، ولكني ومن خلال لمحتي الخاطفة لوجهها والتي لم تتعد الثلاثة ثوانٍ، رأيت بؤساً وألماً مكثفاً متقنطراً على وجهها الصغير الأملس، بؤساً لا يمكن اخفاؤه أو احتماله لدرجة أنني تيقنت في نفسي أنه لو قسّمنا هذا الحزن والبؤس على كل مشردي العالم لما وسعوه، وفي نظرتها السريعة كانت أسئلة – أيضاً – غامضة ومبهمة ومحيرة في نفس الوقت، جريت وراءها صارخاً:
- يا بنت….
أنا وأصدقائي من ابناء أعيان البلدة ومثقفيها، نفضل أن نسكر من عَرقِي بلح كلتومة وفي بيتها الصغير في كمبُو كديِس فهي امرأة أمينة صديقة حيث إنها لا تسرقنا – كما تفعل الحبشيات وكثير من بائعات العرقي – آخذة منا ثمن عَرقِي لم نشربه، عندما نثمل وتلعب الخمرة بعقولنا الصفراء – أو تغش العرقي بالسبرتو أو الماء أو غير ذلك من فنون السرقة.
إنني لا أُطعم أبنائي الحرام .
كما أنها كانت دائماً حافظة لأسرارنا وخبائث فضائحنا أنا عن نفسي عندما أسكر أفقد مع وعيي وقاري واحترامي وأصبح حيواناً مثقفاً لا أكثر فقد أتبول في ملابسي وأتقيأ علي صدري، وإذا لم يحدث هذا أفشيت كل أسراري الأسرية وتحدثت عن أبي – ضابط المجلس – وقلت علانية ما يعرفه الناس عنه، وما لا يعرفونه بل أفشيت ما أعرف من خططه المستقبلية في سرقة التموين والجازولين.. الى آخر مآسي يومي وأسرتي.. فكانت كلثومة – والحق يقال – تسمع بإهتمام ولكنهها لا تقول شيئاً، وكنا جميعاً نحترمها ونقدرها مثل أمهاتنا وبالتالي عزيزة كانت لنا أختاً صغرى..
- يا بنت…. قفي..
أمسكت بكمها القصير.. ودون أن تنظر الي قالت بصوت مبحوح تخالطه صرخات منتصر الحامضة المتدفقة تباعاً:
- أمي..
- أمي قبضوا عليها..
- ……
إذاً فهمت كل شئ وشعرت بأن الدينا أظلمت فجأة أمام عيني وأن شعري تحول الى دبابيس مسمومة توخزني في جلد رأسي،ولم استطع ان اقول او افعل لها شيئاً سوى زلق كفي من على كتفها الصغير المتعب، في برود تاركاً إياها تمضي لتذوب في بحر مآسيها ومحنتها ومنتصر مبللا صدرها بلعابه اللزّج المُلبِّنْ يصليها بصرخاته وندائه المتواصل – بلثغته الحلوة الممتعة – رغم مآساة الموقف – لأمه اتوما .
كثيراً ما كنت اخجل من نفسي عندما اجدني عاجزاً امام موقف ما، فاذا حدث ذلك بالامس لذهبت الى جلال الجميل القاضي ودار بيننا الحوار التالي:
- صدر القرار منك ؟
- كنت مجبراً … فانت تعرف لا شئ بأيدينا تماما ..
- ولماذا كلتومة … فهي تعول اطفالاً وزوجها مقتول في الجنوب منذ سنوات.
- لم يكن الامر بشأن كلتومة وحدها..
ولكن حظها.. فلابد –كما تعرف – ان يكون هنالك ضحايا قالوا ان الوالي في زيارة جاسوسيّة في كل مكان. ويجب ان يعرف ان الناس هنا تعمل، تحارب الفساد الى آخر الاوهام كما ان كلتوم كانت تعلم بقرار التفتيش، لقد أخبرها احمد صالح ..
- ولكنهم وجدوا عندها جالوناً من العرقي وثلاث زجاجات مليئة بعرقي البلح.
- هذا تلفيق من الشرطة، فقد كانوا يخبئون هذه الأشياء في عربتهم.. فهم غالباً لا يجدون شيئاً عند هؤلاء النسوة..
- وما العمل ؟
- كالعادة نخفف الحكم ما امكن وبدلاً من السجن نضع الغرامة وصديقاتها يقمن بمساعدتها في الدفع كما يفعلن دائماً..
- هذا ما كان يحدث إذا وقعت احدى زبوناتنا في قفص الشرطة، ولكن أين اليوم جلال الجميل ؟!
- فإن القاضي الجديد لا يشرب العرقي ولكن – فقط – الويسكي والانشا* ويدعى مخالفة الله والتقوي، وبالتالي يصعب الوصول إليه حتى الآن على الأقل.
جسدها النحيل المتعب يرقد على الكنبة في وسط سوق السبت وقد أهالوا عليه صفيحة من المياه ما تزال تقطر من جلبابها القطني الرخيص الى نهاية الجلد، ولو أنها لا تحفل بكتل البشر التي تحيط بها مشفقة او شامتة إلا أنها كانت تحاول إخفاء وجهها ما أمكن بين ساعديها وتحاول بقدر المستطاع وبجدية الا تصدر منها تنهيدة، آهة، صرخة ألم أو مجرد زفير مندفع قد يُخّيل للشرطيين القضاة او الجلاد، جمهور المتفرجين أنه توجع من وقع سوط العنج* الأسود المشرب بالقطران والذي يصلي ظهرها مشقاً مبرحاً ممزقاً لحميات فيه عجفاء بائسة.
وعندما استطعت أن أجد لنفسي مكاناً أشاهد من خلاله ما يحدث كان الشاويش السمين يصرخ بغلظه..
- ثمانية وثلاثين إإيه.. هوب..
- تسعة وثلاثين.. إييه.. هوب..
- أربعون.. إيييه.. آآه.. تماماً مولانا… أربعون جلدة..
قال القاضي وعلى فمه ابتسامة صفراء قاسية محاولاً من خلالها ان يكون تقياً، عادلاً، محبوباً وحاسماً في نفس الوقت..
- هيا قومي.. استغفري ربك الله واعلني توبتك.. توبة نصوحة امام الجميع..
- نظرت إليه – كلتومة – نظرة فاحصة، عميقة – أحسست انها معتصرة من خلايا كبدها – ثم بصقت على الأرض بصاقاً دامياً مرّاً – واقسم ان جميع المتفرجين: الإعراب ذوو الجلاليب المسودة من الأوساخ والتي تفوح منها رائحة وَبر الجِّمال والحمِّير،وقطرانها وروثها بسياطهم وسيوفهم. الشماسة أبناء الشوارع المتشردين.
أصحاب المتاجر – أغلقوا دكاكينهم مضحين بقدر من المبيعات كبير في سبيل ان يحضروا المحاكمة – الكلاب الضآلة الحذّرة المختبئة خلف العشب متجنبة أعين الناس، وغير الضآلة أيضاً.
أسراب الحدأة والغربان والتي تضع حلقة في السماء، ناعقة. المثقفاتية مثلي – والذين ليس بإمكانهم فعل شيئ غير التعليق الذكي الصائب المُبرر غير المقنع لغير شريحتهم والمثير للضحك والسخرية من نساء الكسرة ، العرقي، الشاي وغيرهم من الكادحات.
أعضاء المحكمة المتفلقصين كمُخصيىّ القرون الوسطى، صديقاتها البائسات، موظفات المجلس، الشامتون، المتعاطفون معها او مع السلطة الجميع.. الجميع بدون فرز .. اقسم انهم جميعاً أحسوا بمرارة هذا البصاق وكأنه مقذوفاً في عمق حلوقهم مراً كنقع الحنظّل.
ودون أن تحرك فوهتا عيناها عن وجهه انتعلت حذاءها البلاستيكي القديم وشقت طريقها عبر الجمع مصوبة وجهها المجهد شطر بيتها – ساعية بخطي ثابتة سريعة – رغم ما بها من إرهاق – فكان عليها أن تسرع حتى لا تُفوت منتصر الصغير رضعة الصباح.

عبد العزيز بركة ساكن
روائي وقاص من خشم القربة



* الأنِشَا : نوع من الخمور المستوردة من أثيوبيا.
* سوط العنج : هو سوط مصنوع من جلد فرس البحر يستخدم لجلد الإبل والحمير.




..

المدير العام


عبد الرحمن موسي ادريس
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 1830
نقطة : 6475
تاريخ التسجيل : 19/09/2011
العمر : 59
الموقع : مصنع سكر حلفا الجديدة
المزاج : مسلم/سنى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف عائد السيد في الثلاثاء 17 يناير 2012, 8:02 pm

رائع & مدهش ياأمير ... وقمة الابداع هذا الأديب المتفرد
عبدالعزيز بركة ... وهو بالتأكيد يخطو بخطى سريعة الى
العالمية بكتاباته الموغلة في الصدق والمشبعة بالجرأة والمستلهمة
من كبد الواقع ورحم المعاناة ...
ولاأخفيكم سرا أنني لأول مرة ومنذ عهد بعيد أقرا أدبا بهذا التميز
وماأشبهه بالروائي العالمي قبريال غارسيا ماركيز صاحب مدرسة
الواقعية العجائبية والذي قال في احدى كتاباته :
" أدركت أن الواقع دائما أكثر روائية من الخيال, وأنه يجب أن يتفوق الخيال,
ليس على الواقع وإنما على خيالية الواقع, الواقع القاسي المؤلم للوطن " ........


عدل سابقا من قبل عائد السيد في الثلاثاء 17 يناير 2012, 11:26 pm عدل 1 مرات

عائد السيد
الادارة الفنية
الادارة الفنية

عدد المساهمات : 1020
نقطة : 5436
تاريخ التسجيل : 04/02/2011
العمر : 41
الموقع : سكر حلفا
المزاج : inconsistency

http://halfasugar.mam9.com/u73contact

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ام تساب في الثلاثاء 17 يناير 2012, 9:02 pm

شكرا عمنا الامير والتحية عبرك لابن خشم القربة عبد العزيز بركة ساكن
صاحب الجرأة فى الطرح والدفاع المستميت عن الادب الروائى
بجد والله ربع شجاعة هذا الروائى لو تم تقسيمها على الكتاب فى بلادى لكنا الان فى درجة عالية وبالتأكيد كانت الحاجات حتبقى كويسة
ساكن يتميز عن غيره بالواقعيه المستوحاه من واقع المهمشين وابلغ دليل هو رواية الجنقو مسامير الارض وعلى الرغم من اتهام الناس له لكونه يتناول مواضيع تعتبر فى العرف السودانى من المسكوت عنه وهذا هو السبب فى اتهامه بانه فاسد وانه جرى لدرجة ان البعض يرفض ان تناقش رواياته عبر المنتديات الالكترونية على الرغم من الفضاء الواسع بحجة ان لغة ساكن فى الكتابة تخدش الحياء العام ،،،،،،،،،،،،،
ما يهمنا الان عمنا الامير هو ان نحى عبرك الروائى المتميز والذى دخلت رواياته حيز العالمية على الرغم من الحجب والمنع
لك التحية ولساكن الاحترام




عدل سابقا من قبل ام تساب في الأربعاء 18 يناير 2012, 4:01 pm عدل 1 مرات

ام تساب
مشرفة سابقة
مشرفة سابقة

عدد المساهمات : 1151
نقطة : 5426
تاريخ التسجيل : 14/05/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف عوض احمد ادريس في الأربعاء 18 يناير 2012, 12:37 am

ان كلمة الشكر تهرول وهي تتمنى الوصول الى حضرتك ايها الحبيب الرائع فمثل هذه النصوص تعتبر شعلة تضئ كتمة دروب الثقافة السودانية التى يحب البعض ان يراها مظلمة فالتحية لك ولنا عودة

عوض احمد ادريس
مشرف سابق
مشرف سابق

عدد المساهمات : 1205
نقطة : 5197
تاريخ التسجيل : 07/11/2011
الموقع : امدرمان
المزاج : سودانى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة قصيرة.. عبد العزيز بركة ساكن....

مُساهمة من طرف عبد الرحمن موسي ادريس في الثلاثاء 17 أبريل 2012, 10:02 pm

بت الجزار

بدأت أفكر في الموضوع بصورة قاسية بعد أن تحرك البص مباشرة متجهاً نحو الخرطوم، الأفكار المظلمة تنتابني بين لحظة وأخرى لدرجة أنني تمنيت أن أجدها قد توفيت ولو في حادث سير، كنت لا اعرف كيف تلتقي أعيننا بعد أن حدث منها ما حدث، هل سينتابني ذلك الشعور الحلو الذي دائماً ما يسيطر عليّ وأنا أراها وهي تكبر يوماً بيوم وتزداد عقلاً وخبرة في الحياة وجمالا ويتجلى وجهها الأسود الحلو الناعم براءة، كنت حينها أحس كما لو أن كل خلية في جسدي تتجدد وأنني اكثر طمأنينة وأقرب للحياة مني إلى الموت، بالرغم من تقدم العمر وأمراضه الكثيرة.. واكثر ما يعذبني فكرة أنها خانتني، خانتني أنا بالذات، ولكني أيضا أفكر في الأمر من جانب آخر. من جانبي أنا .. لأنني ما كنت انظر لعلوية كامرأة أبدا، يبدو أنني أضعها في مكانة رجل ما فوق الأربعين كامل النضج ومستقيم السلوك.. أما أن تذهب علوية مع رجل غريب إلى خلوة وان يغويها أو يلمسها مجرد لمس..بكامل رضاها ودون أن تحس ولو بعقدة الذنب أو خيانة الثقة التي أعطيتها إياها ... وان ... لا ... أمر لا اصدقه كيف يتسنى لعلوية ابنتي أنا التي أنشأتها منشئاً سليماً وربيتها من مال حلال اكتسبته بعرق جبيني واودعت من اجلها مالاً في البنك تسحب منه لمصروفها كما شاءت ... أن تتزوج زواجا عرفيا.. أكون أنا آخر من يعلم، كل القرية تعرف ذلك، جميعهم.. جميعهم.. إلا أنا .. لماذا تجعلني صغيراً تافها أمام الناس وأنا ما يملأ عيني تراب الدنيا كلها... كيف تنظر إليّ... ماذا تقول... هل تنكر ذلك... أتبكى.. ربما، هي نفسها ضحية لذئب لا يرحم لقد قرأت كثيرا في الجرائد عن زواج الطالبات العرفي، ولكني أحلته إلي أسباب مادية، إطلاقاً لم أفكر لحظة في علوية.. أن تكون علوية واحدة من هولاء البنات المطلوقات كما كنت اسميهن، ومازلت، البنات اللائى عجزت أسرهن في توفير مصروفهن، أو تربيتهن تربية كريمة تكسبهن العفة أو ربطهن في البيوت.
لم استشر أحدا في كيف أتصرف، لقد وضعت سنوات خبرتي الطويلة في العمل المدني والعسكري وتجاربي الحياتية ومخزوني المعرفي موضع التحدي.. فإذا لم أتمكن من عبور هذه المحنة وحدي بكل هذه المكتسبات فلا فائدة من الحياة التي عشتها. هذا التشجيع للنفس لم يمنع الضعف والانكسار الذي أحس به الآن والخوف.. نعم الخوف الحقيقي من إنني أقوم بفعل قد يحسب ضدي، بل قد يسئ إليّ والى أسرتي وآخرين غيري. في الحقيقة كنت مرتبكا عكس ما أبدو عليه في الظاهر، بحثت في جيوبي وجدت أنني أخذت ربطة من المال عشوائياً تحتوي على خمسمائة ألف جنيه سوداني، حسبتها مرتين، انقطعت دائرة البلاستيك التي تحيط بها. أدخلت المبلغ كله في الشنطة محتفظاً برباط البلاستيك المقطوع، اصدمت أصابعي بشيء صلب بالداخل..إنها السكينة الكبيرة، دخلت الشنطة نتيجة للاستعجال أو الإحساس الداخلي بأنني قد احتاج إليها، أو ربما دسها ليّ شخص فكر في الأمر بطريقة مختلفة، أخذت الهي نفسي بلعبة قديمة كنا نلعبها في طفولتنا مستخدماً رباط النقود المقطوع، كنت في حاجة لأي فعل يلهيني عن التفكير في علوية... عندما أجدها سأفكر في الحلول في ساعتها، لا احب ان يملي عليّ أحد رأيه، حتى ولو كان أخوها. في المقعد المجاور امرأة أربعينية غير متزوجة، طوال الطريق تقرأ مجلة حواء، يفوح منها عطر قوي، تسرق النظرات إلى لعبتي من وقت لآخر، وكنت اهتم بها، ولكنني اخفي ذلك بصورة جيدة كما أنني لا احب التحدث والونسات أثناء السفر، لان السفر هو فرصة جيدة لكي أخلو إلى نفسي دون أن يزعجني أحد، قد أنوم، النوم أيضا لا يتوفر في حياة سريعة ملآنة بالكد والجري وراء الرزق ولكن من اجل من؟
- بتكلم معاي.
- منو .. أنا ..آسف ..رأسي ملآن بالمشاغل وظاهر عليَ قاعد اكلم نفسي..معليش.. أزعجتك
قالت وهي تلم ثوباً أنيقا إلى جسدها.
- ولا يهمك الناس كلها مشغولة.
حاولت النوم حتى لا أتكلم مثل المجنون وضعت رأسي على المقعد الأمامي، أغمضت عيني، أخذت أفكر: أين تكون علوية الآن.. في أي وضع.. في النوم نزلت عليَ ملائكة الأسئلة بجواب خطير.
**
نزلت عند الجامعة بعد أن أكد لي سائق التاكسي إنني سوف أجدها أو أجد صديقاتها في ذات المكان الذي أنزلني به وفعلاً وجدتها بسهولة ويسر، وربما هي التي وجدتني، حين رأتني من مسافة بعيدة وأنا أمر إمام الكافتيريا، هرولت نحوي ومعها صديقتان، وجدت نفسي دون شعور مني انظر أولا إلى بطنها، بصورة غير طبيعية، وربما لاحظن ذلك، علقت الصديقتان على إنني أبدو كما لو كنت أخا لعلوية وليس أبا، يشرن إلي مظهري الخارجي وما يتوهمنه من صغر السن، كن يتحدثن باستمرار، أسال نفسي أنا أيضا باستمرار، كم منهن متزوجة زواجاً عرفيا،ً كم منهن يدعرن، كم منهن عفيفات؟! عندما خلوت بعلوية، فاجأتها دون مواربة أو مراوغة،
- انتي متزوجة زواج عرفي مش كدا؟!
قالت وقد انهارت تماماً من هول المفاجأة،
- عرفت!!
- نعم..عرفت.
وبحركة سريعة سقطت على رجلي، أخذت تبكي بصورة جعلتني أتعاطف معها، وربما اقف في صفها، إذا كنت اكثر صراحة أقول إنني لمت نفسي، بدأت لي طفلة في عهدها الأول، تجمعت بعض الطالبات، سألن إذا كان قد توفى أحد أفراد الأسرة أو إن هناك خبراً أسوأ.. ولكن لم نجب بشيء، طلبت منهن أن يتركننا سوياً لبعض الوقت، لم تستطع أن تقول شيئاً، كانت تنظر إلى الأرض وتبكي في صمت قلت لها،
- انخدعت فيك يا علوية.. انخدعت؟1
قالت بصوت مبحوح،
- كنا حنعلن زواجاً قريب جداً ..ولكن كل شئ بإرادة ربنا..
- القرية كلها تعرف.. ماعدا أنا فقط.. الجميع يضحك عليّ .
سألتها ،
- وين الزول دا؟
**
قالوا لي انه في الحصة الآن، بعد ربع ساعة يمكنني مقابلته، شربت الماء البارد جلس قربي خفير ثرثار، ما ترك شيئاً لم يسألني عنه، لم ينجدني منه سوى الجرس الذي، دق كمطرقة في رأسي، قال لي الخفير وهو يشير بفمه ويده وعينيه نحو أستاذ يمر أمامنا،
- دا هو أستاذ سالم.
فالتفت الأستاذ إلى ومضى ظاناً أنني أب لأحد التلاميذ، ولكن الخفير صاح فيه منادياً،
- الزول دا من الصباح منتظرك.. يا أستاذ.
طلب كرسي، جلس قربي في البرنده سأل ماء من اجلي، كانت يده ملآنة بالطباشير ويبدو مشغولاً جداً حيث تتحرك عيناه هنا وهناك بحثاً عن مفقود ما، كنت أحاول أن أجد ملمحاً فيه يدل على فعلته ولكنه كان شخصاً عادياً مثله مثل كل الناس، قدرت عمره وأخلاقياته وجزره العرقي أيضا.. قلت له معرفاً بنفسي.
- أنا من قرية الدومات.. هل تعرف زول من القرية دي ؟
فكر قليلاً ، قال
- ..لا ..
- علوية ..علوية..هي من قرية الدومات، علوية ما بتعرف علوية؟
قال باستغراب،
- علوية..منو؟
- علوية إبراهيم عثمان وردان ..
- آه ..نعم علوية البتدرس في كلية التربية، ايوه قاعدة تحضر العملي هنا عندنا في المدرسة .. في شعبة الرياضيات .. أنا رئيس الشعبة.
قلت له،
- بس!!
قال،
- تقصد شنو ؟
- أنت متزوجها زواج عرفي مش كده..
" قلت معتمداً الصدمة والمفاجأة كطريقة لها فائدة كبيرة في الحصول على اعتراف المجرمين"
قام من الكرسي ثم جلس، قال للخفير الذي أرخى أذنيه واخذ يستمع للحوار بتلذذ تام،
- امش من هنا .. امش شوف شغلك،
ثم قال موجهاً كلامه لي،
- ده كذب .. علاقتي بعلوية ذي علاقة كل المدرسة بيها ..لا زواج ولا غيرو.. أنا شخص محترم وأستاذ ..وما عندي وقت للهضربا البتهضربا دي ..أنت ذاتك منو ؟
قلت له ببرود،
- أنا إبراهيم وردان، لواء شرطة ،، بالمعاش،، اعمل في سعاية الماشية،، برضو بذبح،، بذبح باستمرار،، عندي جزارة صغيرة في البيت، في وقت الفراغ بشتغل مُعْراقي، عارف معراقي يعني شنو.. لحظة.
أدخلت يدي في جيبي أخرجت ورقة بيضاء صغيرة مفتولة في حجم راس الإصبع الصغير في شكل إنسان،
- ده أنت سالم علي عباس الوالدتك نفيسة جبرين العيش.
هززت الشيء أمامه وقمت بوضعه في الشمس، كان يحملق في الشيء بتركيز واهتمام بالغ وبعد ثواني معدودات هرب الشيء من الشمس بتلقاء نفسه واستقر في الظل... كررت العملية ثلاث مرات، أخرجت خيطاً طويلاً من الشنطة النوع الذي يستخدم في صيد الأسماك، بالسكينة الكبيرة قطعت منه ما يقارب ربع المتر، أعدت السكينة في الشنطة، أحطت بالخيط عنق الشيء في شكل انشوطة، قلت له وهو ينظر في ذهول،
- دا أنت سالم ود نفيسة.
وقمت بجذب طرفي الانشوطة فمسك عنقه وصرخ في جنون، صرخة جمعت كل المدرسة في دقائق أحاطوا بنا، قلت له،
- في خمسة ثواني فقط حاتموت.. اها عرفت معنى معراقي .
قال بصوت مبحوح بينما يتصبب عرقاً.
- كنت حاتزوجا علناً في الإجازة،
انتبهت لكف تربت في كتفي وصوت وقور هادئ،
- أنا مدير المدرسة..تعال يا حاج إبراهيم..تعال معي إلى المكتب.
اخذ بيدي إلى مكتب فسيح تفوح منه رائحة الكتب وعبق الطباشير، أكد لي المدير انه يعلم بزواج سالم من ابنتي عرفياً، وهو منذ البداية ضد الفكرة، لكنه أيضا أثنى على سالم وخلقه القويم وانه رجل مسئول، قال بإمكانه أن يلعب مع البنت، لكنه فضل الزواج العرفي .. أكد لي انه سيلزم أستاذ سالم على إعلان زواجه والآن..وأضاف بحماس: إنه بمثابة ابني.
**
قال المدير وقد فرغنا من الاحتفال الصغير الذي أقيم في بيته إحتفاءاً بإعلان زواج ابنتي علوية للأستاذ سالم،
- نحن الآن أصدقاء وأهل.. وأنا عندي طلب واحد منك يا حاج إبراهيم، طلب بسيط جداً .. !
- شنو ..اطلب اي شئ بسيط أو غير بسيط.
- عايز الموضوع بتاع العروق دا ..والله أنا عندي مشكلة في الدنيا مابيحلها إلا الشيء العندك دا ..الحلّ مشكلة بتك علوية..حايحل مشكلتى .
قلت له،
- أنا موافق، ولكن توعدني ما تحدث أي شخص كان، لما يدور من حديث بينا الآن.. وعد شرف
قال،
- أوعدك وعد شرف
قلت له،
- الموضوع بسيط، يحتاج إلى رباط بلاستيك النوع البيستخدم في ربط القروش، وورقة صغيرة مقوية وخيط متين، وأستاذ رياضيات جبان، ومدير مدرسة عندو مشكلة معقدة لا أكثر.




..

المدير العام


عبد الرحمن موسي ادريس
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 1830
نقطة : 6475
تاريخ التسجيل : 19/09/2011
العمر : 59
الموقع : مصنع سكر حلفا الجديدة
المزاج : مسلم/سنى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف مندكورو في الأربعاء 18 أبريل 2012, 1:11 pm

يا لهذا العبد العزيز بركة يا صاحب
الزول دا أنا متابع كتاباته .. وهو إنسان فنان مسكون بالإبداع
شكرآ يا ود موسي علي هذا الإختيار الجميل

مندكورو
عضو فضي
عضو فضي

عدد المساهمات : 345
نقطة : 3900
تاريخ التسجيل : 10/01/2012
الموقع : سلطنة عمان
المزاج : هادي

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف عوض احمد ادريس في السبت 28 أبريل 2012, 8:20 am

تتوقف الكلمات فى بعض الاحيان لانها تكون كشئ لم يكن

وهكذا هى الكلمات عند ما تكون عن الرائع عبدالعزيز بركه ساكن هذا الرجل الذى جعلنى اركض من المصنع

بعد معرفتى بانه موجود فى حلفا وكانت الكارثه عندما خبرنى الرفاق فى مكتب بلان بان المذكور

قد غادر المنطقه منذ فتره ليست بالقصيره فالتحيه له ولك ايها الحبيب المتفرد

عوض احمد ادريس
مشرف سابق
مشرف سابق

عدد المساهمات : 1205
نقطة : 5197
تاريخ التسجيل : 07/11/2011
الموقع : امدرمان
المزاج : سودانى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف محمود محمد خليل في السبت 10 نوفمبر 2012, 11:36 pm

التحايا النواضر !!!!!
عبدالعزيز بركة ساكن روائي سوداني من مواليد مدينة كسلا بشرق السودان, تعرضت معظم مؤلفاته للمصادرة حتى لقب في الأوساط الفنية بالزبون الدائم للرقيب.برر المجلس الاتحادي للمصنفات الفنية والأدبية في الخرطوم قرارات الحظر لما تحتويه مؤلفاته من "مشاهد جنسية خادشة للحياء العام".لكن عبدالعزيز ساكن يرد "يظن البعض أن في كتابتي ما يسيء لمشروعاتهم الأيدلوجية و يخترق خطاباتهم المستقرة ، بالطبع لا اقصد ذلك، كلما افعله هو إنني انحاز لمشروعي الإنساني أي اكتب عن طبقتي أحلامها آلامها طموحاتها المذبوحة و سكينتها أيضا التي تذبح هي بها الآخر، وحتى لا يلتبس الأمر مرة أخرى، اقصد بطبقتي المنسيين في المكان و الزمان، الفقراء المرضي الشحاذين صانعات الخمور البلدية الداعرات المثليين، المجانين، العسكر المساقين إلى مذابح المعارك للدفاع عن سلطة لا يعرفون عنها خيرا، المتشردين، أولاد و بنات الحرام ، الجنقو العمال الموسميين،الكتاب الفقراء، الطلبة المشاكسين، الأنبياء الكذبة، وقس على ذلك من الخيرين و الخيرات من أبناء وطني، إذا أنا كاتب حسن النية و أخلاقي بل داعية للسلم و الحرية، ولكن الرقيب لا يقرأني إلا بعكس ذلك
لك التحية و التقدير أستاذنا عبد العزيز فلن يستطيع التتار كسر قلمك . فأنت منا ونحن منك فأنت تمثل الوطن بكل تفاصيله .

محمود محمد خليل
عضو جديد
عضو جديد

عدد المساهمات : 9
نقطة : 2873
تاريخ التسجيل : 31/10/2012
الموقع : المملكة العربية السعودية / الرياض

http://grea24.net/vb/index.php

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف خالد حسن بخيت في الأحد 11 نوفمبر 2012, 8:42 am

عبد العزير بركة ساكن ..
وابونا .. تحيانا اليكم تترأ ..
فلكم وحدكم ترفع القبعات ..

ابدعت واحسنت الاختيار Razz Razz Razz يا وريف ..



..

مشرف المنتديات الأدبية


خالد حسن بخيت
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 1930
نقطة : 7157
تاريخ التسجيل : 10/02/2010
العمر : 40
الموقع : www.3aza.com/vb
المزاج : مسلم

http://www.3aza.com/vb

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 16 يناير 2013, 1:53 pm

في مديح الحانثات
عبد العزيز بركة ساكن
أن تنتظر امرأة ولا تأتي أبدا، خير من ان تنام وحدك، لأن انتظارها هو أيضا حضور، أغلق الباب جيدا علي حنثها، تخلص من الوسائد الكسولة الرحيمة، لا تأبه لنداءات صرصار الليل الذكي، غناؤه لا يعود إليك بفائدة ترجى إنه - يا للعار- يحاول جاهدا أن يغوي جندبة معتصمة في حنية ما في ذاكرته. تعلم كيف تحفظ تمائم الصبر على ظهر قلب: بقدر ما أعطاك الله غريزة الحب، وهبك نعمة انتظار النساء.
لا تعول كثيرا على نحنحة الباب، قد تأتي المرأة من أي منفذ آخر، سُرتك مثلا، فكرتك عن الله، كتاب علي ونينو لقربان سعيد، ثرثرة الجيران، سوء الظن، قارورة الماء الدافئ، صورتها على الحائط أو حتى ما تركته من عطرها في فمك، رسالة قصيرة بالوسائط، أيميل، متصفح قوقل، نُباح كلب الجيران او نداء صبايا يلعبن في غرفة مجاورة. لا يعني أن توعدك امرأة أنها ستحضر، عندما تقول لك: سآتي إليك. هذا يعني فيما يعني إنني سأحاول أن آتى أو إنني أفكر فيك بصورة جادة، أو ببساطة تقصد أن تقول لك سوف لا آتي إليك، من تظن نفسك، والمرأة الذكية قد لا تعني بتلك الجملة شيئا بعينيه. حسنا كل ذلك سبيل أن تجد المرأة، وتستمتع بجماليات حنثها، إذا ما عليك إلا أن تتعلم كيف تحصلها في كل حال من هذه الأحوال، فالمرأة بالنسبة للرجل الذكي لا تخلف وعدا أبدا، لأن غيابها حضور أعظم، والإفادة من غيابها قد تكون في عظمة إيابها. أنا لست غريبا ولست شاذا، لكنني لا أرغب في النساء، وعندما أجد نفسي متورطا في علاقة معهن، فإنني ادعوا الله أن يكن خائنات حانثات، وأن يكرهنني بأسرع ما يمكن، فمن لا يغفر للمرأة خياناتها الصغيرة لا يستمتع بوفائها الوفير. وأجمل النساء عندي اللائي مثل الظل، عندما تشعر بهن، يكن قد شرعن في رحلة المغادرة. بالطبع لا شيء يدوم، لا الحب، لا الكراهية ولا حتى متعة الفراش. تبقي ذكرى الانتظار البهي، مثل اثر مرور ثعبان علي جسدك، باردة مُرْعِشَةٌ، ناعسة ومخيفة.


عدل سابقا من قبل ناصر البهدير في الأربعاء 13 فبراير 2013, 4:51 pm عدل 1 مرات

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف عبد الرحمن موسي ادريس في الأربعاء 16 يناير 2013, 2:09 pm

إختيار رائع من مبدع متفرد..
عبد العزيز بركة هذا الذى لايتجمل ولايجامل فى إبداعه..
فهو صادق دوماً فى كتاباته ..إتفقنا معه أم إختلفنا ..
يبقى ظاهرة متفردة حجز لنفسه مكاناً فى دنيا الأدب الراقى..
وفتح طريقه بأظفاره وأنيابه رغم العوائق والمتاريس الكبيرة...




..

المدير العام


عبد الرحمن موسي ادريس
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 1830
نقطة : 6475
تاريخ التسجيل : 19/09/2011
العمر : 59
الموقع : مصنع سكر حلفا الجديدة
المزاج : مسلم/سنى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 13 فبراير 2013, 4:50 pm

بِئرُ الرَغبةِ
عبد العزيز بركة ساكن
أشم عبق البئر، رائحة الأعماق الحمضية تئز في أذني كطنين محشو بالرغبة، كما في عينيك دموع الإحساس المكبوت، أقول لها اصفي لي الطريق إلى اللذة، طريقتك إلى يوم الحشر، قالت: صلاةٌ، ألمْ وصراخْ؟
- لا أعرف.
قالت نفسي: لا أعرف.
تضحك،
- أنت تعرف أكثر.
(لأنك مررت بكل طرقاتي قطفت عظيم شهواتي) واختبأتَ في طياتها المجنونة.
احبك: اعني إني لا أتردد في أن أوغل في هذا البلسم، ولا أتباطأ في طرقات اليم، اعشق عاصفة وموج.
دخلنا الكوخَ المسحور، كانت رائحة البئر المهجور تطاردنا، دلفنا إلى أروقة جسدينا، يمتلأ الكوخ بنار رغائبنا، بجمال خطايانا العذبة، بفتنة ردفيها. كانت تمشطها الجنيات بزيت الأعشاب، وتدلك نهديها حوريات من جنة هاروت وماروت وجهنم نفسي، توغلنا في الكوخ، أدركنا صرير وسائده، أدركنا أعراساً تقام على شفة الظل.
المرأة في الليل مثل نقيق الضفدع، تأتيك من كل جهات الأشياء، تملأ إذنيك وانفك بالريح وبالأمطار، تقاسمك قُنينات الأنس، وقد يتربص بك ثعبان النفس الأمارة بالسوء، لا تدرى ما يهلكك وما ينجيك، لا تعرف كيف تصون رذيلة نفسك، كيف تدير بوصلة فضيحتك الفُضْلَى.
إني أتبرأُ مني، وأدين الشفقة في قلبي، وأقول لك ما قلت لمجوسي في جسدي:
ها أني أمنحك الأشياء،
ها أني ألتهم رمادَ نحيبك،
أتبصر السيل الجارف، يأخذنا للبحر،
ها إني أعطيك الشلو الآمن.
المرأة في الليل مثل عواء الذئب، تبعد عنك لهاث حبيباتك وتخيف دروب الصمت.
أشم الليلة لخْنَاً أعمق، عمق اللحم الأحمر، عمق خيوط الدوبار الطبي، أنامل خاتنة شمطاء، تتعثر في الشطأ، يفيخَ عجوزٌ مخبولٌ في ذاكرتي.
ليس بقلبي سرٌ لك.
ليست بيننا أغنيات (أذكر رقصتك المجنونةِ يوم القيامة).
ليست ببيتي أشجارُ زينة، ليست به نساءٌ يجدن الحوار، وبالظل ينمو كوردِ الحِمارِ المَساءُ. سأحكي للماشطة إني، لا أعرفُ، من قبل:
أطيبَ من جسدينا في الرغبَةِ. وأنبلَ مِنْكِ في عُهرِ الشَفتين.

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 15 فبراير 2013, 10:20 pm


علي الرغم من ان اليوم هو عيد الحب، الا انني لم استطع ان اكتب سوي هذه التي سمونها ما تريدون:

(نشيد الشتات)

تفرقنا
تناثرنا تشتتنا، حُرقنا بالجليد
شُوينا في الصحاري
تمزقنا تآكلنا
تسوسنا مثل اعواد الطلحْ
في وهاد ليس يدريها الجدود، ولا حلمت بها طيور بلادنا
ولا غنت لها جَدْاتْ
تناثرنا في البلاد
دون بيت دون زيت دون طوقٍ للنجاة ولا خليل
دون لغة او موسيقى دون اعياد وأطفال وضحكات تسر
دون كلمات الحبيبة او دعاء الأمهات
في بلاد لا اسميها بلاداً
وطيور لا اناديها باسم غير اطيار غريبة
ونهود وخدود لا تحدثني بغير آيات الضياع
تشتتنا كالضباع الهائمات بلا وطن
مثل ذرات الرمال علي الوجوه، سوف يغسلنا الغريب ولا كفن.
كم تخيرنا بين الحرب والقتل والمُتَأسْلِمينْ
فاخترنا السفر
لا بلاد قد نصلها
لا عناوين لدينا
لا خرائط غير ما في القلب من جرح وتيه وضجر
يا بلادي يا بلادي يا بلادي
يا بلادي
كم دموع سوف تُذرف
وجروح سوف تُنكأ
ومحطات تضيع من الوصول كلما قلنا اقتربنا تختفي بين المسافة والضياع
ونحن نمضي لا نكل ولا نمل.
سأغني
رغم اني
ضيعت مزماري القديم
نسيت ايقاع الكلش
سأغني بربابة اصبعي
وأدق في الثلج اللئيم طبول احبتي
بإيقاع كإيقاع الجسد
وأقول إني راجع للطين والأشجار للبنت الجميلة والولد
ولكنني في الصبح اقتسم السيجارة والرغيف مع الطريق
واشم رائحة الجنود المجبرين على القتال
الصغار التائهين في مظلات اللجوء بلا رفيق
اشم صيحات الحريق
وترن في أذنيَّ صرخات دارفور الحبيبة والحريقة في اتون الظالمين.
نداء انقسنا الضمير.
طرقات المدافع في اقاصي كردفان.
ويلوح لي من كل جُرح مارد وشيطان رجيم
واري وجه ابليس القديم في شكل غولْ.
غارقا في الدم يلعق ارواح البشر
يأكل الأطفال والأزهار والأرض الخصيبة والشجر.
لا يرتوي
لا يرعوي
لا يكتفي
ليس تشبعه الجنائز والمآتم
جراحات البائسين
ليس تشبعه المواسم والسنون الطاعنات: ليلٌ طويلٌ او نهارْ.
ليس يشبعه العدم
فأظل أمضي لا بلاد قد أصلها لا عناوين لديَّ، لا خرائط
غير ما في القلب من جرح وغم.

عبد العزيز بركة ساكن
14-2-2013
سالفلدنْ- النمسا

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 23 فبراير 2013, 6:38 pm

ثِمَارُ البَيت
عبد العزيز بركة ساكن
قال لي جدي:
ثمرة البيت الظل، ثمرة الشوكة الوخز، ثمرة الوخز الآهة.
ثم نام، قلت له: ما ثمرة النوم؟ قال: الأحلام.
ثمرة الأحلام الإنسان.
وثمرة الإنسان الحروب.
ثم شرع طبوله في وجهي، شرعت في وجهه كتاب الانفجار الكبير لجيمس هاوكينج.
وأخذنا نتجادل في معنى الكون.
عرجنا لسبل الخير والمعصية، تجادلنا في أنني – إذا صُمتُ- أصبح طودا وأكبر كذاكرة الأطفال، وان الطفل يولد مختل الأخلاق فيفسده أبواه أو يصبح مثلي – من رحمه الله- مفخرة الضالين.
أنا لا اكتب شعرا.
بل أكتب نثرا بأدوات الشعر، أو اكتب شعرا بألوية النثر، أو أني أتحرر من قيد الاثنين الذهبي معا، وأمشى في الظلمة ممتطيا شعاع الروح المجنون كسعلوات العقل الغيبي.
جدي يفهم معنى الشعر المكتوب بغير حروف وصياح، ويفهم في موسيقى الضوء وكيمياء الوشم وأنا الجاهل بما يجهل جدي، والعارف في السر: حريف الروح.
من يغضبك يثير جنون ذنوبك.
من يكرهك، يقول أبي: جنبك شرور محبته.
ثمرة البيت الأطفال، ثمرة الأطفال الأم، ثمرة الأم أبي.
ثمرة الشوكة خوف الشجرة، وثمرة الشجرة أن يألفها الطير.
ثمرة النوم سفر الروح،
ثمار الروح السيَّاف.
ثمرة الأحلام بنات الليل، ثمار البنت الأحضان.
ثمرة الحرب.
ثمرة الإنسان.
ثمرة الوهم.
ثمرة النص السردي كتابُ هكذا تكلم زرادشت.
ثمار زرادشت الأديان.
ثمار الأديان.
ثمار الأسئلة.
ثمار طيور الفجر.
ثمار المخبول الموتور: في أديس أببا، كل شيء بارد.
ماعدا النساء والبيتزا دي- نابولي.
أديس أببا
14-9-2010

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 23 فبراير 2013, 6:42 pm

طُيُورٌ تَقُولَ لَكْ: صبَاحُ الخيرْ.
عبد العزيز بركة ساكن
ليس في غير هنا، يقول لك الطير صباح الخير، يسألك عن أحلام الأمس، سوء وسائدك، هل أفزعتك أمطار الليل الرعدية أم انك مثل الطير لا تفزعه الأمطار؟
يحدث هذا في الكُرمُكْ جنوب النيل الأزرق.
في أحضان الجبل الشامخ، المتوج بشجيرات البامبو.
توجد كل أجناس الطير وألوانه، تدهشك موسيقى حناجره المجنونة، في الكرمك يتقن الطير لغات الأشجار جميعا، ويتحدث للغزلان وللأعشاب.
في الأودية يحاورَ الطينَ الطيبَ والأحجارْ. يؤانس الورد والثعابين الباردة الملساء، يرك على نيمة البيت، يقول لي: صباح الخير.
تسألني طائرة صغيرة ليست لها خبرة عميقة في الحياة، عن وسادتي، أقول لها إنها من قطن فرز ثالث مغشوش، ملوث بدخان ومردودات زيوت الماكينات. تصدقني طائرة مزركشة في فمها جندب....
ليس في غير هنا، اقصد هذا البيت، تنشدك الأطيار صباح الخير، تتراقص في حبل غسيلك، وعلى حافة زنك السقف. على بامبو الشباك سمعت طائر صعلوك يغازل طائرة حسناء:
"شَيؤُكِ فَيْنَقْ.
كلما فضضته، انبت بكارة أُخرى، وكلما قبلتُكِ، اطل طائرٌ برأسه من الشباك صائحاً: وووويك سييييك".
أنا أعلم لغة الطير، لذا استمتع بما يهمس العاشقون إلي، يأتيني الطيرُ، يودعني أسراره، يقول لي: صباح الخير.
ليس في غير الكرمك يقول لك الطير صباح الخير، ويسألك عن مسند راسك وطباع حبيباتك، وتدهشك ترانيم العشق الطيرية.

القاهرة
5-10-2010

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الثلاثاء 14 مايو 2013, 5:19 pm

رجل اسمه: جنابو طلحة السماني
عبد العزيز بركة ساكن
جاء إلي خشم القربة، منقولاً، ذات مساء، كضابط مسئول عن الأمن فيها، رجل لم يكن أحد يعرفه من قبل، أو حتى سمع به، ولذا لم يكن أحد ينتظره. كان وسيماً، نحيفاً، متوسط الطول، ذا بشرة قمحية، كثير التهذيب، يحترم الكبير والصغير، لا يقاطع حديث أحد، ولا يتحدث إلا بعد أن يستمع جيداً. أما مأثرته الحقيقية فهي أنه استطاع، منذ الأسبوع الأول لقدومه، أن يغيِّر كل ما كان يفهمه الناس، منذ الإستقلال وحتى يومهم ذاك، عن مثل وظيفته تلك!
الحكاية وما فيها أن أحد اللاجئين تصادف واعتقِل، قبل يومين من مجئ هذا الضابط، وأسيئت معاملته أيما إساءة، بل إن من اعتقله فجَرَ فجوراً شديداً في إذلاله وإهانة كرامته بما أمسى حديث المجالس في خشم القربة، حتى أنه، وإمعانا في ذلك، أعمل موساه في شعر رأسه حتى سطعت الفروة بلمعان يخطف الأبصار تحت وهج الشمس! وفي الحقيقة لم تكن المدينة ترى في ذلك أية غرابة، حيث أن جلدها كان، على كل، قد اندبغ، قبل ذلك، بعنف أشد، وقسوة أغلظ، وضرب ما ذاق مثله أبو محجن الثقفي في زمانه! لكن الغريب حقاً، وما أدهش أهل المدينة فعلاً، كان تصرُّف ذلك الضابط عندما أحضر أمامه المعتقل المكلوم، الحزين، حليق الرأس، كي ينقضَّ عليه، كما جرت العادة، بالضربة القاضية! فبدلاً من أن يسأله ولو عن الجرم الذي اقترفه، راح يسأله، وهو يتفحَّص بقايا الدم المتخثر حديثاً على صلعته اللامعة:
ـ "الحَلق ليك كدا منو"؟!
تردَّد اللاجئ قليلاً، فألح عليه:
ـ "إتكلم .. ما تخاف"!
فتمتم اللاجئ بصوت راعش، وهو يشير بإصبع مرتجف إلى من اعتقله:
ـ "حلقني الزول دا"!
ـ "بي موس وللا قزازة"؟!
ـ "موس"!
ـ " بي موية وللا ناشف"؟!
ـ "ناشف"!
إلتفت الضابط إلى عسكريِّه:
ـ "إنت عملت في الزُّول دا كدا"؟!
حار العسكري جواباً، واكتفى بأن قطب حاجبيه، وزمَّ شفتيه، ورفع عينيه المرتبكتين إلى سقف المكتب. مرَّت لحظة من الصمت الثقيل قفز الحدث الدرامي بعدها إلى مداه الأقصى الذي ما طاف مثله، من قبل، بعقل بشر في تلك النواحي، حيث نهض الضابط بهدوء، وأمر عسكريَّه بأن يجلس على الأرض، ثم أخرج موساً سنينة من أحد أدراج المنضدة، وأعطاها للاجئ، قائلاً له بهدوء، لكن بصوت كأنه خارج، للتو، من بطن أحجية قديمة:
ـ "أحلق ليهو زي ما حلق ليك"!
ما لبثت تلك الحادثة الخرافية أن تناقلتها الألسن، فانتشرت في طول المدينة وعرضها انتشار النار في الهشيم! لكن، مع مرور الأيام، بدأ الأهالي يعتادون على عمايل هذا الضابط الموغلة في (غرابتها)، قياساً إلى ما كان قد قرَّ في وعيهم من تنميط لصورة هذا النوع من المسئولين! فعلى سبيل المثال فوجئ الناس به، ذات صباح، يقوم بتنظيف وغسل مراحيض مستشفى المدينة وعنابرها المهملة بنفسه! وما كادوا يرون ذلك منه حتى شمروا عن سواعدهم، وانخرطوا يشاركونه العمل؛ وما كاد هو يرى ذلك منهم حتى سارع إلى تكوين (جمعية أصدقاء المستشفى) تحت إشرافه، وما تزال تمارس نشاطها هناك. ثم إنه وفر، بمجهوده الخاص، محوِّلاً كهربائياً لهذه المستشفى بعد أن كانت تسبح في بحر من الظلمات كلما حلَّ المساء! وعموماً لم يشهد عهده أي عنف يذكر، فقد كان رجل (جودية) يحل أكثر المشاكل تعقيدا بالمصالحات والترضيات، كالصراع على المعتمدية، والذي كاد ينتهي بمعركة لا تبقي ولا تذر بين مختلف القبائل! وكذلك المشاكل التي لا يندر أن تنشب بين تلاميذ الحضر وتلاميذ الريف! وإلى ذلك حوادث السرقات البسيطة، والنزاعات حول الميادين العامة، وغيرها.
باختصار أصبح طلحة السماني، خلال السنوات الخمس التي قضاها في خشم القربة، نموذجاً للمسئول الذي يعتبره الجميع واحداً منهم، شقيقاً، أو إبن خالة، أو صديقاً، أو جاراً، أو حتى .. فردة! ونعُمت المدينة في عهده بأمان حقيقي!
لكنه، فجأة، كما جاء مضى!

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف عبد الرحمن موسي ادريس في الثلاثاء 14 مايو 2013, 8:15 pm

حالة شاذة..
لأنها مخالفة للعادة..




..

المدير العام


عبد الرحمن موسي ادريس
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 1830
نقطة : 6475
تاريخ التسجيل : 19/09/2011
العمر : 59
الموقع : مصنع سكر حلفا الجديدة
المزاج : مسلم/سنى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الثلاثاء 30 يوليو 2013, 1:21 pm


زوج من أجل أجاك الطويلة
بعد ست سنوات من الحياة في مدينة الخرطوم والدراسة المتواصلة، عمدت اجاك للعودة الى مسقط رأسها في ابيرو، وهي قرية صغيرة تابعة لمحلية شويبت برمبيك ولاية البحيرات بجنوب السودان، وعلى الرغم من الإنقطاع الطويل عن ابيرو، إلا ان أجاك مازالت تذكر كل شيء عن القرية، ولم تنس اللغة أو العادات والتقاليد، ومازالت تذكر جداتها وجدودها وامهاتها جميعا وكل من كان في القرية حين مغادرتها لها، وكانت اجاك من الجيل الجديد في القرية حيث انها لم توشم في جبهتها بعلامات القبيلة، واحتفظ لها والداها بأسنانها الأمامية البيضاء المشعة، كلما لم تأت به معها مرة اخرى هو السكسك الذي يحيط بخاصرتها تلك الخرزات البيضاء والسوداء، حيث انها اصبحت بدينة بعض الشيء ولم تتحمل ضغط الخيط على خاصرتها، لذا تركته في البيت بالخرطوم، لكن غير ذلك كانت اجاك كما هي، طويلة ممشوقة القوام مثل شجرة تك، سوداء البشرة ليست كقلب الآبنوس، بل مثل الليل ذاته، صدراء ناهد، لها اذرع طويلة ورقيقة، وعينان بهما نظرات حادة وثاقبة كعيني النمرة، ويجب ان يلاحظ شيء آخر ايضا، ان أجاك لم تتزوج الى تلك اللحظة، وهي الوحيدة التي بقيت من بنات جيلها بغير زوج الى الآن، لربما شغلتها سنوات الدراسة االطويلة عن اسئلة الجسد، كانت اجاك فارعة القوام، سوداء كالليل لها ذراعان طويلان رقيقان، وعينان تشعان رغبة كعيني نمرة، وهذا مهم جدا، لأن اجاك سوف تُقيم بعد قليل بعدد من الأبقار وفقا لقوامها وجموح جسدها اللذان سوف يقرران من هو الزوج وكم هي الأبقار التي ستستحق كمهر لها، وكيف ان أباها دووت يحبها أكثر من كل أخواتها، وأنها ما يفخر به وذلك واضحا من الأغنية الخاصة التي يغنيها لها وحدها:
اجاك يا بقرتي
اجاك يا بقرتي المقدسة
يا بنت عُشب النيل
اجاك يا بقرتي اجاك يا بقرة عشب النيل جدها العظيم.
لم تنس اجاك، ان تستبدل ملابسها وهي تغادر شيوبت الى ابيرو، تخلصت من كل شيء، لفت جسدها الجميل الطويل بقطعة قماش زاهية الألوان وهي اللاوي او الزى الرسمي لقبيلتها، عبارة عن ملاءة ينتهي طرفها الأعلى على كتفها الأيمن وتدور حول نصف الجسد بغنج غابوي مدهش، تظهر نصفه وتخفي نصفه، ليعلن النصف المخبوء عن النصف غير المحجوب، وهذا سره وسحره، اختارت جلبابا بسيطا من الحرير الملون لم تكن له أكمام وعاري تماما من الصدر، وهو أكثر ما يليق بجسدها من ملبس، فاجاك كغيرها من البنيات تعرف ما يليق بجمالها وما هو حري بإثارة دهشة الرجال ودهشة أنوثتها هي أولا، كانت في رفقتها أمها التي انتظرتها في شويبت منذ بداية الأسبوع لتصطحبها في رحلة بالأرجل الى القرية تستغرق الساعة في غالب الأحيان عبر غابة سافنا غنية مستوحشة، انضم لركب المستقبلين رجال ونساء أقرباء والديها وعشيرتها، اجاك سوف تصبح أول طبيبة من ابيرو، وستظل الوحيدة التي تتمتع بهذا اللقب الى عشر أعوام اخرى، كان هم أمها الوحيد ان تتزوج اجاك قبل كل شيء، ان تنجب أطفالا يحفظون نسل الأسرة، وظلت طوال الأسابيع الماضية منذ ان سمعت بان ابنتها في الطريق الى ابيرو، تتحف الشيخ بالهدايا لكي يقضي وقتا أطول في طلب الزوج لأبنتها من الجد الأكبر للأسرة الذي هو عُشب النيل، وكانت تعرف ان ابنتها سوف لا تتزوج بسهولة، لأنها طويلة وشديدة السواد وممشوقة القوام، يعني هذا ان مهرها قد يتجاوز الألف بقرة، وهذا غالبا ما لا يتوفر لشخص عادي، في الحقيقة كان هذا هم العشيرة الأقربين جميعا، من أين لزوج بألف بقرة في وقت تهب فيه بقايا الحرب التي دارت عشرين عاما في المكان قضت على مراحات كثيرة من الأبقار وأضعافها من الإنسان، حتى لو شاء ان يبقي دينا كثيرا عليه، حتى لو ساعده الأقرباء، ولم يتحدث شخص واحد عن خيارات أجاك، التي همست لأمها، بأنها سوف تتزوج رجلا من الخرطوم، ليس من الدينكا، بل هي الى الآن لا تعرف قبيلته، وانه يعمل في الصحافة، طبعا سألتها أمها عما هي الصحافة، فلم تستطع اجاك ان تجد لغة مناسبة لشرح الكلمة، لم تمانع الأم ولكنها فقط أكدت على عدد البقرات، لأن أبيها سوف يموت من الغبن إذا نقصت بقرة واحدة من الألف المتفق عليها كحد ادني لمهر لبنت في طولها ولها ذراعان بهذا الجمال.
في الغد جاء كثير من الشبان من بعض القرى المجاورة وأقاموا حفلا احتفاء بعودة اجاك، رقصوا معها، وقفزوا في السماء محاولين تجاوز ذراعيها المرفوعين للأعلى، وغنوا لها وشبهها كل منهم بأجمل بقراته، وأعطاها اسمها، فكانت: كتنج، ولول، ونيانج، أكوي، يار، أكور، أين، وجنطوك، وابتهجت صاحباتها وغنين معها، وتقدم لها منقار للزواج، لمنقار زوجتان اخريتان، وقال إنه سيدفع ثلاثمائة بقرة عدا وحالاً، قالت أمها إنَّ ذلك لا يسوى عدد الخرزات التي تزين عنق بنتها، تقدم إليها ملوال أجوك، وهو شاب وسيم من دينكا بور، له زوجة واحدة فقط وورث أبقارا كثيرة وأطفالا وامرأتين عن أبيه المتوفى، قال إنه سيدفع من أجل أجاك، خمسمائة بقرة، ومن ضمنها ثوره الخاص، وهو مال لا يستهان به وتكريم مدهش، إلا أن أم أجاك قالت، إن ذلك المال لا يسوى قيمة الرحط الذي سوف يحيط خصر ابنتها الجميلة، وإنها أحبطت في فتيان الدينكا وفشلهم في تكريم ابنتها بما يليق بطولها، واعتبرت هذا من علامات ان الدنيا تصير للفناء وان الكون قد ينتهي قريبا طالما كان هذا هو حال القيم والأخلاق، رفضت من تقدموا لها فيما بعد حتى قبل ان تعرف عروضهم المغرية التي جاؤوا بها، واستفسرت مرة اخرى عن الزوج الذي حدثتها أجاك عنه فيما قبل، كم يمتلك من الأبقار، وكم تمتلك أسرته، ومن هو جد أسرته؟ قالت لها أجاك إنها لا تعرف شيئا عن أسرته ولكنها متأكدة أنه لا يمتلك ولا عجلا واحداً: إنه صحفي يا أمي.
حسنا دعينا نذهب مرة أخرى للشيخ، ليدعوا لنا جدك عُشب البحر، ويسأله عن مقدار القرابين التي تقدم إليه من أجل أن يستجيب لحاجتك لزوج يجيد تقييمك ويعرف قدرك ولديه مال يمكنه من فعل ذلك، قالت أجاك إنها لن تفعل، فذهبت أمها وحدها، وذبحت دجاجات بيضاء ودجاجات سوداء كما طُلب منها، وأقامت في خدمة الشيخ ساعة من الزمان، ووعدها بالخير.
ابيرو قرية صغيرة جدا، عدد المنازل بها لا يتعدى مئة بيتا، وبها اسر معروفة لم تنقص ولم تزد من أكثر من عشر سنوات، أي منذ ان انتهت الحرب الطويلة، كلها مبنية من أفرع الأشجار والبامبو والعشب الموسمي، تقيم الأسر في تجمعات سكنية يخصص جانب منها للأبقار والجانب الآخر لسكنى الإنسان، وفي مثل هذا الوقت، الصيف تكون الحياة أكثر سهولة والحركة ليس لها من معيق، لذا لم يستغرب الناس في القرية وفادة أشخاص من قرى بعيدة قد لا يعرفونهم ولم يشاهدونهم من قبل، والرجل الذي عَرّفَ نفسه بِطون، ذو الصوت الجهوري، كان واحدا ممن أتوا من بعيد لخطوبة أجاك، ونسبة للطريقة الشاذة التي قَدَّم بها نفسه، قالت أجاك عنه في نفسها: إنه موهوم.
من الرسومات والوشمات التي في بطنه وعلى جبهته وكتفه، عرف الجميع أنه يكمل الآن عامه الأربعين، وأوضح العُقد الذي يلتف حول عنقه، وعلى ساعديه، أنه قتل نمراً أو نمورا كثيرة. لم يندهش الناس كثيرا لعُريه، فلقد كان عارياً تماماً، يطلي جسده بالرماد، حتى لا يكاد الناس ان يروا من لونه الطبيعي شيئاً، شعره مصفوف جيدا ومسقي ببول الثيران، عن طريق الطبل التي جاء يحملها على كتفه مع حرابه، أيقظ القرية كلها ذات صباح باكر، وغني بصوت قوي كأنه زئير الأسد، ولما هب الناس إليه، رقص قافزا في السماء عشر قفزات، كان طويلاً ونحيفا، وتلعب أشياؤه بين ساقيه في الهواء كأنها أرنب مجنونة، وتبدو مضحكة ولكن نسبة للجدية التي ظهر بها، لم يستطع أحد أن يضحك، ثم غرز رمحه في باطن الأرض الصلبة، نظر بعيدا نحو الغابة، وقال: أنا أسمي طُون قوقريال طُون، وانظروا إلى تلك السحابة، ما هي إلا أغبرة حوافر الأبقار التي أتيت بها مهرًا لأجاك، سوف لا تجدون مكاناً تحفظونها فيه بالقرية، ستصلكم بعد قليل.
قالت أجاك إنها لن تتزوجه ولو أنه جاء بأبقار العالم كلها، أكدت لها الأم إنها سوف تتزوجه رضيت أم لم ترض،لأن امها إذا كانت قد رفضت الزواج من والدها ما كانت هي على قيد الحياة الآن، وإن مهرها ملكا لأسرتها وليس ملكا لها هي، وان والدها يحتاج لخمسين بقرة منه لسداد متأخر صداق امها، وأن اخوانها الخمس يحتاجونه ايضا لكي يتزوجوا به، وان كثيراً من الأقارب ينتظرون نصيبهم من هذا المهر، وأنها لا ترى شيئا يعيب طُون قوقريال طُون سوى انه فخور بنفسه أكثر مما يجب، وكان عليه ان يستر عورته بجلد النمر الذي قتله، وألا يثير كل تلك الضجة بصوته المرعب والطبل القبيح الذي يعلقه على كتفه، غير ذلك لا يعيبه شيء.
عندما انشغل الناس بعد الأبقار، صُنع الزرائب، واقتراح القسمة، هربت أجاك لتحتمي بالغابة، كانت تجري بأسرع ما تستطيع، وعندما توغلت في الدغل، شاهدته يجري خلفها، كان سريعا كما الريح، أمسك بها، حملها على كتفه ومضى بها في خُطى سريعة ناحية النهر، وهو يغني بصوت أجش ماكرٍ.
عبد العزيز بركة ساكن

 
 

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الموت نشوة : فاصل من رواية ذاكرة الخندريس

مُساهمة من طرف تيسير عثمان في الخميس 29 أغسطس 2013, 9:53 pm

لم تعد علاقتي به ذات جدوي انا لا افكر بطريقة مادية او برغمائية ؛لقد احبت باخلاص اظن انه مازال مخلصا

في حبه لي لكني الان علي مشارف الثلاثين من عمري اريد ان اتزوج . في الحقيقة وبصورة ادق اريد

ان يكون لي طفل .اظن ان ذلك هدف نبيل وانساني في مجتمع يرعي المحافظه والتسمح بقيم فوق ما نستطيع

مجتمع يقدس المظهر ولا يهمه جوهر الاشياء في هذا السياق الذي هو واقع الحال لا يمكنني ان انجب طفلا

بغير اب لا تلك جريمة في حق الطف وحق الاب وحقي ؛ فالتربيه الجيدة للطفل تبدأ من قبل الميلاد ؛ ويجب

أن يلاحظ ايضا انني لا اريد اي اب كما اتفق اريد ان انجب طفلا من رجلا احبه ؛ عندما اقول رجلا احبه

لا اعني غيره هو بالذات . الامر ليس بهذه البساطه .فكرت كثيرا فيما اذا كنت احله من اجل الطفل اقصد

من اجل تصوري للطفل الذي هو انسان الغد .
يعجبني اسلوبه في الحياة علي الرغم من ان هذه الجملة عامه ؛ قد لا تعني شيئا بالذات إلا أنها تعني الكثير

بالنسبه لي ؛ او انني اتوهم انها كذلك .

علمني حب الاطفال ؛ كان يقول لي دائما ان الرجل مثل ذكر النحل لا فائدة منه ترجي اذا لم يستطع ان يضع

اطفالا اقوياء في رحم سيدة ...
وان فعل ذلك لا فائدة منه بعدها عليه الرحيل ...
والمرأة الذكية هي التي لا تحتفظ بالرجل  لانه سوف يسعي لنيل مكانة في الاسرة لا يستحقها في الغلب ....

                                                                                    يتبع




مشرفة المنتديات المتخصصة


تيسير عثمان
مشرفة
مشرفة

عدد المساهمات : 37
نقطة : 2679
تاريخ التسجيل : 27/02/2013
الموقع : الخرطوم
المزاج : مسلمه

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 07 ديسمبر 2013, 8:08 am


امرأةٌ مِثل دَبيبِ النَملِ عَلى الجُرحْ
عبد العزيز بركة ساكن
النمسا – الاربعاء 4 ديسمبر 2013
مَهَمَّتُنَا أنْ نَأثم. لا أن أغفرُ لها، ومَهَمَّتُها أن تخون جسدها وروحي. كالذي يبيع نفسه لنخاس لكي يشتري بثمنها حريته مرة أخرى. وحدها لها الحق في أن تخونني. أن أعثر عليهم في خريطة جسدها المنهك: أظافرهم في حنيات إبطيها، شورابٌ مبعثرة في صدرها، دمامل الأشتهاء ودم الذبائح المغدور بها، فوخ السُرر، فوران جراحات الروح المستعصية علي البرء، البعض يوقع في أحراش العانات ومتاهات الشفتين حضوره، أي في دفترها لخيانات الأمس.
كانت تصرخ في بنطالي، في سروال الوقت المقدود، علي جرحي: أحبك.
فاشم من بين أسنانها شواء العُهر المشوي علي جمر الفعلات، قبلات الريح العابرة السكرى علي شفتيها، همسات رجال شتى ورماد الكأس. كانت تصرخ في رئتي بهواء مخنوق مدمي: إني أكرهك سأكرهك.
تتجول عارية في الصالة الواسعة، يلاحظ أن فخذيها أكبر حجماً، وبالوشم المرسوم علي نصف الظهر طيور جارحة، وبعينيها آثار شجار الأمس المحموم، وكل ما تبقى من محاولة انتحارها الكاذبة، كذبتها. كانت تجوب الصالة مشياً محزونا، وقد شربت كل زجاجات الخمر المنسي في جنبات البيت وتحت فراش النوم وفي وجر الجيران، نفدت عُلب سجائرها، مصتها بجنون، ولأن العسكر يحرسون الليل فلا امل لشراء شيء قد ينقذ شهوتها للتدخين وللخمر غيري، أن تنهشني أن ترقص في جسدي رقصتها للخمر وللدخان.
كانت تصرخ في وجعي: خذني.
امرأة مثل دبيب النمل على الجُرح، مثل صُراخ الطرشان إلى الطرشان، مثل خروج الأسماك من الرمل الحارق في شط الموت، مثل جراثيم الروح الموبوءة بالعلة. امرأة مثل صخور المعبد أن تُعبد، كانت تصرخ أن آخذها، أن اشتريها منها بلا ثمن أو قُبلة، امرأة مثل رماد الأشياء لا تدل على الأشياء: سوى صفة الوقت دليل خيانتها الكبرى.
حزمت جسدها في كتلة واحدة، مثل قبضة اليد، لوحت به في الهواء كحجر، ثم قذفته نحوي، عَبَرَ أمام عينيَّ كطائر مخبول، ثم هوى في المكان: "يضعَ لي بعض نقاط من مشروبه الأحمر في كوب اللبن، فأحسب أنني أطير، استطيع أن أميز النشوة اللذيذة تلك، في ذلك العمر المبكر جداً، وما بين نومي وصحوي، أصابعهُ تعبثُ في المابين، تتزحلق بخفة ورِقَّة، عيناهُ المدمعتان تحملقان في عينيَّ، كنت لا أفهمُ ما يُفْهَمْ، ولم أعرف أن ذلك من الغرائب، ولا حتى في اليوم الذي كف فيه عن فعل ذلك بإصبعه، واستخدم اصبعا أكبر. اصبع لا ظفر لها، تعرق بين وقت وآخر مسيلة دما أبيض، لا أدري كم مرت من السنوات والأزمان وهي تعرق في أحشائي، قالت لي أمي: "لا يمكنني فعل شيء، فقط تجنبيه".
كانت وحيدة، ضائعة في ذات مقسمة لشظايا، مسمومة ومجروحة في أكثر من عضو وأرواح شتى. وأعرف أنها تعني ذلك وتعيه، في وحدتها حشدها، وفي ضجيجها سكونها، وعلي الجسد المرمي هنا الآن كل السعادة والحَزَن. يترهل قليلاً عند الفخذين. علي فمها شفتان ليستا للكلام. كجناحي عصفور تستخدمهما محاولة الطيران بعيداً عنها وعني.
سوف لا أغفر لك خطاياي. لا تغفرين لي عثرات الروح. انا وأنت ما كان علينا سوى أن نأثم. أن نتمرغ في وحل الشهوات. مزيدا من الإثم يعني أننا نعيش في الوقت ونتلمس حرارة المكان وأن الدم يجري."أُحبكُ" لا أعرف معنى الكلمات الأخرى. لا يرسم قلمي وسمات الكُرهِ علي جسدك: "يتكور الجسد المرة تلو الأخرى، يصفر، يسود، يبيض، يدمل، يدمي، تطوف أصابعه علي ظهري، وظهري مسنون كالسكين، عظام ليلة البارحة، شحوم الأمس المحموم، ضلالات التشهي". دعاء الغفران، لسعة شمس طازجة، قالت لي: خذني.
رائحة الأنثى أتحسسها بأناملها، تعطي مما تفتقد، الحياة معركتها الأخيرة، لا وقت لديها لتضيعه هنا، ستستغل أول قاطرة إليها في عُزلتها، كنا نحتفل بالنصر عندما نفشل في تحقيق الهزيمة بنا، أحملها في كفي، ليست كشجرة مزهرة ولا طَفْلة ملائكية، ولا اكليل الورد العطري، أحملها في كفي كجنازتها، كقبور امرأة لا تحيى إلا في الموت، أحملها في كفي لا تخرج مني في جُب الظلمة، كبقايا يخنقني دخان حريقها، تسمم قلبي نظرتها: اسميها ميدوزا الأشواق.
أعرف أن محطتها جسدي، ستعود إليَّ من بعد رجال ونساء شتى، لأنها تجد عندي ما يفتقده كل الغير: "اخترقها مثل الحربة، وبذلك أحقق رغبتها في الموت".

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأحد 16 مارس 2014, 8:24 am

[rtl]البيت بيتي
عبد العزيز بركة ساكن

السبت 15 مارس 2014
البيت بيتي، وبيت النملات العجولات، الستائر القديمة والمروحة.
بيت السحليتين الصغيرتين والفارة.
البيت بيتي وبيت الضب والعنكبوت وبيته، وبيت الذبابتين العالقتين بخيطه، وبيت الثعبان الأرقط المتربص بي: الحيَّة مصنوعة من الخشب أهدتني إليها سيدة ومعها قبلة.
البيت بيتي وبيت الكتب الصفراء، شنوا أشيبي، هاروكي موركامي، فرانز كافكا، واسيني الأعرج، عراقي في باريس، وأرفف المكتبة العجوز وأخشاب الموسك.
بيت البعوضة يبتلعها الضفدع: بيت الضفدع.
البيت بيتي وبيت السرير الكبير ومنضدة القراءة وصنبور المياه المعطوب جركانة الخمر الفارغة، أعقاب السجائر، أحذية النساء القديمة، فراشتان تتحريان الرحيق في زهرة ميتة، الزهرة الذابلة، أسورة أمي القديمة، جلباب النوم، قصاصات الجرائد، صورة المهاتما غاندي على الحائط وصوت الآذان البعيد، البيت بيتي وبيت المرأة الغائبة وسبحة العقيق اليمني الجميل.
بيت الطيبين والفاسقين والمارقين والخانعين
بيت كل من يشبهني ويكرهني: تعجبني في المرأة أنها لا تستقيم إلا إذا اعوجت، وفي الرجل الانحطاط.
بيتي وبيتهن وبيتهم والقط الذي يلعب اليوجا علي الحائط: القط يصلي.
بيت الحائط والغائط وشجرة الجوغان العملاقة والمسكيتة الشريرة وبيت الحزانى المتشردين وتاجر البضائع الكاسدة، يغتب التلفاز الآن رجلاً يحبل بتوأم: بيت التوأم والرجل والتلفاز.
بيت الصافية وألم قشي ومختار علي وصديقي المنسي في قبره والدجاجات.
بيت الكلب: اقصدني حينما لا تكون امرأة في بيتي، وتكون النافذة مشرعة، وقلبي يتلصص في خاطر سيدة بتشممها ويهرُ.
أتجول عاريا فيه ولا اخشي بوليس النظام العام وإذا طرقت حذاؤه نافذتي أرد إليه بكل شجاعة دون ان اهرع إلي جلبابي: تفضل، إنه بيتي.
عندما تلعب الصهباء بي، وارى الشجرة أرنبا، فان بيتي يصبح القفزة التي تفلتني من كلب الصيد، والعثرة التي تؤخرني من مصادفة الكارثة، ويصير المرأة الوحيدة الوفية التي تحتضن البيت، بيتي ايضا خمارتي التي لا تقود إليها خرائط الشرطة ولا يعلم قنانيها المخبرون، بينما تقبل أغنياتها السحابات البعيدة ويفوح خندريسها كروان وسكسفون ونساء لا يخشين في الحب لومة لائم..
بيت كتبي المغضوب عليها والضالين: هنا اكتبها، أغنيها أمارس معها الحب، وأمزقها وابكي عليها، وحينما تنهض من موتها، مثل الزومبي، ادفع بها إلى ناشر مجنون.
لوحة زيتية رسمها مستنير، بيت صديقي دكتور الجعلي، بيتي وبيت الجن والشياطين، أعشاب المطر الصيفي اللذيذ.
بيتي بيت بيتي الصغير المشيد من الطين اللبن وأخشاب الشجيرات القتلى التي ماتت فداء لنا، وبيت روح أبي وأمي وبنت الطريق وبيت حافظة الصدر التي نسيتها على رواية عوليس قصدا أم مكرا، فالبنيات يوقعن حضورهن فيما يتركن من متعلقات: دبوس الشعر، فردة جورب، رباط قصير من الكتان، خصلة طويلة دافئة على الوسادة، وتحت الوسادة حرير مجنون، احمر الشفاه على كوب الماء وكاسات العرق، فانلة بيضاء من الساتان تشبه قبلة منسية في لسان نزق تتركها النساء عادة تحت الملاءات، عدسات العين، قلامة الظفر، ناتفة الشعر، سؤال لا إجابة له، موسى لمحاولة الانتحار الفاشلة، قبلة سريعة من اعلي الكي بورد، عراك قصير، منديل تعب، قلم روج، واق أنثوي مستعمل، كركبة الباب، ونسيت ان أقول ان بيتي هو ايضا بيت الباب والنافذة المشرعة.
[/rtl]

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

إمراءة من كمبو كديس..

مُساهمة من طرف عبد الرحمن موسي ادريس في الأربعاء 19 مارس 2014, 11:49 am

هذه القصة القصيرة لعبد العزيز بركة..

تمس فى دواخلى أحاسيس عجيبة جدا ..وذلك لأنى أعرف المكان وأدق تفاصيله والشخوص الذين يسكنون المكان ويتجسدون فى قلم الكاتب..أعرف أزقة ذاك المكان ..وتجولت فيها فى زمان باكر من عمرى..
أتماهى مع السرد ..وأستعيد الزكريات ..وأرى الشخوص بلحمهم ودمهم كشريط سينمائى ..
 هذه هى موهبة الكاتب عبد العزيز ..الواقعية الموغلة فى الشفافية ونقل الواقع مجسداً بحيث يعطيك إحساس المشاركة فى الفعل الإبداعى للراوى..
هى محض أشجان تغمرنى كل ماطالعت نصا للروائى والقاص عبد العزيز بركة ..
شكرا الحبيب ناصر على إثراءك لهذا البوست مما جعله من النوافذ المضيئة فى المنتدى وواصل ..
الحب والتقدير لكل من ساهم فى إثراء هذا البوست وهذا قليل فى حق أحد مبدعى بلادى..




..

المدير العام


عبد الرحمن موسي ادريس
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 1830
نقطة : 6475
تاريخ التسجيل : 19/09/2011
العمر : 59
الموقع : مصنع سكر حلفا الجديدة
المزاج : مسلم/سنى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف عوض احمد ادريس في الجمعة 18 أبريل 2014, 3:33 pm

تحياتى ايها الحبيب عبد الرحمن موسى ويعجبنى فيك اعجابك بهذا الاديب الكونى عبد العزيز بركه
وجمال و واقعية اعماله التى تفيض صدقا
فتجدنا نسرح بعيد ا ونحنا نبحر فى اعماله المتنوعه ويقتلنا الفرح ونصيح كم انت عظيما  يا ابن الشرق العظيم .

عوض احمد ادريس
مشرف سابق
مشرف سابق

عدد المساهمات : 1205
نقطة : 5197
تاريخ التسجيل : 07/11/2011
الموقع : امدرمان
المزاج : سودانى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 17 مايو 2014, 4:34 pm

صاحبة المنزل*
عبدالعزيز بركة ساكن 
هو شخص عادي، عادي مثلك، يعشق السلام ويحب أن يكون آمناً محبوباً، فهو مثلك يحب أن يكون محاطاً بالنساء الجميلات ولكن المرأة الجميلة عنده هي ليست مارلين مونرو أو صوفيا لورين ولا حتى ملكة جمال ملكات جمال العالم.
المرأة الجميلة عنده هي المرأة التي تقبل أن تذهب معه إلى مسكنه، أو وجره كما يسميه، حجرته الطينية الغبشاء وتجلس على عنقريبه المتهالك العجوز ذي اللحاف المتسخ ببقايا الصاعوط وكأسات العرق الأخيرة والتي قد يضطر على شرابها وقد بلغ السكر أشده فتندفق علي اللحاف مذيبة بقايا الصاعوط فيشكل المزيج خرائطاً بائسة، فهي اذاً امرأة بالغة الجمال إذا شربت من جركانة الماء المملوءة منذ يومين، التي بني الطحلب علي جوانبها – اخضر لزجا وماسخا – مستعمراته، اذاً هي أجمل من هيلين طراودة اذا تمطت علي عنقريبه ثم... نامت. هو شخص عادي وبسيط مثلك، فلماذا لا يهيم بالصبية الردفاء التي تبيع السمسمية عند الحنية الصغيرة قرب بيته، الصبية التي عرف إنها جميلة منذ أول جملة قالتها له عندما استدان منها ولأول مرة قطعة سمسمية كبيرة.
- أأنت الذي يسكن ذلك المنزل؟
مشيرة بإبهامها الرقيق – رغم سمنته – نحو وجره.
(2)
صاحبة المنزل، صاحبة الحجرة الطينية الغبشاء، والتي يتخذها وجرا لنسائه الجميلات وقلعة تحميه إلحاح الدائنين ولجب عسكر الخدمة الإلزامية.
قد تبدو هذه المرأة بمقياسك للجمال، هي أجمل سيدة تقع عليها عين في مثل تلك الحارة ولن أصفها لك، ولكني أهمس في أذنك بأن تنظر الي التلفزيون الآن وإذا بدأت أمامك مذيعة لا يهم من تكون تمعن في وجهها فهي تشبه صاحبة المنزل كثيرا عندما تعمل فمها في اللغة، لأن المذيعات كما تعرف – عندما يلوين شفاههن وهن يحاولن إخراج الكلمات من بين أحمر الشفاه والأسنان المطلية بماء الفضة، فهن يتشابهن كثيراً في تلك اللحظة يشبهنها وهن يدللن اللغة فيخرجنها مخنثة أو دائخة من عطر الفم الكيميائي المخلوط بروح الأناناس أو الليمون، ويمكن أن نضيف إلى هذا الجمال الواضح البين كرمها، فهي تهبه يومياً وجبه كاملة وحتى صبيحة الأمسية المشئومة والتي ضبطته فيها يراقد الصبية الردفاء بائعة السمسمية والتي كانت في تلك الأمسية أجمل امرأة في العالم، حتى بعد هذا الحدث الرهيب لم تكف عنه يد العطاء ولم تسأله عن أيجار الأشهر الثمانية المنصرمة، بالرغم من أنها انهالت عليه ضرباً مبرحاً بعصا مصنوعة من أحطاب الكتر، ضرباً لا رحمة فيه ولا مخافة من عذابات يوم الحساب، وعندما سقط مغشياً عليه أخذت تركله في بطنه وصدره ثم أهالت عليه التراب ثم صبت عليه ماء الجركانه المطحلب البارد، بصقت عليه مراراً ولو، لم يمنعها بعض الحياء النسائي والذي عادة ما يصطحب جمال المذيعات لتبولت عليه ثم تبولت عليه.
كانت قاسية وعنيفة بشكل مفاجئ ومباغت مباغتة شلته تماماً عن التفكير، بل ذهبت بوعيه وشتتت فتاة المتعة الإنسانية العميقة والتي كان يقتاتها بكل سلام وبراءة من بين ردفي أجمل امرأة في العالم، صبية السمسمية، تلك القسوة التي عجز عن وصفها لصديقيه بابكر المسكين، ومايكل أكول عندما زاراه في وجره صبيحة الليلة المشئومة، فقط اكتفى بأن خلع ملابسه واراهما ظهره ثم أعطاهما رأسه الذى ما زال متروباً ومطيوناً بماء الجركانة مطحلباً... ثم أراهما أذنيه المعضوضتين ثم ساقيه المكلومتين ثم سألهما عن آمنة.. عن عينيها الحلوتين البريئتين وعن ضرسها المسوس وهل ما يزال يؤلمها؟! ثم أكد لهما بأن اللكمات التي تلقاها من هذه المرأة، كفيلة بقتل ديناصور وليس بني أدم مسالم وطيب مثله.
ولو أن الموقف كان في قمة المأساة إلا انهما انفجرا بالضحك وضحك هو أيضا، بالرغم من الوخزات التي كان يحدثها الضحك في ظهره ورئتيه وعندما سأله مايكل أكول عن مصير الردفاء، قال:
- لا أعرف عنها شيئاً، لقد كنت في شبه غيبوبة.. فقط أعرف أنها اختفت عارية لان ما تجلسان عليه الآن هي أثوابها.. 
سألهما عن آمنة وعن كشه، الخدمة الوطنية الإلزامية، قال: له بابكر أن فوال المحطة الوسطى دايم السؤال عنه، كم طلباً من الفول أكلت منه بالدين؟ ّثم أضاف وهو يحملق في جرح بساق صديقه المغضوب عليه:
- لقد أصابتك لعنات ام بخوت صاحبة الشاي، وصاروخ الكيف ولعنات كل فوالي العاصمة حتى بائعات التسالي وفارشي الكتب على الرصيف وبائعات عرق البلح والداعرات..
فرد مايكل أكول مبتسماً 
- أيهما أهون عند الله الموت جوعاً أم الأكل بالدين..؟
قال بابكر وهو يبصق سفة صاعوط
- ولكن السكر بالدين.. والمزة بالدين..وحتى النساء بالدين؟!
ألم يكن هذا ما يسميه خطباء الجمعة بالإثم المركب؟!
ضحكا، فسي فسوتين متتاليتين، سأل عن آمنة أحس براحة نفسية عابرة سأل عن الكشة ونتيجة المعاينة الأخيرة، سأل عن آمنة وما إذا كانت ما تزال تتردد على المركز الثقافي الفرنسي باحثة عن عمل او تسهيلات لتأشيرة دخول لفرنسا، بعد أن خاب أملها في اصطياد ضربة حظ اللوتري الامريكي. طلب سفه صاعوط.
(3)
بصق سفة السعوط،  قال أنه لم يقابل آمنة منذ أكثر من أسبوع فقد بقي بحجرته سجين الدائنين وعسكر الخدمة الإلزامية، الآن حبيس المرض.. طلب سفة صعوط أخرى، فقدم إليه مايكل أكول سيجارة كان يحتفظ بها في جيبه بعد أن دخن نصفها مناصفة وبابكر المسكين في الطريق، سأل عن آمنة وهل وافق الطبيب علي خلع ضرسها.
(4)
علي المنضدة الصغيرة المصنوعة من الفلنكة كان وعاء الطعام، أرسلته صاحبة المنزل في الصباح الباكر مع طفل صغير كالعادة، بالرغم مما حدث بالأمس... وكأنه لم يحدث شئ بل وكأن ما حدث لم يكن سوي مواجدة تزيد من التقارب الإنساني وتقوي العلائق الاجتماعية، فكان الإفطار دسماً وشهياً جعل ثلاثتهم يتذكر الوجبة الملائكية – كما تسمونها – والتي تطفلوا عليها بقاعة الصداقة وهي عبارة عن مأدبة عظيمة أقامتها أسرتان ثريتان احتفاء بنكاح وقع ببينهما.. فدخلوا كالمدعوين ثقة وادعاء للغني – ولو كان ذلك علي مستوي السلوك فحسب لان مظهرهما الخارجي كان يدل علي البؤس والعطالة – فإذا رآهم أهل العروس ظنوهم من أصدقاء أهل العريس وإذا رآهم أهل العريس ظنوهم من أصدقاء أهل العروس ولم يكتشف آخرهم إلا بعد أن شبعوا واتخموا بالمحشيات والمشويات والمقليات والسلاطة وحينما تذكروا آمنة وإنها الآن ربما تتلوى جوعاً.. فهل نبخل عليها بفرخة سمينة مطبوخة بالبهار والسمن البلدي محشوة بالزبيب والزيتون وما لا يعلمون ؟!
وأمام دهشة مئات المدعوين الأثرياء، تلك الدهشة المنعمة السمينة المشحونة بالازدراء وعفن الدونية. حمل بابكر المسكين الفرخة عارية تقطر سمنا بلديا وتفوح منها رائحة البهار الهندي، وخرجوا من مطعم القاعة مسرورين يغنون بصوت واحد نغما شائعاً رخيصاً يناسب ثراء المكان وعقد المناكحة المحتفى به، سادتي: أنا وصديقاي نحي فيكم روح الثراء، ونبارككم أبداً ما تناكحتم وشم بعضكم فيخ بعض.
(5)
سأل عن أمل، قالا له: إنها أنجبت ولداً واحداً فقط على الرغم من ضخامة فخذيها وسمن زوجها والذي في الغالب يزن اكولين ونصف بابكر، أي ثلاثة أكول إلا ربع الأكول، قالا انها ما تزال غنية وكلما قصدا منزلها أنقدتهما مالا لا يستهان به يمكنهما من شراء الصاعوط وركوب المواصلات وقد يتبقى لهما ما يساوي نصف زجاجة العرق ومزة رخيصة قد تتعدى الزيتون الأسود أو الفول المدمس.
قال إنه طوال هذه الأيام المقضية في حبسه كان يكتفي بوجبة واحدة صباحية يتيمة والتي تهبه اياها صاحبة المنزل مجاناً ولله وحده، ويقضي يومه في قراءة وول سونكا استعداداً لدراسته أكاديمياً في إطار إعداد بحث عن الصورة الشعرية في الأدب الأفريقي الحديث.
وأحياناً وفي بعض المساءات تشاء سيدة ما تكون أجمل امرأة في العالم وغالباً تقوم بهذا الدور الصبية الردفاء بائعة السمسمية، فتتسلل الي حجرته حاملة معها بعض السمسمية وتحكي - بينما يلتهم هو السمسية التهاماً- عن صديقتها الوحيدة والتي تبيع التسالي وحلاوة فوفل عند بوابة السينما الوطنية، التي بإمكانها حفظ أي أغنية هندية بسماعها مرتين فقط وهي أيضاً تشبه الهنود في طباعها وأيضاً ملامح وجهها، فلها وجه مدور كالقمر ذو بشرة ناعمة شفافة يمكن من خلالها رؤية شرايين دمها.. شرياناً شريان. وبين حاجبيها لها شامة ربانية والذي جعلها هندية أكثر وأكثر هو أنها تستخدم كريم ديانا مخلوطاً بمعلقة من اللوكسيدآر وملعقتين من الكلي وقليل من الكبريت الأصفر مما جعل وجهها أبيض كالقمر المكتمل وأظهر شامتها الربانية السوداء بين حاجبيها الكثيفين.. آه.. يا ليتك رأيتها، حمداً لله.. لأنك إذا رأيتها ما كنت تهتم بواحدة مثلي لا تستخدم سوى صابون سبتو.. لا.. لا تظن إنني استخدم سبتو لأنني فقيرة..؟ لا.. ولكن لأن الديانا واللوكسيدآر.. والكلي وحتي الكليرتون والامبي تسبب لي حساسية.. ألا تري هذه البقع السوداء بوجهي.. إنها ليست خلقة ربانية!! ولكنها رغم جمال صديقاتها وتهندها، إلا أنها تعيب عليها قلة أدبها – فقلبها فندق.. وحبها وغرامها البوليس والجيش وأظنها تحاكي بذلك سيتا حبيبة كومار ابشلخة الخائن، فأنا عكسها، تماماً لا أذهب إطلاقا لبيوت العزابة ولا ميس الضباط وأكره ما أكره العسكر والبوليس. وأفضل عليهم بمليون مرة الطلاب وكانت تحكي له بينما يلتهم هو السمسمية التهاماً، وعندما يفرغ من التهام السمسمية يلتهمها هي، يلتهمها بحرفية وأستاذية تثير إعجاب صديقتها خدوج الهندية به، وحسدها عندما تقص عليها أثر كل مغامرة تقاصيل شبقة وحبه لها.
أخرج بابكر كيس تمباكه، ضغط على الكيس في عدة اتجاهات مختلفة بأنامله مكونا كرة صغيرة من الساعوط، أخرجها بميكانيكية، رفع شفته العليا فبدأ كحمار يتشمم بول أنثاه ثم وضع كرة الصعوط بكل أناة ودقة ما بين شفته العليا ولثته، ثم بصق على الارض حبيبات صغيرة من التمباك وكح. سأل عن آمنة، عن الإمساك المزمن والذي تعاني منه منذ شهرين؟! كان سيسأل عن آمنة أيضاً وعن خديها اللذين يصيران شديدي الاحمرار عندما تجوع أو تقابل –صدفة- أحد دائنيها. أو عندما تقرأ نتيجة المعاينة والتي دخلتها مؤخراً ولم تجد اسمها بين من تم اختيارهم للخدمة، والذين تتفوق عليهم أكاديمياً، كان سيسأل.. لولا أن صوتاً نسائياً أخذ يصيح في الخارج منادياً باسمه صوت سيدة يعرفه تماماً ويخافه، فبغير ما شعور منه صاح مرعوباً.
- هي.. هي.. هي..!!
قالها كما لو أن جندياً ينبه رفيقه على الا يطأ اللغم والذي علي بعد نصف خطوة من رجله. هذا الأسلوب هو الذي أرعب بابكر المسكين ومايكل أكول وشل تفكيرهما فوقفا علي رجليهما في لحظة واحدة هي اللحظة ذاتها التي ولجت فيها هي الحجرة. لم يبد عليها إنها قد فوجئت بوجود مايكل وبابكر معه بالحجرة ولكنها تفحصت مايكل أكول بعين نافذة. 
كانت سيدة جميلة بغير مقياسه بمقياسك أنت صغيرة، تلبس في احتشام تام وعلي رأسها خمار ثم فوق الخمار يلتف ثوبها المتواضع بأنامل كفتيها، تلتف خواتم من الذهب عليها فواريز بألوان شتي كما أنه لم يكن بمقدور احتشامها اخفاء فتنة جسدية جامحة تخصها، كان صوتها رقيقا وناعماً الشيء الذي جعله يعيد النظر في حقيقة أن هذا الملاك المائل أمامه هو شيطان الأمس ذو القبضة الحديدية والعصي الكتر والذي كاد أن يقتله ضرباً..
صافحتنا واحداً، واحداً، واضعة أناملها الرقيقة في اكفنا العجفاء ولكنه استطاع استشعار قوة رهيبة تكمن وراء تلك الأنامل الناعمة كالزيت، قالت برقة متناهية كأنها تخاطب عصفوراً أثيريا، إنني آسفة لقد كنت متوترة بالأمس وقالت إنها إذا أثيرت: اذا استغضبت تتملكني روح شيطان ولا أستطيع أن أتمالك نفسي وبإمكاني تحطيم كل ما يقع عليه بصري حتى ولو كان من الحديد الصلب، واكدت - وبعينيها دميعات رقيقات صافيات كالبلور ود بابكر المسكين في غرارة شبق روحه لو أتيح له لحسها- ان الله وحده هو الذي نجاه من موت محقق ثم اجهشت بالبكاء وهي تجلس علي منضدة صغيرة من الفلنكة وهي الأثاث الوحيد بالحجرة بالإضافة إلى العنقريب العجوز القصير ذو الحبال المزيفة، ببكائها أحس ثلاثتهم بطمأنينة بالغة وهم يراقبون اسحاح الدميعات الصافيات كأنها قطرات ندى علي بتيلات غاردنيا. 
أخذ هو الآخر يعتذر عما بدر منه من سلوك أدى إلى استغضابك أيتها الجميلة، هذه الردفاء التي لا احبها واكره سمسميتها، ووجهها السبتوي، وتحدث بابكر المسكين عن القيم والاخلاق السامية والتي لا تمس، وهو منتعظ المفعال، في ذات اللحظة متخيلا وجهها الصغير المدمع في عطش كوني لا رواء له. 
فتململ مايكل أكول في مجلسه وهو يسمع كلمات الخوف تخرج من بين فكي بابكر المسكين المرتجفين وتحت عينيه الزائغتين، غير ان هذا لم يمنعه من الادلاء بدلوه متحدثا عن بنيات الزمن الشريرات مشيراً بوضوح خبيث للصبية الردفاء وبطريقة ميتافيزيقية كان يشير إليها هي في ذاتها.
بصق بابكر المسكين سفة الصعوط في الخارج قرب باب الحجرة ونهض خلفه مايكل اكول استئذنا الانصراف ولكن سيدة المنزل والتي اجلستهما قبل دقائق علي العنقريب قربه أصرت علي أن يحضرا الغداء معهما، وهو الآن معد وسأحضره حالا، فأبقيا، خوفا من استثارة غضبها ولأننا -نعلم- لن نجد غداء في أي مكان آخر في الدنيا: أيتها السيدة المعطاءة ملكة بطوننا يا ربة البيت ذات الادمع البلورية نحن نحبك ونخاف منك.
(6) 
رقد ثلاثتهم علي العنقريب العجوز واخرج مايكل اكول من حقيبته مختارات من شعر هنري ميشو وعندما هم بقراءة قصيدة ريشه تحدث عن الشاعر مارول مارول ثم طلب من بابكر المسكين قراءة قصيدة The Foe بصوته الحلو ولكن بابكر تحدث عن انتحالات ادونيس أو ما اسماه سرقاته من الاصمعي والنفري، ثم أخذ ثلاثتهم يغنون لمريم ماكبا ثم تعاطوا التمباك مرة أخري سأل عن آمنة وعن الكشة والمعاينات للخدمة العامة في جملة واحدة، قال انه لا يرغب في شئ في هذه الدنيا غير أن يقبّل آمنة قبلة واحدة في شفتيها، ثم يقول لها باللغة الفرنسية أحبك! ولكنه لا يعرف اللغة الفرنسية وهو أيضاً لا يستطيع أن يقبّلها،
إذا ما جدوى أن نغني يا آمنة ما جدوى هذا الخريف، بينما هم يحكون عن آمنة وسارة وماريانا إذا بصوت سيدة يأتي من خارج الحجرة الطينية الغبشاء فهتف مذعورا.
- انها.. انها.. انها..
الردفاء بنت السمسمية.. انها دائماً تختار الزمن الخطأ..
قال مايكل اكول وكان بصوته رجفة خفيفة حاول اخفائها عن صاحبيه فخرج صوتا مخنوقاً بائساً مشحوناً بالجبن وأكثر ارتجافاً.
- ما العمل؟
ولكنها لم تدع لنا وقتاً للتفكير بل اندفعت داخله الحجرة فوقف ثلاثتهم دفعة في استقبالها مصافحين اياها واحداً واحداً كانت اردافها الكبيرة، كبيرة، جلست علي المنضدة المصنوعة من الفلنكة، المنضدة الصغيرة والتي لم تسع ردفيها مما جعلهما يبرزان على جانبي المنضدة متدليين كقربتين كبيرتين مملوئتين بالزيت، أحس بابكر المسكين إحساسا مزدوجا في ذات نفسه، إحساسا عميقا بالامتلاء وأحس في ذات الان إحساسا عميقا بالجوع، كانت اردافها الكبيرة كبيرة، وهي تعتذر لائمة نفسها علي انها تسببت في ضربة فما كان عليها ان تزوره في مثل هذا المكان وهي تعلم ان صاحبة المنزل هي اشرس امرأة في الدنيا لأنّ بها روح شيطان تتلبسها عندما تغضب، وقالت انها قلقة لحاله ولم تنم ليلة البارحة ولم تهتم ابداً بمأساتها هي الشخصية حيث انها هربت عارية كما ولدتها امها جارية عبر الأزقة الضيقة المظلمة الي بيت أسرتها ولولا ان ستر الله لرآني والدي لولا انه كان بالجامع في صلاة العشاء.
وقالت: إنها تعرف ان صاحبة المنزل الان توجد بالسوق الكبير حيث لديها مكان للشواء مشهور ولا تعود إلا بعد المغرب وكان بإمكانه ان يسر بهذه المعلومة الدافئة وان يفرح بها ايضاً صديقاه الا ان علمهم بأن السيدة توجد الآن بالمنزل وانها ستأتي بعد قليل وستجد الردفاء و س.. ت.. غ.. ض.. ب!
قال لها هامساً، في الحق كانت تخنقه عبرة مرة وهو يقول للردفاء:
- انها بالمنزل الان.. وكانت هنا قبل قليل وستعود الآن بالغداء!!
فنهضت الصبية الردفاء مذعورة وأرادت الانصراف في ذات اللحظة التي سمع فيها الجميع وقع أقدام سيدة المنزل، وهي تترنم بأغنية شائعة في سعادة بالغة ومتعة دافقة، كنا نبحلق في جنون نحو باب الحجرة نحو بعضنا البعض نحو الصبية الردفاء والتي لولا الخطر الحادق والرعب الذي نتوقع مواجهته بعد لحظات.. لضحكنا عليها.. لضحكنا حتي الموت ولكن لا بأس سيضحكون كثيرا اذا خرجوا من هذه المعركة سالمين وسيحكون لأمل وزوجها السمين والذي سيضحك الي ان تنفجر كرشه الكبيرة مصدرة دويا مرعباً، وسيحكون لآمنه وستضحك هي الأخرى إلى أن يحمر خدها وسيحكون لعبدالله ومحمد وتأبان وكوة تيه، فقط لو خرجوا أحياء من هذا المأزق سيستأنسون بذكراه وهم يعانقون الجوع والعطالة والهرب علي شاطئ النيل او عند ام بخوت بائعة الشاي.
كانت الصبية الردفاء تحاول الاختباء تحت العنقريب العجوز الصغير ولكن ردفيها.. فحاولت القفز عبر النافذة الصغيرة المواجهة للحائط الخلفي حيث يصبح بالإمكان الهرب بسلام، ولكن ردفيها.. وعندما عجزت عن أية فعل منقذ غطت وجهها بكفتيها وأغمضت عينيها بشدة وأخذت ترتجف كما لو أنها صعقت بتيار كهربائي منتظرة مصيرها المحتوم، وذلك المصير المشئوم والذي استطاعت الهرب منه ليلة البارحة بأعجوبة الأعاجيب، كانت الأغنية الجميلة توافي مسامعنا مرعبة كأنها عواء الذئاب وكلما اقتربت من باب الحجرة وأصبحت أكثر وضوحا كلما كانت أكثر رعبا، فصاحت بأن يأتي من يساعدها علي حمل الطعام،أين أنت؟
ولكن لم يحرك أحد ساكنا لقد شل تفكيرهم جميعا فدخلت الحجرة ووضعت حملها علي المنضدة ودون ان تنتبه الي الردفاء قالت بصوتها نغمة ملائكية حلوة: 
- فليذهب أحدكم لإحضار الماء البارد من.. 
فجأة توقفت عن الحديث وهي تبحلق في وجه الردفاء المغطي بكفيها، قالت بهدوء مشحون بالتوتر والشيطانية الباردة.
-  أهلا..أهلا.. تفضلي.. أنت دائما هنا.. البيت بيتكم، أرقدي على العنقريب واخلعي ملابسك، لا تخافي مني، فأنا ذاهبة سأتركك مع الثلاثة، جميعهم، أيتها الداعرة الإبليسية بنت الشوارع، لماذا تنظرون إلى هكذا؟ لن أفعل لها شيئا، سأكون معها هادئة، اذهبوا انتم لاحضار الماء واتركونا، أنا وهي، وحدنا بهذه الحجرة، لن أهشم عظامها، لن أحطم رأسها ولن أمزق أردافها الكبيرة التي تشبه الإخراج، أخرجوا، وأنت.. أنت.. هل تحبها، أيها الفأر الأكول اذا اتركوه لي.. اخرجوا جميعاً.. حتى أنت أيتها السمينة.. اخرجوا.. اتركوه لي وحدي.. فأنا هادئة، وسأظل هادئة لم تنظروا، هل أنا مجنونة، أن صمتكم هذا يثير أعصابي.
ثم أخذت ترتجف بصورة مثيرة للشفقة حينما خرجنا وتركناه بالداخل أما الردفاء فمنذ أن سمحت لها صاحبة المنزل بالخروج انطلقت كالسهم وتلاشت في خبايا الأمكنة، بقي مايكل اكول وبابكر المسكين خارج الحجرة قرب الباب بعيدين عن ناظر صاحبة المنزل والتي يبدو انها في طريقها لكي تستغضب، أو انها استغضبت بالفعل، كأنا على أهبة لانقاذ صديقهما ولو بمناداة الجيران أو الشرطة.. كانا قلقين كفأرين علي كف قط: سيدتي الجميلة المرعبة، أي نسمة شيطانية ستعصف بنا؟ أي إعصار لذيذ؟!
ولكن بعد لحظات قلائل من وقوفهما خارج الحجرة سمعا نعم.  سمعا صوتا نسائياً ناعماً رقيقا يبكي.. يبكي في بؤس مثير للشفقة.
فقال مايكل اكول لبابكر المسكين والذي جحظت عيناه دهشة وانفعالا وأسئلة عصية..
- اذا فلنعد لداخل الحجرة، فلنلتهم الغداء قبل أن يبرد.. فأنا لا أحب الطعام البارد..!  فرد بابكر المسكين وبين فكيه ابتسامة خبيثة.
-  حسنا، وأنا كذلك!! فأنت تعرف عني ذلك جيّداً..!


* من المجموعة القصصية  امرأة من كمبو كديس‎

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 28 مايو 2014, 2:09 pm

فصل من رواية جديدة: فاكهةُ الليلْ
نشرت يوم 27 مايو 2014
عبد العزيز بركة ساكن
ماريا شولز، تبدو اليوم أكثر سعادة من أي وقت مضى في حياتها، فقد وجدت ابنتها ميمي أخيرا صديقاً (Freund)، ليس لأن ميمي ليست جميلة ولكنها كانت غير اجتماعية ودائما ما يغمرها إحساس بالوحدة، أو أنها هي التي تجد نفسها في الوحدة، وكلما تقرب منها شاب ارتبكت وعملت على الابتعاد عنه بقدر الإمكان، وقد تُسْمِعَهُ بعض كلمات غير لائقات أيضا. كان هذا يمثل قلقا كبيرا للأسرة الصغيرة، خاصة أن ميمي تبلغ الآن من العمر الثامنة عشرة عاما بالتمام والكمال، ولا تزال هدايا ميلادها الثامن عشر تتناثر في حجرتها، لقد تعبت أمها كثيرا في أن تقبل ميمي صديقا، وأنفقت في ذلك مالا كثيراً، حيث إنها عرضتها مرارا وتكرارا للباحثين الاجتماعيين بالمنطقة وأخذتها أكثر من عشرين مرة لاختصاصي نفسي بفيينا، كانت تقوم ماريا بنفسها بكل ذلك، ولم تجد العون من زوجها حُسني درويش الذي اسمه الآن هاينرش "Heinrich"، فقد كان يرى أنه لا داعي للقلق بشأن البنت وأنها مازالت صغيرة، وعليها أن تنتبه لدراستها ويفضل أن تدخل في علاقة جيدة القصد منها الزواج، فهو لم يقل ذلك مباشرة لزوجته ماريا ولكنه كان يفعل كلما يعزز رأيه، لأن ذلك ببساطة سيدعم فكرتها المسبقة عنه بعدم مقدرته للاندماج في المجتمع الأوروبي، وأنه ليس برأسه الكبيرة سوى خرافات القرون الوسطى. وعندما أخبرته ماريا هذا الصباح وهي في غاية السعادة أن ابنتنا الطيبة قد حصلت علي صديق وسيم في عمرها، في الحقيقة يكبرها بشهرين، قال لها محاولا أن يضع ابتسامة كبيرة مزيفة على وجهه الحليق بدقة، تخفي أحاسيسه الفعلية وتظهره كرجل متمدن يستحقها
-ياااااه...... أخيرا كم أنا سعيد بذلك.
احتضنته ماريا وقبلته بحنو ثم جلست قربه على الكنبة الفسيحة وأخذت تحكي له عن توني.
ليس توني شابا وسيما جدا، إنه عينة الأشخاص الذين لا يمكنك أن تطلق عليهم لقب القبح، ولكنه مقبول على كل حال، أما ما يميزه عن شباب هذه الأيام أنه مؤدب ومحترم ولا يتعاطى أيا من المخدرات بل لا يحتسي الكحول، يحب الموسيقى جدا، وهو أيضاً يعزف على الجيتار ويغني أحيانا، درس إدارة الأعمال في جامعة قراز Graz، من أسرة ثرية بعض الشيء ووالداه طبيبان معروفان في المدينة، إذا كان به عيب واحد، وإذا اُعتبر ذلك عيبا أنه يترك شعره دون حلاقة ويحتفظ ببعض أظافره طويلة، ولا يؤمن بأي من الرسل، ولكنه يؤمن بأن هنالك خالقا للكون ولكن ليس هو الذي يرسل رسلا لكي يخبروا الناس عنه، في رأيه أن الرب قادر على توصيل ما يريده مباشرة لمخلوقاته، ورب في استطاعته أن يخلق كونا بهذه العظمة والتعقيد، لا تصعب عليه حيلة ابتكار عملية سهلة وجيدة في التعبير عما يريد أن تكون عليه مخلوقاته، بل باستطاعته برمجتها على مشيئة جلالته، بالتالي ما يكون عليه الكون الآن هو بالفعل إرادة الله. وتعرف أن زوجها قد يكون متحفظا بعض الشيء عندما يعرف ذلك في يوم ما، قالت له:
- توني أيضاً لا يكره العرب!
وهذه الجملة الأخيرة أخافته بالفعل، ولو أن زوجته كانت تظن أنها من الإيجابيات، إلا أن درويش أو هاينقش Heinrich منذ أن قدم للنمسا في تسعينيات القرن الماضي قد قطع علاقته بما كل هو مسلم وعربي، نعم إنه في الآونة الأخيرة أخذ يسافر كثيرا لزيارة أسرته بمصر والسودان ويسمي ذلك في إطار العلاقات الاجتماعية والإنسانية لا أكثر، قد لا يريد أن يورط نفسه في تحمل ما يقوم به المسلمون والعرب في شتى أنحاء العالم من خير وشر، ولكنه أيضاً كان يفضل أن يبدأ حياته من جديد، من دون تاريخ، تماما من دون أي تاريخ، ولا يمكن أن نفسر تغيير اسمه إلى هاينقش Heinrich واحدا من عمليات محو تاريخه الواعية جدا، فهو لم يفعل ذلك إلا لأنه إذا أراد أن يحتفظ باسمه العربي عليه أن يدفع ما يعادل اليوم مبلغ 500 يورو عن كل اسم أي ألف وخمسمائة يورو إذا أراد أن يكون اسمه حُسني درويش جلال الدين، هذا إذا أقنع دائرة الهجرة أن جلال الدين هو اسم واحد، وإلا عليه دفع ألفي يورو كاملة، وكان يحتاج للنقود في أشياء أخرى، ولا يرى أن هنالك داعيا ملحا لخسارة مبلغٍ كبيرٍ كهذا، لذا لم يحتفظ بأي من أسماء أسرته أو حتى اسمه فاختار أول اسم ورد لذهنه وهو هاينقش "Heinrich" ثم أضاف إليه شولز اسم أسرة زوجته، "وأراح واستراح"، فما يفيد الاسم وما الفرق بين شولز ودرويش، وهو ليس عالما له نظريات مسجلة باسمه ولا كاتبا له مؤلفات مهمة ولا موسيقيا أو شاعرا، ولا حتى من أسرة مشهورة ذات تاريخ ما يريد أن يحمل اسمها، كما أن شهاداته الجامعية لا أحد يعترف بها هنا، وليس له أبناء سيرثونه- وهذا ليس دقيقا تماماً، سوف يحدثنا الراوي لاحقا عن ذلك- وهو أيضاً ليس له ما يرثه، إذا، ليس باسمه ما يهم. عندما يذهب لبلده في زيارة ما، فإنهم سينادونه باسمه الحقيقي القديم وحينها ستتحقق الفائدة إذا كان لاسمه فائدة تذكر. هاينقش Heinrich يحب أن يبتعد عما يسميه منطقة الغليان وسيرة الغليان بل رائحته أيضا، فقد بدأ حياة جديدة منذ أكثر من عشرين عاما، ولا يريد أن ينظر للوراء مرة أخرى، إلا بريبة وظنون، فكلمة عربي هنا مرادفة لكلمة مسلم، ويفهم كثيرٌ من الأوروبيين أن الكلمتين ترادفان ثلاث كلمات اخرى وهي: الثراء والفقر والتطرف.
قال لها:
- أنا لا أهتم بموضوع الديانات كثيراً.
قالت له في إصرار، وهي تنظر في عينيه:
- بل تهتم، لقد رأيتك تصلي، مرتين على الأقل، مرة عندما كنا في الغابة قبل عشرين عاما على الأقل، ومرة قبل شهرين عندما كنا على شاطئ النهر الصغير في فايس باخ.
قال لها، وهو يتجنب النظر إلى ابتسامة نصر صغيرة تتشكل تدريجيا في فمها:
- نعم وربما سوف ترينني أفعل ذلك مرات أخرى، أحيانا أحس بأنني مدين لله خاصة عندما أرى جمال الطبيعة، فإنني أراه هنالك، لذا ليست صلاتي سوى تحية شكر وعرفان، لا أكثر فهي لا تخص دين بعينه، ولا تعني شيئا لشخص غيري.
سألته سؤالا مفاجئا ما كان يتوقعه:
- هل أنت ما زلت مسلماً؟
قال لها مبتسما:
- نعم.
نستطيع أن نقدر عمر هاينقش "Heinrich" الآن بحوالي الستين عاما، وهذا اعتمادا على طبيب الأسنان ووثائق مكتب العمل، فهو لم يمتلك شهادة ميلاد، كل ما يعرفه عن تاريخ ميلاده هو شهادة أمه بأنه ولد قبل حرب فلسطين التي وقعت بين اليهود والعرب بسنة كاملة، وكانت تقصد حرب 1948، ولكنها أيضاً قد تقصد حروبا سابقة لحرب 48 أو لاحقة لهذا التاريخ، او العدوان الثلاثي علي مصر في 56، فذاكرتها مشحونة بحروب كثيرة، بعضها لم يحدث بعد، وبعضها حدث بعد وفاتها بعشرين عاما، وبعضها مجرد حكايات سمعتها من جداتها، وكان هاينقش Heinrich يعلم ذلك، ولكنه قرر لنفسه بأنه ولد في 1-1-1947، ووافقه بدرجة كبيرة طبيب الأسنان وحرر له شهادة بذلك، قدمها للجامعة من قبل ثُمَّ لمكتب العمل واعتمدها كتاريخ ميلاد رسميا له، والآن ينعم بالمعاش في ظل هذه الشهادة الواقعية وغير الصحيحة بالمرة، لأن عمره الفعلي غير ذلك، فهاينقش Heinrich قد ولد بعد ذلك التاريخ بعدة سنوات، أي بالدقة في 30-10-1956، بالطبع لم يعمل بشهادة تقدير العمر التي استخرجتها له امه عند دخوله المدرسة بالسودان وهي انه مواليد 1-1-1950 وإذا كنا الآن في سنة 2013، في شهر مايو، فإن عمره هو 57 عاما، وهذا غير مهم لأن لا أحد غير الراوي، العليم بكل شيء يعرف تلك الحقيقة، وسوف لا يعول عليها كثيراً، ما عدا ما سوف يلاحظه القراء في الصفحات القادمة من الرواية، إن هاينقش Heinrich يقوم بأنشطة وأفعال أصغر من عمره المعلن بكثير، بل إنه يأخذ المعاش الرسمي من الحكومة ويعمل في ذات الوقت في شركة ألبان مراقبا للتعبئة 25 ساعة في الأسبوع مع الاحتفاظ بصحة جيدة يحسده عليها كل من هو في عمره المُعلن وعمره الحقيقي أيضا، فمنذ أن قَدِم إلى النمسا في 3-1-1992، لم يذهب للطبيب سوي مرتين، المرة الأولي اجباريا حيث اخذه مكتب الهجرة للفحص الشامل، والمرة الأخرى ذهب لطبيب الأسنان للتخلص من ضرس العقل المسوس. أما الطبيب البشري فلم يتشرف بزيارته إلى اليوم بإرادته، (لم نضمن مرات ذهابه للطبيب البيطري، فلقد كانت كثيرة جدا وفقا لمهنته كمخري للكلاب مع الأم شولز.) لم يركب المواصلات العامة إلا ما ندر، أي إذا أراد السفر إلى مدينة بعيدة، ولكنه يستخدم دراجة هوائية في كل مشاويره البعيدة والقريبة داخل المدينة، كما أنه بعد أن أنجب ابنته الوحيدة ميمي في 30 ديسمبر 1995، اشترى دراجة خاصة بها مقعدٌ مريحٌ لها، وكلما كبرت في السن غيّر الدراجة بحيث تستوعبها أيضا ولأن زوجته ماريا أيضاً تؤمن بأن الدراجة هي خير وسيلة للترحيل، فلم يجد صعوبة كبيرة في أن يعتمد على الدراجة في كل شيء، وعندما دخلت المدرسة الابتدائية كان للبنت عجلتها وحدها، فلقد "وافق شن طبقة" كما في المثل العربي. ويُرَجَّحْ احتفاظه بجسد رياضي أنيق لبركات الدراجة الهوائية ولا يُنسى في هذا الشأن ذكر حُبه للعمل واستيقاظه المبكر ولكنه يرى أيضاً أن عدم إفراطه في شرب البيرة، هو الذي هيأ له جسدا يخلو من الكرش تقريبا إلى هذا العمر الطويل المُعْلن، والحقيقي غير المُعْلن، الأقل نسبياً.
بذلك، يمكن بسهولة للقارئ أن يعرف أن هذا اليوم هو نهاية الأسبوع لأنه اليوم الوحيد الذي يقضيه كله هاينقش Heinrich بالبيت، ولا يخرج منه مهما كلف ذلك، ويستطيع أن يتحايل على البقاء فيه بكل السُبل، فهو لا يدعي المرض مطلقا، لأنه لا ينسى حديثا للرسول الكريم يحذر فيه من ادعاء المرض، يحفظه عن ظهر قلب: "لاتمارضوا فتمرضوا فتموتوا". ولكنه قد يقول بصورة واضحة أنه تعب جدا، ويشعر بحاجة للراحة، ولو أن زوجته ماريا وابنته عرفتا عنه تلك الصفة البيتية إلا أنهما لم تقتنعا تماما لزمن طويل، وظلتا تتجاهلان رغبته تلك، وظل هو يصر على بقائه في البيت في اليوم الأول من إجازة نهاية الأسبوع، ثم أصيبت الأسرة كلها بداء البقاء بالبيت، وهذا يعني أن البنت موجودة الآن في البيت، ولكنها لسبب أو لآخر بقيت في حجرتها أو ربما لكي تعطي أمها وقتا كافيا لإخبار الأب بالتغيرات الجميلة التي تحدث لها، أو أنها تفعل اللازم من أجل استقبال حبيبها. قالت له الأم:
- درويش، "وهي دائما ما تحب أن تدعوه بهذا الاسم لأنها تعلم أنه الأحب إلى نفسه ولو أنها تنطق الراء بصورة أقرب لحرف الغين، وأحيانا تنطقه غينا تماما، فيخرج اسمه من فمها، "دَغْفِيشْ"Derwech، وهو ايضا يحب ان تناديه كذلك، وفي الأيام التي يكون مولها بها فان تلك الغين تدغدغ قلبه بلذة ساحرة.
- اليوم سيحضر توني للبيت.
قال منفعلاً:
- ماذا يريد؟
قالت ببرود:
- دعته ميمي.
- ولكن كيف تدعوه ميمي بغير علمنا، واليوم هو نهاية الأسبوع، ولم نكن مستعدين لذلك؟
- هي ليست دعوة بالمعنى المعروف، مجرد زيارة، إنه لا يحتاج لشيء، تريده ميمي أن يتعرف بك أنت بالذات، لقد حدثت الدعوة كما قالت لي ميمي بعفوية، لم يخططا لها، كانا يتحدثان في التلفون وقررا فجأة ان يحضر توني، وهذا قد لا يأخذ وقتا طويلاً، وأظن من اللائق تبادل بعض الكلمات مع صديق ابنتك، فأنا قابلته مرات كثيرة، وسأعد لكم غداء سريعاً، ثم يبقيان معا قد يحتاجان أن يكونا معاً، وأنا وأنت غير مطلوب منا أن نفعل شيئاً، سوى أن نبقى أبوين طيبين سعيدين بسعادة ابنتنا الوحيدة.
كان جُملها غير مرتبة، وتشعر بأنها مرتبكة، وقد احسن هو ايضا بان زوجته ليست طبيعية، همست له بصوت أكثر هدوءا ونعومة:
- قد تكون تلك ليلة ابنتنا الأولى.
قال كمن لدغته عقرب:
- ماذا تقصدين بليلتها الأولى؟
قالت وهي تقترب منه:
- قد يفعلانها.
- ماذا يفعلان؟
قالت وهي تبتسم:
- لا أدري ولكن ما يرغبان في فعله، فهما حران في عمر يسمح لهما بفعل ما هو مناسب لهما.
صمت قليلا، يفكر(..............)
حسنا، أشعر الآن برغبة الراوي في التوقف عن السرد قليلا، وهذه مشكلة الرواية في هذا العصر بعدما استطاع الرواة الذين كانوا في الماضي شخصيات ورقية هلامية من صنع مخيلة الكُتَّاب، أن يسيطروا على مصائر الأعمال السردية وتكون لهم كلمتهم ووجهة نظرهم، بل حكت لي كلتوم فضل الله وإحدى صديقاتي الكاتبات أن راويا خبيثا في روايتها الجديدة، قد تحرش بها. بالطبع لم أصدقها، كثر ما يلتبس الأمر علي كلتوم وتضيع عنها الخطوط الفاصلة بين الواقع والخيال ولكنني لم أستبعد ذلك تماماً، فقد أصبح الرواة-خاصة الراوي العليم والراوي من الخلف وضمير التكلم- سُلطة فوق سُلطة الكاتب من يظن نفسه قديما جداً الخالق الفعلي للنص والمتحكم المطلق في مصائر شخصياته وأداة سرده التي في مقدمتها الراوي نفسه، مما أفقد الكتاب كثيرا من حيلهم الموروثة، بل ماء وجههم في بعض الأحيان ومقدراتهم على الخلق والإبداع، إذا على رغبة الراوي سنتوقف هنا قليلا، وسيأخذنا إلى ما يدور في مخيلة درويش أو هاينقش Heinrich في هذه اللحظات وكيف أن الرجل جالَ بخياله وصالَ، ولكن قبل ذلك من المفيد أن نوضح أن هاينقش Heinrich قد وضع في شفتيه ابتسامةً عريضةً وأنه قال وكأنه في غيبوبة أو نوم مغنطيسي، بما يعني أنه سعيد جداً، وأن زوجته ماريا فهمت ذلك.
كان الليلُ مضاءً بقمر نصف مكتمل، ونسبة للأشجار الكثيفة، فإن ظلالها تجعل الليل شبه مظلمٍ، القرية كعادتها تنام مبكراً، تبقى الكلاب وحدها مستيقظة لساعة متأخرة من الليل، ولا يتوقع أحدهم أن فردا من أسرته خارج مرقده، إلا إذا كان في سفر وعاد متأخرا، أو كان في احتفال بمناسبة ما، وكثيرة هي المناسبات التي تقام في القرية في هذا الموسم بالذات، أي موسم ما بعد حصاد الذرة، ولكن نسبة للحالة النفسية العابرة التي يمر بها درويش فهو لم يحتج لحبكة درامية جيدة تبرر خروج ابنته في هذا المساء وبقائها إلى تلك الساعة من الليل خارج المنزل، بل لم يحتج إلى أن يتخيل حفلا قرويا بهيجا في أحد أطراف القرية لدى بعض الأقارب ذهبت إليه البنت وعادت متأخرة، أو أي من الحيل السردية، فهو غالبا ما يصف نفسه بأنه علمي وله خيالٌ محدود، لذا عمل عقله بصورة مباشرة، ابنته ميمي تتمشى في الطريق الذي يمر عبر الحقول، كان القمر كما ذكرنا في بداية هذه الفقرة نصف مكتمل، والأشجار العالية الشوكية تصطف على جانبي الطريق كأنها جنود أسطورية تقوم بحراسة المشاة، تنمو بينها نباتات الحسك والبوص وبعض الأعشاب الموسمية الصغيرة، تعشش تحتها الفيران كبيرة الحجم التي تنشط ليلا عندما تخلو الطرق من المارة الذين قد يصيدونها إذا ما وقعت عليها عيونهم الشرسة، لا أحدا يأكل الفئران في القرية، ولكن لا أحدا يستطيع أن يقاوم متعة قتل الفئران، فهي في كل الأحوال عدوة ومضرة بالزرع والممتلكات الشخصية، ويُشاع بين السكان أنها السبب الأساسي لمرض الطاعون وفيروس الكبد الوبائي أو ما يسمونه باليرقان. هذا المكان الذي تخيله موجودٌ بالفعل في قريته، أي أنه لم يجتهد كثيرا في استدعائه، ولكن أيضاً علينا هنا توضيح أن في هذا المكان الذي تسير فيه ابنته الآن له ذكريات كثيرة، بعضها جميل وبعضها غير محبب لنفسه، وهو دائما ما ينسى تلك التجارب المُرة غير المستحبة، وقد يحتفظ بالجميلة، ولكن الراوي العليم بكل شيء كما هو الآن في هذه الرواية يعرف حدثا مهما وقع لدرويش في هذا المكان بالذات، ولقد نسيه درويش تماماً، وإذا خطر بباله ذات يوم عندما تمارس الذاكرة ألاعيبها الصغيرة على البشر وترميهم بأثقالها، قد يظن أنه حدث وقع لشخص ما آخر لا تربطه به صلة، فابنته تمشي بصورة عجلة وهي تلتفت خلفها بين الفينة والفينة كما يفعل الناس عادة بينما يسيرون في الظلام في مواقع المخافات، ثم تتخذ طريقا جانبية صغيرة عادة ما يتجنبها القرويون بالليل، وهي ذات الطريق التي وجد فيها هو نفسه قبل ثلاثين عاما رجلا غريبا عن القرية مقتولاً، تبين فيما بعد أن أخيه الأصغر هو الذي قام بقتله لسبب تعلم به كل القرية ما عدا الراوي العليم بكل شيء، طبعا لم يبلغ عنه الشرطة حتى يكفي نفسه شر الأسئلة البوليسية اللئيمة، طالما أن بعضهم سيفعل في وقت ما، ولكن في الحقيقة لم يفعل ذلك أيٌ من سكان القرية، وبقي الرجل هنالك لزمن طويل جدا، نهشت جثته الكلاب والقطط السائبة، أكلت منه النسور وبعض الغربان، إلى أن تعفن، ثم تحلل، ثم أصبح هيكلا عظمياً، وبعد ذلك أسهمت الريح والأمطار والحكايات وصروف الدهر في بعثرة ما تبقى منه في الأزمنة والأمكنة، ولكن عُرِفَ ذلك الممر الضيق بممر الرجل المقتول. درويش يرى الآن أن هذه القصة ليست سوى أحد الأساطير التي يختلقها العقل الجمعي ذو الخيال الخصب المنفلت في أحايين كثيرة، ولكن الراوي هنا يؤكد أنها حدثت بالفعل، لولا أن حكاية هذا الرجل المقتول ليست هي موضوع السرد لانبرى الراوي في الإتيان بالأدلة التي تؤكد وجهة نظره بطريقة فنية مقنعة للقارئ، بل لكاتب الرواية نفسه، لأن كاتب الرواية يميل لظنون البطل الأساسي وهو درويش، بالتالي يشك في حدوثها.
كانت ميمي فتاة بيضاء، ليست مثل أمها ولكنها ليست في لون الأب الأسمر، وهي نحيفة على نموذج صديقاتها العصريات، لها شفتان مكتنزتان أو كما يحلو لبعض الرواة القول مثل كرزتين كبيرتين وهو الشيء الذي يميزها ويجعلها أكثر جمالا من كثيرات حولها، طويلة ولها شعر شديد السواد، ولكنها هنا كانت في لونه أي بُنية بدينة، تلبس جلباباً قروياً جميلاً، لها شعر ذهبي قصير، تفوح منها رائحة عطر بلدي أقرب لعبق الياسمين، إنه يغمر أنفه الآن.
عندما سمعتْ البنتُ هاتفا يناديها أسرعت الخطى، تلفتت للمرة الأخيرة، ثم مضت في اتجاه الصوت بينما زادت دقات قلبها، وتعرقت كفها وهي تحس بنشوة عارمة تجتاح كل خلية من جسدها خليطاً من الخوف والشعور بالأمان وهو الإحساس المجنون الذي ينتاب المرأة عندما تلتقي برجل على انفراد أول مرة، ذات مساء به نصف قمر، في الزقاق الذي تنمو أعشابٌ موسميةٌ على جانبيه، المتفرع من الشارع العام الذي يطلق عليه القرويون اسم: طريق الرجل المقتول.
قطع حبل خيالاته صوت زوجته ماريا وهي تسأله إذا كانت لديه رغبة في تناول بعض القهوة أجابها بكلمة واحدة
-اشناب "schnaps".
قالت مندهشة
- هل تشرب اشناب بالنهار، ماذا حدث لك؟
قال كمن يتحدث في الحلم:
- احتفالا بالمناسبة السعيدة.
قالت وهي تمضي نحو دولاب الخمور
- أنا أيضاً سأتناول البعض معك، إنه يوم غير عادي، دعنا ننتشي قليلاً.
نريد أن نوضح هنا شيئا آخر، وهو أن هاينقش Heinrich يخاف من ردود أفعال زوجته وابنته، ولا يثق تماما إنهما قد لا تترددان في رميه في الشارع في أية لحظة، بعيدا عن البيت الذي يمتلكه هو وحده، وهذا ليس مجرد تخيل منه، ولكنه حدث بالفعل قبل خمسة أعوام، حينما دخل في ثورة غضب- وهي الأخيرة بالطبع- وضرب ابنته في خدها بظهر كفه، وما كان من الأم إلا أن استدعت رجال الشرطة الذين أخذوه مباشرة للحبس، وتم حرمانه من الاقتراب من بيته إلا بعد إخطاره بذلك – أعادوه بعد شهرين- واُدْخِلَ في برامج متابعة نفسية شديدة القسوة لعام كامل. وأصبح يؤمن بحقيقة تلك المقولة الشهيرة هنا، حول من لهم أولوية الحماية، كالآتي:
(الأطفال أولا ثم النساء ثم الكلاب إذا كان بالبيت كلبا أو القطط في حالة عدم وجود الكلب، ثم الرجل)
الحمد لله إنه لم يكن لديهم كلب بالبيت ولا قط، (فقد تخلص من الكلبين اللذين ورثهما من المرحومة أم زوجته ماريا، السيدة لُوديا شولز، عندما كان يعمل معها كمُخَرِي للكلاب Hund shitter، أودعهما بعد وفاتها مباشرة ملجأ الحيوانات الأليفة التي لا كفيل لها). كما أنه كرجل أجنبي مشكوك في سلوكه ودرجة اندماجه المجتمعي"Assimilation oder Aufnahme"، وتحيط به الظنون، فقد يحتل- في هذه الحالة - موقعا بعد السيارة مثلاً. ولكن فوق ذلك كله يعلم أن ماريا تحبه وابنته أيضاً تحبه جدا وهو يحبهما، ولكن القانون لا يراعي أية فضيلة للمحبة، ويعمل بصورة ميكانيكية، وعليه بالظاهر كما عليه أن يحافظ على الأخلاق الأوروبية المكتسبة عبر سنوات طويلة من نضال الإنسان ضد الظلم والتمييز ضد المرأة ومصادرة الحريات الشخصية وغيرها، أو كما لقنه المُرشد الاجتماعي، وهي خطبة طويلة مملة مكرورة ولكنها جادة جداً، وعليه أن يحفظها عن ظهر قلب إذا أراد الاحتفاظ بأسرته.
قالت له ماريا وهي تضع كأسا بها اشناب مقطر من زهرة الهولوندا، ذلك ما يفضله دائماً:
- بعد خمس دقائق سيكون توني هنا.
وقبل أن يرد مرت ابنته أمامه في اتجاهها للحمام، لم ير شيئا مختلفا فيها اليوم، ولكنها كانت سريعة في حركتها بعض الشيء أو كما خُيِّل له، ترتدي فستانا قصيرا جميلاً جديدا، لم يره من قبل، الجزء الأعلى من صدرها عارٍ تماماً، حَمْلق فيها قليلا قبل أن تختفي في الممر الذي يقود للحمام، صَبَّ الكأس كلها في حلقه في جُرعة واحدة، وطلب كأساً أخرى.
كان قد خلد للنوم، مثل كل من في القرية، ولكنه استيقظ على صوت ابن عمه الأمين ود النور يصيح قرب رأسه، ويطلب منه أن ينهض بسرعة، أخبره بالأمر في ثوان معدودات وكلمات محددة وحادة، كأنها مُعدة منذ قرون لكي تُقال في مثل هذه المناسبة الثقيلة على القلب، لم يستفسر كثيراً، فقط مَرَّ على حجرة ابنته، في الجزء الآخر من البيت، أضاء النور لكي يتأكد من أنها ليست هنالك بالفعل، فوجد سريرها خالياً، ولم ير أيضاً حذاءها، مر أيضاً مرورا سريعا إلى المكان الذي تنام به زوجته، في البرندة الصغيرة التي تقع بين المطبخ وحجرة ابنته. سمع شخيرها وهي عادة اكتسبتها بعد أن أصيبت في أنفها في حادث صغير قبل عدة أعوام. عاد للديوان حيث ينتظره الأمين بعينين محمرتين من الغضب، عليهما دموع متحجرة حامية، على الرغم من الإضاءة الخافتة بحجرته إلا أنه استطاع أن يتبين مدى غضب ابن عمه وتأثره بالحدث وهو ما يجب أن يكون عليه وجهه في تلك اللحظة الفاصلة في الحياة، حيث إن شرف الأسرة يغوص عميقا في الوحل، الفضيحة التي سوف لا يغسلها غير الدم. قال جملة واحدة سريعة، وكأنه يخاطب العالم كله الذي يبحلق فيه الآن وينتظر رد فعل شجاع وتاريخي منه هو بالذات وفي هذه اللحظة:
- سندفنهما أحياء.
بينما كان يأخذ سكينته الكبيرة من تحت المخدة ويمتشق عصاه وبطاريته. خرجا وهما يهرولان في صمت ظاهري وضجيج عنيف في صدريهما، نحو الزقاق الذِي تنمو أعشابٌ موسميةٌ على جانبيه، المتفرع من الشارع العام الذي يطلق عليه القرويون اسم: طريق الرجل المقتول.
ِ

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 16 يونيو 2014, 1:58 pm

فلاسفة من الطبيعة: كوما قنزا نموذجا
نشر بصحيفة التغيير الالكترونية
عبد العزيز بركة ساكن
حكي لي صديقٌ، وكنا في النيل الأزرق نتوجه في قافلة صغيرة الي جنوب نهر يابوس، فيما يُسمي كوما قنزا، وهو الإقليم الذي توجد به الأصول القبلية للرئيس الأثيوبي السابق منقستو هيلي ماريام. كان المشوار طويلا ولا توجد طرق معبدة الي هنالك. ولكننا نصر علي الوصول الي تلك المنطقة شبه المقفولة مهما كلف ذلك. حيث ان نهر يا بوس الذي لا يوجد به سوي جسر من الحبال للمشاة يظل ممتلئً بالماء المنحدر من الهضبة الاثيوبية لمدى تسعة اشهر في السنة. ولا يمكن ان يُعبر مخاضة بالأرجل أو السيارات إلا في فيما بين اواخر ديسمبر الي نهايات مارس. أي أننا لكي نبني مدارس ووحداتٍ صحية في تلك المنطقة علينا العمل في فترة زمنية قصيرة جداً من السنة.
تبعد المنطقة 186 كيلو مترا عن الدمازين، ولكنها تحتاج لمسيرة يوم كامل بطرق غير معبدة في الظروف الطبيعية. اي اذا كانت الطريق سالكة وليس هنالك بعض العوارض البشرية مثل ان يوقفك جندي في نقطة صغيرة ويطلب منك تصريحا للمرور يبتكره في حينه، وقد كنا نعالج هذه المشكلة بان نأخذ معنا أحد المسؤولين في الرحلة. ولكن ايضا قد تجد عربة متعطلة في ممر واحد ضيق لا بديل له. هذا يقودنا الي البحث عن طريق أخر قد يستغرق الساعات، واذا لم يكن في صحبتنا سائق خبير في متاهات غابات ووديان النيل الأزرق مثل غازي عبد الحي، قد يستغرق الطريق يوما اضافيا. لذا كما يقولون الرفيق قبل الطريق، والمؤانسة هي زادنا.
كان مواطنو الكوما والقنزا جنوب نهر يابوس، فقراء بموازين المدنية، ولكنهم اغنياء بموازين فن الممكن والطبيعة حولهم. حيث يعتمدون في حياتهم اليومية، علي هبات الطبيعة. الماء من بئر سطحية تحت جبل دوقابلي الشاهق المتوحش، يردونه نهارا وترده الوحوش ليلاً، إلا فيما ندر يلتقي الجمعان، وحينها يتراجع المواطنون إلى ان يكتفي الوحش من الماء ويمضي في سبيله ثم يأتي دورهم. اتفاق غير معلن ولكنه مطبق حرفياً، اي تجاوزات قد تؤدي الي كارثة. يتعالجون من جذور وبذور الأشجار وهنالك السحرة الكجوريون للحالات المعقدة. كما يوجد إله الخصوبة تحت شجرة "ابنقوي"، يستعين به من اراد بسطة في ذريته. يزرعون الفول السوداني وهو الوجبة الرئيسية لديهم. اما خضارهم فهو صفق الأشجار. الأعشاب الموسمية. بعض اللحاء وجذور شُجيرات البامبو اليانعات النابتة حديثاً. وغيرها مما تجود به الطبيعة. اما دخلهم الأساسي من بيع وقطع البامبو الذي يشتريه تجار من الدمازين او غيرها ويصدرونه لبقية مُدن السودان واهمها مدينة القضارف التي تعتمد في معمارها عليه. اذ يعتمد الناس هنا علي الطبيعة وحدها.
سياسيا، يعرفون رئيساً للسودان واحداً فقط، وهو الرئيس ابراهيم عبود. يقولون انه زارهم ويتذكره كبار السن منهم، ويسألون عن صحته. اول مسؤول يأتي لهذه المنطقة رسميا بعد عبود، هو شخصي الضعيف. وقد اكون الأخير لسنوات كثيرة قادمة. 
فيما قبل اتفاقية السلام، وبينما كانت الحروب الطاحنة دائرة ما بين الحركة الشعبية بقيادة المرحوم جون قرن دي مبيور، والحكومة المركزية في الخرطوم. فكر قادة الحركة الشعبية بالاستفادة من العنصر البشري الكائن بكوما قنزا في الحرب كجنود. حيث يتصفون ببنية جسمانية قوية ومعرفة بالمكان، وقوة علي التحمل نادرة، حكي لي الصديق ما حدث:" جاء قادة ميدانيون علي مستوي رفيع للمنطقة. واجتمعوا ببعض الشيوخ وقادة المجتمع من قرية دُوقا بلي من بينهم الشيخ عُويصا، ولكن قال لهم الشيوخ، خلونا نستشير بقية الشيوخ بالمنطقة ونأتيكم بالرأي السديد بعد يومين. وأعطوهم بعض القطاطي للإقامة. وأرشدوهم لمصدر المياه و"سيوبر ماركت" الغذاء وهو الطبيعة ولم يكن ذلك غريباً لقادة الحركة الميدانيين. حيث انهم يرتادون ذات السوق. بعد يوم جاءوا في الوقت المحدد. ورشحوا اكبرهم لمخاطبة قادة الحركة، فسألهم الشيخ
- لماذا تريدون منا ان نحارب.
فشرح لهم القادة بلغة بسيطة قضايا التنمية غير المتوازنة وإشكاليات المركز ونظرية السودان الجديد، وتعقيدات الهُوية، وغيرها من برامج ومنطلقات الحركة النظرية والميدانية.
فسأل الرجل بعد ان فهم جيدا
-هل ستوقف حكومة الخرطوم المطرة؟
قال له متحدث الحركة
-لا بالطبع.
- هل ستمنع القنا ان ينبت والأشجار والعشب؟
قال متحدث الحركة
- لا.
فقال الزعيم القبلي مبتسما: اذا، لماذا نحارب الحكومة، وهي ما اخذت منا اية حاجة؟
ذكرتني تلك القصة عندما خطرت في بالي مقولة الفيلسوف الماركسي انطونيو غرامشي (1891-1937)" أن جميع الناس مثقفون بطريقة معرفية أو بأخرى ولكنهم لا يملكون الصفة الاجتماعية الرمزية للمثقفين" وفي توصيف آخر: كل الناس فلاسفة، لا نستطيع ان نتصور انسانا لا يكون فيلسوفا، ولا يفكر لأن التفكير هو بالضبط خاصة الإنسان من حيث هو إنسان" او كما قال.

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف عبد الرحمن موسي ادريس في الجمعة 27 يونيو 2014, 10:49 pm

التحية لك يابهدير وأنت تواصل النشر للمبدع عبد العزيز بركة..

 والنحية له فى منفاه ولانقول الإختيارى بالنمسا..وصقيعها الجاف..
 التحية لكل مبدعى بلادى الزين يطأون على جمر معاناة بلادهم ويحترقون بجمر القضية.




..

المدير العام


عبد الرحمن موسي ادريس
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 1830
نقطة : 6475
تاريخ التسجيل : 19/09/2011
العمر : 59
الموقع : مصنع سكر حلفا الجديدة
المزاج : مسلم/سنى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الخميس 03 يوليو 2014, 11:20 am

بركة ساكن و"خيانة الرواية" في "الرجل الخراب" سابقا (فاكهة الليل)
يوليو 02, 2014 – صحيفة ورق الالكترونية
ما هي الرواية؟ سؤال يثير الكثير من القلق! خاصة إذا كان السرد شاغلا إنسانيا لدى الكاتب، يمثل جزءا من حياته بحيث لا يفرز بين موقع التخيل وناصية الواقع.. هل الرواية هي إذن في أعظم تجلياتها رحلة البحث عن "اللارواية"؟.. جائز وممكن ولكن ليس قطعيا!! فكل الدلالات تصبح مفتوحة والقداسة تنهار جدرها وتفض أبكار الحقائق، ساعة يتعلق الأمر بالبحث عن الرواية الجديدة أو السرد الجديد.
هذا الاستفهامات ضرورية للكتابة عن مشروع عبد العزيز بركة ساكن الروائي، بالتحديد عن روايته الجديدة التي ستظهر للنور قريبا، وقد أطلعت على مسودتها "شبه النهائية"، والتي أغوتني بالتوقف عندها، ليس كنص روائي بالشروط الممكنة والمدركة بل كمحاولة تجريبية كبيرة على حد تقديري، تتعلق بالأسئلة التي طرحتها أعلاه. 
في رواياته السابقة كما في أغلب أعماله، استطاع بركة ساكن أن يناقش قضايا السودان بهاجس إنساني، وهو يمسك بثيمة العنف وتحرير الذات من المصائر السيئة والقيود التي يراها البعض أزلية، وهذا تقريبا الدافع الذي يكتب به الروائيون في بحثهم عن العالم الأفضل عن طريق الفن والجمال لغة وانسجاما، حيث يمكن للكتابة أن تعيد ترتيب العالم من خلال الفوضى أو تفكر في الفوضى بطريقة منظمة ليكون ممكنا الاقتراب من وعي الكائن وكينونته ودوره في هذا العالم، إن تبقت له هذه الأدوار أو هي مفهومة يمكن تلمسها ذهنيا بأضعف الشروط. 
في هذه الرواية التي اسمها الأولي "الرجل الخراب".. نحن أمام رسالة إنسانية متشكلة في صيغة الفن المسمى بالرواية ولكن مكتوبة بطريقة "اللارواية".. وهو ربما الجديد ليس في السياق الكلي لتجربة بركة ساكن، بل في مشهد الرواية العربية بشكل مجمل. فهي رواية بسيطة من حيث تعني البساطة ما تعني من مسؤولية ومعرفة ومغامرة، يتداخل فيها السارد بالكاتب بالشخوص لنكون أمام عدد من الأبطال الذين يشكلون ارتكازا حول الشخصية المركزية للنص وهي "الرجل الخراب" واسمه درويش (السوداني الأب/ مصري الأم) أو هاينرش Heinrich (النمساوي).. ذلك الإنسان الذي يعيش عددا من الأزمات داخل أزمته الكلية والشاملة واللانهائية.. أزمة المهاجر إلى بلد أوروبي منشطر الذات وفي التفرعات أزمة الهوية والله والدين والمعنى وجدليات أخرى تتعلق بسؤال الكائن وحجم الدمار الذي يتعرض له في هذا العالم. كما أن مهنة الرجل التي امتهنها في النمسا قبل أن يصنع عائلته الصغيرة هي مهنة مخزية يصعب الحديث عنها إنه "مخري كلاب".. والتي اعتذر ذات مرة عن التصريح بها أمام رجل سعودي وزوجته. 
أمام بساطة تعني العمق كما أسلفت يأخذنا النص من مشهد افتتاحي لابنة درويش ومن زوجته النمساوية التي تزوجها غصبا عنه بعد أن ماتت والدتها صاحبة الكلاب التي عمل الرجل على تخريتها.. وتزوجها لأنه لا مفر أمامه في مقابل أن يحصل على الإقامة الدائمة والجنسية، في مقابل حصولها هي على المال والإقامة في الشقة الموهوبة من الأم لمخري كلابها.. فإن النص يأخذ بهذه الابنة وحبيبها النمساوي إلى غرفتهما الانفرادية لكن الأب ذي المرجعية النمطية أو هو "بالأخرى" – ليس بالأحرى- المنشطر بين كونه منفتحا ورجعيا أمام سؤال حول هذا السلوك وكونه ليس خادشا للحياء فحسب، بل لا يليق بأب مسلم أن يضع ابنته في هذا الشرط المسيء للقيم.. وفي مقابل ذلك فإن الرجل سوف يتنازع بين ماضيه ويحوم في عوالم سيريالية من ابتكاره لعالم القرية أو "البلاد السفلى" التي جاء منها حيث يكون هناك شيء اسمه الشرف والقتل أيضا، وهو ما سيفكر فيه. 
هذا الشاب النمساوي لكن حتى إسلامه لن يكون مخرجا، لأن الأب شكيك لا يؤمن بشيء سوى نفسه وخرابه الذي اكتسبه عبر سنوات منذ أن كانت فيه أو سكنته بذرة "الأصولي" في الجامعة بمصر إلى أن صار صيدلانيا إلى هروبه الملفق لأوروبا بجواز مزور إلى أن عبر إلى مستودعه الأخير في شاحنة الخنازير.. وهو لا يتورع أن يمارس الجنس وبقذارة بين الخنازير مع فتاة أفريقية اسمها نادية.. هي عاهرة تصنع الحياة وفقما تريد.. لها فلسفتها عن الله والكون والإنسان والحب.. لكنها جميلة أجمل من رأى درويش في حياته.. والحياة لا تنقاد للإرادة.. إذن لتزوجها..
كما أن الراوي في الرواية لا يريد إلا هواجسه.. ولهذا في نهاية الرواية نجد أن الشخصيات الثانوية تتكلم لتخبرنا بربما العكس تماما.. المهم الحقيقة التي قد نكون متأكدين منها أم لا أن درويش انتحر بنفسه أم مات مقتولا عند هاوية جبل لا ندري، وبدفع من زوجته التي تحبه وتكرهه معا – لا أحد متأكد – .. وليس هذا سؤال السارد ولا الرواية ولا الكاتب إذن لكان ثمة إجابة واضحة. فالروايات الجديدة لا تقدم إجابات.. ولا هي تطرح أسئلة بالشكل التقليدي أيضا والروتين السمج.. 
صعب أن ألخص الأفكار التي يأتي عليها النص، هي كثيرة جدا.. الهجرة.. الدين.. سؤال الله.. سؤال الهوية.. العنصرية.. العلاقة بين وادي النيل.. كما صعب أن أتوقف عند نقطة ربما سيشير إليها البعض لاحقا بطريقة غير مدروسة/ ممنهجة، عن مقارنات بين هذه الرواية و"موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح و"مدن بلا نخيل" لطارق الطيب، باعتبار أن الثيمة أو العلامة الطازجة هي الهجرة. فلم يرد بذهني ذلك، فالرواية تجربة مختلفة وجديدة، لأنها تحركت في سياق تقني وتجريبي حداثوي وجديد تماما. كما أن هذه الرواية هي مشغولة بالتفكيك الشخصاني والنفساني أكثر من الاهتمام بالمكان.. حتى لو أنه كان جليا.. فوجوده أشبه بلسعات النحل.
لن استبق النص لكي أحدده كموضوعات لأن ذلك فعل ساذج.. لكن من يبحث عن العنف سيجده. ومن يبحث عن الجنس سيجده. ومن يبحث عن الله سيجده. ومن كان هواه الشيطان سيجده. فقد ترك بركة التأويلات مفتوحة لنص يقوم على الاستنساخات المتواترة ومحو الآيات.. 
كما أن القارئ سوف يجد أن بركة هنا في فضاء آخر غير ما عرفه.. لن يجد فضاءات "مسيح دارفور" ولا "الخندريس" ولا "العاشق البدوي".. سيجد مساحة أخرى ربما كان لتجربته الأخيرة في الهجرة دورا فيها.. تحديدا حيث هو الآن في النمسا.. لكن هذا سطحي جدا أن نفهم النصوص كانعكاسات مباشرة لتجاربنا الحياتية.. إنها بالأخرى استلهامات معرفية وفلسفية وإعادة تدوير هائل للمعاني والمدركات أيضا.
هذه رواية إذن جديدة من حيث التقنيات والشاعرية.. وأقصد تحديدا الشاعرية في إطار السرد لا بالمعنى الشعري المباشر. كما أنها جديدة من حيث ما يمكن أن يشعر به القارئ من إرباك لذيذ ومحبذ.. وما تفعله أشبه بما جاء في النص نفسه:
"لا يمكن ان يُصاب الشخص بالسُكر والسَطل في آن واحد، ولو تناول المُسكر والمُسطل بذات القدر" 
ويمكن التلميح مبكرا إلى أن النص سوق يقع تحت طائلة بعض القراءات الكلاسيكية ما سيجعله يفقد حظه باعتبار أنه لا يستوفي شروط الرواية المعروفة.. وقد لمح الكاتب نفسه لذلك في الرواية:
".. ذلك سيورط النص الأدبي فيما يسميه بعض النقاد الكلاسيكيين الحَرفِيين: الخروج المريع وغير المبرر فنيا عن الخط العام للتحقق السردي. في السودان يدفع الكثيرون من المتمرنيين في النقد بتقديم بعض النصائح للكاتب في ذلك الظرف بالذات.."
إننا سوف نفهم في النهاية.. أحسب أني فهمت وقد لا أكون كذلك .. أن درويش ليس إلا صورة مجازية ومتناسلة للشرير الذي يسكن كل منا.. والذي يتجلى في صورة ملائكية.. لكن أيضا ليس منتزعا عن سياقات الأزمة والأمكنة ولعنات الوجود وأزمات الإيمان المتكلس والروتيني.. 
إنه نص مفتوح في شتى النواحي وعبر كافة نوافذ القراءة..
———–
عماد البليك

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة قصيرة لعبد العزيز بركة ساكن..

مُساهمة من طرف عبد الرحمن موسي ادريس في الأربعاء 10 ديسمبر 2014, 7:33 pm

{وصل عبد العزيز إلى هذه النتيجة منذ 2007 وهى عدم جدوى وجود اليوناميد وعدم تمكنها من أداء مهامها المعلنة}وهو مايدور هذه الأيام حول اليوناميد وتصريحات الدكتورة عائشة البصرى وإتهامات الحركات المسلحة والحكومة..وحدس الروائى عبد العزيز وتقييمه من خلال المعايشة سبق كل هذه المكونات بسنين عددا.



هذه القصة كتبتها في ٢٠٠٩
 عن قوات حفظ السلام التي لا تحفظ اي سلام في دارفور
 
 المهمة الاعظم
 
 قبل سنوات قليلة من الآن، أي في عام 2007، كنت أعمل مترجما للبعثة الإفريقية العسكرية في دارفور، تُسمى حينها AMIS وتحولت أخيرا إلى UNAMID،أي بعثة الأمم المتحدة في دارفور، ويقرأه بعض الوطنيين Unnecessary Mission In Darfur أي البعثة غير ضرورية لدارفور، بدلاً عن United Nation Mission In Darfur كما يجب أن تُقرأ. أعمل مترجما مباشراً للآنسة باتريشيا كيمبو، وهي امرأة شابة وجميلة من زمبابوي تمثل رئيسا لشعبة حقوق الإنسان بالبعثة الإفريقية.
 الوقت عصراً، وكنت واياها نحتسي الشاي بخيمتي، وننتظر أن نُطْلَبْ بواسطة الراديوالى الخروج للمهمة، حيث ننتظرها منذ أيام، وهي مهمة روتينية، إلا اننا هذه المرة كنا نحس بمرارة حارقة في أنفسنا، ويعذبنا تأنيب ضمير عصي. فقبل أسبوع وصلتنا أخبار مؤكدة عن تجمعات لمليشيات الجنجويد جنوب زالنجي. وهذا دليل على أنهم ينوون القيام بشيء ما، ولكنا قبل ساعة عرفنا أنهم يتوجهون ألى قرية ضُلاية، وهي قرية صغيرة سكانها حوالي الألف نسمة، معزولة بين أودية وجبال كثيرة، كان يسيطر عليها المقاتلون الوطنيون ولكنهم انسحبوا منها بكل قواتهم لمناصرة الرئيس ادريس دبي ضد المعارضة التشادية التي بدأت تزحف نحوه بشدة، ويُقال إنها تطرق أبواب انجمينا عاصمة جمهورية تشاد بقذائف دوشكاتها الرشيقة، بالتالي أصبحت ضُلاية هدفاً سهلاً للجنجويدِ ومليشياتِ أَمْ بَاخَا المواليتين للحكومة المركزية بالخرطوم.
 كان علينا ألا نفعل شيئاً كما هوفي ميثاق عملنا mandate، ولم نفعل شيئاً، سوى بعض الرسائل الإلكترونية بين زالنجي، واشنطن، داكار والخرطوم. ووفقاً للواجب أُعِدَتْ فُرق الطواريء، جنود مسلحون ومدرعات خفيفة وغيرها من إسعافات ودفاتر التقارير ثم جلس الجميع يحتسون الشاي، يدخنون، بيتلعون كؤوساً كبيرة من البيرة. كنا نترقب الراديوليخبرنا بأن الجنجويد قد فرغوا من غزوالقرية وانفضوا عنها، وعلينا أن نذهب بعد ذلك لحصر القتلى، المفقودين والمُغْتَصَبِين واسعاف الجرحى، ثُمَّ رفع تقريرٍ وافٍ وأمين بكل ذلك.
 باتريشيا الجميلة كانت تعرف اني من نفس المجموعة البشرية التي تقيم بضلاية، وتعرف أنَّ بعض أقاربي مازالوا بها، وتعرف أيضاً أنني فقدتُ في هذه الحرب عدداً كبيراً جداً من عشيرتي، وأعرف أنها تحزن الآن بشدة لأجلي، لذا جاءت إلى خيمتي تحتسي شايها وتؤانس وحدتي، كنت أحاول أن أكون مهنياً أي كما تقول باتريشيا بروفيشنال professional، وادعي أنّ الأمر لا يؤثر على مهمتي كثيراً، وان العاطفة عابرة، والعقل هوسيد العالم، وانني ببعض الحكمة سوف اتجاوز عاطفتي. تحدثنا قليلاً عن الطعام والرمال التي بدأت في الزحف هذه الأيام. ويبدوأنها لم تستطع أن تتجاوز الجُرح حينما سألتني بصورة غير مهنية البتة.
 - هل ستذهب معنا إلى ضُلاية؟
 كنت أعي تماماً انها تتألم الآن، وأعرف انها تعرف انني سوف أذهب الى ضُلاية، لأقوم بأداء واجبي المهني،على الرغم من انني لا استطيع ان افعل شيئا مفيدا، حتى الترجمة تبدوغير ضرورية، لأن الجميع يعرفون من قتل من ومن اغتصب من. قبل أن أجيبها كان الراديوقد بدأ يصيح.
 كل المحطات كل المحطات، الرجاء الإنتباه، كل المحطات عليها التحرك الى المحطة سبعة.
 قالت لي باتريشيا ، بعد اتصال تلفوني سريع.
 أنا لن أذهب، لقد إعتزرتُ، سيذهب مساعدي بيتر ميروكا لتسجيل الوقائع وكتابة التقرير، أريدك ان تبقى، اذا لم يكن لديك مانع.
 أن لا تذهب في مثل هذه المهام، رحمة كبيرة، لأنك تُعْفَى من مشاهدة ما لا تطيقه النفس. والأسواء انك لم ولا تستطيع أن تفعل شيئاً مفيدا من أجل هؤلاء المكلومين، سوى التسجيل واللأسف، وإذا لم تكن مهنيا بما يكفي فالبكاء أيضاً. ولا تستطيع أن تتحمل تحدّيق عيون الجرحى، المُغتَصَبِين والقتلى، في وجهك. كأنها تحملك مسئولية ما حدث لهم. تبدوخيبة أملهم فيك واضحة كالشمس وتُقْلِقَ منامك لأيام كثيرة قادمة، إلى أن تتولى أمرك حادثة أخرى.
 أحضرت باتريشيا الوايت هورس، أحلنا أرض خيمتها إلى مسرحٍ كبير ساخن وجريء، وبدأنا في المَهَمة الأصعب. التي يُطْلِقْ عليها بعض المتفائلين من بني الإنسان اسماً كبيراً مثل: مَهَمَّةُ حفظ الجنس البشري من الإنقراض.
 القربة 27نوفمبر 
2009




..

المدير العام


عبد الرحمن موسي ادريس
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 1830
نقطة : 6475
تاريخ التسجيل : 19/09/2011
العمر : 59
الموقع : مصنع سكر حلفا الجديدة
المزاج : مسلم/سنى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأحد 04 يناير 2015, 2:21 pm

فِي المِحْنةِ شَخْصَانْ
عبدالعزيز بركة ساكن
أنا شخصان: طينيٌ ورمليٌ. في جوفي قلبان: بنيٌ و أسودْ. تعشقني بنتان: تُوتا وهند. وفي نحري ملكان: سيفٌ وحربةْ. لي قبران: روضةٌ من رياض الجنة وقبو من نار. فابعثني يا صاحبي، أينما شئتَ. ابصقني، كيفما كنتَ. ارسمني على كهفك أو كفك أو في بوصلة عينيك. اصلبني أو توجني، فأنا فعلان و مفعولان: نَبِيٌ فِي معركةٍ وفي الأخرى شيطانْ. 
استيقظُ إذ استيقظُ من نومي سكران. أتوهم أني ملك وأني صعلوك وأني كعبةٌ تربةٌ. أتوهمُ أني أتوهمُ، فيفجعني الإعلام بان لي وطنين. وطنٌ كالطين وآخر كالطيان. ابني منهما عرشي، اغسل فيهما وجهي، وأتبولُ أو أتوضأُ بالنيل الأزرق والأبيض والأحمر والأسود كأسماك البلبوط الوحلانة في ألم الطوفان. واني أتذكر إذ أتذكر كل نِساء العالمِ فِي قُبْلةْ.
واني استنكر إذ استنكر هذا الليل المتبرج والمفتون بقطرة ماء يستخلصها من إبط الوردة طنانٌ مجنونْ، استودعُها- باسم الله - رحم البنت.
لم يخلقني في تلك الليلة ربي، لم يقرأ جدي في أذنيَّ: "إنَّا أنزلناهُ في ليلةِ القدرْ"، لم تُطعمني أُمي مِنْ ثدييها لُغةَ الشعَراءِ المُنْتَعِظِينْ كهوائيات التلفون. كان الصبيةُ مَشْغولين بصناعة مركب نوح. يخلقها أطفال الحارة من عُشب البيت وأقصاب البوص. لم يُتكاثرَ كالطحلب أو يُسْتنسخَ أو يُتصورَ في المَاءِ أو العُشبةَ حبيبي، بل كُنا مُنذُ الطلقة شخصٌ واحدٌ.
يطلقَ النارَ على كبدي و يهتفَ منتصراً.
بعد قليلٍ، يسْقُطَ مَيْتَاً.
ويُسمى في بيت الزوجةِ مقتولاً، ولدى الأم: قتيلان.
فأنا في عُرفِ الطلقةِ مجرد لحم يُثْقبْ، مَحض دماءٍ يتدفق من أوردة وشرايين شتى، محض صُراخ وآهات يصدرها مَلْحُومٌ مكلومْ.
ابعثني يا صاحبي في حضن حبيبي. ابعثني كالطير ملائكة وخيول. ابعثني في الليل نبياً بغير كتابٍ وقمرْ، بدون جناحين. أتبركُ بوحلِ خطاياي. فأنا شخصان بإثمين وفضائح شتى، ابعثني يا صاحبي. سَئمتُ القبرَ. سَئمتُ الجَنةَ ولم تدهشني بُنياتِ الحورِ "المفعوصات" وتطواف الوِلْدَانْ.
وَطني مُنذُ الطلقةِ أوطانْ. وأنا شَخْصٌ وَاحدْ، لكني في المِحنةِ شَخْصِانْ. لا أعرف اسمي بالفطرة، في الواقع: لِي اسمانْ.

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف عبد الرحمن موسي ادريس في الخميس 08 يناير 2015, 9:58 am

هذا هو عب العزيز بركة ساكن..
لو عرفته عن قرب لاتصدق أن هذا الإبداع المفرط فى الدهشة يخرج من هذا الإنسان الهائ قليل الكلام..




..

المدير العام


عبد الرحمن موسي ادريس
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 1830
نقطة : 6475
تاريخ التسجيل : 19/09/2011
العمر : 59
الموقع : مصنع سكر حلفا الجديدة
المزاج : مسلم/سنى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

«الرجل الخراب» للروائي السوداني عبد العزيز بركة ..

مُساهمة من طرف عبد الرحمن موسي ادريس في الأربعاء 11 فبراير 2015, 11:09 pm

(منقول}
«الرجل الخراب» للروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن : وهم التعايش مع الأخر وأزمة الهوية

ابتسام القشّوري

تعتبر مسألة التعايش والاندماج بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية، خاصّة بالنسبة للمهاجرين العرب الذّين يعيشون في المجتمعات الغربية، مسألة جوهرية، فكيف يمكن التعايش بين ثقافتين مختلفتين تماما، ثقافة الغرب التي تؤمن بالحرية وبالفرد والمواطن والقانون ونقد المقدّسات وموت الله، وبين ثقافة مازالت ترزح تحت عبء الطائفية والقبلية ومسائل الحرام والحلال وجرائم الشرف وسطوة المقدسات؟ رواية «الرجل الخراب» لبركة ساكن تطرح هذه الأسئلة من جديد، خاصة بعد تنامي الإرهاب والعنف في أوروبا باسم الدين الإسلامي والدفاع عنه، من خلال رؤية نقدية مرآوية لشخصية حسن درويش المواطن السوداني المصري، الذي يهاجر هجرة غير شرعية إلى فيينا ويعيش هناك بوجهين، وجه ظاهر وهو التسامح والاندماج الكلّي، وبين ما يبطنه في داخله من عنف وكراهية لهذه الثقافة المغايرة، خاصة عندما يتعلق الأمر بشرف ابنته.

قدّمها بركة ساكن في لبوس رواية تكفر بكل نواميس الرواية التقليدية، يدمج القارئ.. يعبث بسلطة الراوي ويتلاعب بكل الشخصيات والأدوار بمن فيهم القارئ، مستعملا أساليب مختلفة كالرمز والصورة الكاريكاتورية والفانتازيا «الرجل الخراب» رواية صغيرة الحجم صدرت مؤخرا عن دار هنداوي المصرية وتعرض لأول مرة في معرض القاهرة الدولي.

ملامح الشخصية المحورية

لعلنا لو أردنا الولوج إلى هذه الرواية وفتح أبوابها المضمونية والفنية، علينا بمفتاح جوهري وهو قصيدة «الأرض الخراب» للشاعر والناقد والمسرحي الانكليزي الأمريكي اليوت، الذي لم يكتف بركة ساكن من ذكرها في الرواية واستلهام العنوان، وإنما عبّر كما عبّر اليوت في قصيدته عن شخصيات معطوبة ومأزومة، تسكن عالما خاويا ويعتريها فقر عاطفي وثقافي رهيب، هكذا كان حسن درويش الذي يمثل الرجل الخراب، ولعلنا قلنا الشخصية المحورية وليس البطل، لأنه في الحقيقة لا يمتلك من البطولة شيئا، هو رجل يحوم حوله الخراب من كلّ جهة، هرب من خصاء البوليس في مصر عند اعتقاله لانتمائه في سنواته الجامعية الأولى للجماعات الإسلامية ليُخصيَ نفسه بنفسه عندما هاجر إلى فيينا بانسلاخه الظاهري عن ثقافته والاندماج الكلي في المجتمع الغربي، ووصل الأمر به إلى حدّ تغيير اسمه من حسن درويش إلى شولز هاينرش «إلاّ أنّ درويشا او هاينرش منذ قدم الى النمسا في تسعينات القرن الماضي قطع علاقته بكل ما هو مسلم وعربي …

قد لا يريد أن يورط نفسه في تحمل ما يقوم به المسلمون والعرب في شتى أنحاء العالم من خير وشر.
التسمية: حتى إن حرص حسن درويش على تغيير اسمه عندما هاجر إلى النمسا إلا أن الكاتب بركة ساكن يسميه درويشا في الكثير من مواقع الرواية والدرويش هنا ليس بالمعنى الصوفي طبعا، ولكن بمعنى الفقير، فهو فقير في كل شيء يتنصل من اسمه ليبدأ من جديد من دون تاريخ «ولا يمكن ان نفسر تغيير اسمه إلى هاينشر، بأنه واحد من عمليات محو تاريخه الواعية جدا « لكنه يبطن غير ما يظهر.

طفولة هجينة: يعيش حسن درويش منذ طفولته من دون شهادة ميلاد، يعيش حالة الاختلاف والتمييز فهو سوداني لأم مصرية يعيش مع والدته في مصر بعد موت والده، وتتزوج والدته من مصري ليجد نفسه أجنبيا.

السلطات المصرية تمنعه من الوجود في مدارسها، كما انه يعتبر كذلك في السودان، «لذا كان خليطا معقولا من الثقافتين، ولو أنه كان هجينا مربكا في كثير من الأحيان خاصة عندما يأتي سؤال الهوية».

ثقافة هزيلة: حسن درويش يعترف بنفسه بضآلة ثقافته، فهو بالإضافة لدراسته للصيدلة لم يقرأ من الكتب إلاّ النزر القليل، إنما يعرف فقط بعض الآيات التي يحفظها من دون فهمها، ولذلك استغرب من الكم الهائل للكتب التي وجدها عند نورا النمساوية، التي ستصبح زوجته، والتي تقرأ كل ليلة، وتعرف أمهات كتب التراث العربي، «ألف ليلة وليلة وكتاب النبي لجبران» وغيرها، في حين هو لم يسمع حتى عنها, وهذه السطحية جعلته طعما سهلا للجماعات الإسلامية المتطرفة التي جندته بسهولة «هجانة ثقافتي كانت السبب الأول، الذي سهل انضمامي للجماعات الإسلامية… فما كان عندي الأدوات التي تجعلني أفرق بين الأفكار المفخخة ذات الوعي الزائف والأفكار الأصيلة..».

شخصية متناقضة: يصل درويش بعد سفرة شاقة وخطيرة إلى النمسا، كل غاياته أن يعيش في رغد من العيش في مجتمع يحترم الإنسان «ولكنك عندما تصل إلى أول دولة أخرى سوف تنسى كل شيء وتعيش كإنسان، إنسان حقيقي «يندمج درويش في المجتمع الأوروبي او هكذا يتظاهر، يغير كل تاريخه اسمه وارتباطه بالعروبة وبالإسلام، ولكن عندما يتعلق الأمر بشرف ابنته يظهر الرجل الآخر، الذي عبر المخيلة ينفذ ما تعلمه في مجتمعه العربي المسلم المنغلق الذي يعتبر شرف المرأة شرف القبيلة «ابنتي هي شرفي ومن يمس شرفي باللبن اجعله يستحم بالدم»، وهنا يظهر التناقض الصارخ بين ابتسامة الرجل المتحضر وتكشيرة الوحش الكاسر بداخله.

شخصية مسلوبة: لم يكن لدرويش عبر حياته شخصية أو موقف يذكر كان دائما تابعا ومسلوب الإرادة يُسيطر عليه بسهولة تامة، لهشاشة ثقافته وشخصيته، تابعا لزوجته يخاف منها ومن ردود أفعالها، رغم انه المالك للبيت ولمجمل الثروة التي يعيشان منها، وهي التي تركتها له أم زوجته التي عمل عندها في بداية سنواته في الهجرة.

هذه إذن ملامح الشخصية المحورية التي عبث بها بركة ساكن وجعلها مسخا، شخصية تستطيع تطويعها والتلاعب بها نتيجة بساطتها من جهة وعقده وثقافته الهزيلة من جهة أخرى فيجعله يعمل «مخريّا للكلاب» في سنواته الأولى في المهجر، ليس لأنها مهنة سيئة ولكن لأن درويش يستعار منها، وذلك لما لصورة الكلب في ثقافتنا من نجاسة شخصية يقزّمها لتناقضها الصارخ، ولهذه التشيزوفرينية التي يعيش بها شخصية مرضية يعطيها الكاتب النهاية التى يستحقها وهي السقوط في الهاوية وبالتالي الانقراض.

بنية الرواية والقضايا المطروحة:

لعل كل الروايات أو معظمها تبدأ بمقدمات وبتقديم الشخصيات، إلاّ أن بركة ساكن في هذه الرواية بدأ بمشهد الذروة التي يضع حسن درويش أو هاينرش في مأزق كبير يظهر فيه المستور ويعري هذه الشخصية، وهو المشهد الذي تخبره فيه زوجته نورا بأن ابنته ميمي التي تجاوزت الثمانية عشرة بأيام قليلة وجدت صديقا ستأتي به إلى البيت، ويمكن أن تكون هذه ليلتها الأولى.

هنا يتظاهر بابتسامة عريضة لكن تثور ثائرته في الداخل كيف سيقبل هذا الأمر « ولم تظهر شخصيته الإسلامية العربية الاّ حينما أصبح عليه أن يدفع الثمن من لحمه ودمه، والمقصود هنا ابنته، فكل ما هو بعيد عن الشرف يمكن التعايش معه «وفي الحقيقة هذا المشهد أعطى المجال لبركة ساكن للمقارنة الواضحة بين ثقافتين مختلفتين، واحدة تقدس الحرية وتعتبر العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة شخصية وتعطى للمرأة مكانة كبيرة وللطفل مكانة أكبر»، في الغرب الأطفال أولا ثم النساء ثم الكلاب..ثم الرجل»، وبين ثقافة مازالت تعتبر المرأة في مرتبة دونية، وتعتبر شرف العائلة، تزوج عنوة ومن دون استشارتها ولهذا فتح المجال لمخيلة حسن درويش في تخيل مصير ابنته لو كانت في قريته الصغيرة في ريف مصر، «درويش يسرح بخياله بعيدا في قريته مطاردا بفضيحة ابنته بالحسم وبما يجب عليه فعله، أي أنه يدير معركته هناك في ميدان القتال الذي يعرف شعابه وطرائق كرّه وفرّه ويمكنه ان ينتصر فيه بصورة نهائية وقاسية «والحقيقة أن بركة ساكن لم يتغاض في هذا العمل وفي هذه المقارنة الواضحة عن سلبيات المجتمع الأوروبي فتعرض للمشاكل الأسرية لتعاطي المخدرات وللفراغ الروحي الذي يشعر به بعضهم.

وفي المشهد الثاني الذي سنركز عليه هو مشهد السفر هجرة درويش إلى النمسا، وهنا يفتح بركة ساكن ملف الهجرة غير الشرعية، طرقها شعابها ومخاطرها، التي أجبرت درويش على السفر من أثينا إلى فيينا في شاحنة مع الخنازير، وما يلف ذلك من رمزية، وكانت الخنازير أفضل حالا من درويش وناديا صامويال التي رافقته في سفرته، وهي شخصية من رواندا ومن أقلية التوستي، وفي الحقيقة هي ردة اعتبار من بركة ساكن للتطرق لهذه الحرب وانعكاساتها التي عاشتها أقلية التوستي، التي تعرضت للإبادة الجماعية سنة 1994 من قبل الهوتو، الأكثرية الرواندية التي سكت العالم عنها، وهي إشارة منه بأن كل الحروب القائمة على أساس عرقي طائفي ديني وغيرها لا تخلف إلا الخراب والدمار النفسي والمادي، وناديا من ضحايا هذه الحروب التي جعلتها تعيش عيشة العاهرات والمدمنات والمهمشات، فقط لتهرب من الإبادة والموت وفي المشهد الذي كان مكثفا ودراميا لأقصى حد، يبين فيه بركة ساكن أنّ الإنسان في بعض المجتمعات، خاصة في أفريقيا والعالم الثالث لا قيمة له، وأن الحيوان أفضل منه بكثير.

مشهد درامي أقرب إلى المشاهد السينمائية بموسيقى تصويرية تؤثثها الخنازير، وفيه لا يتوانى درويش في مراودة ناديا» تماما كما تفعل الخنازير الشبقة في القفص المجاور… وعندما أدرك ذروة نشوته لم يفكر كثيرا أو قليلا في مسألة العيب والفضيحة»، وهو ما يؤكد تناقض هذه الشخصية المخرَّبة.

هذه الشخصية المتناقضة والمسلوبة هي التي ستؤدي بنفسها إلى الهلاك، وهو ما يحيلنا إلى المشهد الأخير، حيث قرّر درويش قتل صديق ابنته توني، «كان لطيفا لكن لم يكن هاينرش يراه كذلك، كان في نظره وحشا جنسيا مخبولا «، في الحقيقة لم يستطع درويش أن يندمج مع المجتمع الحديث في النمسا، وبقيت ترسبات التربية المحافظة تنخر عقله، «ولكن من الخطأ تجاهل البنية الدينية وأثرها في تكوين شخصيته طوال حياته، حتى إن تنكر لذلك الآن» حاول إذن درويش قتل توني بعد دعوته وزوجته وابنته في نزهة جبلية، يحاول في غفلة منه أن يسقطه من أعلى الجبل، لكن توني يتعلق بالشجرة وينقذ حياته، في الوقت نفسه، تتخذ زوجته نورا القرار بإسقاط درويش وقتله.

نورا لم تحب هذا الشخص قط وإنما زواجها منه مجرد مصالح مادية، وتعترف انّ درويش دمّر حياتها بالفعل وسبّب عقدا نفسية لا حصر لها لابنته، وصنع منها مخلوقا بائسا، فالشك منهجه ودرويش لا يتردد في أن يستخدم يده لحسم أي خلاف، وهو كذاب يكذب في كل شيء وهي تعتقد أنها لم تقتله وإنما هو الذي جهز لنفسه طريقة موته وكانت هي أداة التنفيذ.

الشبكة السردية:

قلنا إن استلهام بركة ساكن في هذه الرواية لقصيدة إليوت» الأرض الخراب» واضحا، وبما أن هذه القصيدة مثلت منعرجا جديدا في الشعر, واعتبرت افتتاح لعصر جديد مع شكل جديد وهي القصيدة النثرية، فإن بركة ساكن في هذه الرواية أيضا عبث بالشبكة السردية المتعارف عليها في الرواية العربية، حتى الحديثة منها، وعمد بعبارة سليم بركات إلى نصب الفخاخ للقارئ، يلاعبه ويعطيه معلومات خاطئة ويحشره في السرد ويتحدث معه، يقول في الرواية «الرواية عمل مشترك بيني، باعتباري كاتبا وبين الراوي والقارئ والشخصيات، وبالتالي يخرج الكاتب عن كونه سلطة ليصبح شخصية بحد ذاته «فقد أصبح الرواة، خاصة الراوي العليم والراوي من الخلف وضمير المتكلم سلطة فوق سلطة الكاتب، الذي يظن نفسه قديما جدا الخالق الفعلي للنص والمتحكم المطلق في مصائر شخصياته «وحتى الراوي العليم في هذه الرواية يجعله لا يعلم كل شيء ويسلبه بعض الحقائق، ثم ينسحب الراوي أو السارد، لأنه لم يصل إلى رؤية مشتركة مع الكاتب، يقول في الرواية «خسرت الراوي، خسرته على الأقل الآن، لأننا لم نصل إلى رؤية مشتركة أو حل وسط».

الخاتمة :

تعتبر إذن رواية «الرجل الخراب» إضافة نوعية لأدب بركة ساكن تجاوز فيها المحلية والحديث عن مشاكل السودان وقضايا المهمشين أطفال الشوارع في «الخندريس»، الحرب الأهلية وانعكاساتها في «الجنغو»، والقضايا السياسية والإطاحة بالمعارضين في «العاشق البدوي» وغيرها، ليكون «الرجل الخراب» تعبيرا عن الوضع الدامي الذي تعيشه ثقافتنا العربية الإسلامية، وتنامي موجة العنف والإرهاب نتيجة عدم قدرتنا على تجاوز الماضي والعيش في العصر الحديث بجهالة القرون الوسطى، وإن لم نستطع المجاهرة بهذا التناقض القائم في ذواتنا لا نستطيع أن نتقدم.

وبركة ساكن كان جريئا جدا في تعرية هذه الذات المتناقضة والمغتربة والمخرّبة، ولعله اختار لها نهاية صادمة، السقوط والاندثار ليدق ناقوس الخطر إن لم نتفطن إلى ضرورة نقد تراثنا الإسلامي وتجاوز التربية الدينية المتخلفة، «الرجل الخراب» هي نقد وتعرية لهذه الثقافة التي ترفض أن تنظر إلى نفسها في المرآة وتدعي أنها الأفضل وأنها تمتلك الحقيقة، وهكذا يمكننا أن نختم هذه القراءة بقول درويش «كذبنا عندما قلنا إننا استثناء».


ناقدة تونسية

ابتسام القشّوري




..

المدير العام


عبد الرحمن موسي ادريس
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 1830
نقطة : 6475
تاريخ التسجيل : 19/09/2011
العمر : 59
الموقع : مصنع سكر حلفا الجديدة
المزاج : مسلم/سنى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الثلاثاء 15 سبتمبر 2015, 9:34 am

أسنان لا تُغَنِّي
عبدالعزيز بركة ساكن 
تعادلنا ثلاث مرات على طاولة التنس، هي سريعة الحركة، لها طاقة لا تحدُّ، ماهرة كالشيطان، ذات حِرفية مدهشة في تحويل كل كرات الرد إلى كرات زوايا بعيدة، يصعب التعامل معها، وعندما انتهت اللعبة، مسحتِ العرق عن وجهها ببطن كفها، أطلقت شعرها الأشقر على ظهرها وكتفيها، ثم استدارت استدارة سريعة لتقف قربي، مادة إليَّ كفٍّا بيضاء معروقة، تبدو الدماء الساخنة القرمزية منفعلة تحت بشرتها الناعمة الندية بفعل العرق.
استطاعت أن تتعادل معي!
قلتُ لها وأنا أقبض على كفها البيضاء الناعمة، بكفٍّ سوداء قوية بها جفاف متوارث من جدود عديدين: طالما كنت ألعب مع الشيطان، فكيف أكسب؟!
ضحكتْ إلى أن احمر وجهها الشاحب، ثم هزَّت رأسها مثل مُهرة تحتفي بجموح يخصها استشعرته فجأة، قالت: دعنا نتمشى قليلًا على الجسر.
عندما خرجتُ من حجرة الملابس رأيتُها تقف على الجانب الآخر من الطريق، تلبس كالعادة بنطلون الجينز المحزَّق اللاصق على فخذيها وكأنه جزء منها، قالت إنها تستمتع برياضة المشي وخاصة عبر الجسر، ثم سردت لي تاريخ بُناة الجسر، بينما كنا نهرول عبره.
ثم فجأة سألتني: يقولون إنك من السودان!
– نعم.
– يعني ذلك أنك عربي.
– في الحقيقة أنا سوداني، ومسألة عربي وغير عربي عندنا في السودان مسألة شائكة وتحتاج إلى تنظير لا أطُيقه. قالت — في إلحاح: لا ينتمي السودان للجامعة العربية؟!
قلت متضايقًا: نعم.
– وهو أيضًا ضمن الدول الإسلامية.
أنا عادة لا أحب الخوض في مثل هذا الحوار مع غير السودانيين؛ لأن ثقافاتهم ضحلة فيما يخص السودان ومرجعياتهم — إن وُجدت — غير دقيقة، ولكن يبدو أن المرأة تعرف شيئًا. قلت: السودان دولة عربية إسلامية كما هو معلن، ولم يُستشر أحدٌ في ذلك، المهم، المواطنون، فيهم العربي وفيهم المسلم، وفيهم غير العربي وغير المسلم.
– ماذا عن نفسك أنت؟
– أنا، لست عربيٍّا، ولكنني لست شيئًا آخر غير عربي، ولست مسلمًا، ولكنني لست شيئًا آخر غير مسلم، والأمر برمته لا يعني لديَّ الكثير، فدائمًا ما أكتفي بأنني سوداني وحسب.
ضحكتْ، ربتت على كتفي، أشارتْ نحو الأفق، أبراج وطائرات، قطارات، سيارات، دخان عوادم، ضباب، نجوم، بشر، ألعاب نارية، وطاويط، كباري طائرة، قالت: نحن هنا
أيضًا أمريكيون فقط.
سكتتْ قليلًا، قالت: انظر … هنالك … نحو برج Leadsman هنالك يوجد نادٍ ليلي … غنيت فيه قرابة العامين.
– هل أنتِ مغنية؟
– الآن لا، ولكنني كنت مغنية، كنت أشهر مغنية في هذا النادي؛ بل كنت معروفة في أمريكا كلها، وغنيت خارج أمريكا أيضًا.
– لماذا تركت الغناء؟
بدت متأثرة وهي تقول: حدث لي حادث وبعده أصبح من المستحيل أن أغني.
حملقت في وجهها، في هيئتها، علَّني أجد أثرًا لهذا الحادث، لكن بدتْ كاملة متكاملة، لم تبدُ على وجهها أية آثار لعملية جراحية، المهم، بيني وبين نفسي عرفت أن الحادث كان عاطفيٍّا، نفسيٍّا أو جنائيٍّا، من الأحسن ألا أثُير مثل هذه الشجون، وقررتُ تجنب الخوض في الموضوع، كما أن اهتمامي بالغناء وخاصة غير السوداني ضعيف، قالت: أنا أجيد صنع القهوة.
فوافقتُ، ولو أنني ما كنت أظن أنَّ المشوار سينتهي بشقتها، لكن لا بأس، هؤلاء الناس لا يزعجون أنفسهم في محاولة التفرقة ما بين حياتهم الخاصة والعامة، اتصلتُ بإحدى شركات التاكسي، في سبع دقائق كنا نمر بسرعةِ مائتي ميلٍ في الساعة عبر شوارع نيويورك، بعد عشرين دقيقة أخرى كنا في فيلتها الرائعة، يا إلهي! المكان لا يوصف، لاحظتْ أنني مندهش، قالت: بيت الأمريكي هو جنته.
– أنتِ دائمًا تتحدثين معي كأمريكية.
– أنا لا أقصد شيئًا سوى العموميات، فأنا أحب أمريكا، لكنني لا أفضلها على كل بلدان العالم، الرجاء أن تفهم ذلك.
– ماذا تقصدين بكلمة عموميات؟
– إنها لا تعني شيئًا غير عموميات فحسب، ثم ابتسمت. 
كانت داني جميلة ولبقة ومباشرة، لها عينان عميقتان تشعان رغبة وغموضًا وغنجًا، جلستُ على كنبة مريحة، أشعل كل واحد منا سيجارة، من جهاز الكمبيوتر الشخصي انطلقتْ موسيقى جاز كلاسيكية صاخبة، قالت: إنه لويس آرمسترونغ. تركتني في محاولة.
أحضرت لنا القهوة، جلستْ قربي My Home، التكيف مع المكان وآرمسترونغ وعطر قالت: هل تسمح؟
وقبل أن أقول شيئًا، أخذت تمشط شعري بأظافرها الشاحبة غير المطلية، شعر رأسي الخشن المنكمش على نفسه في دوائر شبيهة بمنظومة من السلك، كنت في حاجة ماسة لمن يداعب أسلاكي تلك والعبث بها، تمامًا كما تفعل داني الآن.
– شعرك مدهش، ثم أضافت بسرعة: هل أنت متزوج؟
– نعم.
– أين زوجتك؟
– في السودان.
– هل لديك أطفال؟
– طفلة واحدة اسمها سارة.
– كم عمرها الآن؟
في الحقيقة ما كنت أعرف كم عمرها الآن، عندما جئت إلى أمريكا تركتها تمشي خطواتها الأولى، لا؛ بل كانت تجري وتلعب؛ لأنني أذكر أنها جرت خلفي إلى الباب، نعم، كانت تتكلم، سارة الآن قد تقارب الثامنة عشر، أهذا صحيح؟ أين هما الآن؛ بل أين هم: أمي، سارة، أمل، لقد قفلت هذه النافذة منذ زمن بعيد، ربما تزوجتْ أمل، ربما لا تزال في عصمتي، الأمر برمته لا يعني لديَّ الكثير، فعندما غادرتُ السودان غادرتُ كل شيء، ويجب أن أعي حقيقة ذلك، قلت لها: داني؟
– نعم.
– أنا لا أحب فتح هذه السيرة.
– حسنًا، كل إنسان في هذه الحياة لديه غرفة مظلمة مخيفة ممتلئة بالثعابين، لا يحب الولوج إليها ولا يرغب أن يدخلها أحد، أو يطرق بابها، مجرد طارق.
كنت دائمًا ما أستطيع تمييز أصول الأمريكيات، الإسبانية، الإنجليزية، الآسيوية، الفرنسية، الإيطالية، العربية، الكاريبية أو الزنجية، باللون أو الاسم أو اللكنة أو حتى مجرد مكان الإقامة، داني من أصل أيرلندي، وهي جميلة وبدينة بعض الشيء، كانت تتجلى في حجرة نومها كربة صغيرة من البلور، مدللة، عندما عدتُ من دورة المياه وجدتها هنالك، جلستُ قربها، قبلتها، قالت لي وهي تدلك فروة رأسي: أريد أن أستريح.
– وماذا يمنع؟
قالت وهي لا تزال تدلك فروة رأسي، ويبدو أنها أثُيرت بصورة أو بأخُرى: حرِّكْ تلك المنضدة قريبًا من هنا.
جذبتُ المنضدة ذات العجلات قريبًا، كانت الإضاءة خافته ولكن الرؤية واضحة وجيدة، على المنضدة قفازان ناعمان ارتدتهما، عملت أناملها في عينيها، فأخرجت عدستين لاصقتين وضعتهما على صحن صغير أعد لذلك، عملت أناملها في فمها، فانتزعت صفين من أسنانها البيضاء الجميلة والتي كانت تشع مستجيبة لغزل الضوء الخافت، طالما أعجبت بهما في صمت، وضعتهما في صحن أعد لذلك، قالت بفم خالٍ من الأسنان وقد بدا غريبًا: أترى؟ إن أسناني مستعارة.
وابتسمتْ ابتسامة في شكل فراغ كبير مظلم، ولكنها لم تثر اشمئزازي، فالمرأة — كما يقولون: في الظلام جسد ودفء. 
وأنا بالفعل استجبت لأناملها في فروة رأسي، أكثر من أي شيء آخر.
قالت وهي تميل بكامل جسدها نحوي، حيث ملأ عطرها أنفي تمامًا: ساعدني في إخراج البنطلون، أرجوك.
وكنت أظن أنني سأقوم بسحبه بالقوة، وقد بدأت في ذلك، إلا أنها أوقفتني قائلة: فقط حرر زرارين في الخلف.
ثم بسهولة سقط البنطلون على فخذيها، ثم جذبته بأناملها الرقيقة الشاحبة وتحررت منه تمامًا، ولدهشتي عندما وضعت البنطلون جانبًا، كان ثقيلًا، وعندما انتبهتُ وجدت داني بغير ساقيها، قالت في برود ورباطة جأش: أترى؟ إن ساقيَّ، هه.
وقبل أن أسأل أو أكمل دهشتي، تحدثتْ داني: هي حكاية عادية، كنت أغني للجنود الأمريكان شمال العراق جنوب السليمانية في عاصفة الصحراء، طبعًا لرفع الروح المعنوية للجنود حتى يتمكنوا من تحرير الكويت وهي بلدة عربية احتلها صدام، كنا وسط أصدقائنا من الأكراد والأتراك وبعض فعاليات المعارضة العراقية، ورغم ذلك كنا حذرين من المفاجآت، ولكن لسوء تقديرنا أن جنديًا من المعارضة العراقية، هو الذي نصب لنا لغمًا أودى بحياة ثلاثة جنود، وفعل بي ما فعل… هي الحرب! أنا لست غاضبة من أحد، النار لا تفرق بين جندي أو مغنية بوب.
انتزعتْ قميصها بنفسها، وكنت أنتظر مفاجأة أخرى، ولكن صدرها كان فتيٍّا ونهداها معبآن جيدًا، ولا توجد تشوهات في صدرها وبطنها وظهرها، بأناملها المحمومة أخذتْ تفك زرار ملابسي، وأنا لا أدري فيمَ أفكر، ولكني كنت أرغب بشدة في الانفكاك من هذا المكان ومن هذه المرأة الصلدة ، التي رغم كل ما رأيت من مآسيها تتعامل وكأنها تضع العالم كله في جيبها، قلت لها: أريد أن أذهب.
قالت بثقة: سوف لا تذهب، ستبقى معي للغد.
ابتسمتْ، بدا فمها هوة عميقة غامضة، ثم أخذت تدلك فروة رأسي بأناملها في صمت، وعن طريق نهايات أظافرها الحادة، كانت تمشط شعري الخشن، أستطيع أن أسمع خشيش احتكاك الأظافر بمنابت شعري، عاليًا مثل طرق صفيح فارغ.

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 20 فبراير 2016, 4:53 pm

كاتب سوداني: الدكتاتور المتنحي مخلوق لا يموت
ساكن: ما حدث في كثير من الدول العربية ليس سوى انتفاضات شعبية عفوية على حكام ظالمين 
الجزيرة نت - الخميس 9/5/1437 هـ - الموافق 18/2/2016 م 
المحفوظ فضيلي
في الحلقة السادسة عشرة من سلسلة حوارات "الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي"، ننتقل إلى السودان مع الكاتب عبد العزيز بركة ساكن المقيم في النمسا الذي يرى أن "الربيع العربي" مجرد "انتفاضات شعبية عفوية على حكام ظالمين" لأن الثورة في نظره وعي تراكمي اجتماعي.
ويشدد ساكن المنحدر من كسلا بشرق السودان على أن الشعب هو محور الثورة وموضوعها. وعن مآلات الربيع العربي وانكساراته، يقول الحائز على جائزة الطيب صالح للرواية عن "الجنقو مسامير الأرض"، إن الدكتاتور المتنحي مخلوق لا يموت.
وأعرب ساكن عن أسفه لغياب طرح فكري ليملأ الفراغ الذي خلفه غياب سُلطة الدكتاتور وأبويته المفرطة، لكنه يسجل بنبرة تفاؤلية أن ما جرى يمثل "كسر حاجز الخوف من الحكام وسقوط أساطير حكمهم الأبدي". وفي ما يلي نص الحوار.
هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"
لا. في ظننا لم يكن الشارع العربي في النضج السياسي الكافي لإشعال ثورة فعلية، على الرغم من توفر ظروف قيامها على أرض الواقع من ظلم وتخلف وتجهيل وتجويع وفساد وإفساد من قِبل الذين ظلوا على سُدة الحكم لسنوات طويلة وبعضهم لأبد حياته اللزجة الممتدة.
فقد فرض الحكام العرب الرجعيون في سنوات حكمهم الأبدية نمطا تعليميا وتربويا لا يقود إلا إلى دروب الردة والوعي الزائف والخنوع. وأفقدوا شعوبهم سبل امتلاك أدوات الثورة، (من خلال) الإعلام الموجه والقمع السياسي ومصادرة الكتب والصحف ومطاردة المفكرين والمبدعين الذين لديهم وجهات نظر مختلفة وسجنهم وتهجيرهم وتخوينهم وتكفيرهم وقتلهم أيضا.
أوجَدَ ذلك نوعا من المجتمعات المنغلقة على التخلف والمنفتحة على الثقافة الاستهلاكية، على روح النمط المحقون في جسد تلك الأمم المنهك من قبل السوق العالمي المركزي في خليط مَسيخ مع الخُرافة والأساطير المتوارثة. بالتالي كان الأمر يحتاج لقيام ثورة والثورة عادة تٌبني ولا تٌهْتَبَلْ. وتسمية ما حدث ويحدث الآن من انتفاضات بالربيع العربي، ذلك الاسم الرومانسي الخجول، أكثر ملاءمة، لأنه لا يشير لشيء بعينه، ولكنه يقول كل شيء.
إلى أي حدٍّ تعتقدون بأن الإبداع العربي لعب دورا -أو لم يلعب أي دور- في ذلك الربيع؟
لم يلعب الإبداع العربي دورا كبيراً في ما يخص الشعوب العربية، ولا يستطيع ذلك. أولا لتدني نسبة الذين يقرؤون ويشاهدون ويسمعون إبداعيا ومن أجل التغيير والوعي، وتنحي دور الثقافي في تلك المجتمعات لصالح الخطاب السياسي الاستهلاكي اليومي، والوعي الديني المخطط له بصورة دقيقة حيث يخدم ما هو كائن بالفعل ويعمق الاغتراب الإنساني.
كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟
ربما موقف أدونيس كان الأكثر دوياً، حيث إنه وصف الربيع العربي بـ "كذبة كبيرة"، ولكن يظل هنالك من يتفاءل به ويعتبره ثورة فعلية، وهنالك من هم بيْن بيْن. وعلى اختلاف آراء المبدعين فيه إلا أن هنالك الكثير من الأعمال الفنية الإبداعية قد تحققت في موكبه. وفي ظني أن إبداع ما يحدث الآن سيتحقق بعد قليل. وقد يحتاج لوقت شاسع قادم ليختمر في جَرَّات المعرفة وتنضجه جمرات الزمن والتجربة بخيباتها ونجاحاتها.
بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟
إنها بدت لنا قبل ذلك بكثير، ولدي مسرحية وسمتها "فنطازيا الشبح" كتبتها أيام اشتعال ما سُمي بالربيع العربي بُنيت على وعينا بماهية الثورة. ولم تعجب أحدا، واعتبرها صديقي المسرحي درويش الأسيوطى عملا تشاؤميا بحتا، وأنه سوف لا يحدث على أرض الواقع، فالمسرحية ذات الفصل الواحد والممثل الواحد (المنودراما) تقول ببساطة: إن الدكتاتور المتنحي سوف يعود مرة أخرى بذات البذلة وذات الوجه على ذات الكُرسي، بالشعوب العربية ذاتها التي نحته جانبا، إنه مخلوق لا يموت. في ظني أن الثورة تحدث في الشعب وهو موضوعها.
إلى أي مدى (متوسط، بعيد.. ) ترون أن أهداف الربيع العربي (ديمقراطية وعدالة اجتماعية وحرية..) ستتحقق على أرض الواقع؟
الثورة ليست تغيير الحكام ورجالات السلطة وقلب الكراسى الوثيرة، إنما هي وعي تراكمي اجتماعي، ويصاحبه تغير في البنية الهيكلية للوعي الإنساني لصالح الخير والمحبة والمشاركة والتقدم ضد الشر والجهل. حتى لا تٌسرق الثورة-عندما تكون- وتتمكن من تحقيق أهدافها لابد من وجود ذلك الأساس المتين ممتدا في الزمان والمكان والإنسان.
فما حدث في كثير من الدول العربية ليس سوى انتفاضات شعبية عفوية على حكام ظالمين، وللأسف لم يكن هنالك طرح فكري ليرث الفراغ الذي خلفه غياب سُلطة الدكتاتور وأبويته المفرطة، بل إن البعض كانوا أكثر رجعية وتخلفا من السالف. ولكن يحمد لما حدث كسر حاجز الخوف من الحكام وسقوط أساطير حكمهم الأبدي.
هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟
يرسم الرسامون، ويؤلف الموسيقيون ويكتب الكاتبون. وفي ظني أن الكثير من تلك الأعمال قد تكون مفيدة في المستقبل ولو أنه ليس بمقدورها أن تضع أسئلة جيدة حول ما حدث ويحدث الآن أو تدعي تفسيره لأن الحدث – ببساطة- لم يكتمل. ولكن يمكن قبولها كنبوءات إبداعية. كحال "فنظازيا الشبح" آنفة الذكر.
والسؤال: ما فائدة تراكم إبداعي لا يُقرأ أو يُشاهد أو يُسمع؟ على المبدع العربي أن يجد صلة بالمتلقي، أن تكون هنالك رابطة للتأثير والتأثر المتبادلين، إذا شِيئَ أن يكون للفن دوره في عملية التغيير، مهما صغر وتضاءل، من أجل أن تكتمل الثورات أو لتصبح الانتفاضات العفوية ثورات، أو ليؤسس لثورة فعلية قادمة أو لينصب الأسئلة أمام الشعوب مساهما في الوعي الفكري والديمقراطي والحقوقي والإنساني والجمالي.


المصدر: الجزيرة

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 16 مارس 2016, 2:40 pm

عبد العزيز بركة ساكن: الرواية في السودان ما زالت في طور التشكيل
أخبار الأدب المصرية- العدد 1180- الأحد الموافق 6 مارس 2016
حوار‮: ‬ابتسام القشورى
يعتبر عبد العزيز بركة ساكن من الأصوات المتميزة في الرواية السودانية، وهو يمثل حالة فريدة في المشهد الروائي العربي باعتبار أنّه يمضي نحو الكتابة بوجه مختلف يطرد شبح الكلاسيكية معبرا بطريقة فنية ومضمونية جديدة عن هموم وطنه الذي خربته الحروب عن كل المهمشين الذين لا صوت لهم، عن الإنسان في كل اصقاع الدنيا مناديا بالديمقراطية والسلم والحرية.
عبد العزيز بركة ساكن من مواليد كسلا.. تعرضت معظم مؤلفاته في السودان  للمصادرة حتي لقب بالزبون الدائم للرقيب .
وعلي الرغم من ذلك يظل هذا الروائي الأكثر انتشارا في السودان وتتأثر بأفكاره نسبة من الشباب الذين يقرؤون كتاباته خلسة. من مؤلفاته "رماد الماء"، "زوج امرأة الرصاص و ابنته الجميلة"، "العاشق البدوي"، "الجنغو مسامير الارض" وآخرها "الرجل الخراب" وله رواية" منفستو الديك النوبي" تحت الطبع ترجمت بعض أعماله للفرنسية والإنجليزية يعيش منذ فترة في النمسا وكان لنا معه هذا اللقاء الذي تحدث فيه عن الوطن وعن الرواية السودانية وعن الكتابة في المنفي وغيرها من المواضيع.
> بداية في نظرة سريعة إلي خريطة الإبداع العربي نجد أن الأدب السوداني لم يأخذ حظّه من الانتشار بين القراء باستثناء الطيب صالح ومحمد الفيتوري فما العوامل برأيك التي جعلت الرواية والشعر السودانيين في هذه المرتبة ؟
طبعا هذا الافتراض كان صحيحا تماما في سنوات قليلة ماضية حيث فرضته ظروف عزلة موقع وعزلة هوية وعزلة إعلام بالإضافة لعدم قيام الدولة بواجبها في رعاية الثقافة والفنون عامة، والاستثمار في الفن كأحد مجالات التنمية المهمة وإهمال الدولة نتج عنه أن المبدع عليه بجانب إنتاج العمل الفني أن يقوم بالتسويق لنفسه، ... أما عزلة الهوية فهي إننا كشعوب سودانية تتقاسمنا هويات شتي بحكم الموقع الجغرافي لكن تبني الدولة لهوية واحدة دون الأخريات وضعنا في موقع اللاهُوية. بالتالي لم يهتم العرب الذين تبنت الدولة الانتماء إليهم قضيتنا الأدبية ولم يضعنا الأفارقة في أجندتهم الثقافية، ولم تقم الدولة بسد الهوة. فكانت العزلة الإعلامية من قبل الدول العربية والإفريقية معا ولكن اليوم، والفضل يرجع لهجرات الأدباء إلي دول عربية أو أوربية للعمل أو الدراسة، استطاعوا أن يجعلوا للسودان اسما وسط القاريء العربي، والقاريء العربي المواظب سوف يستحضر في ذاكرته عدة أسماء إلي جانب الفيتوري والطيب صالح مثلا: منصور الصويم، أمير تاج السر، طارق الطيب، ليلة ابو العلا، جمال محجوب، استيلا قايتانو، حمد الملك، بشري الفاضل وغيرهم من السرديين الذين استطاعوا كسر حاجز العزلة.
> أنت من جيل التسعينات ظهرت مع ثلة من الروائين أمثال أمير تاج السر، محمد حسن البكري، أبكر آدم اسماعيل، ليلي أبو علا وغيرهم الذين غيروا في منحي الرواية السودانية فما أهم ملامح الرواية السودانية الجديدة؟
> أفضل ملامح الرواية في السودان أكثر من ملامح الرواية السودانية، لأن الرواية في السودان ما زالت في طور التشكيل وتحتاج لتراكم كمي ونوعي حتي تظهر ملامح تخصها دون غيرها ويمكن حينها أن نطلق عليها الرواية السودانية، وهذا أيضا شبه مستحيل وفي الغالب ستنحو منحي الرواية في الدول الأخري حيث يصعب تشكيل ملمح روائي يخصّ دولة بعينها، ولكن يسهل نسب الرواية لكاتب، مثلا أن نقول: رواية نجيب محفوظ أو رواية ادوار الخراط أو رواية صنع الله إبراهيم أكثر مما يمكننا قول: الرواية المصرية. وكذلك الأمر في تونس والجزائر والأردن وأمريكا وألمانيا وغيرها، وذلك للبون الشاسع في طرائق كتابة الرواية من روائي لآخر من نفس القطر ونفس الجيل. ففي السودان ما يميز رواية مبارك الصادق ليس هو ذاته في رواية إبراهيم اسحق أو شيخ الرواية في السودان عيسي الحلو. ولجيل التسعينيات أيضا ذات الخاصية، ولو أن ابكر آدم ومنصور الصويم يميلان للرواية التي تتناول مواضيع الهُوية ويختلفان في طرائق التناول وعمل الأدوات الفنية واللغة وهكذا.
>  في معظم رواياتك تحاول أن تجسد حلمك : الحلم بالقومية السودانية هل تري أن هذا الحلم ممكن التحقيق والسودان يتكون من 19 جماعة عرقية وحوالي 600 جماعة عرقية فرعية ؟
أليس هذا الحلم حلما طوباويا يصعب تحقيقه؟ لا مستحيل في ذلك، ولكن يجب ألا يُفهم معني التوحيد أن تكون للشعوب السودانية كلها هُوية واحدة، أبدا إنما الوحدة في التنوع، أقصد استثمار التنوع من أجل خلق أمة سودانية ومشروع قومي وطني حقيقي يتيح لكل الثقافات أن تنمو بصورة طبيعية، يحقق الأمن والاستقرار يوقف الحروب التي تدور في السودان من قبل الاستقلال إلي اليوم، حلم الأمة المتسامحة حيث يسود الاعتراف بالآخر المختلف، وأن يكون دور الدولة هو رعاية الاختلاف واستثماره وليس محوه واستنهاض رؤية وحدوية إقصائية بغيضة، تلك التي تقود الآخر لحمل السلاح دفاعا عن هويته.
> علاقتك بالسلطة الحالية بالسودان متوترة إذ اعتقلت في سنة 2012 منعت كتبك من أن تعرض في معرض خرطوم الدولي للكتاب صُودرت رواياتك مسيح دافور ورواية مخلية الخندريس والمجموعة القصصية إمرأة من كمبودس فهل هذا يعود للايحاءات الجنسية كما تتدعي السلطة أو لمواقفك السياسية لو توضح لنا ذلك؟
أظن أن وراء ذلك كيداً سياسياً وجهوياً أكثر مما هو أدبي أو أخلاقي فاللغة التي استخدمها يستخدمها كثيرون غيري من الأدباء السودانيين، والكلمات التي في نصوصي توجد كلها في قاموس العامية في السودان، للمرحوم البروفيسور عون الشريف قاسم، وهذا الكتاب موجود في معظم البيوت في السودان، ولم تمنعه السلطات أو تصادره كما أنّ هذا الكتاب لم يُفسد أحدا علي حسب علمي إلي الآن، لماذا تمنع أعمالي أنا بالذات؟ وهي ليست نشازا من مجمل التحقق السردي في السودان فيما قبل الإستاذ الطيب صالح والطيب صالح نفسه وما بعده؟ هل لذلك علاقة بما يحدث في دارفور من إبادة هذا سؤال مشروع.
> رغم هذا المنع ورغم أنك الزبون الدائم للرقيب إلاّ أنّك من أكثر الكتاب قراءة في السودان وتأثيرا في جيل الشباب وطلاب الجامعات الذين يقرؤون ويتداولون رواياتك خلسة؟ فهل تعتبر ذلك مؤشرا إيجابيا؟
في عصر الانترنت في عصر تنتشر فيه الماكينات الطابعة سهلة الحركة، وحيثما وجد المضاربون الذين يبحثون عن الربح السريع في سدّ هوة الطلب، لا يمكن منع كتاب من الوصول للقارئ، أينما كان والأفكار الظلامية لا يمكنها غير إصدار قرار بالمنع ولكن ليس بعدم القراءة. فكتبي متوفرة ولو أنها مزورة في طبعات رديئة مستعجلة وتصوير سييء وأحيانا يتداولها الناس بالبلوتوث وغيرها من أدوات التواصل الالكترونية، أيضا تُهرّب بعض الكتب إلي الداخل من مصر، والغريب في الأمر بعض الرسميين يتاجرون في كتبي ايضا يربحون من بيعها ويحصلون عليها عن طريق المصادرة من أصحاب المكتبات أو المهربين: في السودان الآن بعض الكتب في حُرمة المخدرات. الأجيال الجديدة في السودان تقرأ بصورة مقبولة ولو أن ذلك دون المطلوب ولكن في ظروف الفقر وتسلط الدولة وانتشار الفكر الإخواني الهدام، فإن القراءة تعتبر عملا نضاليا بحتا ومقاومة لقوي الظلام.
> معروف أن الموروث الشعبي السوداني غني جدا نظرا لحفاظ هذا الشعب علي جانب البداوة فيه في مجمل رواياتك استلهام للموروث الشعبي السوداني هل هو مساهمة منك في الحفاظ علي الذاكرة السودانية من التلاشي؟
الناقد والروائي السوداني عماد البليك أشار في مقالة له علي البداوة العنيفة المتسترة خلف عنوان رواية العاشق البدوي، بداوة الدولة المتمثلة في عنفها أي تقنين العنف أو السكوت عنه أو حماية الذين يقومون به وشرعنة السلوك غير المتحضر. ولكن الحفاظ علي الإرث الثقافي لا يعني الحفاظ علي السلوك البدوي الذي يهدم القيم الإنسانية النبيلة التي تحفظ التعايش السلمي والمشترك بين البشر والشعوب في وطن شاسع مثل السودان، وهنا نتحدث عن البداوة المنقولة فكريا الواردة مع نصوص ألبست قدسية خاصة لأسباب سياسية واقتصادية، أي ليست منتجا محليا لشعوب لها حضارات راسخة قبل ميلاد السيد المسيح بما يقارب سبعة قرون، بداوة مثل عاصفة ترابية تهب من صحراء قاحلة لتخفي هرماً.
> تقول سيمون دي بوفوار "إن المرء لا يولد إمرأة وإنما يصبح إمرأة" في مجموعتك القصصية إمرأة من كمبوكديس نقد لاذع لوضعية المرأة بالسودان وفي معظم رواياتك الأخري تكون بطلة وفاعلة هل هو انتصار لها في الأدب؟ وما رأيك في وضعية المرأة السودانية اليوم؟
في الحقيقة المرأة السودانية علي الرغم من التمييز ضدها والمعاناة التي تواجهها يوميا في ظل حكومة التطرف الإسلامي والهوس الديني في الخرطوم، إلاّ أنها أحيانا أحسن وضعا من رصيفتها في كثير من الدول العربية من ناحية الحقوق المنصوص عليها في القانون مثل حق الترشيح والانتخاب وحق الأجر المتساوي مع الرجل وحق الطلاق والزواج وغيرها من الحقوق السياسية والاقتصادية، ولكن ما تعانيه فعلا هو ما تحدثنا عنه في إجابة سابقة، وهو البدوية السلطوية ويعاني الرجل أيضا منها، فوضع الرجل والمرأة معا فيما قبل 1998، كان أفضل بكثير، والمجتمع السوداني الريفي هو مجتمع في ظاهره ذكوري ولكن في باطنه أمومي، فالام هي كل شيء، ففي الأحياء الصغيرة يعرف الأطفال بأسماء أمهاتهم فمثلا أنا: عبده ود مريم، والبجا يحبون أسماء مثل، أبو آمنة أبو فاطمة، أبو حواء، وكثير من الرجال تلصق عليهم أسماء نسائهم المعروفات في الحي مثلا آدم راجل خديجة، وهكذا. والمرأة في دارفور والنيل الازرق ذات مكانة اجتماعية كبيرة وهي عاملة في كل ما يقوم بعمله الرجال وذات رأي بل تستطيع امرأة أن تشعل حربا بأغنية أو قصيدة شعر.
> نلاحظ أن الأدب اللبناني تأثر بالحرب الأهلية اللبنانية وأنتج أدبا وفنونا تؤرخ لهذه الحرب ونتائجها النفسية والمادية والاقتصادية علي البلد والأشخاص فهل حدث نفس الشيء بالنسبة للأدب السوداني بعد الحروب الأهلية التي خلفت ما يقرب من مليوني قتيل وبلدا تم تجزئته الي دولتين يواجهان خطر الحرب الشاملة؟ 
كنت قريبا جدا من الحرب في دارفور والنيل الأزرق وفي شرق السودان أيضا ومن أسرة بها كثير من الجنود، ولدي أصدقاء كانوا ضحايا الحروب، مثل شيكيري توتو كوة الطفل المجند الذي قُتل في حرب الجنوب وتم نسيانه تماما. ولم تغب الحرب لحظة من أعمالي الأدبية، والحروب في كل العصور كانت ملهمة للفنانين والمبدعين، لأنها ترعبهم فيلوذون بأقلامهم وريشاتهم كتعويذة تقيهم شرها. وأنا أيضا كنت أتقي شر الحرب وأتخلص من خوفي منها بكتابتها روائياً. كما أن من يرغب في التخلص من سحر المرأة يقوم بالزواج منها، فتزوجتها. الآن استوحي الكثيرون الحرب في قصصهم أقصد في السنوات الخمس الماضية صدرت روايات كثيرة تناولت الحرب بصورة أو بأخري، خاصة روايات "التسعينيين". فهم مغامرون ومجددون ومخربون.
  > تعرضت في روايتك الأخيرة "الرجل الخراب" إلي مسألة مهمة وهي مسألة الصراع الحضاري بين العرب والغرب هل تعتقد أن الرجوع لهذه التيمة ضرورة اليوم؟
أصبح سؤال الصراع الحضاري أكثر تعقيدا، لأنّ هنالك شكوكاً في هل أنّه فعلا صراع حضاري أم صراع قوي، في ظنّي انّه صراع قوي سياسية، صراع من أجل الحصول علي موارد أكثر، وإن أخذ ظاهريا صورة الصراع الثقافي الحضاري وتمظهر في الدين بصورة فجة، يبقي الصراع صراعاً من أجل الاستحواذ علي السلطة التي أعني بها القوة والثروة، وقد تديره دول أو جماعات أو يقوم  به أفراد منعزلون وشركات عابرة القارات أو مؤسسات دينية لا فرق، ومن التبسيط بإمكان  القول إن الصراع هذا الذي يلبسه البعض الثوب الحضاري هو  لا يلتفت للحضاري إلا عندما يرغب في استغلاله واستخدامه: فلننظر عن قرب، من الذي صنع التيارات الإسلامية الكبيرة والمؤثرة التي تملأ العالم ضجيجا اليوم، أليست هي الدول ذاتها التي تبدو في الظاهر تختلف عنها ثقافيا؟  الولايات المتحدة والقاعدة نموذجا.  في ظني الصراع بين الغرب والشرق ليس صراعا ثقافيا بل إنه صراع من أجل الاستحواذ علي مزيد من السلطة، والتي اعني بها القوة، التي هي الثروات في معناها المتسع الشاسع.
> قدمت من خلال شخصية "درويش" الشخصية الرئيسية في الرجل الخراب نقدا لاذعا للثقافة العربية وترسباتها المتخلفة هل تعتقد أنّ هذا ما ينقص العقل العربي : النقد الذاتي ؟
من غير اللائق القول إن العقل العربي هو عقل غير نقدي، بهذا التعميم، ولكن الخطابات السلطوية قديمها وحديثها في هذه البلاد هي التي تبقي الكثرة في حيز الأحلام والعواطف في سجن الفهم الخاص للدين  والعالم، أي ما تصطحبه السلطة الحاكمة من الدين، أقصد ما يفيد بقاءها واستمراريتها، وهنا الأفضل للسلطة هو العقل النائم أو المنوم أو المسرنم، وليس العقل النقدي اليقظ، افضل لها الجهل وليس المعرفة والعلم، وهكذا أصبحت السمة الغالبة لهذا العقل هي العاطفة، التأثر السريع بالخطابات المفخخة، أي العقل الفتوي النقلي، عقل النسخ واللصق.
> في مجمل رواياتك تنحي إلي التجريبية المفرطة والخروج عن قواعد الرواية النمطية : تعدد الرواة، تكسير الخط الزمني، رمزية المكان، تضمين التقنيات الحديثة، الارساليات، المزج بين الاجناس الروائية المذكرات، الرواية، اليوميات، هل يعود ذلك إلي تأثر الرواية السودانية بالروافد الأجنبية ؟
الرواية في أصلها هي عمل أجنبي بحت خارج حدود الوطنية والمواطنة، عمل مستورد بل يمكن أن نطلق عليه صفة العمالة والخيانة الوطنية. وعندما يكتب الروائي فإنه يعمل علي خيانة بمستويات مختلفة: خيانة اللغة، خيانة نفسه، خيانة مجتمعه، خيانة دولته وشعوبه، خيانة الرواية ذاتها أو حتي الشروع في خيانة غير موجهة لشخص أو شيء ما. وكنت وما زلت أكبر عميل للمخبر ادجار ألآن بو والجاسوس اللبناني جبران خليل جبران والمفسد الأكبر: الخيال البشري.
> ترجمت بعض أعمالك للغات أخري روايتك الجنقو مسامير الأرض ترجمت للانجليزية وترجمت مسيح دارفور للفرنسية فهذه الالتفاتة المهمة من المترجمين لكتاباتك هل ترجع لعلاقاتك وإقامتك في المنفي أم هو الوضع في السودان ؟
كل أعمالي التي ترجمت إلي لغات أخري تمّت ترجمتها بينما كنت أقيم في السودان بقرية في النيل الأزرق اسمها الكُرمُكْ، وبعض المترجمين قاموا بزيارتي هنالك وأقاموا معي لفترات قصيرة، مثل البروفيسور اجزافية لوفن البلجيكي الذي ترجمني للفرنسية، وماري اونيل التي ترجمت شيئا من نصوصي للسويدية. الآن يعمل المترجم الألماني الكبير قونتر اورت علي ترجمة مسيح دارفور للألمانية، ويقوم الأستاذ عادل بابكر بمواصلة ترجماته لكتاباتي بترجمة مسيح دارفور للإنجليزية وكان قد ترجم من قبل الجنقو للإنجليزية، كما يعكف البروفيسور رودلف راينر في النمسا علي ترجمة مجموعة من قصص الأطفال صدرت بالفرنسية إلي الألمانية، وهي الترجمات القليلة التي حدثت بينما أنا أقيم في المهجر، والشيء الغريب انّ مجمل إقامتي في المهجر لم تتعد السنة وستة أشهر فقط، علي الرغم من ذلك يتحدث الناس عن هجرتي وكأنما كنت أقيم منذ ميلادي في المنفي: والمنفي لا يعني في كل الأوقات المنفي، فقلبك منفاك الأعظم.
> كيف تقيّم اليوم المشهد الأدبي السوداني ؟
من ناحية التحققات الثقافية التي تعتمد علي الفرد كمنتج، جيد. من ناحية المؤسسة الثقافية ودور الدولة، قاتل. ومن ناحيتي: مُربِكْ.
>  هل تحول بركة ساكن إلي ناشط حقوقي يفضح التراجيديات السودانية للعالم؟
لم أتحول. إنما كنت دائما ناشطا حقوقيا، فالإنسان ناشطٌ حقوقي منذ ميلاده.

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 19 مارس 2016, 3:33 pm

ﺯَﻭَﺝُ ﻋَﻤَﺘِﻲ ﺧَﺮِﻳِﻔِﻴﺔ
عبد العزيز بركة ساكن
السبت الموافق 19 مارس 2016
ﻋﻤﺘﻲ ﺧﺮﻳﻔﻴﺔ ﻇﻠﺖ ﺻﺎﻣﺪﺓ ﻣﺘﻤﺴﻜﺔ ﺑﺎﻟﺠﻤﻠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻋُﺮِﻓَﺖْ ﺑﻬﺎ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ، ﺃﻭ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺒﺪﻱ ﺃﺣﺪﻫﻢ ﻋﺸﻤﺎً ﻣﺴﺘﺤﻴﻼً ﻭﻳﻄﻠﺐ ﻣﻨﻬﺎ ﻭﻟﻮ ﻗﺪﺭﺍً ﻗﻠﻴﻼً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺳﻠﻔﺔ:- ﻳَﺴِﻤَﻨِﻲ ﻭﻳَﺤْﺮِﻗﻨِﻲ ﻟﻮ ﻋﻨﺪﻱ ﻗﺮﺵ ﻭﺍﺣﺪ، ﺍﻟﻘﺮﻭﺵ ﺍﻟﺒﻴﺠﻴﺒﻬﺎ ﺍﻟﻠﺒﻦ ﺗﺄﻛﻠﻬﺎ ﺍﻟﺒﻬﺎﻳﻢ ﻋﻠﻒ. ﻭﻇﻠﺖ ﺻﺎﻣﺪﺓ ﺃﻳﻀﺎ ﺍﻟﻰ ﺃﻥ ﺗﺒﻘﻰ ﻳﻮﻡ ﻭﺍﺣﺪ ﻋﻠﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﺪﺩﺗﻪ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻛﺂﺧﺮ ﻳﻮﻡ ﻷﺳﺘﺒﺪﺍﻝ ﺍﻟﻌﻤﻠﺔ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ وهي ﺍﻟﺠﻨﻴﻪ ﺑﺎﻟﻌﻤﻠﺔ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ ﺍﻟﺪﻳﻨﺎﺭ. ﻭﻛﻨﺖ ﺃﻇﻨﻬﺎ ﻻ ﺗﺘﺬﻛﺮ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺇﻻ ﺃﻧﻬﺎ، ﻓﻲ ﺍﻟﺼﺒﺎﺡ ﺍﻟﺒﺎﻛﺮ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺟﺌﺖ ﻷﺻﺒﺢ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻭﺃﺳﺎﻋﺪﻫﺎ ﻓﻲ ﻓﻚ ﻭﺛﺎﻕ ﺍﻷﻏﻨﺎﻡ ﻗﺒﻞ ﺁﺧﺬﻫﺎ ﻟﻠﺮﺍﻋﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺧﺬﺕ ﺻﻔﺎﻓﻴﺮﻩ ﺗﻌﻠﻮ ﺍﻵﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺎﺭﻉ ﺍﻟﺨﻠﻔﻲ، ﺩﻋﺘﻨﻲ ﻭﻷﻭﻝ ﻣﺮﺓ ﺃﻥ ﺃﺩﺧﻞ ﻗﻄﻴﺘﻬﺎ، ﻭﺫﻟﻚ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﻌﺸﺮ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺎﺿﻴﺔ ﻣﻨﺬ ﺃﻥ ﻃﻠﺒﺖْ ﻣﻨﻲ ﺃﻣﻲ ﻭﺃﻧﺎ ﻃﻔﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﺎﻣﺴﺔ ﻣﻦ ﻋﻤﺮﻱ ﺃﻥ ﺃﺳﺎﻋﺪ ﻋﻤﺘﻲ ﺧﺮﻳﻔﻴﺔ ﻭﺃﻥ ﺃﺳﺘﺠﻴﺐ ﻟﻬﺎ ﻭﻗﺘﻤﺎ ﻃﻠﺒﺘﻨﻲ، ﻷﻧﻪ ﻻ ﺃﻃﻔﺎﻝ ﻟﻬﺎ، ﻋُﺮِﻓَﺖْ ﻋﻤﺘﻲ ﺧﺮﻳﻔﻴﺔ ﺑﺎﻟﺒُﺨﻞ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻨﺎﺣﻲ ﺍﻟﺤﻲ ﺍﻟﺠﻨﻮﺑﻲ، ﺑﺎﻟﺒﺨﻞ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ، ﻛﺎﻧﺖ ﺑﺨﻴﻠﺔ ﺣﺘﻲ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻬﺎ، ﺣﻴﺚ ﺍﻧﻬﺎ ﻻ ﺗﺸﺘﺮﻱ ﻣﻦ ﺍﻷﺳﻮﺍﻕ ﺷﻴﺌﺎ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺬﺭﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮﻡ ﺑﺴﺤﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻋﻠﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﻛﺔ ﻭﺗﻌﻤﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﻛﺴﺮﺓ ﺍﻟﺨﺒﺰ، ﺗﺄﻛﻠﻬﺎ ﺑﺎﻟﺴﻤﻨﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻠﺒﻦ ﺃﻭ ﺍﻟﺮﻭﺏ ﺍﻟﺮﺍﺋﺐ ﻭﺃﺣﻴﺎﻧﺎ ﺑﺎﻟﻮﻳﻜﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﺒﺎﻣﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﺨﻀﺮﺓ ﻭﻛﻠﻬﺎ ﻣﻨﺘﺠﺎﺕ ﺃﻏﻨﺎﻣﻬﺎ ﻭﺟﺒﺮﺍﻛﺘﻬﺎ، ﻭﺣﺘﻲ ﺍﻟﻠﺤﻢ ﺍﻟﺠﺎﻑ ﻫﻮ ﻟﺤﻢ ﺗﺨﺰﻧﻪ ﻟﺸﻬﻮﺭ ﻣﻦ ﺁﺧﺮ ﺣَﻤَﻞٍ ﺍﺿﻄﺮﺕ ﻋﻠﻰ ﺫﺑﺤﻪ ﻟﺴﺒﺐ ﺃﻭ ﻵﺧﺮ، ﻭﻫﻲ ﺃﻳﻀﺎ ﺗﺄﻛﻞ ﻭﺣﺪﻫﺎ، ﻭﻻ ﺗﻬﺐ ﺃﻳﺔ ﺷﻲﺀ ﻣﺎ ﻋﺪﺍ ﺍﻟﺮﻭﺏ، ﺇﻻ ﺃﻧﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻌﺎﻣﻠﻨﻲ - ﻟﺤﺪ ﻣﺎ - ﺑﺼﻮﺭﺓ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ. ﻋﻤﺘﻲ ﺗﻤﺘﻠﻚ ﻗﻄﻴﻌﺎً ﻛﺒﻴﺮﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺄﻥ ﻭﺍﻟﻤﺎﻋﺰ، ﻳﻨﺘﺞ ﻣﺎ ﻳُﻘﺎﺭﺏ ﺍﻟﺨﻤﺴﻴﻦ ﺭﻃﻼً ﻳﻮﻣﻴﺎً، ﻭﺗﺒﻴﻊ ﻣﻦ ﻗﻄﻴﻌﻬﺎ ﺳﻨﻮﻳﺎ ﺛﻼﺛﻴﻦ ﺧﺮﻭﻓﺎً ﻭﻋﺸﺮﻳﻦ ﺗﻴﺴﺎً ﻭﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﻣﻮﺳﻢ ﺍﻷﺿﺤﻴﺔ، ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻷﺭﻗﺎﻡ ﺛﺎﺑﺘﺔ ﻭﻟﻢ ﺗﺘﻐﻴﺮ ﺣﺘﻲ ﻓﻲ ﻓِﺘﺮﺓ ﺍﻟﺠﻔﺎﻑ ﻓﻲ ﺍﻟﺜﻤﺎﻧﻴﻨﻴﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ، ﻭﺍﻟﺴﺒﺐ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻌﻘﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﺠﺎﺭﻳﺔ ﺍﻟﺒﺤﺘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻤﺘﻊ ﺑﻬﺎ ﻋﻤﺘﻲ ﺧﺮﻳﻔﻴﺔ، ﺣﻴﺚ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﻤﺘﻠﻚ ﻣﺨﺰﻭﻧﺎً ﻣﻦ ﻋﻠﻒ ﺍﻟﻤﻮﺍﺷﻲ ﻳﻜﻔﻲ ﻟﻌﺎﻡ ﺑﺄﻛﻤﻠﻪ، ﻛﺎﻥ ﺑﻴﺘﻨﺎ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﺯﺭﻳﺒﺔ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻣﺤﺎﻃﺔ ﺑﺎﻟﺸﻮﻙ ﻭﺃﺷﺠﺎﺭ ﺍﻟﻜﺘﺮ، ﻣﻘﺴﻤﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﺍﺧﻞ ﺍﻟﻰ ﺑﻴﻮﺕ، ﺑﻴﺖ ﺟﺪﻱ، ﺑﻴﺖ ﻋﻤﺘﻲ ﺑﻴﺖ ﺃﺑﻮﻱ ﻭﺑﻴﺖ ﺧﺎﻟﻨﺎ ﺟﺒﺮﻳﻦ، ﻭﻛﻞ ﺑﻴﺖ ﺗﻠﺤﻖ ﺑﻪ ﺯﺭﻳﺒﺔ ﻟﻠﻤﺎﺷﻴﺔ ﺻﻐﻴﺮﺓ، ﻭﻋﺪﺩ ﻗﻄﻴﺘﻴﻦ، ﻣﺎﻋﺪﺍ ﺑﻴﺖ ﻋﻤﺘﻲ ﺣﻴﺚ ﺃﻧﻪ ﻳﺤﺘﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﺯﺭﻳﺒﺔ ﻟﻠﻤﻮﺍﺷﻲ ﻭﻗﻄﻴﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻭﺯﺭﻳﺒﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻟﻠﻌﻠﻒ، ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺃﺳﺮﺗﻨﺎ ﻫﻲ ﺍﻷﺳﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﺘﻠﻚ ﺃﻛﺒﺮ ﻗﻄﻴﻊ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻮﺍﺷﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻲ ﺍﻟﺠﻨﻮﺑﻲ ﻛﻠﻬﺎ، ﻭﺗﻘﺮﻳﺒﺎ ﺗﺸﺮﺏ ﻧﺼﻒ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﺒﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻨﺘﺠﻪ ﺃﻏﻨﺎﻣﻨﺎ ﻭﺑﺎﻟﺬﺍﺕ ﺃﻏﻨﺎﻡ ﻋﻤﺘﻲ ﺧﺮﻳﻔﻴﺔ، ﺑﺎﻟﺒﻴﺖ ﻣﺎ ﻻ ﻳﻘﻞ ﻋﻦ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﻃﻔﻼً، ﻭﺃﺭﺑﻌﻪ ﺃﻣﻬﺎﺕ، ﺣﺒﻮﺑﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﺟﺪ ﻭﺍﺣﺪ، ﺧﺎﻝ ﻭﺍﺣﺪ، ﻭﺃﺏ ﻭﺍﺣﺪٍ ﺃﻳﻀﺎً، ﻛﻞ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻟﻢ ﻳﺤﻆ ﻭﺍﺣﺪٌ ﻣﻨﻬﻢ ﺑﺪﺧﻮﻝ ﻗﻄﻴﺔ ﻋﻤﺘﻲ، ﻭﻷﻭﻝ ﻣﺮﺓ ﺃﺩﺧﻠﻬﺎ ﺃﻧﺎ ﻧﻔﺴﻲ، ﻭﻛﻨﺖ ﻣﺘﺸﻮﻗﺔ ﻟﻠﺪﺧﻮﻝ ﻓﻴﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻹﺷﺎﻋﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺜﻴﺮ ﺍﻟﺮﻋﺐ ﻣﻦ ﻣﺠﺮﺩ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﺧﻮﻝ، ﻛﺎﻧﺖ ﺗُﺆَﻟَﻒُ ﺍﻟﻘﺼﺺ ﺍﻟﻤﺮﻋﺒﺔ ﻋﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻄﻴﺔ ﺍﻟﻐﺎﻣﻀﺔ، ﻭﻟﻜﻦ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻃﻠﺒﺖ ﻣﻨﻲ ﻋﻤﺘﻲ ﺍﻟﺪﺧﻮﻝ ﻟﻢ ﺍﺗﺮﺩﺩ ﺇﻃﻼﻗﺎً، ﻋﻤﺘﻲ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻭﻣﺎ ﺯﺍﻟﺖ ﺍﻣﺮﺍﺓ ﺟﻤﻴﻠﺔ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﺍﻟﻘﻮﺍﻡ ﻧﺸﻴﻄﺔ، ﻣﻤﺘﻠﺌﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪ، ﻟﻬﺎ ﻓﻢ ﻣﻨﻘﻮﺵ ﺑﺎﻟﻠﻮﻥ ﺍﻷﺧﻀﺮ ﺍﻟﻤﺎﺋﻞ ﻟﻠﺴﻮﺍﺩ، ﻭﻋﻴﻨﺎﻥ ﺩﺍﺋﻤﺎ ﻣﻜﺤﻮﻟﺘﺎﻥ، ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻲ ﺑﺪﺍﻳﺔ ﺍﻷﺭﺑﻌﻴﻦ ﻣﻦ ﻋﻤﺮﻫﺎ، ﺗﺮﺗﺪﻱ ﻗُﺮْﺑَﺎﺑَﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻔُﻮﻃﺔ ﺍﻟﻬﻨﺪﻳﺔ، ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺎﻟﺐ ﻻ ﺗﺮﺗﺪﻱ ﺷﻴﺌﺎً ﺁﺧﺮ ﻏﻴﺮ ﺛﻮﺏ ﺗﻐﻄﻲ ﺑﻪ ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻷﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﺟﺴﺪﻫﺎ، ﺑﺎﻟﺬﺍﺕ ﺻﺪﺭﻫﺎ ﻭﻧﻬﺪﻳﻬﺎ ﺍﻟﻤﻨﺘﺼﺒﻴﻦ ﺩﺍﺋﻤﺎ، ﻭﻳﻘﺎﻝ ﺇﻧﻬﺎ ﺍﻟﻲ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻋﺬﺭﺍﺀ ﻭﻟﻢ ﻳﻤﺴﺴﻬﺎ ﺭﺟﻞ ﺃﺑﺪﺍً، ﻣﺎ ﻋﺪﺍ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻘﺎﻝ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ: ﺍﻟﺠﺎﻥ. ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻓﻲ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﻘﻄﻴﺔ ﺃﻱ ﺷﻲﺀ ﻏﺮﻳﺐ ﺃﻭ ﻳﺜﻴﺮ ﺍﻟﺪﻫﺸﺔ، ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺜﻞ ﻗﻄﻴﺔ ﺃﻣﻲ ﻭﺣﺒﻮﺑﺘﻲ ﺃﻭ ﺃﻳﺔ ﻗﻄﻴﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﺩﺧﻠﺘﻬﺎ، ﻗﺪﻣﺖ ﻟﻲ ﻣﺪﻳﺪﺓ ﺩﺧﻦ ﺑﺎﻟﺴﻤﻨﺔ، ﻭﺑﻠﺢ ﻋٌﻄﻦ ﻓﻲ ﺯﻳﺖ ﺍﻟﺴﻤﺴﻢ، ﻭﻫﻲ ﺗﻔﻌﻞ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺃﺟﻠﻲ ﺑﻴﻦ ﺣﻴﻦ ﻭﺁﺧﺮ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﺬﻱ ﺟﻌﻠﻨﻲ ﺃﺑﺪﻭ ﺃﻛﺒﺮ ﺣﺠﻤﺎ ﻣﻦ ﺭﺻﻴﻔﺎﺗﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻤﺮ، ﻗﺎﻟﺖ ﻟﻲ - ﺷﺎﻳﻔﺔ ﺍﻟﺒﺮﻣﻴﻞ ﺩﺍﻙ؟ ﻣﺸﻴﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﺑﺮﻣﻴﻞ ﻳُﺴﺘﺨﺪﻡ ﻓﻲ ﺗﺨﺰﻳﻦ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ، ﻟﻢ ﺃﺭﻩ ﺳﻮﻯ ﺍﻵﻥ، ﻛﺎﻥ ﺧﻠﻒ ﻋﻨﻘﺮﻳﺐ ﺿﺨﻢ، ﺭﺑﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺃﻛﺒﺮ ﻋﻨﻘﺮﻳﺐ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺮﺍﻩ ﺇﻧﺴﺎﻥ، ﺛﻢ ﺃﺿﺎﻓﺖ - ﻋﺎﻳﺰﺓ ﺃﻏﻴﺮ ﺍﻟﻌﻤﻠﺔ، ﻣﺶ ﺍﻟﻠﻴﻠﺔ ﺁﺧﺮ ﻳﻮﻡ؟ ﺃﺷﺮﺕ ﻟﻬﺎ ﺑﺮﺃﺳﻲ ﺃﻳﺠﺎﺑﺎً ﻭﺃﻧﺎ ﺍﺑﺘﻠﻊ ﺑﻠﺤﺔ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻟﺬﻳﺬﺓ، ﺃﺿﺎﻓﺖ - ﺍﻧﺎ ﻋﻨﺪﻱ ﻗﺮﻭﺵ ﻋﺎﻳﺰﺓ ﺃﺳﺘﺒﺪﻟﻬﺎ ﺍﻟﻲ ﺩﻳﻨﺎﺭﺍﺕ ﻗﻠﺖ ﻟﻬﺎ ﻭﺃﻧﺎ ﺃﺑﺤﻠﻖ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺮﻣﻴﻞ - ﻭﻳﻴﻦ ﺍﻟﻘﺮﻭﺵ؟ ﻣﺸﺖ ﻓﻲ ﺧﻄﻮﺍﺕ ﺳﺮﻳﻌﺔ ﻧﺤﻮ ﻋﻨﻘﺮﻳﺒﻬﺎ ﺍﻟﻀﺨﻢ ﻭﻣﻦ ﺗﺤﺘﻪ ﺳﺤﺒﺖ ﺣﻘﻴﺒﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺪﻳﺪ ﻳﺴﺘﺨﺪﻣﻬﺎ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﻓﻲ ﻧﻘﻞ ﺍﻟﺬﺧﺎﺋﺮ، ﺛﻢ ﺳﺤﺒﺖ ﺣﻘﻴﺒﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻓﻲ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﺤﺠﻢ، ﺛﻢ ﺣﻘﻴﺒﺘﻴﻦ ﺃﺧﺮﻳﻴﻦ ﻣﻦ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﺤﺠﻢ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ، ﻓﺘﺤﺖ ﻛﻞ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﺐ ﻓﻲ ﺁﻥ ﻭﺍﺣﺪ ﺃﻣﺎﻣﻲ، ﻓﺬﻫﻠﺖ ﻷﻧﻨﻲ ﺃﻭﻝ ﻣﺮﺓ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻲ ﺃﺭﻯ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺠُﻨﻴﻬﺎﺕ، ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺮﺻﻮﺻﺔ ﻓﻲ ﻋﻨﺎﻳﺔ ﻭ ﻧﻈﺎﻡ ﻣﺪﻫﺶ، ﻻ ﺃﺩﺭﻱ ﻛﻢ ﻋﺪﺩﻫﺎ ﺍﻟﻰ ﺍﻵﻥ، ﺑﻞ ﻣﺎ ﻛﻨﺖ ﺃﻇﻦ ﺃﻥ ﺃﺣﺪﺍً ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﻋﺪﻫﺎ، ﺃﻃﻠﻘﺖ ﺻﻮﺗﺎ ﻳﻨﻢ ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻫﺸﺔ، ﻭﺍﻧﺎ ﺃﺿﻊ ﺇﺻﺒﻌﻲ ﻓﻲ ﻓﻤﻲ - ﺇﻳﻴﻴﻴﻚ! ﻗﺎﻟﺖ ﻟﻲ ﻓﻲ ﺣﺰﻡ - ﻗﻮﻟﻲ ﻣﺎ ﺷﺎﺀ ﺍﻟﻠﻪ. - ﻣﺎ ﺷﺎﺀ ﺍﻟﻠﻪ. ﻗﻠﺘﻬﺎ ﻣﺮﺍﺭﺍ ﻭﺗﻜﺮﺍﺭﺍ ﺣﺘﻰ ﻻ ﺃﺳﺤﺮﻫﺎ، ﻭﺃﺟﻌﻠﻬﺎ ﺗﻄﻤﺌﻦ ﻗﺎﻟﺖ ﻟﻲ - ﺟﻴﺒﻲ ﻟﻴﻨﺎ ﻛﺎﺭﻭ ﻋﻢ ﺍﻟﻨﻌﻴﻢ ﻋﺸﺎﻥ ﻧﺸﻴﻞ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻘﺮﻭﺵ ﺩﻱ ﻟﻠﺒﻨﻚ ﻭﻧﻐﻴﺮﻫﺎ. ﻛﺎﻧﺖ ﻋﻤﺘﻲ ﺗﺤﻤﻞ ﻋﺼﺎﻫﺎ ﺍﻟﻐﻠﻴﻈﺔ، ﻭﻫﻲ ﺗﺮﺗﺪﻱ ﻗُﺮْﺑَﺎﺑَﺎً ﺟﻤﻴﻼً، ﻭﻫﻲ ﺗﻤﺸﻲ ﺧﻠﻒ ﻋﺮﺑﺔ ﺍﻟﻜﺎﺭﻭﺍ، ﻭﻛﻨﺖ ﺃﻧﺎ ﺃﺭﻛﺐ ﻗﺮﺏ ﺍﻟﺴﺎﺋﻖ، ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﺐ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮﺓ ﻓﺎﻧﻬﺎ ﻣﻐﻄﺎﺓ ﺑﻤﺸﻤﻊ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻨﻔﺎﺯ ﻛﺎﻧﺖ ﻋﻤﺘﻲ ﺗﺤﺘﻔﻆ ﺑﻪ ﻣﻨﺬ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺭﺑﻤﺎ ﻟﻤﺜﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻴﻮﻡ، ﻭﻻ ﺃﻋﺮﻑ ﻛﻴﻒ ﻋﺮﻑ ﺃﻃﻔﺎﻝ ﺍﻟﺤﻲ ﺍﻟﺠﻨﻮﺑﻲ ﺑﺎﻟﻜﻨﺰ، ﻷﻧﻬﻢ ﺍﻵﻥ ﻳﺠﺮﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺪ ﻣﺴﺎﻓﺔ ﻛﺎﻓﻴﺔ ﻣﻦ ﻋﺼﺎ ﻋﻤﺘﻲ ﻭﻫﻢ ﻳﺴﺄﻟﻮﻧﻬﺎ ﺃﻥ ﺗﺮﻣﻲ ﻟﻬﻢ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻨﻘﻮﺩ، ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻜﺒﺎﺭ ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﻋﻠﻤﻬﻢ ﺑﻤﺎ ﻧﺤﻤﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﺎﺭﻭ ﺇﻻ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﺠﺮﺅ ﺃﺣﺪﻫﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻗﺘﺮﺍﺏ ﻣﻦ ﻋﻤﺘﻲ، ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﻤﻜﻨﻬﻢ ﻓﻌﻠﻪ ﻫﻮ ﺇﻟﻘﺎﺀ ﺍﻟﺘﺤﻴﺔ ﻣﻦ ﺑﻌﻴﺪ، ﺑﺎﻟﺘﺄﻛﻴﺪ ﻛﺎﻥ ﺷﻜﻠﻬﺎ ﻏﺮﻳﺒﺎ ﻭﻫﻲ ﺗﺮﺗﺪﻱ ﺍﻟﻘﺮﺑﺎﺏ ﻭﺣﻮﻝ ﺧﺼﺮﻫﺎ ﺍﻟﺨﻨﺠﺮ ﺗﺨﻔﻴﻪ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﻔﻮﻃﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﺘﺨﺪﻣﻬﺎ ﻛﺒﻠﻮﺯﺓ ﻭﺗﻮﺏ ﻓﻲ ﺁﻥ ﻭﺍﺣﺪ، ﻭﻫﻲ ﻟﻴﺴﺖ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻤﺮ ﺑﺎﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺠﻌﻞ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﺼﻨﻔﻮﻧﻬﺎ ﻛﺒﻘﺎﻳﺎ ﻗﺮﻭﻥ ﺳﺎﺑﻘﺔ، ﻛﺎﻧﺖ ﺟﻤﻴﻠﺔ ﻭﻃﻮﻳﻠﺔْ، ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﺇﺧﺘﺎﺭﺕ ﺃﻥ ﺗﻠﺒﺲ ﻣﺜﻞ ﺟﺪﺗﻲ ﺣﺮﻳﺮﺓ، ﻭﺃﻥ ﺗﻌﻴﺶ ﻓﻲ ﺯﻣﺎﻧﻬﺎ ﻛﺮﺍﻋﻴﺔ ﻟﻠﻤﺎﺷﻴﺔ، ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﻘﺘﺮﺑﻮﻥ ﻣﻨﺎ ﺃﻛﺜﺮ ﻛﻠﻤﺎ ﻗﺮﺑﻨﺎ ﻟﻠﺴﻮﻕ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ، ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﻭﺻﻠﻨﺎ ﺍﻟﺒﻨﻚ، ﻛﻨﺎ ﻭﺳﻂ ﻏﺎﺑﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻀﻮﻟﻴﻴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺗﺠﻤﻌﻮﺍ ﻟﻴﺮﻭﺍ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﺍﻟﺮﺍﻋﻴﺔ ﺻﺎﺣﺒﺔ ﺍﻟﻤﻼﻳﻴﻦ، ﺑﺪﺃ ﺭﺟﺎﻝ ﺍﻟﺒﻨﻚ ﺑﺎﻟﺤﺴﺎﺏ، ﻭﻫﻢ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﺘﺬﻣﺮ ﻟﻜﺜﺮﺓ ﻣﺎ ﺳﻮﻑ ﻳﺤﺴﺒﻮﻥ ﻭﺩﻗﺔ ﻋﻤﺘﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻌﻄﻴﻬﻢ ﺭﺑﻄﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻭﺗﻨﺘﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻳﺤﺼﻮﻧﻬﺎ ﻋﺪﺩﺍً ﺛﻢ ﻳﻘﻮﻣﻮﻥ ﺑﺎﺳﺘﺒﺪﺍﻟﻬﺎ، ﺗﻀﻌﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﺒﺔ ﺍﻟﻔﺎﺭﻏﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺗﺖ ﺑﻬﺎ، ﺛﻢ ﺭﺑﻄﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻭﺃﺧﺮﻯ ﻭﺃﺧﺮﻯ ﺇﻟﻲ ﺃﻥ ﺃﺗﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﺐ ﺍﻷﺭﺑﻊ ﻛﻠﻬﺎ، ﺗﺄﻛﺪﻭﺍ ﻣﻦ ﺻﺤﺔ ﺣﺴﺎﺑﻬﻢ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺤﺎﺳﺐ ﺍﻵﻟﻲ، ﺣﻴﻨﻬﺎ ﻗﺎﻟﺖ ﻟﻬﻢ ﻋﻤﺘﻲ ﻭﻫﻲ ﺗﻐﻠﻖ ﺣﻘﺎﺋﺐ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺟﻴﺪﺍ ﻭﺗﺘﺄﻛﺪ ﻣﻦ ﺃﻧﻬﺎ ﻗﺪ ﺃﻏﻠﻘﺖ ﺟﻴﺪﺍً ﺑﺴﺤﺒﻬﺎ ﺑﺸﺪﺓ:- ﺣﺄﻣﺸﻲ ﻟﻠﺒﻴﺖ ﻋﺸﺎﻥ ﺃﺟﻴﺐ ﺍﻟﻔﻜﺔ. ﺻﺎﺡ ﻣﻮﻇﻔﺎﻥ ﻓﻲ ﺁﻥ ﻭﺍﺣﺪ - ﺍﻟﻔﻜﺔ؟ - ﺃﻳﻮﺍ ﻋﻨﺪﻱ ﺑﺮﻣﻴﻞ ﻭﺍﺣﺪ ﺑﺲ! - ﺑﺮﻣﻴﻞ؟؟ ﺧﺎﻟﻲ ﺟﺒﺮﻳﻦ، ﺃﺑﻲ، ﺃﻣﻬﺎﺗﻲ ﺍﻷﺭﺑﻌﺔ، ﺃﺧﻮﺍﻱ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮﺍﻥ ﻣﺤﻤﺪ ﻭﺍﻟﺸﻔﻴﻊ، ﺧﻀﺮ ﻭﻟﺪ ﺍﻟﻨﻌﻴﻢ ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﻜﺎﺭﻭ، ﻋﻤﺘﻲ ﺫﺍﺗﻬﺎ، ﻛﻨﺎ ﺟﻤﻴﻌﺎً ﻧﺼﺎﺭﻉ ﺍﻟﺒﺮﻣﻴﻞ ﺍﻟﺜﻘﻴﻞ ﺍﻟﻤﻘﻔﻮﻝ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﺗﺎﻣﺔ ﻣﺤﺎﻭﻟﻴﻦ ﺃﻥ ﻧﺨﺮﺟﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻘُﻄﻴﺔ ﻟﻜﻲ ﻧﺮﻓﻌﻪ ﻋﻠﻰ ﺳﻄﺢ ﺍﻟﻜﺎﺭﻭ، ﺍﻟﺒﺮﻣﻴﻞ ﺍﻟﺜﻘﻴﻞ ﺛﻘﻴﻞ، ﺃﺧﻴﺮﺍً ﺍﺗﺒﻌﻨﺎ ﻓﻜﺮﺓ ﺃﺑﻲ ﺑﺄﻥ ﻧﻔﺮﻏﻪ ﻓﻲ ﺟﻮﺍﻻﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻴﺶ ﻟﻴﺴﻬﻞ ﻧﻘﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﻨﻚ، ﻭﻟﻜﻦ ﻓﺎﺟﺄﺗﻨﺎ ﻋﻤﺘﻲ ﺑﻤﺎ ﻟﻢ ﻳﺘﻮﻗﻊ ﺃﺣﺪٌ ﻣﻨﻬﺎ، ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻗﺎﻟﺖ - ﺷِﻴﻠﻮﺍ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺍﻟﻔﻲ ﺍﻟﺒﺮﻣﻴﻞ ﺩَﺍ ﻛﻠﻪ ﻛﺮﺍﻣﺔ، ﺍﺗﻘﺎﺳﻤﻮﻩ ﻧﺎﺱ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻛﻠﻜﻢ. ﻓُﺴِﺮﺕْ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺨُﻄﻮﺓ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﻳﻦ ﺑﺄﻥ ﻋﻤﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﻌﺒﺖ ﻣﻦ ﻣﻌﺎﻟﺠﺔ ﺍﻟﺒﺮﻣﻴﻞ ﻭﻋﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﺤﺴﺎﺏ ﻭﺍﻟﻌﺪ ﻭﻫﻲ ﺍﻵﻥ ﺗﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺫﻟﻚ: ﻫﺬﺍ ﻣﺸﻜﻮﻙ ﻓﻴﻪ، ﻷﻥ ﻋﻤﺘﻲ ﻻ ﺗﻐﻀﺐ ﻻ ﺗﺘﻀﺠﺮ ﻻ ﺗﻤﻞ ﻻﺗﺘﺸﻜﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ. ﻭﻓُﺴِﺮﺕْ ﺃﻳﻀﺎ ﺃﻥ ﺫﻟﻚ ﺣﺪﺙ ﺑﺈﻳﻌﺎﺯ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﺰﻭﺟﻬﺎ: ﻫﺬﺍ ﺟﺎﺋﺰ، ﻓﻠﻠﺠﺎﻥ ﺃﺣﻮﺍﻝ ﻛﺄﺣﻮﺍﻝ ﺍﻟﺒﺸﺮ. ﻭﻓُﺴِﺮﺕْ ﺃﻳﻀﺎً ﺃﻥ ﻋﻤﺘﻲ ﺳﺘﻤﻮﺕ ﻗﺮﻳﺒﺎً ﺟﺪﺍً: ﻫﺬﺍ ﺧﻴﺎﻝ ﺟﺎﻣﺢ، ﻷﻥ ﻋﻤﺘﻲ ﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﺍﻟﺬﻱ ﻳُﻌﻄِﻲ ﺍﻧﻄﺒﺎﻋﺎً ﻟﻶﺧﺮﻳﻦ ﺑﺄﻧﻪ ﺳﻴﻤﻮﺕ ﻗﺮﻳﺒﺎً، ﺍﻟﺬﻱ ﺗﺤﺲ ﺑﻬﻢ ﺟﻨﺎﺯﺓ ﺗﻤﺸﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺭﺽ، ﺑﻞ ﺍﻟﻌﻜﺲ: ﻣﻦ ﻗﺎﻝ ﺃﻥ ﻋﻤﺘﻲ ﺳﺘﻤﻮﺕ!! ﻋﻤﺘﻲ ﺧُﻠِﻘَﺖْ ﻟﺘﺤﻴﻰ ﻟﻸﺑﺪ، ﺃﻭ ﻫﻜﺬﺍ ﺗﺒﺪﻭ ﻟﻜﻞ ﻣﻦ ﻳﺮﺍﻫﺎ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺴﻨﺎﺭﻳﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳﻀﻌﻪ ﺃﺣﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺴﺒﺎﻥ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﺪﺙ، ﻛﻨﺖ ﻭﻋﻤﺘﻲ ﻧﺠﻠﺲ ﻗﻲ ﺍﻟﻘﻄﻴﺔ، ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺒﺮﻣﻴﻞ ﺍﻟﻔﺎﺭﻍ ﻳﻘﺒﻊ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻧﻪ ﺧﻠﻒ ﺍﻟﻌﻨﻘﺮﻳﺐ ﺍﻟﻀﺨﻢ، ﺑﺪﺕ ﻋﻤﺘﻲ ﺳﻌﻴﺪﺓ ﻭﺣﺰﻳﻨﺔ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻮﻗﺖ، ﻛﻨﺎ ﻧﺄﻛﻞ ﺍﻟﺒﻠﺢ ﺑﺎﻟﺰﻳﺖ ﻭﺑﻴﻦ ﺣﻴﻦ ﻭﺁﺧﺮ ﻛﻨﺖ ﺇﻧﺘﺒﻪ ﺍﻟﻲ ﺃﻥ ﻋﻤﺘﻲ ﺗﻬﻴﻢ ﺑﺄﻓﻜﺎﺭﻫﺎ ﺑﻌﻴﺪﺍً، ﻇﻨﻨﺖ ﻓﻲ ﺑﺎﺩﻱﺀ ﺍﻷﻣﺮ ﺃﻧﻬﺎ ﻣﺮﻳﻀﺔ، ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﺃﻛﺪﺕ ﻟﻲ ﺑﺎﻥ ﺻﺤﺘﻬﺎ ﻋﻠﻲ ﺍﺗﻢ ﻣﺎ ﺗﻜﻮﻥ ﻭﺃﻧﻬﺎ ﻓﻘﻂ ﺗﺴﻤﻊ ﺃﺻﻮﺍﺗﺎً، ﺳﺄﻟﺘﻨﻲ - ﺑﺘﺴﻤﻌﻲ ﺍﻷﺻﻮﺍﺕ ﺩﻱ؟ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻷﺻﻮﺍﺕ ﺗﺎﺗﻲ ﻣﻦ ﺑﻌﻴﺪ ﺟﺪﺍً، ﻛﺼﻠﻴﻞ ﺍﻷﺟﺮﺍﺱ، ﺗﻢ ﺃﺧﺬﺕ ﺗﻌﻠﻮ ﻭﺗﻌﻠﻮ - ﺩﺍ ِﺷﻨﻮ؟ ﺃﻛﺪﺕ ﻟﻲ ﺃﻧﻬﺎ ﻣﺜﻠﻲ، ﻻ ﺗﺪﺭﻱ ﻋﻦ ﺃﻣﺮ ﺍﻷﺻﻮﺍﺕ ﺷﻴﺌﺎً، ﻭﺃﺛﻨﺎﺀ ﻣﺎ ﻧﺤﻦ ﻧﺘﺪﺍﻭﻝ ﺍﻷﻣﺮ ﺇﺫﺍ ﺑﺎﻟﻨﻘﻮﺩ ﺗﺘﺴﺎﻗﻂ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺮﻣﻴﻞ ﻛﺎﻟﻤﻄﺮ، ﻛﺎﻧﺖ ﻋﻤﻠﺔ ﻣﻌﺪﻧﻴﺔ ﻟﻬﺎ ﺑﺮﻳﻖ، ﻇﻠﺖ ﻋﻤﺘﻲ ﺗﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﺻﻤﺖ، ﻭﻫﻲ ﺗﻤﺴﻚ ﺑﻴﺪﻱ ﻟﻜﻲ ﻻ ﺃﺧﺎﻑ ﺃﻭ ﺃﻫﺮﺏ، ﻭﻟﻢ ﺗﺠﺐ ﻋﻠﻰ ﺳﺆﺍﻟﻲ ﺍﻟﻤﺘﻜﺮﺭ ﻟﻬﺎ - ﺩﺍ ﺷُﻨُﻮ ﻳﺎ ﻋﻤﺘﻲ، ﺩﺍ ﺷُﻨُﻮ؟ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻣﺘﻸ ﺍﻟﺒﺮﻣﻴﻞ ﺗﻤﺎﻣﺎً، ﻭﺍﺧﺘﻔﻰ ﺍﻟﺼﻮﺕ، ﺣﻴﻨﻬﺎ ﻗﺎﻟﺖ ﻟﻲ ﻋﻤﺘﻲ - ﺍﻟﻘﺮﻭﺵ ﺭﺟﻌﺖ! ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻴﺖِ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮِ، ﻭﺟﺪﺕُ ﺍﻷﺳﺮﺓَ ﻛﻠﻬﺎ ﺗﺠﻠﺲ ﻟﻠﻐﺪﺍﺀ، ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻳَﺸَﻜُﻮﻥ ﻣﻦ ﺍﻹﺧﺘﻔﺎﺀ ﺍﻟﻤﻔﺎﺟﻲﺀ ﻟﻠﻨﻘﻮﺩ ﺍﻟﺘﻲ ﻭﻫﺒﺘﻬﺎ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﻋﻤﺘﻲ، ﻳﻌﺮﻓﻮﻥ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻘﻮﺩ ﺭﺟﻌﺖ ﺇﻟﻲ ﻋﻤﺘﻲ، ﻭﻳﻠﻮﻣﻮﻥ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺠﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﻜﻦ ﻣﻌﻬﺎ ﻓﻲ ﻗُﻄِﻴﺘﻬﺎ، ﻭﺣﺬﺭﺗﻨﻲ ﺃﻣﻲ ﻣﻦ ﺩﺧﻮﻝ ﺍﻟﻘُﻄِﻴﺔ ﻣﺮﺓ ﺃﺧﺮ، ﻣﺆﻛﺪﺓ ﻟﻲ ﺃﻥ ﺍﻟﺠﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﺰﻭﺝ ﻋﻤﺘﻲ ﻗﺪ ﻳِﺘﺨﺬﻧﻲ ﺃﻧﺎ ﺃﻳﻀﺎ ﺯﻭﺟﺔ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻟﻪ.

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الخميس 07 أبريل 2016, 3:12 pm

عبد العزيز بركة ساكن يكتب عن أصدقائه: (1)علي أوهاج 
عبد العزيز بركة ساكن  5 أبريل، 2016 
"اذا احسن إليه أحد الأصدقاء وذلك نادرا ما يحدث، فانه يضع حجره في مقام طاهر نظيف يليق بإحسان المحسن، أما ما يفعله بحجر حبيبته: هذا سرٌ لم يُفَش بعد".
علي أوهاج، صديق من نوع خاص، أعني مثله مثل كل انسان، له ما يميزه، وله اسلوبه الخاص في الحياة، الاسلوب الذي طوره وفقا لحالته الصحية ووضعه الاجتماعي، فعلي أوهاج قليل الحركة، نسبة لعِلة في احدى قدميه، وهو دائما ما يفضل البقاء في البيت، ولكنه ابتكر حيلة جعلته يضع العالم كله في غرفته، والعالم عند علي اوهاج هم اصدقاؤه الكُثر وحبيبته، وانا كاحد اصدقائه المقربين كثير السفر والترحال، وعندما اكون متوفرا في مدينة خشم القربة، غالبا ما اكون مشغولا بصيانة بيتي الطيني الذي يحتاج (لزبالة) قبل كل خريف وإعادة ضبط السقف البلدي، وكذلك قد ينشغل عنه بقية الأصدقاء لذا قام علي اوهاج في احدى خروجاته النادرة بزيارة الشلال، وهي حِنية عند نهر سيتيت خلف معسكر اللاجئين الارتريين، وسُميت فيما بعد بالصفصاف، وعلى حقيبة يحملها في ظهره، وضع عددا من الحجارة الجميلة الملساء ذات الوان وأحجام مختلفة، وعاد البيت: ذلك الحجر الاملس المستدير البرتقالي، وعليه بعض الخطوط الحمراء هو حبيبتي، اما الحجر الاسود اللامع فهو بركة ساكن، والحجر البني الخشن ذو الزوايا الحادة، فهو الطيب كبسون، وهنالك ايضا الفنان الدريري، الصادق حسين سلطان، ابراهيم الديدي، وحجر صغير اغبش، كان للتيس المفقود، وهو تيس دائما في البال، وكلنا يعرف اين هو وكيف يتم اصطياده، ولكن  صاحبته الشرسة سيدة كبسون لا تجعل المهمة سهلة، انها تعقد الامر لأقصى ما يكون: بل للدرجة التي تثير غضبنا.
على اوهاج ليس دائما بمزاج طيب، بل انه في الغالب في مزاج عكر، وقد نخطئ في حقه وهذا واجب الصداقة، وقد تغتابه وهذا ايضا من باب المحبة، وقد ننسب اليه من الاقاويل والأفاعيل غير الكريمة الكثير، وما ذلك إلا لعظمته وإمكانياته غير المحدودة في قدح مَخِيلةِ الظنون البشري الوقح، فصديقنا على اوهاج –والحقُ يُقال- ليس بذي الأخلاق الحسنة التي تحصنه من كل خبث يحيق به، فهو يتلقى ضربات في صمت من الجميع، اقصد الذين يحبونه، ويكيل لهم الصاع صاعين، بطريقته البسيطة المبتكرة في التعبير: انه سيستخدم اقذر السبل وأقربها وأكثرها عفونة في الانتقام، وكلنا نعرف ذلك، فإذا غضب من شخص ما، حمل الحجر الذي يرمز اليه، كتب عليه اسمه بقلم الشيني، وذهب به الى المرحاض خلف قطيته، وهنالك سوف يُعامل وفقا لدرجة الغضب التي تتملك اوهاج وقيم الرحمة والفضيلة التي قد تطرأ عليه فجأة ومقدار سوء ما قام به الصديق. واعترف لي مرة، انه لم يعد يستطيع الاقتراب من الحجر الذي يخصنى، لقد اختفى تماما تحت كومة من القاذورات الادمية الطازجة. اما اذا احسن عليه أحد الأصدقاء وذلك نادرا ما يحدث، فانه يقوم بغسل حجره وتطييبه ووضعه في مقام طاهر نظيف يليق بإحسان المحسن، اما ما يفعله بحجر حبيبته: هذا سرٌ لم يُفَش بعد.

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأحد 22 مايو 2016, 10:30 pm

علي انهار سيتيت
حيث جلسنا وبكينا
عبد العزيز بركة ساكن
أجل، أبيعك بقبلة، يا سيدتي وورقة نحاس صفراء، تلوحين لي من بعيد شاكرة أم غاضبة لا أفهم، يداك تعرفان السر، أصابعي تتفقدان حموضة الشجرة وتتوهمان ـ بين لحظة وأخرى ـ أن ينفجر الكنز المسحور ينثر أقماراً كثيرة وبرتقالات وزيتوناً وزيتاً!!
لا يدهشني القطن الأسود، سوف تثارين وتَقبلين ثمن القبلة ملحاً.. والمجد الذي يبنيه الأطفال على الرمل الذهبي.. بالتأكيد في شكل قصور وقطاطٍ وذرة شامية ـ مجد لا يقاس بمسبار اللحظة أو اللذة أو حتى طنين الجسد..
بقدر ما يوحي لي الحبر أحبك، حباً كثيراً يكفي قشلاقاً حدودياً من الطمأنينة وسر الليل، قد نتبادل نشوة الجسد ونحتفي بالروح ونهتف على بقايا الورق والأصباغ والأصدقاء بما يكفي من سخرية ولكنا أبداً لا نكتفي من الحنين الأسود الزاهي، لا يكفي الليل كله ولا المرقد وسقسقة ماء الحياء الحار، تنامين على كفي طوال العمر وتحلمين مثلك مثل العصافير الصغيرة..
العمر كله ثم الأقمار بين نهديك دون هدي أو سكرى، مثلي يبللها العرق النقي الحلو فتموء الأصابع الرشيقة، تأتي أقمار لا تعرفها الأقمار إلا بالندى، ترضع الأطفال ـ وهم يكبرون ويزدادون سواداً ـ ويبقيني الحرس خارج أسوار المدينة موسماً بعد موسم اتحمل ثقل الريح ونهيق الرعد وحوحة البرق المشاكس على أسوار المدينة، وحدي أحبك..
أسمع الآن طنين الصمت وأرى كما يرى الحالم ذراعيك تبرزان من بين السواد تُلَوحان في الهواء وتقبضان لا شئ أو الملائكة الذين يوجدون حيثما، يحصون لحظات الجسد الخفيفة طازجة بآلاتهم الحاسبة، وأحدة تلو الأخرى..
هي ذاتها دهشة كل شئ يحدث للمرة الأولى، هي ذاتها مأساة أن ينتهي..
هي..
ذاتها..
أن نعيش لنهدم ما بناه الميتون، كم قبلة تبقت من هذا الليل، كم لمسة ساق وعنق، وشوشة إبطٍ حنون، كم نخلة تنتظر عند الباب مولد يسوع، يحترق جذعها شوقاً لرعشة متوحشة تنطلق عبر خلايا الجسد كعنكبوت مسحور، أطرق أبوابِ المُدن التي تحاصرنا، أنادي جميع الحراس بأسمائهم وألقابهم وكنية حبيباتهم ونسائهم وأقول لهم: إني أعرف كيف يسمون أطفالهم وإني أفهم سر بنادقهم التي لا تطلق النار أبداً ولكنها تخيف وتقتل وتسرق الدم من الشرايين؟!..
حينها يفتحون البوابات، تستيقظ العصافير والوطاويط والعناكب المتوحشة فاستقبلها بأحضان عطشة، تطل امرأة تبدو دائماً في الظل وشهية تحت ضوء الشمس وعفر الرمال..
آهـ.. سبعون عاماً وغداً يومٌ جديد، له شمس مكرورة وذات الآذان وثغاء البقر، وله ظلُ ذات الشجرة البعيد.. سوف يتمطى هذا الصباح بيني وبينك، رامياً بأجنحته الكثيرة في الفراغ الأخضر والطين والحر والراديو وما تبقى لي من بخور مسحور.. لا شئ يبقيني مستيقظاً غير ذاكرة الطين الحار تزحف مثل جيوش النمل المشؤوم..
كم قبلة تبقت من الليل.. كي يصير ليلاً، كم نشيد وبوليس يذرع الطريق المظلمة غادياً ورائحاً في خوف فطري، كم أنثى.. كم لحظة عميقة تحسبها الملائكة دهراً ونيف..
كم أغنية؟!
كم حبيبة حافية تخوض النهر ثم تجلس على ضفاف لا اسم لها تمشطها حوريات القاع السحيق بزيت الماء ويدلكنها برمل الشطآن الشهي تحت عرديبة اسميها عندما ـ نلتقي ـ نفح وردة الكَرَبْ المنسية.. وتحكي..
(على أنهار سيتيت..
حيث جلسنا..
وبكينا)
مثلك يا حبيبتي ينبع النهر من العاصفة وتخونه حدأتان فتلقيان به إلى الأرض حيث الجنة التي يصنعها ويصبح موضوعاً لها.. ما تبقى من الليل قبلتان.. غمزةُ نجم، شرطيٌ نعسان، بقيةُ ماء في الكأس، وردة تذبل تدريجياً، شظايا عطر تبرقُ هنا وهناك، ضفائرٌ مبعثرة على الفراش، وقلم، فارغ..
و ..شاعرٌ.. ينام وحده على قهقهة المروحة العجوز..

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصص .. عبد العزيز بركة ساكن

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 23 يوليو 2016, 5:36 pm

إدجار ألآن بُو في خشم القربة: قصة للكاتب السوداني عبد العزيز بركة ساكن
عبد العزيز بركة ساكن، 2016
من عجائب الأقدار أن يصبح الكتاب الذي سرقته من غرفة أخى الأكبر فريد، هو الذي يقرر كيف تكون حياتي في المستقبل، كان كتاباً متوسط الحجم، له أوراق قديمة تتدرج ألوانها ما بين البني الغامق الى لون أشبه بالحنطة، كُتب على غلافه الذي يخلو من الرسومات، (قصص الرعب والخوف- تأليف إدجار ألآن بُو- ترجمة خالدة سعيد). بالطبع ما كنت أعرف من هو إدجار ألآن بُو ولا مَنْ هي خالدة السعيد-لاحقا عَرفتُ أنها زوجة الشاعر السوري أدونيس. ما جذبني للكتاب هو العنوان المُرعب: كان ذلك هو أول كتاب أقرأه في حياتي ودفعني لكتابة كتابي الأول أيضا،. كنتُ في الثالثة عشر من عمرى أو أقل، قرأته في يومين بصورة متواصلة، مختبئاً في الصخور التي على شاطيء نهر ستيت، لم أعبأ بما يُقال عن النهر فيما يخص ساكنيه الذين هم من الجن والعفاريت، أو في العراء عند شجرة اللالوب الاسطورية، أو في غرفة جدتي حريرة، ولا يفصلني عنه سوى الظلام، حيث لا تُوجد كهرباء في مدينتنا الصغيرة، والسراج الوحيدُ بالبيت يُستخدم بالتبادل لمن يحتاج إليه في أغراض طارئة.
لا أدرى كم مرة أعدتُ قراءة الكتاب، ولكن أخذت أبحث في مكتبات القرية والمُدن المجاورة التي تأخذني لها أمي في سفرها الشاسع عن كتب أخرى وذلك بعد أن أتيت على مكتبة المدرسة كلها التي كانت تحتلها كتب كامل كيلاني واجاثا كرستي وجرجي زيدان وبعض القصص المترجمة لشكسبير و شارلز ديكنز وغيرهما وتقريبا في الخامسة عشر من عمرى بدأت أكتب، قصصا مُرعبة جداً، كانت ترعبني أنا أولا قبل أن ترعب أختى الصغيرة محاسن وهي قارئتيء الوحيدة وناقدتي، ولن أنسى أول رواية كتبتها، وكنتُ في الثانوية العامة، وسمتها ب(تحت النهر)، والنهر المقصود هنا نهر ستيت الذي قرأت على شاطئه الحجري قصص الرُعب والخوف لإدجار ألآن بُو. الروايةُ تحكي عن طفل صغير متمرد مغامر لم يصدق كل الحكايات عن جنيات ستيت الشرسات، ولا أهلهم من الجن والشياطين المتعطشين للدماء الذين هم بقايا جند الملك سليمان فروا من الحبس وانطلقوا في تلك النواحي يثيرون الرُعب، بل لم تخيفة اسطورة البومة الساحرة التي تقيم بشجرة العرديب على صخرة “أم أسود”، فذهب ذات مغرب إلى النهر وحده، وهو الوقت الذي تخرج فيه الجنيات من النهر ليلعبن على الشاطيء الرملي الضيق، الذي يفصل الصخور الترسبية العملاقة عن الماء، وكما يقولون إن الصدفة تأتي لمن يبحث عنها، فانه وجد جنية وحيدة جميلة، ترقد على الشاطيء، وعندما تنظر إليك الجنة فانها تفعل بك ما ترغب هي، لذا لم يستطع الهرب، إنما مضى نحوها يحمل قدره الذي لا مفر منه، وفي لحظة خاطفة كالبرق، حملته إلى عمق نهر ستيت، وهنالك وجد أسرتها من الشياطين والجن، رحبوا به في باديء الأمر، إلا أنهم حالما اكتشفوا أنه اكثر جنونا وفوضوية وخبثا ولؤما منهم، فقاموا بطرده من مملكتهم لكي لا يفسد اطفالهم. والرواية تصور عالم الجن والاساطير التي حوله كما هي في مخيلة طفل شرير معجب بإدجار ألآن بُو.
كتبتُ القصة في كراسة المدرسة حيث كان به الورق الوحيد المتوفر لدي، وقمت بعرضها لأستاذ اللغة العربية، فأعجب بها جدا، وسألني من أين أتيت بها، قلتُ له كتبتها “من رأسي”، فقام بأخذي لمدير المدرسة، الذي قرأها في لحظات، وقال لي: ستقوم بقرأتها للطلاب بكل المدرسة، فصلا فصلا. ففي ذلك اليوم كنت أمر مبتهجا على كل فصول المدرسة، وأقرأها للاكبر مني عمرا وللذين في سني، ووجدت احتراما فائقاً حتى من طفل كان يقود المعارك الشرسة ضدي التي طالما أصبحت ضحيتها، وفي نهاية اليوم بدلا من أن يقوم هو وفرقته الشريرة بضربي كعادتهم، طلبوا مني أن اقرأها لهم ونحن في طريقنا إلى منازلنا بعد اليوم الدراسي، والحمدُ يعود لإدجار ألآن بُو.
القصة لم تعجب أختى محاسن، وقالت إن بها “قِلة أدب”، لأنني صورت الجنة وهي عارية وترقد على الرمل، وكانت تصر على أن ألبسها فستانا أحمر ولباس. ولكن المعلمون لم يلاحظوا ذلك، كل ما قام به الأستاذ أبو بكر من تعديل، هو حذف بعض الكلمات التي استعرتها من القرآن، وكنت مندهشا لماذا فعل ذلك وهو الذي قال لنا إن لغة القرآن هي الأكثر فصاحة وجمالاً وبلاغة من كل ما كتبه العرب وما سوف يكتبونه، والآن يشطب بقلمه الأحمر كلمات مثل: الكافرون والفاسقون، وأفلا يعقلون؟؟ هذا ما لم أكن افهمه.
احتفظت بكراستي المقدسة الصغيرة لسنوات طوال، إلى أن اهترأت أوراقها وشاخت من القراءة الكثيرة، واستلفها البعض أيضا لأيام وتعود من كل رحلة متبلة بالبهار ومسقية ببقع الزيت والعطر وخاصة بعدما اخترقت قلعة مدرسة البنات الثانوية، ذلك المكان الذي ما كنت أحلم بدخوله مطلقاً وهو يثير رُعبي أكثر من قصيدة الغراب لإدجار ألآن بُو، ومرة اتتني مأكول بعضها، الى أن تلاشت في الازمنة والامكنة، وكل ماتبقى منها في ذاكرتي الخربة خصلة من شعر تلميذة مهرتني بها بعد القراءة، تركتها وسط الاوراق دون قصد كعادة الفتيات الجميلات عندما يشأن الغواية.
لم يخامرني شعور بكتابتها مرة أخرى، ويبدو أنها لم تكن سوى محاولة للتخلص من الرُعب الذي شحنني به إدجار ألآن بُو، أو معاقبته على ما أصابني من رعب، أو محاولة منى يائسة بأن أنقل الرعب إلى الآخرين، بتعبير آخر أنني أردتُ أن يبقى معي إدجار ألآن بُو في خشم القربة، مدينتي الصغيرة التي تنام في حضن نهر ستيت، وربما نجحت في ذلك لحد ما، حيث اخذ الطلاب الاشرار يحذرونني، ربما لأنني اصبحت احد المقربين من ناظر المدرسة، الاستاذ فكري عبدون الذي كان يدهشنا بثقافته وشراسته ايضاً. أو لأن روح الأكثر شرا كانت تحلق حولي. وأخيراً قد يظن القاريء أنني أحب إدجار ألآن بُو ذلك الامريكي اللعين السكير الذي مات على مقعد عام بمدينة بالتيمور في ولاية ماريلاند، بل في الحق، أنني أخاف منه إلى يومنا هذا.

النمسا- سالفلدن
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى