منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة
منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة ترحب بالزوار من ابناء المنطقة وجميع الاحباب والمريدين داعين لمد جسور التعارف بين الجميع ودوام التواصل

منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة


 
الرئيسيةبحـثالأعضاءالتسجيلدخولمركز تحميل المصنع     مجموعة الفيس بوك

اهلا وسهلا بناس المصنع عزيزى العضو فى منتدى مصنع سكر حلفا الجديدة تفضل بالدخول الي المنتدي واذا ما مسجل معانا تكرم بالتسجيل والتمتع معنا ولقاء الاحبة والاخوان ومن فرّقتك عنهم طرق الحياةولو ما عارف كيف تسجل في المنتدي فقط إضغط زر ( تسجيل ) واتبع الخطوات ,واحدة واحدة,(الادارة بتفعل حسابك )

شاطر | 
 

 عمتي.. شجرة الخدمات

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ناصر البهدير
مدير عام سابق
avatar

عدد المساهمات : 3668
نقطة : 12256
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 49
الموقع : البحرين

مُساهمةموضوع: عمتي.. شجرة الخدمات   الإثنين 25 أغسطس 2014, 3:05 pm

عمتي.. شجرة الخدمات
لم يكن في ذلك الوقت فوارق في مدى الرؤية والنظر نحو عظيم الكائنات الحية التي تختلف عنا في أشكالها وتشبهنا في صلابة الحنين والأشواق وصرير قلوبها المعلقة بالحياة.
كنا صغارا بما يكفي لنجهل الكثير من الحقائق ولكن ندري عن وعى حقيقة عمر الأشجار ولماذا للمياه خرير وللسحاب حمى تصقعنا بالرعد الهاطل كما أصوات ثيران زريبة الخدمات. وأيضا لماذا كنا نعبر بجوار ميدان التنس الأرضي الذي يخص الخواجات بُعيد أوبتنا من رحلتنا اليومية في المساء المتأخر! هل هو حاجتنا للشلن الفضي أم للكرة الخضراء المخططة بفواصل بيضاء حتى نظفر بواحدة ومن ثم نمنح نقوداً تعادل خمسة قروش سودانية أصيلة ومتخمة بالحب مقابل جلبها أثناء لعب الألمان.
أتذكر جيداً كيف كنت أبرع كحال معظم أقراني في إجادة إخفاء الكرة عندما تذهب بعيداً عن دائرة الملعب المسور بسياج شبكي من السلك المتين ولكن لا أعرف بالضبط عدد تلك الكرات الباهية والصغيرة التي سرقتها بحيلة واحدة أكررها على رتابة رشيقة لدرجة أنني أتوهم أن ذلك الألماني لن يعرف شيئاً عن خطتي المجيدة كما أظن. منتهى الغباء حينما تعلم فيما بعد وفي أوان أزمنة البيادق الجدد الذين احتلوا الساحة تقريبا بدايات ظهور جوغة أهل طاغور وكريشنا حينما أن ذلك الاجنبي نفسه جُبل على التشدق وأضحى يفعله كل عام عندما يأتي لصيانة المولدات التي تنتج الكهرباء بضغط البخار! يمنحنا الفتات ويسرق العظيم منا في غفلتنا الكبرى والتي لا تزال تستمر بذات السماجة.
ولقد قال ذات يوم بملء حلقه الكبير الحجم.. ضاحكا بجبروت وصلف بلغة عربية ركيكة جدا: (سوداني مخ بسيط في.. هندي مافي مخ.. هاو تو برنغ فروم انديا).
في بداية كل مساء قبيل صلاة العصر بوقت كافي نغادر بيوتنا في شلة كبيرة من حى خمسين بيت، ونمضي بهمة عاتية في أمل الوصول إلى دكان الخدمات لنشتري بقرش واحد فقط حلوي النعناع البيضاء الحلوة الطعم. حتى نصل على جناح السرعة نمر بالعديد من البيوت وميدان التنس وحزام البان الصغير الواقع شرق مباني الرئاسة وصولاً إلى ساحة الخدمات الكبرى.
وفي طريق رحلة اللبن العظيمة كنا نمر على ميدان التنس ونرى صور بديعة لشخوص من صنع خيال الألمان ومن فرط غبائنا نقول إنها للرب ولم نكن نكتفي بذلك بل نضيف بأن (الخواجات) هم كفار في جدل بيننا يمتد حتى نكاد أن نصل المربع الآخر والذي منه نصل قرية الخدمات، وهذ المربع دوماً كنا نراه مغموراً بالمياه وطيور الأوز، وهو على سهل أخضر من النجيل ومنبسط شمال حظائر الدواجن وشرق ساحة الترلات القديمة، والتي إتصلت بالحالية؛ إقتران السوار بالمعصم.
أجمل اللحظات كنا نقضيها جوار الدكان الصغير المصنوع من الزنك ويقع تقريبا شمال ميدان النجيلة الطبيعي بمحاذاة أشجار موز طويلة العنق تكاد أن تلامس غمام الخريف وتغتسل منه على طهر بائن وتكمل دورتها من جديد في حقول السكر. لا أدري سر أشجار الموز التي كانت تحتل مساحة صغيرة من الميدان مع أنها كانت معبرنا إلى حلة الخدمات مساء كل يوم؟ 
أكاد أجزم بأن الشلن الذي كنت أحمله في جيب القميص أو البنطال لا يمكن له أن يفر من حيازتي حتى أخصم منه قرش لحصة النعناع المحببة وما تبقى على قطعتين من فئة ابو قرشين (فريني).. حتى تلك تجد نفسها ذاهبة إلى موظف الخدمات المسؤول عن بيع اللبن مقابل رطلين من الحليب الصافي.
سرعان ما ندخل ساحة الخدمات ونضع (الجركانات) بقرب شجرة نيم شابة ومترعة بالخضرة والحياة في صف بيع اللبن.. ثمة لحظات نغيب وندفن أرواحنا في أحضان المكان ونمضي إلى الحلة الصغيرة والتي تتكون من بيوت تعد على أصابع اليد.. بيت عمي بشير البقاري، صاحب الجلباب ذو الأكمام الكبيرة... بيت عمي هارون محمد والد الأخوان سيف وآدم.. بيت عمي داؤد سنين والد أخي الأصغر محمد... بيت عمي (.....)، كلي أسف لقد نسيت اسمه والذي تحول فيما بعد إلى قسم الحصاد... وليس أخيراً قطية تقع هناك ما بين الزريبة والترعة يقطنها الراحل المقيم أحمد عبد الله المشهور بـ(أحمد حلبية، وحينا نميري).. ذلك الإنسان الذي وددت أن أعرف عنه الكثير.. جاء المصنع في شبابه الغض وعاش لفترة طويلة موفور السيرة والعافية، وفي نفس الوقت يجهل الناس أصله ومن هو؟ وفجأة يرحل عن دنيانا مريضاً، وسط ظروف حرجة بالغة التعقيد كنت شهوداَ عليها... وما باليد حيلة!.
وهنالك كنا نقضى الكثير من الوقت في اللعب والتمعن في عوالم سيف هارون صاحب العبقرية الفذة والخيال الخصب في صنع الأشياء الصغيرة، ونفغر فاهنا لوقت ربما حتى ننال وجبة الغداء بجوار كرنك سيف الصغير من والدته الطيبة والرحيمة..أحياناً نهرب إلى ترعة العسل المحيطة بالقرية، ونقضى جل وقتنا في العوم والجلوس أمام قطية أحمد حلبية ونرتشف معه قهوة القيلولة عن طيب خاطر وسماح يملأ قلبه الطيب.
وفي قرية الخدمات تعلمنا الكثير ووقتها آدم هارون ومحمد داؤد سنين كانا من صغار القوم، ونراهم دوماً في معية ألعابهم الحديدية بين مطاردة العصافير أو في إصطياد الأسماك في الترعة الصغيرة التي تقع شمال قرية الخدمات، وهى التي تغذي أشجار الرئاسة بالمياه من الناحية الجنوبية لها، وأظنها لا تزال تجري على مهل وربما قضى عليها يباس التطور العكسي الذي أحال المصنع إلى صورة اخرى.
وكنا نحظى بدخول كل بيوت قرية الخدمات دون أذن من أحد كلما إحتجنا إلى أن نشرب الماء أو اللعب.. كأبناء أعمامنا تماماً دون حرج.
وفي جنوب وغرب تلك القرية اللطيفة والوادعة يفيض المكان بزرائب الأبقار وحظائر الدواجن وشجرة عظيمة كنا نلتف تحتها كل يوم لساعات إلى حين مغادرتنا لها قُبيل مغيب شمس اليوم إلى بيوتنا.
لا أعتقد للكلمات رونق مهما تأنقت في جلباب زاهي لوصف عظمة الرجال والنساء الممسكين بتلاليب المكان.. كانوا أبهى رجالات ونساء الخدمة بقسم الخدمات الاجتماعية المشهود لهم بالإستقامة بقيادة عثمان حسن عامر المشهور بعثمان كديس كأفضل الحكام لكرة القدم باتحاد حلفا الجديدة وسنار.. وقد اختير مراراً لدوري السودان.. وتلاه العم سيد عبده بدر والراحل محمد حسن عبادي احدى رجالات الخدمات المعروفين باللطف والظرف والعمل الجاد.. ووصولا للمكان نجد العم أحمد حبيب الله واحمد ود الظلط ومن ثم عمي داؤد سنين وعمي بشير البقاري وعمي هارون والراحل أحمد حلبية وغيرهم من مدوا أجسادهم وأرواحهم خدمة للمنطقة في سخاء منقطع النظير في ظل ظروف عمل قاسية وبيئة صعبة.
وكنا في الغالب نقضي جل وقتنا في اللعب والتطواف حول أركان المكان، ومن ثم نعود أدراجنا إلى الشجرة التي تقف في منتصف مربع المكان في عزة وشموخ مع بعض الشجيرات الأخرى. 
ولتلك الشجرة مكانة رحبة في قلوب الجميع إذ تحت ظلالها الوريفة تمتد حلقات الأنس والشغب ومهام تجميع اللبن من سطل الحلاب إلى (قدرة) نحاسية كبيرة حتى لحظات توزيع اللبن على الجميع.
وفي ذات الوقت نشاهد كل مراحل عمليات إنتاج الحليب في داخل الزرائب أمام أعيننا مباشرة دون وسيط. فالزرائب تمتد على مسافة صغيرة أمام شجرة النيمة وأترابها حتى تصل حدود الترعة العفنة المخلوطة.. تلك الترعة التي تتكون من التقاء الترعة العفنة التي تحمل مخرجات المصنع بالترعة القادمة من ترع مشروع حلفا الجديدة عند شمال غرب جنينة الخدمات.
تحت ظلال هذه الشجرة ترقد عربة توزيع اللبن القديمة والتي لم يتثن لنا الحظ رؤيتها وهى تعمل حيث كانت تجرها الخيول كما يبدو ظاهراً عليها وكانت وقتها في كامل عافيتها وعاطلة عن العمل، ولكن لا أدري ما حل بها في ظل التغييرات التي طرأت مقرونة بغياب القرية نفسها!!
وطيلة غيابي عن المكان منذ منتصف سبعينيات حتى ثمانينيات القرن المنصرم لم يخطر ببالي بأنه سيجري ذات يوم إزالة قرية الخدمات بأكملها!!.. وهل جرى ذلك قسراً أم تدريجياً بفعل نقل كل زرائب أبقار الخدمات إلى جانب شرق ترعة العسل؟ ولا أدري إلى أين إنتهى المطاف بحظائر الدواجن والتي كانت تقع غرب الشجرة مباشرة حيث تمثل ظلالها مكتباً لأفراد الخدمة الذين يعملون في قسم الخدمات الاجتماعي الميداني.
وفي البال غيض من فيض الذكريات في تلك الأنحاء لم تقبر مع المكان إذ لا تزال حية وعصية على الموات.
شكراً جزيلاً أخي محمد داؤد سنين على الصورة الرائعة والتي أعادتني لسنوات خلت لن تعود.. شكراً عميقاً إلى أن نلتقي في رحاب عبق المكان وسط أنفاسه العطرة.



لست مستقلاً بل منحازاً إلى ديني ووطني ومصنعي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
عمتي.. شجرة الخدمات
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة  :: المنتديات العــــــــــامة :: التوثيق-
انتقل الى: