منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة
منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة ترحب بالزوار من ابناء المنطقة وجميع الاحباب والمريدين داعين لمد جسور التعارف بين الجميع ودوام التواصل
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» مهدي الدود.. البقاء لله
الأربعاء 07 سبتمبر 2016, 2:26 pm من طرف عائدة محمد الحسن

» هاوية الحدس
الجمعة 19 أغسطس 2016, 3:06 am من طرف ناصر البهدير

» أحزان آل سيد أحمد محمد
الثلاثاء 02 أغسطس 2016, 7:27 pm من طرف ناصر البهدير

» قصص .. عبد العزيز بركة ساكن
السبت 23 يوليو 2016, 5:36 pm من طرف ناصر البهدير

» الغالي أوشي.. فرحنا العام
الأربعاء 20 يوليو 2016, 10:27 am من طرف ناصر البهدير

» غياب بطعم الحضور (2)
الأربعاء 06 يوليو 2016, 1:36 am من طرف ناصر البهدير

» الكتابه في العربات (الركشات +الحافلات)
الأحد 12 يونيو 2016, 11:04 pm من طرف ناصر البهدير

» أحزان التوم لاعب التضامن والسكر
الأحد 12 يونيو 2016, 11:00 pm من طرف ناصر البهدير

» أقوال
الأحد 12 يونيو 2016, 12:03 am من طرف ناصر البهدير

» هَيْثَمات.. أحد عشر كوكبا
الخميس 02 يونيو 2016, 2:57 pm من طرف ناصر البهدير

» طرائف رباطاب -مساخة -سرعة بديهه
الخميس 02 يونيو 2016, 1:31 pm من طرف ناصر البهدير

» أحزان آل آدم حامد
الأحد 29 مايو 2016, 2:32 pm من طرف ناصر البهدير

» من أَنبأَك هذا!
السبت 28 مايو 2016, 10:05 pm من طرف ناصر البهدير

» حبيبنا المصنع
الخميس 26 مايو 2016, 9:40 pm من طرف ناصر البهدير

» زفاف أشرف يوسف
الخميس 26 مايو 2016, 11:27 am من طرف ناصر البهدير

» عبد الله المصري.. ساقية الحس المرهف
الإثنين 23 مايو 2016, 3:35 pm من طرف ناصر البهدير

» لحن الصباح
الإثنين 23 مايو 2016, 9:23 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» مع السكر حتى الصعود
الخميس 19 مايو 2016, 2:40 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» قبيلة السكر
الأربعاء 18 مايو 2016, 8:16 pm من طرف ناصر البهدير

» لحن المساء
الأربعاء 18 مايو 2016, 4:31 pm من طرف ناصر البهدير

» احزان على عوض سعد
الثلاثاء 17 مايو 2016, 3:23 pm من طرف ناصر البهدير

» افراح ال بشير مهدى
الثلاثاء 17 مايو 2016, 3:12 pm من طرف ناصر البهدير

» الدلاله
الإثنين 16 مايو 2016, 3:21 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» الذكرى الخامسة لتأسيس المنتديات
الخميس 12 مايو 2016, 6:09 am من طرف محمود بلال

» زوله حنينه .. قلبها ابيض
الأربعاء 11 مايو 2016, 10:29 pm من طرف محمود بلال

»  الأحباب المشرفين..
الأربعاء 11 مايو 2016, 10:11 pm من طرف محمود بلال

» أفراح آل هشام سيد أحمد صالح
الأربعاء 11 مايو 2016, 6:33 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» أفراح آل عبد الرؤوف سعيد
الأربعاء 11 مايو 2016, 6:31 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» افراح ال يحى محمد
الأربعاء 11 مايو 2016, 5:24 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» سيدون .... وصل
الثلاثاء 10 مايو 2016, 8:54 pm من طرف محمود بلال

» بلال الصغير وصل
الثلاثاء 10 مايو 2016, 7:51 pm من طرف محمود بلال

» الخدمه المستديمه الف مبروك
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:46 pm من طرف نازك يوسف طه

» شهرالشفاعه(شعبان)
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:32 pm من طرف نازك يوسف طه

» مجدى (كجيك)عريس السكر
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:26 pm من طرف نازك يوسف طه

» عيال الفكى عرسان السكر
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:22 pm من طرف نازك يوسف طه

» حافظ عمر .. في ذمة الله
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:02 pm من طرف نازك يوسف طه

» عنتر عريس
الثلاثاء 10 مايو 2016, 1:59 pm من طرف نازك يوسف طه

» إنتــــــــــــــــــباه
الإثنين 09 مايو 2016, 8:42 pm من طرف محمود بلال

» أحمد المصري .. في ذمة الله
الإثنين 09 مايو 2016, 6:32 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» عرفة حميدي.. البقاء لله
الأحد 08 مايو 2016, 9:36 am من طرف ناصر البهدير

» دنان واطة حموري
الجمعة 06 مايو 2016, 9:21 pm من طرف ناصر البهدير

» يا اسمر
الجمعة 06 مايو 2016, 7:51 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» قرموني.. ليس وحده!
الخميس 05 مايو 2016, 1:17 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» نهائى (ميلنو)
الخميس 05 مايو 2016, 1:14 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» رمضان جانا
الخميس 05 مايو 2016, 7:20 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» مرحــــبا بالتسعة الجدد
الأربعاء 04 مايو 2016, 2:51 pm من طرف نازك يوسف طه

» العنصرية تطفو من جديد
الأربعاء 04 مايو 2016, 12:29 pm من طرف سامر صلاح

» الطيب سعيد(عريســــــا)
الثلاثاء 03 مايو 2016, 10:33 am من طرف ناصر البهدير

» احزان ال هدو
الأحد 01 مايو 2016, 4:31 pm من طرف ناصر البهدير

» اعتذار
الأحد 01 مايو 2016, 4:17 pm من طرف ناصر البهدير

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع

أكتوبر 2016
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
     12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31      

اليومية اليومية

مجموعة الفيس بوك
</li></ul><div
 id="follow_fdf"><a target="_blank" href="https://www.facebook.com/#!/groups/sugarhalfa/"><img alt="Facebook"
src="http://illiweb.com/fa/optimisation_fdf/fr/facebook10.png"/></a><a
 target="_blank" href="https://www.facebook.com/#!/groups/sugarhalfa/"><img alt="Twitter"
src="http://illiweb.com/fa/optimisation_fdf/fr/twitter10.png"/></a></div>


<style>

#follow_fdf {
  float: right;
  background: url('http://i40.servimg.com/u/f40/11/60/75/36/follow14.png') no-repeat scroll 0 5px transparent;
  padding-left: 1098px;
}

#follow_fdf img {
  vertical-align: middle;
  max-height: 50px;
  transition-duration: 400ms;
  -moz-transition-duration: 400ms;
  -o-transition-duration: 400ms;
  -webkit-transition-duration: 400ms;
}

#follow_fdf img:hover {
    transform:rotate(-10deg);
    -ms-transform:rotate(-10deg);
    -moz-transform:rotate(-10deg);
    -webkit-transform:rotate(-10deg);
    -o-transform:rotate(-10deg);
}
</style>
FacebookTwitter

غياب بطعم الحضور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 19 يونيو 2015, 3:36 am

رمضان كريم
كل عام وانتم بخير جميع أهلي بالمصنع
خالص التهانئ وأصدق الأماني بحلول شهر رمضان المبارك، أعاده الله علينا وعليكم وعلى الأمة الإسلامية باليُمن والخير والبركات..
تقبّل الله طاعاتكم.. وكل عام وأنتم بخير
خطرت لي فكرة في أصلها الطيب مرتكزة على الدعاء لجميع الذين رحلوا عن دنيانا من أهل قبيلة المصنع متزامنة مع الشهر الفضيل الذي هل علينا خيره.. سوف اختار في كل يوم من أيام شهر رمضان الكريم شخصية مضت إلى رحاب الله في محاولة للترحم عبر ذكر مأثرها وأعمالها ومحاسنها، والتوثيق لها بمشاركتكم جميعا.. واختياري لا يخضع لأي معايير سواء قربي من تلك الشخصية التي سأكتب عنها من خلال تلك الفترة التي عشت فيها بالمصنع كواحد من ابنائه ليس إلا.. سواء أكان قرباً زمانيا أو مكانيا..
هم أناس كانوا حجر الأساس والرحى والصبر في بنيان المصنع الوطيد كما أن بعضهم كان محور حياتي وجزء أصيل منه خلال تلك السنوات التي ترعرت فيها وتعلمت.. كنت أنظر إليهم كمثال لا بد أن يحتذى ويقتدى به.. شكلوا وجداني واضافوا لي الكثير في مسيرتي المتواضعة والتي دوما، أفخر بأن مركزها دائرة المصنع..
كما لا يفوتني بأن باب المشاركة مفتوح لكل فرد يريد أن يوثق لشخص راحل حتى لو وثقنا في اليوم الواحد لأكثر من شخص لا ضير لطالما في باب المحبة التي جمعتنا على أرخبيل المصنع وصنعت منا قبيلة واحدة عصية على الإنهزام والتفرق..
كل عام وانتم بخير


عدل سابقا من قبل ناصر البهدير في الأربعاء 01 يوليو 2015, 1:01 am عدل 1 مرات

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 19 يونيو 2015, 3:42 am

أبي حسن علي.. أمير رحل عن دنيانا
لكل كائن أجل مكتوب في الأزل... ولا نقول شيئا في فقد عزيز غير أن ندعو له بالرحمة والمغفرة والعفو.. فالقلوب مليئة بما يكفيها فليس هناك متسع لحزن وألم جديد، ولكن ماذا القول في رحيل رجل مثله يكتب عنه بألف طريقة.
فارس آخر مضي بذات البسالة والإخضرار والنقاء الذي عرف عنه وهكذا يرحل الشرفاء، المتبتلون في محراب الصفاء، الذين لم يتفرغوا لذم الناس ولا قتلهم بل حتى مدحهم جافوهم فكانوا يدورون في دوائرهم التي تنز بالكرم والوفاء والخير العميم والانسانية الرحبة.
رجل ينضح بالانسانية الغراء.. زرع داخل قلوب الناس ما يخصه وغاب في جوف التراب وجبينه مرفوع إلى السماء، وشيعته قيم الحب والاحترام يوم رحيله الفاجع الذي صعب علينا تقبل أمره في يوم الجمعة الموافق 20 فبرائر 2015.
كل شيء بمقدار ثقيل وفادح حينما يصبح الموت لغة العالم المفضلة والرابط الانساني الأقوى، فالشخص الذي يبدأ حديثه معك بأدب ووقار وعينه على الأرض.. حديث يبدأ بكلمة طيبة وسلام ممدود وعينه تأبى أن تفارق الأرض.. شخص نادراً على طريقته في محبة الناس.. لم تغره الدنيا ولم تشغله رغم الثراء الذي تمرغ فيه وتقلبات الأيام التي عاشها بحب عميق لعشيرته واهله وجيرانه وقبيلة المصنع. 
مات كما الأتقياء، مؤمنا بحوار المودة وهو ابن دوحة صوفية عامرة بالمحبة.. ولا يوجد بين من عرفتهم رجلاً في بشاشته وهندامه الأنيق ومن يحفظ لسانه خوفا من جرح يصيب به إنسان مثله. إنسانٌ كثيرُ العطاء، حتَّى كانت فروع شجرة كرمه تمتدُّ للجميع كما تلك السدرة الشامخة التي كانت ذات يوم من سنوات ما بعد منتصف عقد السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم عنواناً لمنزله البسيط. وهو نوع من أَرُومة طيبة جُبلت على الشجاعة والبذل.. خُشَاشُ وشريف يمضي في الأمور بكل سهولة دون تعب يشعر به كصوته الخفيض الذي لا يفارق حنجرته قيد أنملة كأنه النسيم في رقة روحه يحدث العشب بألفة ويرتقي به.
هكذا عرفته منذ طفولتي الباكرة بحى خمسين بيت في كل المنازل التي قطنها في صمته الفضيل والنبيل، حسن الخُلُق مثل اسمه تماما، وطيِّب الأرُومة، وكريم الأصل من حسبٍ ونسبٍ، وأَصلٍ شرِيفٍ. ومثله إِرَم نفتقده في مفازة أيامنا هذه ليهدي لنا سبل الطريق.
وتنقلت أسرة الراحل بين ثلاث منازل في حي خمسين بيت، وبدأتها في (صف العرب) الشارع الأكثر شهرة بالحى، وسرعان ما انتقلت في منتصف عقد السبعينيات من القرن الماضي الى (حداشر بيت) الشارع الأول بالحى، حتى غادرت إلى مدنى ودام غيابها نحو خمسة سنوات وكان ذلك في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي وتقريبا العام 1985م. وفي العام 1990 عادت الأسرة إلى الحى مرة أخرى في الشارع الثاني منه حتى تقاعد رب البيت مطلع الألفية عن العمل برئاسة مصنع سكر حلفا الجديدة.
وخلال تلك الفترة التي عاصرنا فيها المرحوم حسن علي تعرفنا على جوانب كثيرة من شخصيته الفذة والمتسمة بنوع من الاريحية والطيبة.. كعادة الأطفال منفلتون في طباعهم ولعبهم وتهورهم حيث لا يراعون قيم وأعراف وعادات المجتمع ولا يعيرونها أدنى اهتمام، وهكذا تربينا ونشأنا في كنف الحى بين عشيرة عز نظيرها وكان العم حسن شامتها البارزة ونخلتها التي لا تكف عن الأخضرار والسموق والسمو. وامتد شغبنا ولعبنا إلى حياض دياره وفي ذلك نختلف ونتفق مع ابنائه رفقتنا في الحى، ومع ذلك لم نلحظ أي ملاحقة لنا منه مهما كان جرمنا كبيرا.. وأذكر جيداً ذات يوم تعديت على أحدى ابنائه ومزقت ملابسه في الشارع العام أمام مرأى أقراننا والكبار ومع ذلك لم اتلق منه اي توبيخ او تعنيف او حتى شخونة في التعامل، وحضرت الى منزله بعد تلك المعركة وفي بالي لا أحد سيؤذيني، وهكذا كان جميلا ونبيلا مع كل أطفال الحى، وحتى زوجته الخالة انصاف تشاركه تلك العاطفة المشبوبة بالصدق والاخاء الانساني ومراعاة شغب الأطفال ولعبهم واختلافهم واتفاقهم.
وطيلة معرفتي به لم أجده يخرج الى الشارع بسبب صراعات الأطفال او الكبار او غيرهم، دائما نلتقيه ملتزما جانب الهدوء والبصيرة النافذة ومعالجة الأمور بحكمة وصبر.
ومن صفاته النبيلة قلما تجده رافعا رأسه في أفق المكان الذي يمشي عليه أو الشارع الذي يعبره مهما كلفه ذلك من مشقة.. واعتاد على غض بصره وكفه عن أعراض الناس دعك من مرورهم العادي في جنبات الطرق دون تكبر.
بمثل كان ملكاً اجتماعياً على قلوب المجتمع، أضحى بذات الوسامة متوجاً في مكتبه منذ أن بدأ في تسديد ضريبته ضمن الرعيل الأول والمؤسس لمصنع سكر حلفا الجديدة.. وقضى جل وقته منافحا ومحافظا على شغله واداءه وامانته حتى غادر دنيانا الفانية وقلبه معلق بالمصنع وجيرانه، ولحظت أثر ذلك باقيا ومؤثراً فيه في آخر لقاء لي به في إمارة ابو ظبى مطلع يناير الماضي من العام الحالي 2015م، ما أن رآني حتى فاضت دموعه واحتلت وجهه في لحظة مؤثرة غمرني فيها بمحبته التي عرفتها منذ يفاعتي.
وكنت قريبا منه في الكثير كواحد من ابنائه تماما ولم يشعرني دون ذلك، وحظيت بصحبته وشاركني في الكثير من أشياء الدنيا وأسراره التي نادرا ما يتحدث فيها لأحد، وهكذا تطبع على غريزة ساترة وغير بواحة كفته أهواء الدنيا ومصارعها.
وكان من قلائل الموظفين الذين تفننوا في هندامهم دون مغالاة وتنطع، وهو ابن رجل أعمال ملأت سمعته ود مدني في غابر الأيام في مجال مقاولات البناء، لذا لم يكن غريباً أن يكون مالكاً لسيارة من نوع الفلكسواجن المشهورة وقتها باسم (القعونجة) كواحد ضمن أربعة تقريباً بالمصنع أو ثلاثة والله أعلم في وقت كان فيه من يمتلك دراجة هوائية كأنه ملك الدنيا وزمامها لندرة السيارات وحصرها على ثلة الأثرياء فقط.
ومضى صاحب السيرة الطيبة الناصعة (ابوي طيب وبحب الناس)، إلى رحاب ربه وهو أكثر استقامة، موفور المحبة والخُلق ونقِي السريرة.
اللهم أرحم أبانا جميعا، الراحل المقيم، طيب الذكر، حسن علي أحمد، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر ومورة بالشمالية ومدني، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.
اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).


ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف عائد السيد في الجمعة 19 يونيو 2015, 12:40 pm

شكـــرا اخي ناصر البهدير لهذه الفكرة التي دخلت حيز التنفيذ من خلال
التوثيق للعم الراحل حسن علي ,,, له الرحمة ولكل امواتنا اموات المسلمين
............... الراحل الامين محمد العبيد والذي رحل للتو ..صباح اليوم
الثاني من رمضان /19يونيو 2015 هو انسان قلما يجود بمثله زمان ,,
كان يعمل بالمصنع مشرفا بالقسم الكيميائي ويشهد له الجميع بالخلق القويم
والحياء النادر والبصيرة الثاقبة ,, كان رجلا في منتهى الطيبة والانسانية
والكرم والتفاني والتواضع والتدين والاحـــــترام....
عاشرته إبان فترة الحج للعام 2013 وكان ضمن اللجنة المنظمة للحجيج
من المصنعجية ,, كان اكثرهم اهتماما بالحجاج واقربهم مودة الى قلوب
الناس .. صاحبنا جيئة وذهابا في رحلة سواكن ثم فتح معنا خط اتصال
يوميا ونحن في الاراضي المقدسة موجها ومطمئنا ومحفزا ومعلما ..
وكانت كل الالسنة تلهج له بعبارات بالشكر والتقدير على شاكلة " ان
شاءالله يوم شكرك مايجي ياللمين " وهاهو قد جاء اليوم في سرعة
البرق واخونا الحبيب اضحى بين يدي العزيز المقتدر .. إلــــــهي أسألك
أن تمن عليه كل خير سألك به نبينا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام..
وأعـــيذه من كل شر استعاذ منه نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم ..
وان تجعل البركـــة يارب في ابنائه السعدني وعمر وبناته وان تشملهم
وإيانا بالصبر الجميل ,, وانا لله وانا اليه راجعون .....

عائد السيد
الادارة الفنية
الادارة الفنية

عدد المساهمات : 1020
نقطة : 5436
تاريخ التسجيل : 04/02/2011
العمر : 41
الموقع : سكر حلفا
المزاج : inconsistency

http://halfasugar.mam9.com/u73contact

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 19 يونيو 2015, 1:12 pm

لا شكرا على واجب أخي عائد وهذه محاولة للتوثيق والدعاء لأهلنا الذين رحلوا وكانوا ذات يوم بيننا شامخين في عطائهم أمثال الراحل المقيم الامين العبيد..
بحق كان شعلة من النشاط والحركة الدؤوبة من أجل خدمة المجتمع كما كان متفانيا في عمله وهكذا خبرنا سيرته الوضيئة الطاهرة
نسأل الله أن يتقبله في فسيح جناته ويتغمده بواسع رحمته ومغفرته مع الصديقين والشهداء..

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 19 يونيو 2015, 11:41 pm

بت الحرم بت داقلول.. عرديبة حبنا الأخضر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



لم يدر بخلدي في يوم من الأيام بأن عقد المصنع الفريد ستنفرط حباته إلى هذا التشظي ويضع حدا فاصلا لضجيج صف العرب بحى خمسين بيت الذي كان يملأ المكان ويشغله. وهذا ما يزعج ويقلق البال كلما هممت بزيارة الدار أو نويت وقلبي في مشقة خلوها من أعز من قدموا أنفسهم تضحية لعمرانها.
ولعلها المرة الأخيرة والتي وقفت فيها عاجزا عن ولوج فناء الدار، ووقفت مسافة طويلة على دكة الحزن اتمعن في بهاء المكان، واكتفيت بدمعة ساخنة وصورة نادرة لتلك الشجرة التي علمتنا معانى الاخاء والانسانية. وهربت صوب شجني ونية غائرة في الجوف بالا أوفر نفسي في هذا المقام واكرر زيارة المكان مرة أخرى حتى لا أهد نفسي واغيب في غيوم الذكريات المالحة والطاعمة بين بحر ونهر من دموع هاطلة.
كان ذلك في مارس 2013م، من اللحظات الفارقة التي تأملت فيها تاريخ عميق وقديم مرتبط بذكريات وحياة عشناها في كنف أسرة موصولة بالحب ومشغولة به حد الإغراق فيما يفيد اتصال الناس يوم أن كان طعامهم واحد على قارعة الطريق أو ظل شجيرات حنينة باسقة وسامقة بالمكان.
فكرة نمت واستطالت من عبقرية نساء الشارع حتى تسامى الناس وتعلقوا بأهداب الثريا في تكاتف وتواصل بين أن موسم الأزهار ليس مرتبط بفصل الخريف في كل المواسم يمكن اجتماع الناس أن يزدهر على فقه المودة.
ضمن هاتيك البيوت الناضرة والمزهرة، بيت لم يغفل عن دوره في تعهده الحميم والهميم برعاية المسؤولية الاجتماعية تقف على رأسه امرأة صنديدة وشهمة وكريمة وواثقة من نفسها لطالما إنها ابنة رفاعة والسكر أمي الأخرى سعاد بت الحرم بت داقلول.
قضت جل عمرها منكبة في طاعة زوجها ورعاية ابنائها وملتزمة بحق الشريعة والعرف فيما يحيط بها من علائق حتى غدت أمثولة في تجليها الباهر والطاهر حتى لحظة رحليها ظلت تمارس ذات الدور بكل عظمة واخلاص.
لا أذكر على الاطلاق وطئت قدماى البيت ووجدتها عابسة او ساهمة او غير جديرة باستقبال أي شخص لدارها.. اعتدنا على حالة احتفائية واحتفالية وكأننا في مهرجان مفتوح على الملأ.. تخصنا جميعا بتلك الأريحية والبشر والحفاوة وتفسح لنا في مجلسها الخاص وتنادي بلزوم الضيافة وحلو الحديث وفكاهتها المحببة وطرافتها التي لم تفارقها البتة كلما دلف إليها في فناء حوشها الواسع والماهل بعض من أهل المنطقة.
والمساء عندها كرنفال من الحبور والفرح.. نأتي بشوق عارم لشرب (شاى المغرب)، ونادرا ما نطرق الباب هكذا اعتدنا وسط تلك البيوت العبقة بالحب.. وما أن أخطو خطوتين أو ثلاثة حتى تبتسم في وجهي بسلامها الناعم.. حبابك وحباب الوراك (الا الليلة غايتو يا ود الشايقية بقرنا رضع واسال نجاة كان ما مصدقني) وتهمس بصوتها الرقيق.. (انتي يا نجاة مش الليلة ابوك جا قبل شوية وقال البقر رضعن تاني)..
ويمضي بنا السجال والقفشات وسرعان ما تفضح طرفتها ببسمة طافحة وعذبة.. وتقول: (اسه معقول لو البقرة رضعت انا والله اسقيك من دمي ده يمين تقعد وتشرب الشاااى الليلة من يدي مش من بتي كمان).. وفي تلك اللحظات يظهر ابو الطرفة والملح والنوادر عمي الصادق الزين محمد ويمرر ذات النغمة.. يعني انت ما مصدق كلام خالتك.. (البقر رضعن وانا جيت اسه داخل من الخلا.. بدل ما تجي مادي قرعتك عاوز الشاى.. ارجع اسه لنفيسة الشايقية وامش جيب ليك جردل لبن عشان كمان تعشي اخوانك ديل معاك وبالمرة عمك وخالتك كمان يشربو الشاااى).. واغيب في ضحكة فالتة (الجردل اجيبو من هنا ولا من بيتنا العدمان صوت عجل يا عمي الصادق.. بقرك ده يعني حالف ما تضوقنا منو جغمة لبينة ساااى).. ويمور بالظرف... (انتو خليتو فيهو حاجة كل يوم تمصو في شطور البقر ما خليتو للعجول حاجة.. ياااخي خلو للعجول حاجة معاكم ما ممكن طوالي كده)..
لحظات وتتدفق روائح اللبن مقننا او عاديا على أواني تلمع من نظافتها واناقتها كالماس ونمضي في سرد الحكاوى ونقضي المساء بين أسرة متماسكة وصلبة في ندواة المحبة.
بالفعل كانت حضرية ابنة رفاعة في ترتيبها لبيتها واستقبالها لضيوفها، وتهش عند اللقاء وتفسح لهم في دارها العامرة والتي لا تزال بذات النهج والمسلك مورثة ابنائها واحفادها نظم إدارة البيت طالما هي شقيقة المرحوم عثمان، وهاشم وسعيد، وام هاني، وصفية، وثريا الذين تعرفنا على أغلبهم في دارهم أو رفاعة أو القضارف.. ولعل الخالة أم هاني تشبهها في الكثير وكان بيتها مفتوحا لأهل المصنع دون فرز في قضروف سعد وبمعية زوجها السر بن عوف وفي ذلك المنزل المبارك لم نشهد غرابة في كرم الضيافة والاهتمام.
وبيت أمنا سعاد الصادق كان واحد من الملاذات والمرافيء الهادئة التي نؤمن فيها بأحقية الحرية وفعل ما نشاء في الوقت الذي نختاره ولا نخضع لموازنات أزمنة الزيارة وفي ذلك لنا العذر في حضن أم مثلت لنا كل شيء في حياتنا وكانت بمثابة الظل الظليل كأوراق شجرتها العرديبة. 
البيت الطوبي على وسعه تحسه أضيق من خرم الإبرة على مدى أكثر من ثلاثة عقود من الزمان بفعل نشاط وهمة نجاة وتعهد ندى والحرم باكمال رعايته؛ حفيدات (الحرم بت داقلول) أم تلك المرأة التي رحلت وزوجها راضي عنها تمام الرضى. 
كل شيء يأخذ مكانه وحظه من النظام في كامل الروعة دون اختلال ويجري ذلك على تراتيبية معينة منذ أن تعرفنا على أهل الدار خلال تلك الفترة الممتدة من عقد السبعينينات الى التسعينينات من القرن المنصرم. 
كلمة بالغة لا تزال تأخذ حيزها في قلوب الرجال كما في الفضاء كواحدة من العبارات الصادقة والثيمات الصوتية الخالدة رددها رفيقها في الحياة الانسان الصادق حين قال: "45 سنة ما زعلتني يوم واحد وما حصل غضبت منها".
أي امرأة تلك.. نصف قرن كامل ولم تسفر بكلمة او تتنهد في وجه أسرتها وزوجها او تسافر في رحلة غضب صامتة او ضاجة كحال النساء دوما في غضبهن النبيل.. ويكفيها مديح زوجها كصك غفران لعبور الصراط.. وهي جديرة بتلك الشهادة ولم تكن حين صدرت عن فاجعة بل عن واقعا حقيقيا كنا في تلافيفه نعبر على راحة الأيادي الكريمة التي ضمتنا بطمانئنة وصدق.. احتوتنا كزغب العصافير بين جنحيها وصدرها وطرحت لنا ظهرها لنمتطيه كلما ألمت بنا مصيبة او جائحة من ضوارى الزمان.
ومن لنا غيرها أمنا سعاد بت رفاعة في أن تلم شملنا وتحيلنا الى فضاء دارها الرحب!! رسولة المحبة والنظرة الثاقبة والصمت النبيل.
وفي يوم رحيلها الفاجع في أكتوبر 2010م، تجمعت سحب كثيفة مثقلة بالحزن لتهطل على سهول البطانة وتنعي لنا أجمل أم زينت أيامنا بحضورها الباذخ وطيب معشرها الحلو والرزين.. وخلفت بغيابها في قلوبنا حسرة ولوعة لا تزال موضع شجن كثيف.
اللهم أرحم أمنا جميعا، الراحلة المقيمة، طيبة الذكر، سعاد بت الحرم بت داقلول، وتقبلها قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرتها وأحبابها وعارفي فضلها، وأهل السكر ورفاعة، فقد كانت عَلَماً يُهتدى بها في حالكات الدجى.
اللهم ابدلها دارا خيرا من دارها واهلا خيرا من اهلها وادخلها الجنة واعذها من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهم اجزها عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كانت محسنة فزد من حسناتها, وإن كان مسيئة فتجاوز عن سيئاتها. اللهم ادخلها الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسها في وحدتها وفي وحشتها وفي غربتها.
اللهم انزلها منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزلها منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة, ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح لها في قبرها مد بصرها وافرش قبرها من فراش الجنة. اللهـم اعذها من عذاب القبر, وجاف الارض عن جنبيها. اللهم املأ قبرها بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنها فى ذمتك وحبل جوارك وقها فتنة القبر وعذاب النار, وانت أهل الوفاء والحق فاغفر لها وارحمها انك انت الغفور الرحيم. اللهم انها كانت تشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم بها. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمها ولا تعذبها. اللهم اّتها برحمتك ورضاك وقها فتنة القبر وعذابه وأّتها برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثها إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقلها من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها وثبت علي الصراط اقدامها واسكنها في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنها من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسها أّمنة مطمئنة ولقنها حجتها. اللهم اجعلها في بطن القبر مطمئنة وعند قيام الاشهاد أمنة وبجود رضوانك واثقة وإلي أعلي درجاتك سابقة. اللهم اجعل عن يمينها نوراً حتي تبعثها اّمنةً مطمئنة في نور من نورك.
اللهم انظر اليها نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنها فسيح الجنان واغفر لها يا رحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنها فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انها جاءت ببابك وأناخت بجنابك فَجْد عليها بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمها رحمة تطمئن بها نفسها وتقر به عينها.
اللهم احشرها مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشرها مع اصحاب اليمين واجعل تحيتها سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشرها بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعلها من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيها عليك ولكنا نحسبها انها اّمنت وعملت صالحاً فاجعل لها جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيها نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائه واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُ.
اللهم اجعلها في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنها صبرت علي البلاء فلم تجزع فامنحها درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انها كانت مصلية لك, فثبتها علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انها كانت صائمة لك, فأدخلها الجنة من باب الريان. اللهم انها كانت لكتابك تالية وسامعة فشفع فيها القراّن وارحمها من النيران, واجعلها يارحمن ترتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأتها أو سمعتها وأخر حرف تلته. اللهم ارزقها بكل حرف في القراّن حلاوة, وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمها فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنةً. وادخلها الجنة فانها كانت بنبيك مصدقةً وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة. 
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهـم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين, وعرق منا الجبين, كشر الانين والحنين. اللهـم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب, وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات, وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي, واذا توعد عفا, وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لنا ولها، واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلها الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).




ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 20 يونيو 2015, 11:35 pm

حنان عليكو.. زهرة التطوع ونحلته
حينما يداهمك خبر موت فاجع وعنيف، لا تجد مناص غير أن تستلف بعض من ذكرياتك الطيبة، والتي تقاسمتها ذات يوم مع الراحل العزيز.. أظن أن مشاعر الفرد وقتها تندمج وتختلط بإجواء الشجن وذكرى تلك الأيام الخوالي في حضرة عزيز القلب ورفيق الإنسانية والعشيرة.
الحزن احساس طاغي لا يستطيع الإنسان أن يتخيره ويتخطاه ويعبر منه إلى معارج الفرح.. فالحزن كائن له هيبته وقدره مما يجبرك على احترامه وتوقيره.. ولا تملك معه غير أن تطوي صفحات فرحك حين يباغتك أمر غاشم يزلزل أركان قلبك ويهده وبذلك تنزوي وسط سحابات الدموع وتمضي بعيداً لأن ما بك يكفي ولا يحتمل زيادة وإلى أن تنقشع تلك العتمة تصاب أنت من الألم لفقد عزيز غال.
للوجع مداراته خاصة عندما يكون الفقد بعظمة شخصية إنسانية وافر عظم مساهمتها في العمل العام والتطوعي عبر محيط حياتنا وأيامنا الجميلة.. شخصية نادرة على طريقتها في العمل وتحمل الصعاب بصبر منقطع النظير.. شخصية تركت انطباعاً جميلاً مقيماً في نفس كل من عمل معها وفي وجوه كل أطفال مصنع سكر حلفا الجديدة ذات يوم وحتى يوم فاجعة رحيلها المرٌّ فجر الأثنين الموافق 8 يوليو 2013م.
كانت كالنسمة والفراشة آن عقد التسعينينات من القرن الماضي عندما تدخل بيوت أهلنا بالمصنع بجلال صمتها وهدوءها وأدبها وخُلقها الرفيع وبسمتها الوافرة كالنسيم أوان مروره على حقول قصب السكر.. ما زالت عندي هي حنان عليكو الانسانة الجميلة والشغوفة بعمل الخير والانشغال به لدرجة أن تنسى نفسها وهي في معمعته وتعبه.. فكانت دليلنا وهادينا وحادي ركبنا ضمن مجموعة كبيرة قامت بعبء العمل في حملات التطعيم المستديمة والموسمية.. جبنا فيها سهول وحقول المصنع والتي ترقد على جنباتها القرى الزراعية ومدينة المصنع من بيت إلى بيت دون كلل ولا ملل في صبر وتحمل.
وفي عينيها قدر كبير من التحمل والقدرة والصبر والالتزام والإقدام، مثل جبل كبير يصمد في وجه محن الكوارث وأشياء الدينا.. راسية وشامخة كالطود تقود الناس من خير إلى خير ومن سهل إلى سهل ومن صعب إلى صعب دون كلل وملل شأنها كصاحب العمل في خُلق منقطع النظير لا يضاهي صمودها أحد فينا مهما كانت درجة تفهمه مهام العمل الإنساني.  
سيذكرها المصنع وأطفاله بالخير والحب وبأعلى مما قدمته للعشيرة والقبيلة الواحدة ولن ينساها الناس وستشغل قلوبهم أبد الدهر، فهي التي صنعت في حياتهم البلسم وغرست رياحين العافية وياسمين النضار فكانت شمعة تضيء وتحترق من أجل المصنع دون مقابل.
لا أذكر يوما وقفت وطالبت بحق مقابل عطائها الوفير والمتدفق من نمير إنسانيتها الراعفة كالدم وسيلانه أوان الجرح..  تُذكر ويُذكر مانع التخثُّر كعلامة فارقة لمعدل العافية في كل رحلة عمل التقينا فيها.
هكذا هي تمضي بين تصاريف المسوؤلية وتعبها دون رهبة وتخمة تصيبها جراء رهق طول العناء والمشقة في كل مهمة كلفت بها مهما كان حجمها.
ما قدمته للمصنع من خير وجهد متصل بتجرد ونكران ذات وصلابة في مجال العمل العام كان كبيراً بمفاهيم العمل التطوعي وقتذاك فقد كانت شعلة متوهجة من النشاط والحراك لم تتقاعس يوماً عن أداء واجبها تجاه المصنع بصبر وحلم جميل.
ونهضت الفقيدة حنان بدور عظيم ومتشعب من خلال عملها الدؤوب والمتفاني حتى توشحت بمثال ونموذج  العمل الطوعي العارف لواجبه في مجال الحقل الصحي، فكانت زهرة نضيرة وباسمة وندية تمشي بين الناس بقامتها المديدة وصمتها النبيل وحبها واخلاصها للعمل بجد واجتهاد في كل حملات التطعيم المختلفة وعلى وجه الخصوص التطعيم ضد أمراض الطفولة في مدينة المصنع وكل القري الزراعية التابعة لمشروع سكر حلفا الجديدة. 
وما طفقت تمد من روحها وجسدها وانسانيتها الباذخة فيما يليق بإنسان وهموم المصنع في وسامة صمت مهيب ومرهون بزينة ووضوح وابتسامة حرى بنا أن نستثمره في تنشئة أفراد المجتمع على حب العمل التطوعي كحالة أمنا الراحلة؛ محاسن المرشدة رحمة الله عليها.
وهذا ما توافر للمصنع من حسن الظن والحظ.. طليعة تقود طليعة وتتمسك بعروة نبتها الضارب في عميق الأرض كمنهل عذب يروي غور الحقول وأفئدة الناس؛ كبارهم وصغارهم دون تراتبية وظيفية تنوء بحملها مؤسسة السكر لوحدها بل يقوم بها نشاط شريحة واسعة تقدس ثقافة التطوع وتحملها بين ضلوعها كأيقونة وشارة مرور تنضح بعافية المجتمع.
حنان عليكو رحمة الله عليها واحدة من غمار الناس.. اتصلت بهم وعبأت ذاكرتها وعضدتها بلقاح معرفة أين تضع يدها على جرح المجتمع حتى ينهض معافئ ويقوم بواجبه دون وجل وتمضي سيرة الحياة دون انقطاع لحبلها السري وبهذا أرست قيم أدب جديد لأجيال معاصرة وأخرى في رحم الغيب تنتظر خلاصها من دفاترها الوضيئة.
طيلة معرفتنا بها في أرخبيل العمل التطوعي لم نر منها غير دفق الأمل والصبر على المكاره والمضي قدماً في كل عمل يهم المصنع.. فهى كانت به دبيرة ومخلصة وفاعلة وقديرة.. وتفيض حناناً وعطفاً كأسمها تماما، وإلفة ومحنة وحيوية.. نعم الإنسانة والأخت الوفية لشغيلة السكر.. فهمتها موصولة بالناس أينما كانوا في تلك الدروب التي مشتها دون من وأذى بزاد الحب والايمان والاخلاص.. وفي سبيل كل ذلك لم تفكر في أن تتقاضى شيئاً يوازي تعبها المديد، فكان عملها لوجه الله تعالى تبتغي منه عون المجتمع ورفد فاتورة محبته العظيمة.
هذه هى حنان التي اختطت طريقاً مختلفاً ومحفوفاً بالمخاطر وحقلاً ممتليء بالرهق لم تركن إلى الراحة بل مدت يد العون وفتحت باب دار أبيها الشهم بالحارة الثانية في الحلة لجل شغيلة العمل التطوعي شأنها كرفيقاتها وزهرات فرع الهلال الأحمر بالمصنع.. وفي ذلك البيت قدمت كامل استطاعتها الكبيرة وخدمتها الجليلة، فحولت ثقافة العمل العام الى واقع مملوس يمشي بين الناس بالمودة والحب وربطته بحيوات الناس الاجتماعية.. ولا يذكر دارها العامر الا بالخير والصلاح.. فكنا عندما نتنادى ونتسامر في أمر حملة، وتنقصنا الامكانيات لأكمال مهامنا، نجدها سباقة في رفع الكلفة بأناقة باهرة وبقلب مفتوح وأبيض نقيء السريرة.. ودون أن نشعر كلنا نمد هتافنا إلى السماء بصوت واحد مجلجل: "الله عليك يا حنان عليكو".. سرعان ما تغيب وتأتي بما نطلبه وبما لا نطلبه في كرم حاتمي جليل.. حتى في كثيرة من الأحيان تقدم وتبذل نفسها بمهمة القيام بكل شيء من مستلزمات الحملة وتقسم على نفسها بدون تكلف وكبرياء زائف.. فكانت رفيدة وفاضلة وكريمة وأبية وخلوقة فنزرت نفسها للمصنع فأوفت في أجمل ما يكون.  
أعرف إن كوكبة الهلال الأخضر كما أسميه... حسنية وفتحية وغادة وامنة وحاتم وعلي ونزار وناهد والطيب ونفيسة وزكريا وتيسير ومدثر وغيرهم من تلك السواعد التي وطدت ثقافة العمل التطوعي في المجال الصحي يلوذون بصمت جلل كحال أمنا الوفية عائشة عليكو.. فالمهمة عسيرة لن يكف تساب دموعهم عن المسير والهطول، فحنان عليكو تعني عندهم كل شيء مثلما كانت هي نبراس البلد يضئ عتمة مشقته ودروبه الوعرة في تلك الأيام.. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.. ويفتقدك اليوم المصنع كله يا حنان مثلنا نحن تماماً.
إن العين لتدمع والقلب ليحزن وإنا لفراقك يا حنان لمحزونون. 
اللهم أرحم أختنا جميعا، الراحلة المقيمة، طيبة الذكر، حنان عليكو، وتقبلها قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرتها وأحبابها وعارفي فضلها، وأهل السكر وكسلا، فقد كانت عَلَماً يُهتدى بها في حالكات الدجى.
اللهم ابدلها دارا خيرا من دارها واهلا خيرا من اهلها وادخلها الجنة واعذها من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهم اجزها عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كانت محسنة فزد من حسناتها, وإن كان مسيئة فتجاوز عن سيئاتها. اللهم ادخلها الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسها في وحدتها وفي وحشتها وفي غربتها.
اللهم انزلها منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزلها منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة, ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح لها في قبرها مد بصرها وافرش قبرها من فراش الجنة. اللهـم اعذها من عذاب القبر, وجاف الارض عن جنبيها. اللهم املأ قبرها بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنها فى ذمتك وحبل جوارك وقها فتنة القبر وعذاب النار, وانت أهل الوفاء والحق فاغفر لها وارحمها انك انت الغفور الرحيم. اللهم انها كانت تشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم بها. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمها ولا تعذبها. اللهم اّتها برحمتك ورضاك وقها فتنة القبر وعذابه وأّتها برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثها إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقلها من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها وثبت علي الصراط اقدامها واسكنها في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنها من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسها أّمنة مطمئنة ولقنها حجتها. اللهم اجعلها في بطن القبر مطمئنة وعند قيام الاشهاد أمنة وبجود رضوانك واثقة وإلي أعلي درجاتك سابقة. اللهم اجعل عن يمينها نوراً حتي تبعثها اّمنةً مطمئنة في نور من نورك.
اللهم انظر اليها نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنها فسيح الجنان واغفر لها يا رحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنها فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انها جاءت ببابك وأناخت بجنابك فَجْد عليها بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمها رحمة تطمئن بها نفسها وتقر به عينها.
اللهم احشرها مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشرها مع اصحاب اليمين واجعل تحيتها سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشرها بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعلها من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيها عليك ولكنا نحسبها انها اّمنت وعملت صالحاً فاجعل لها جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيها نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائه واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُ.
اللهم اجعلها في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنها صبرت علي البلاء فلم تجزع فامنحها درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انها كانت مصلية لك, فثبتها علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انها كانت صائمة لك, فأدخلها الجنة من باب الريان. اللهم انها كانت لكتابك تالية وسامعة فشفع فيها القراّن وارحمها من النيران, واجعلها يارحمن ترتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأتها أو سمعتها وأخر حرف تلته. اللهم ارزقها بكل حرف في القراّن حلاوة, وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمها فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنةً. وادخلها الجنة فانها كانت بنبيك مصدقةً وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهـم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين, وعرق منا الجبين, كشر الانين والحنين. اللهـم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب, وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات, وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي, واذا توعد عفا, وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لنا ولها، واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلها الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).




ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 22 يونيو 2015, 12:18 am

خليفة عطيتو.. ملك العافية الغائب 
من الحنين ما قتل في لجة الأشواق التي نكابد عبورها.. نسبح ويصيبنا الفتر والرهق حين نعبر يم ذكرياتنا الطيبة في مراتع الطفولة والصبا والشباب مع أحبتنا الذين فرق بيننا وبينهم الموت أو رحلة العيش الضنين، وكلانا غادر من غير وداع وهكذا حال الدنيا تفرقنا أيدي سبأ، وتبقى الذكريات قارب نجاة وامل لحلم مؤجل ربما نلتقي ذات يوم نحمل أشواقنا الدفينة وماضي أيامنا التليد والجميل والمليء بالشقاوة والبراءة والشغب والجنون ونعيد من جديد نغني ضمن جوقة واحدة بذات النغم الذي ألفناه وعشقناه!!  
يظل حنيننا تراتيل متقدة لتلك البقعة الطيبة التي علمتنا الكثير ولا تزال تلهمنا مصائر الدروب الخضراء رغم انحسار العمر وانقضاء الكثير منه ونحن في شقاء البعد عنها.. ويبقى المصنع جذوة نارالحنين المتقدة والوطن الواحد الذي لا نعرف غيره.
حقا انثال خاطري وسرح في دنيوات انفرط سربها وانساب دمعي لجلال تلك الأزمنة والأمكنة المزهرة بأولئك الطيبين الذين افتقدهم المكان والزمان، فذكرى وجودهم لا تبارح دوحة الخيال وما اندحنا فيها الا وغشانا عبير الأماسي حتي تأتينا نسمات ذكراهم بردا وسلاما علي مسامعنا وترسف في أغلال البقعة الخضراء بلون قصبها وطعم سكرها الحلو المذاق وعفوية إنسانها الوريف والدافيء في حرارة إنسانيته.
نعم يأتي دفق الذكريات ولحظات الحنين على حِين غِرَّة.. تباغتك وانت في شاغل عنها حتى تجد نفسك بين مراتع الطفولة والصبا والشباب متسربلاً بابتسامة معبرة عن عيون تنهمر بالدموع الصادقة كأنك تتمتع بمشاهدة عوالم سماوية في حضرة صافية مرت سريعة.
إن الذكريات التي تعبر على عجل وتقيم ما شاء لها الوقت وحصته، ماهي إلا جزء يسير من ماضي عاشه الإنسان يستحيل معه الرجوع لتلك الآونة، هي سيل ذكريات سلسلة وعذبة مع أقران ومعارف وأهل ربما قد ارتحلوا عن دنيانا الفانية أو ساحوا في أركان الدنيا العريضة نتيجة وقائع مستحدثة وظروف بالغة التعقيد. 
أروع الذكريات هي تلك المشتركة بينك وبين من تعرفت عليهم خلال مسيرتك القصيرة في الدنيا أوان الطفولة والصبا والشباب، وهي تلك التي قرنت بين متاعب الحياة وأحلامنا المحلقة بأجنحة عريضة.. دائماً تعود بنا إلى القَهْقَرَى وأناشيد القهقهة التي نرددها بصدق وعفوية وبراءة وصفاء يغشى النفوس والأرواح والعقول والأجساد حيث تستقر بكل سهولة.
ذكريات مفعمة بالحنين والشوق في تضام وثيق بكل المشاهد التي صنعها شغبنا وجنوننا، واتصالها الحميم بتكوين شخصياتنا ضمن ذلك النسيج المصنعجي الوافر المحبة.
فللذكريات لذة وعذوبة أياً كانت لونها هي ذات طعم واحد لا يتنوع تنمو بسائر أرداف المكان والزمان مهما اختلفت منازلهما وتزداد عبقا بتقدم العمر حينما يمسي الإنسان وحيدا بلا أنيس وبعيداً عن أولئك الذين شاركهم صناعتها ذات يوم.. ويبدأ الإنسان في رحلة البحث بشغف كبير نحو تلك الأيام الصبية والغضة في أمل إعادة  ملامح نفس الشخوص التي مرت من قبل ضمن جوقة لخليطٍ من الأقران او الأشخاص الذين كان أمرهم واحد حيث فتنوا بتقديم مقطوعاتٍ موسيقية ذات أَنغاماً مُتآلفةً في آنٍ واحدٍ. 
كلما ركضت باتجاه أرخبيل ذاكرتي وهرولت أجد قلبي هناك متسربلاً بضياء الوجوه النيرة والحقول الخضراء.. والشوق يتدفق بلا وعاء يسعه إلا تلك الضلوع المنهارة بفعل رطوبة الأرض وروائح الأمطار الشتوية المثقلة بعطن نتن وأجواء لا تشبهنا.
مساء ملبد بغبار الضباب وطقس غائم في درجة حرارة باردة من شتاء العام الماضي.. شاء حظي أن أكون فيه عابراً لجسر يربط بين المنامة وجزيرة المحرق بالبحرين في محاولة مني لمعالجة أدواء البدن العليل ولعلها على الأقل عساها هروبا مما نحن فيه من سجن كما نحس أحياناً.. وقتها وجدت نفسي وسط ضجيج صاخب وفي ذات الوقت منشغلاً بتحديق غامر في وجه قمر يملأ أقطار السماء ويحاول أن يفلت من أسر غابات الأسمنت بعنت مهول صوب البحر الذي أمامي.. ألحظ ذلك بقلب متعلق بحبال وترية لصوت غائب عني في تلك اللحظات تحديداً.. حاولت كثيراً والمقارنة بونها شاسع بين سحب الضوضاء الماثلة وأوتار المغني الغائبة.. صراحة لم أجد غير نفس هائمة وغائبة في دوامة ذكريات عادت بي إلى سنوات خلت.. سنوات ربما تعود إلى أكثر من عقدين من الزمان.. عدت جزلاً وأكثر حبوراً متلبباً فضاء المكان.. المكان المقدس والأقرب الى قلبي دوماً.
تذكرت أربعة أركان مدرسة الحلة الإبتدائية بنات (ب)، ولاح لي من بين ركام الذكريات على نحو خاص ركنها اليماني كما يحلو لي أن أسميه.. ذلك الركن القابع في الناحية الشمالية الغربية من سورها المزدان بأشجار الكتر والمسكيت والمشبع بروائح الباشندي والمجاور لشارع الردمية شيخ شوارع الحلة ورائحة الكوارع العابرة من مطعم قريب بتلك الانحاء.
وفي ذلك الفضاء العامر بالأصدقاء والعابرون بين أعطاف الليل المائل إلى السكون والهدأة الفاترة والمالحة كنا نتسامر على مهل المحبة والرحمة في كل شيء ونحلق في البعيد والقريب ولا نروم وطناً آخر غير المصنع.. وفي ذلك الليل المعطون بأريج روائح شتى تغمرنا اللحظات الدافئة بكل عبق وطيب يفلت من بين نوافذ البيوت الطينية كما يغمرنا ذلك الصوت الشجي الذي بان لي وظهر بين ضياء القمر المياس.. انغام مسكونة بالإلفة والحنين وروح الأخاء وطعم أواصر المودة التي تربطنا جميعنا؛ قبيلة المصنعجية.
ذلك الصوت الغائب أوحي لي بالمقارنة في لحظة فارقة من الزمن بينما جسدي مشغولاً وقتها بعبور الجسر بأعجل ما يكون، كان القلب ينفق وقته هنالك بجوار (ب) بنات ومعلق باستار المغني الجميل خليفة عطيتو صاحب الصوت العذب والريان بالود.
حينما يقودك الحنين لا مناص ولا طريق إلا تلك الدروب التي تعرفها في مراتع طفولتك وصباك وشبابك وقتها تتلاشى أمامك كل الأمكنة الجميلة ومهما كان صفاء روعتها فلا شك تجد نفسك متكورا هناك بكل أريحية.. صراحة منظر القمر ذلك المساء وهو فاتك لستر الليل جعلني اغادر دون تفكير إلى مدرسة (ب) بنات وايام جميلة مما استدعى الكثير من الذكريات وقفز الى ذاكرتي بهاء الراحل خليفة عطيتو وغيره من كان يشاطرنا تلك الجلسات المتخمة بالعفوية والطرافة والأنس الشفيف.
وما زلت محتشدا بكل التفاصيل الدقيقة لتلك اللحظات العابرة التي يقضيها خليفة عطيتو بجوارنا مترنماً بلحن ملك الطيور أو غيرها من روائع الفنان الراحل أحمد الجابري الخالدة وهو واقفاً بنظارته العتيقة ليس بعيدا عن دراجته التي لا يركلها البتة إلا عندما يشدو بأعذب الأغنيات كأنه ممسكا بالعود عازفا عليه بطلاوة.. وقتها لا تستطيع أن تفرز كلمات الأغنية عن موسيقاه المولدة من لسانه الزرب ومع ذلك يحني أو يعقل رجله كما كان يفعل الجابري إحتراما لفنه.
وعند خليفة تعلمنا فن الإصغاء لروائع الفنان الجابري المجيدة والتي لو لاه لما تعرفنا على تلك العوالم الباذخة من فن الغناء السوداني الحديث خاصة هذا العملاق الذي غنى وسطر أجمل الألحان في دنيوات الغناء الأصيل.
حفظنا وقت عبوره اليومي المنتظم لفترة طويلة من الزمن وادمناه وكنا ننتظره بشوق غامر كلما حل المساء وأرخى سدوله على نهار المصنع الأسمر طاوياً حرارة الشغيلة ومحيلها إلى نسيم عليل يغشى كل الدروب التي تنضح بالسكر.. والمرحوم خليفة مطرب من الدرجة الأولى ضل طريقه إلى دنيوات الإبداع وأخذته مهنته في قسم الصحة نهاراً مسؤولاً عن صحة الجسد الأخضر وعافية المجتمع كما كان مسؤولا بدرجة إحترافية في تطبيب الناس في نواح الحلة كلما اِدلَهَم الظّلام واشتد سواده، حاملا مضادته وحقنه بحرفية متناهية قلما تجدها هذه الأيام الكالحة.
ومن غيرك يمنحنا بنسلين النغم و(الفتيل) ويجمل وجداننا هذا المساء ويطبب القلب المعلول يا خليفة!؟ حقاً قمر ضاحك في ليل صاخب وملك طيور غائب.. رحمة الله عليك.
ما زلت على سؤال ابيت عليه كل ليلة أو كلما دق طارق على أبواب قلبي.. لماذا لم نر الراحل خليفة على مسارح المصنع مغنياً كأقرانه أم كان ذلك ذات يوم قديم من أيام المصنع الجميلة...؟ خليفة كان صاحب صوت مشبع ومترع بفيض الأشجان والانغام.. 
في مقام ذكر الحبيب الراحل خليفة يطيب لنا أن نترحم على أولئك الذين منحوا العافية لأهل المصنع سنينا عددا حيث كانت أجسادهم نهبا للبنسلين ذات يوم على يد الراحل محمد عثمان شاويش، وكمال تقى، وبازوكا، وهاشم جمعة، وبابكر القديل رحمة الله عليهم جميعا.. بلا شك فاح طيبهم وعبق عطائهم الثر بعافية شدت أركان مدائن الحب وضهاريها..
دمتم بعافية دون بنسلين كل أحبة المصنع كما القماري تلد صغاره بلا مضادات ولا حقن (رحمة الله عليك شاعرنا حميد)..
وتبقى الذكريات وبصمات من رحلوا عن هذه الفانية تحتل خلايا الضلوع.. رحمة الله على الراحل خليفة عطيتو وغيرهم من عطر أمسيات المصنع الجميلة وكان عودها الفارع... كما تحياتي لأهل السكر سابقا والآن الذين يمنحون للمكان عبقه ولونه وحيوته.
حقاً عجزت عيني أن تراهم ولكن لم يعجز قلبي أن ينساهم.
اللهم أرحم حبيبنا جميعا، الراحل المقيم، طيب الذكر، خليفة عطيتو، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وحلفا الجديدة، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.
اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف عائد السيد في الإثنين 22 يونيو 2015, 11:29 pm

الامام الشهيد عبدالله تاي الله .. امام مسجد البركس العتيق في الثمانينات
وتسعينات القرن الماضي والذي حدثت وفاته على مااذكر في معسكرات
الدفاع الشعبي نتيجه لاصابته بوعكة اثناء التدريب..
كان رجلا صارما وعالما متمكنا وصوفيا غيورا على دينه ... لازلنا نتذكر
خطبه الرصينة في الجمع والاعياد ومصادماته ومناظراته لكل من يخالفه
الرأي في امور الدين ...
ويحسب له انه أحسن تربية أبنائه وتنشئتهم على قواعد واصول الفقه والورع ,,
فهاهوإبنه الدكتور يوسف مدير مستشفى تمبول قد شب على اكتساب العلم
دينيا كان أودنيويا... كيف لا وهو الذي شنف اسماعنا بالاحاديث النبوية منذ صغره
ونحن في المدرسة المتوسطة حيث كان يوميا يقدم لنا حديثا نبويا في طابور الصباح..
ولاننسى كذلك ابنه الدكتور دفع الله عبدالله تاي الله وللاسف لاادري اين حل به المقام الان ....
عموما الشيخ عبدالله تاي الله كانت له بصمات مؤثرة خلال تلك الحقبة من تاريخنا المعاصر
حيث كان بمنزلة الغدوة التي نستبين بها سبل الحياة وكثير منا قد نال اقساطا ودروسا في
العلم والاخلاق وقول الحق والغيرة على الدين في تلك الفترة الزاهية ....
" أيها الناس تزودوا فان خير الزاد التقوى واحذروا اسباب سخط الجبار فان أجسامكم
على النار لاتقوى ,, واعلموا انكم غدا بين يدي الله موقوفون وباعمالكم مجزيون وعن
افعالكم محاسبون وعلى تفريطكم نادمون وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون
واعلموا ان الله امركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته مسبحة بقدسه وثلث بكم
ايها المؤمنون من جنه وانسه فقال: ان الله وملائكته يصلون على النبي  ياايها الذين امنوا
صلوا عليه وسلموا تسليما,, اللهم صلي على سيدنا محمد صاحب الوجه الانور والجبين الازهر ,,
صلاة تنحل بها العقد وتنفرج بها الكرب وارضى عن اصحاب نبيك اجمعين ابوبكر وعمر وعثمان
وعلي وعن التابعين وتابع التابعين ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين وإنا معهم بكرمك ورحمتك
ياارحم الراحمين .. اللهم تب على التائبين وأشف مرضى المسلمين,,اللهم أعز الاسلام والمسلمين
وأزل الشرك والمشركين ودمراعداءك أعداء الدين ,,
اللهم اغفر للاموات ونور لهم قبورهم وأرضى عن الاحياء ويسر لهم امورهم واكتب الصحة والعافية
والتوفيق لنا ولسائر المسلمين في البر والبحر أجمعين ....
كانت تلك نفحات من خطبة ودعاء الجمعة للشيخ الجليل عبدالله تاي الله حفظناها
على ظهر قلب نسأل الله أن يجزيه عنا خير الجزاء وأن يتولاه بواسع رحمته ويسكنه
الفردوس الاعلى مع الصديقين والشهداء ويجعل البركة في ذريته ولاحول ولاقوة الا بالله
وإنا لله وانا اليه راجعون..


عدل سابقا من قبل عائد السيد في الإثنين 22 يونيو 2015, 11:49 pm عدل 2 مرات

عائد السيد
الادارة الفنية
الادارة الفنية

عدد المساهمات : 1020
نقطة : 5436
تاريخ التسجيل : 04/02/2011
العمر : 41
الموقع : سكر حلفا
المزاج : inconsistency

http://halfasugar.mam9.com/u73contact

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 22 يونيو 2015, 11:34 pm

صديق الناظر..  سبورة الأيام الخالدة




ثمة شجن لا تجد له اتساعا إلا في تلافيف ذاكرتك الخربة كلما مضى الوقت نحو الأفول.. مشاعر من الحزن تتقد كل لحظة ولا يمكن لك أن تجد لها رديفاً بين تعابير اللغة.. ذلك الذي تحسه مصرورا بين الضلوع ما برح ينخر ببطء على جدار الأزمنة والأمكنة التي عرفتها صغيراً.. شعور متدفق مع وجيب القلب.. صوت خفقان باضطراب ورجفة كلما فر واحد هارب من أركان البقعة الخضراء نحو الأفول والتلاشي.. إلا من روحه العذبة وإنسانيته المنهمرة كالرذاذ على حقول البلد.. وبلد مثل المصنع يجعلك مرتبكا كلما تحسست ذاكرتك وبحثت فيها عن الممكن والمستحيل.
الأمكنة كثيرة كلما دلفت إلى أرخبيل المصنع وطرقت أبوابه العديدة.. أمكنة كلها تزهو بالنضار والجمال والجلال في انتظام يشع مع صحو شمس تشرق كل يوم وترسل خيوط أشعتها بحب ومودة مندلقة على أديم الأرض الطيبة.. أرض انجبتنا ومنحتنا لونها الوهاج وسقتنا من ذرات ترابها الناعم وأريج نسيمها العطر بكل حنان وحب.
لا يمكن لإي تلميذ أن تكون ذاكرته خالية من أثر ولمحة، ومخيلته على مبعدة عن كل ما يخص ناظر المدرسة دعك من المدرسة ذات الحوش الواسع الأطراف في إي مكان تغشاه مجانية التعليم وقتذاك. وبرغم رهبة المكان وهالته إلا إنه خلق وهجاً متميزاً في نفوس أهل أي مجتمع شهد ضجيج صوت الجرس الذي ينهش إجواءه وصفاءه وصفوف التلاميذ المتراصة والتي يفيض بها حوش المدرسة.
ناظر المدرسة دائما ما تكون حوله هالة ورهبة مسيطرة على أذهان الجميع كما انها مشبعة بحكاوى الخوف والتقدير والاحترام والتوقير والتبجيل وعلو المقام وكل ما يتصل بحياة الناس من تنظيم وترتيب حتى على صعد أخرى تجد فيها أنفاس المدرسة متصاعدة ومتعانقة بأرواح البشر.
وفي ذاكرتي ناظر واحد رغم إنني لم احظ بالجلوس أمام حضرته في المدرسة إلا أن هيبته وأحترامه كانت فاضت وغمرت الجميع وملأت فضاء الشوارع والبيوت وكل أركان المصنع بجلاله المهيب واناقته المفرطة في وأد كل قضية لا تناسب أخلاق واعراف وعادات المجتمع.. وفي بيته كنا كأننا في فصول المدرسة نكاد من فرط صلابته أن نغادر البيت ولكن قفشاته تلين الموقف وتذيب جليد الخوف وما تراكم من رهبة... الراحل المقيم الناظر صديق الطيب الصديق والذي جاء عقب امتداد جيل من العمالقة أمثال الناظر عبد المحمود احمد عبد المحمود والناظر حامد والناظر عبد الرحمن والناظر حسن الطيب وغيرهم من كانوا على دفة قيادة مدرسة (أ) بنين الإبتدائية.
عمنا الراحل صديق الطيب الشامخ والمربى الجليل تعجز المفردات أن توفيه حقه من الثناء العاطر لذلك الوفاء المفرط والنادر في حفظ مكتسبات مؤسسة التربية والتعليم حتى تلك الأزقة البعيدة عن حدود التزامه ومهامه. 
جاء منقولا من مدرسة بالقضارف مديراً إلى مدرسة (أ) الإبتدائية بنين تقريبا العام 1984م إن لم تخن الذاكرة ووضع بصمته ضمن  تاريخ مدارس المصنع الجميل حتى تاريخ مغادرته في العام 1992م. معلم تعلقت به قلوب تلاميذه بظرفه ولطفه وحيويته والتي لا يحدها سوي الالتزام. وعبره عرفت مدرسة المصنع (أ) سعة علومه وادابه ولغته وسمته وخُلقه وكل شيء بما يتصل بدنيا التلاميذ وآخرتهم. فباتوا معه على عشرة ومحبة ومودة لا تفصلهم عنهم حتى لحيظات أحلامهم الطفولية الواهية خيوطها.
ذلك الناظر لا يزال يحتفى بمحفل حضوره الوهاج في كل قلوب الذين تعلموا في مدرسة مصنع سكر حلفا الجديدة الابتدائية (أ) خلال تلك الفترة الممتدة من منتصف الثمانينيات إلى مستهل التعسينينات من القرن الماضي. 
وبحكم بعدنا عن مدرسة (أ) عقب انتقالنا إلى مدرسة المصنع المتوسطة بنين في العام 1983م، لم نعد نعرف ما يدور في دهاليزها وفصولها وحوشها الماهل الذي اتسع لشغب كل ابناء المصنع خلال عقود كثيرة.. وشهد ذات يوم شغب اولاد بامبى وهاشم حريري وعبده كنديسة وعيسى ود فور والمرحوم ابو بكر جمعة وعبد الله قنونة وكمال طاحونة وادم بركة والمرحوم عبد السلام حاج صابون وحسن وحسين تيمان علي يعقوب وغيرهم من مهروا وخطوا اسمائهم بأحرف من نور على جدران المدرسة.
انسربنا إلى دنيوات أكبر وأكثر اتساعاً لإحلامنا، وغبنا في عوالم جديدة بقبلونا بمدرسة المصنع المتوسطة بنين، ولكن فجأة في ميدان خمسين بيت لكرة القدم من غير معياد نلتقي أشهر لاعب كرة قدم حريف وماهر يجيد استعمال قدمه اليسرى بيننا بدون اسم مما دعانا أن نطلق عليه اسم الوطن، ومعه آخر صغير اسمه محمد. ولم نكن نعرف للاعب الجديد والفنان وذاحب المهارات المتعددة اسما سوى الوطن.
وعاش بيننا لفترة طويلة بهذا الاسم حتى طغى على اسمه (بهاء الدين)، والتي بدأت من العام 1984م إلى 1992م. فترة كانت كافية لنعرف كل ما يدور في بيت الناظر وبذلك تزول رهبتنا من هذا الحوش بأسرع وأيسر ما يكون.
وبذلك يصبح بهاء الدين صديق صاحب الفنيلة الخضراء التي كانت مكتوب عليها اسم الوطن زميلا لنا في الفصل الثاني بمدرسة المصنع المتوسطة، وكذلك محمد صديق في الفصل الأول المتوسطة، والأخ يوسف صديق في الفصل الثاني بمدرسة الأكاديمية بحلفا الجديدة، والأخ الأكبر زاهر صديق والذي ظنناه في البدء عم الوطن وإن كان في الأصل شقيقهم الأكبر، وبالتالي أصبح جزء من نسيج علاقتنا بتلك الأسرة الجميلة، والتي شكلت وجداننا ولقحته بالجديد خاصة أنهم ابناء مدن ووقتها قادمون من قضروف سعد وأصحاب تجارب مختلفة وثرة.
وفي خلال فترة وجيزة جدا عرفنا في ذلك العام 1984م، أن المدير الجديد لمدرسة المصنع الابتدائية (أ) الناظر صديق الطيب هو والد الوطن. وبذلك توطدت صلتنا بالبيت في علاقة باهية ومستقرة لا تزال محط اهتمامنا منذ ذلك الزمان رغم التبساها بين الحين والآخر من سطوة سيد الناظر.
ولم نكن نحتاج إلى تذكرة عبور لدخول بيت الناظر إذ كان بيننا بهاء الدين حلقة وصل فاقت كل توقعاتنا وبات البيت محور علاقات عديدة بكل أهل المنطقة في توافق يندر مثيله. وكان مركز مسرح كل ألعابنا وهمومنا وشغبنا وامتدت علاقتي داخل البيت بالصديق الرائع الاستاذ يوسف صديق فاكهة البيت ونضاره على خطى والده الراحل المقيم رحمة الله عليه. وتشعبت علاقات الجميع بهذه الأسرة بصورة مثالية وأخوية نادرة وأسرية. واندمج آل البيت؛ بنينهم وبناتهم بأهل المصنع بسرعة وصاروا رحى كل حركتهم بالمنطقة ومثار علاقات منفتحة وتحت دائرة الضوء وزالت غشاوة الرهبة عن محيا البيت وصاحبه الناظر.
وتمثل ذلك التداخل في العمل العام الذي كان وقوده يأتي من هذا البيت بلا من ولا أذى وكان الإخوة زاهر ويوسف وبهاء الدين ومحمد ركيزة حراكه الكبير في كل شيء يخص المنطقة ولا يتأخرون في النداء وتلبيته، وعلى خطاهم الأخوات فريدة وغادة نحلات رابطة حي الموظفين. وكما شكل ثلاثة من فتيان البيت، يوسف وبهاء الدين ومحمد، ركائز لفريق الرابطة الرياضي لكرة القدم والتي تمثل حى الموظفين في منافسات دوري المصنع. وبالطبع لن ننسى زهرات البيت والأقرب لوالدهن سارة ونسرين وسوسن، وأيضاً الشاعرة اسماء الجنيد، والتي كانت ولا تزال بعيدة عن الأسرة في خارج البلاد. 
بلا شك لن ينسى جيلنا وميض وجهارة هذا البيت المتوهجة من أصوات أقلام الرصاص ولون الحبر الأزرق، وصلابة كتب تهدينا سبل الرشاد في حيواتنا المختلفة، وشخبطات كراسات من أثر حبرها الأحمر علامات تنير دروبنا أينما مضينا، وسبورة نتكيء عليها كلما ادلهمت حياتنا وافرخت دامس الليل.
وتبقي سيرة الراحل صديق الطيب حية رغم أنه فارقنا جسده الطيب الطاهر يوم 16 من مايو عام 2001م، وبل تبقى أكثر من مجرد ذكرى لطالما وطد بنيانها بيده وسطرها على سبورة الأيام الخالدة منقوشة بأحرف من ذهب ومنضدة في علو شامخ. 
اللهم أرحم حبيبنا جميعا، الراحل المقيم، طيب الذكر، صديق الطيب الصديق، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر والجنيد الحلة، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 24 يونيو 2015, 12:21 am

أبو بكر جمعة... صاحب النخْوة والجسارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم أتوقع أن أجوس عبر الزمن وأعود القهقرى حتى يأتي وقت مثل هذا واشحذ ما تبقى من الذاكرة من أجل دفق ذكريات غابرة طوتها السنوات برفق تحت الركام.. أربعة عقود من مهل حزم الوقت الباهية التي مضت وانزوت من كتف الحياة وأضحت كجمر تحت الرماد ينتظر أوان الوقت حتى يهب عليه ريح يجزع رقدته وينثر لهب شوقه ونار حنينه على الملأ مشتعلا بهشاب الذكرى.
أي ذكرى تلك المصونة من عبثية الحاضر وسوح أطلال الماضي! والتي شاءت لها صروف الدهر أن تحيا من رَواء رَكِيَّة الإنسانية بغير طمر ولا غمر... فويق سطح الأرض كـ(جمام) يمور بعذب الماء و(سرف) يهدر بين أجمة البلد الطيب؛ سدرة مبتدانا ومنتهانا.
ويبقى الايمان عميقا بحب الأرض التي مهدت لنا طريق الحياة، والذي لن يتزحزح قيد أنملة وإن انهالوا علينا بزُبر الحديد المصهور وباعدت بيننا الأيام في بيداء مسيرها الطويل... وإن فشلنا؛ اللُّحْد منها يكفينا على ضيقه أرحب ما يكون بأرض المصنع (هاش هاشون).
وغبنا عن البلد أطول ما يكون وهي سيرة ما أنفكينا من ترتيلها كل لحظة مشحونة بالبأْس، والسطوة, والوجع, والوَصَب... ولا مناص إلا ألم البعد ودوران كثيف لا يمل حول المكان.
ولا أجد أعذب من بين ذكرياتي سِوى أن أسوح بين مجالس الدرس والدفتر وملازمة العلم.. تلك أيام مسقية من شقاوة الطفولة وعنفوان الصبا ومنسوجة بخيط رفيع مشدود الى البراءة والجهل والجنون.
رغم الغياب تبقى بعض الشخوص أكثر حضوراً ووهجاً في ذاكرتنا إذ جعلها الرحيل خالدة بين طيات الوقت لا ينكسر محياها الوسيم بنضارة عود قصب السكر الطاعم.. ولعل رفقة الطفولة والدراسة محور كل حديث نثيث من غيم الحكي.
وكانت مدرسة مصنع سكر حلفا الجديدة الإبتدائية (أ) بنين مسرحا لأقران وزملاء من شتى رهود المصنع وبقعه الخضراء الممتدة على امتداد البصر.. وفيها التقينا بإخوة لنا أصحاب نخوة وجسارة وبسالة وبطولة ولا زالوا على العهد باقون ويمضون بذات الوتيرة بكل رباطة جأْش وشِدَّة وحب ومودة في تلك العلاقة التي ربطتنا بالدفاتر وأسنة أقلام الرصاص وتشارك المحبرة والكتاب والمجلة، وهم كٌثر.
أذكر على نحو خاص فحولة رفيق كان صاحب أَنفة, وحَمِيَّة, ورُجُولة, وشكِيمة, وإقدام, وثبات, وجأْش, وجراءة, وجسارة, وحماس, وشكِيمة, وصرامة, ومُرُوءة, ونجدة, ونخْوة, وهِمَّة.. لا يعرف انصاف الحلول ودوما على رمضاء المواقف يمشي دروبه الشائكة ولا يعرف الجُبن, والانهزام, والخوف, والضُعف, والهلَع, والإِحجام, والتراجع, والتكاسُل, والتوانٍ, والتردُّدٌ, والتَقاعُس, والخور, والرهبة, والفَشل, والنكوص, والوهنٌ.
هكذا عرفته فيما يبدو لي تقريبا في العام 1979م، ونحن تلاميذ في الصف الثالث إبتدائي وأرجو يكون صحيحا ذلك.. لا أذكر له وجود قبل هذا التاريخ وإن كان ربما تم قبوله معنا في مطلع العام 1977م.
على كل حال، ظهر أبو بكر جمعة أبو بكر بيننا وسيما في طلعته وشغبه وسهولته ومشاكسته لا يركن إلى جانب مهما كانت الإغراءات والمعطيات والترهيب والترغيب وما سيلاقيه من عنت من قبل المعلمين.. لا يهاب أحد داخل حوش المدرسة ومع ذلك كان حنينا وعطوفا وطيبا وودودا إذا اقتربت من ناصيته وصحبته.. شاء حظي أن اكون بجواره على دكة الكنبة الخشبية الخضراء في ذلك العام الذي تعرفت فيه علي شخصه الكريم والأنيق وصاحب الملح والنوادر والبسمة التي لا تفارقه إلا أوان صعود جام غضبه الطامح والطافح الذي لا يرد.
المرحوم أبو بكر نوع نادر من شباب المصنع المكافح والطموح وصاحب روح وثابة إلى المعالي لا تحده حدود وفي سبيل ذلك يعبر الصعاب والمفازات بصبر على المكاره.
ومن أغرب ما رأيته في سلوكه لم يكن صاحب هواية مثلنا حتى ينشغل بها عن ملاوة الوقت وتضاريسه القاتلة.. دوما يبيت على شوك المزاح والعجلة حيث ينثر ضحكه المجلجل بلا حساب ولا قيود اذا وثق في رفيق باذخ ومعدنه كريم.
وصحبتي امتدت به حتى وصلت دارهم الوريفة بالحارة الثانية جوار مدرسة مصنع سكر حلفا الجديدة (ب) بنات وشارع الردمية العريق، وصرت في فناء الدار أحد ابنائه وتعرفت عليهم عن قرب فكانوا لي خير أهل ومعارف في دروبي المتعددة بالمصنع... وكان المرحوم عم جمعة نعم الأب والقائد مع أسرته في ظل رفقته الماجدة مع والدتهم الطيبة وصاحبة القفشات، وكذلك الاخ الفاضل محمد وعبد الوهاب وعبد الرازق وجعفر ومجدي رحمة الله عليه وصغيرة البيت وزهرته أزاهر.
ووسط تلك الأسرة ترعرع الماجد والفتى أبو بكر وشب عن الطوق حتى غدا ينجز عمله ومتطلباته الشخصية بل زاد عليها جزءاً من مسؤولية البيت.. وتنقل من شغل لآخر حتى غادر السودان إلى الخليج في رحلة مشبوبة بالمخاطر والصعاب ومن ثم عاد إلى المصنع واستقر فيه لفترة.. ومرة أخرى غادر الى منطقة الحفاير على مشارف ضفاف الاتبرواي الشرقية في عمل تجاري خاص به.. وفي تلك المنطقة انتقل الى رحاب الله في نوفمبر 2003م تقريبا، وبذلك فقد المصنع شابا جسورا ومقداما ومغوارا وصاحب فطنة وأريحية وصولات لا تنتهي.
وما جمعني بالراحل المقيم أبو بكر الكثير من المواقف غير رفقة الدروس والدفاتر... في العام 1994م أسر لي بتفاصيل مغامرة - يروم صعابها -  ما زلت ممسكا عن الافصاح والخوض في سيرتها.. لا لشيء البتة فقط ربما لم يكن المناسب ان أجرد قشرتها وأبذلها للعابرين والأصدقاء والأهل.
مسارت بدت لي غريبة في تفاصيلها ومدن ومناطق اعرف بعضها والبعض اجهل سوحه... نيالا، والجنينة، وادري، وابشي، وانجمينا، وعسري، وعم بوري، ويروا، وكانو.. ويرد ضمن هذا الزحام اسم الانسان صاحب الملامح والقسمات الأبية رحمة الله عليه محمود آدم بشير، ابن المصنع الأصيل والضابط السابق بالقوات المسلحة التشادية.
حان الوقت للبوح عن تلك التفاصيل لطالما في سيرة الخالد فينا الراحل أبو بكر.. رحلة تبدأ من المصنع للخرطوم ومنها للأبيض والفاشر حتى طينة السودانية والتي سنلتقي فيها كم هو مخطط لنا بشخص اسمه (الهادي عثمان) بتوصية من الزميل والأخ عز الدين بخيت برقو.. ومن ثم نسلك الدرب إلى انجمينا ونبحث في سوقها عن دكان علي ابراهيم حتى نصل (بخيت برقو) او على الأحرى سوق (نسوان السكر) كما لا تزال ذكرى تلك الأمكنة حية بين الضلوع.
ولعل مبعث فخرنا سنكون بمعية الاخ وابن المصنع الأصيل المرحوم فخري الدين على إدريس جيلاني الموظف وقتها في سفارة المملكة العربية السعودية في مدينة كانو بنجيريا وكذلك الاخ ابن المصنع الجميل والرقيق ناصر محمد احمد المشهور باسم (ناصر ابو شيبة) على عنوان وهاتف أرضي واحد.
كل ذلك ليس مهما عندي فقط تهمني تلك الرحلة التي قطعت جزء من فيافيها مع الراحل أبوبكر واخلفت وعدي بالالتزام باكمالها حتى نصل الى مبتغانا صوب دول الخليج عبر هذا الطريق الملتف الطويل والوعر والمليء بالصعوبات عن طريق دولتي تشاد ونيجيريا.
غادرنا باكرا المصنع اوان نهاية صيف العام 1994م صوب الخرطوم التي مكثنا فيها نحو (48) ساعة فقط حتى وصلنا الأبيض.. وهنالك تحللت عن عهدي مع الراحل للسفر الى الفاشر لظروف طارئة ألمت بي مساء اليوم نفسه الذي وصلت فيه وسرعان ما غادرت صباح اليوم التالي عائدا إلى الخرطوم والتي قضيت فيها ليلة من أقسى الليالي التي مررت بها حتى سافرت فجر اليوم الثاني الى الشمالية لأسباب خارجة عن إرادتي والتي مكثت بها نحو أربعة أيام وعدت ادراجي للدلنج عبر الخرطوم والحصاحيصا ومدني والابيض طالبا مرة أخرى بكلية التربية – احياء وكيمياء والتي لم اكمل بها العام نفسه حتى وجدت نفسي مرة أخرى في دروب الدراسة موزعا بين عدد من الكليات بمدينة الخرطوم.
وفي تلك الرحلة اكتشفت رجلا من نوع آخر، وصاحب عزيمة وجهارة في مسيره نحو المجد.. إذ كنا نخطط الى السفر لـ(نيجيريا) حتى نجد لنا فرصة دخول الى دول الخليج في مغامرة جريئة عبر أتونها المرحوم أبوبكر لوحده حتى عاد منها فيما يبدو بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ وإن كان قد كسب رهان المغامرة والمعرفة وشق الديار.
لا إدري ماذا قائل في رجل عاشرته عن قرب وخبرت دروبه عن كثب وبل من بين داخل داره التي احتضنتني وقدمت لي الكثير.. عاجز عن القول وشهادتي مجروحة في تلك الأسرة المصنعجية الرائعة التي رفدت البلد بكل خير وسيرة طيبة.
اللهم أرحم حبيبنا جميعا، الراحل المقيم، طيب الذكر، أبو بكر جمعة أبو بكر، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وكسلا، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.



اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).


عدل سابقا من قبل ناصر البهدير في الخميس 25 يونيو 2015, 5:28 pm عدل 1 مرات

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 24 يونيو 2015, 11:22 pm

سيد عبد الرجال.. طويل العنق والانتاج




في العام 1976 على وجه التقريب.. وقتها اتذكر جيدا وعلى نحو مفعم بالدهشة والانبهار ونحن في يفاعة الحياة كيف ذهبنا إلى إحدى البيوت لنقطف بعض الزهور لصنع طوق لرئيس الجمهورية جعفر محمد نميري حتى نكلله به كنوع من رد الجميل في عرف الساسة.. تحركنا بمعية المرحومة الاستاذة عائشة سعد الله المشهورة بـ(عشوبة) أمنا الثالثة في رياض الأطفال بعد الاستاذة المرحومة محاسن الأمين بدري والمشهورة بـ(محاسن المرشدة) ومن ثم أمنا الأخرى الجميلة بدرية المصباح متعها الله بالصحة والعافية...
مضينا في صباح باكر إلى إحدى البيوت القريبة من الروضة الشرقية بحى (السنير) وقطفنا بعض من الزهور الصغيرة الحمراء وما زلت اذكرها جيدا بنضارتها ورائحتها المميزة وسلالتها الصغيرة الحجم، ووقتها لم نعي ونستدرك كنه المسألة وما ورأ ذلك سوى ما سمعناه عن زيارة قائد الشعب نميري... فالمهم كان ضمن زيارته المرور على الروضة الشرقية ولكن لظروف ما حدثت لا ندري حيثياتها لم نر النميري وسمعنا به قد غادر على عجالة بعد زيارة عابرة للمصنع للوقوف على سير عجلة الانتاج وارتفاع معدله وتكريم رموز جيل الرعيل الأول الذين وضعوا اللبنات الأولى لحجر المصنع وحقوله الشامخة إلى يوم الناس هذا.
في ضجيج ذلك اليوم كرم فيه الرعيل الأول من عمال مصنع سكر حلفا على سبيل المثال المرحوم العم عوض حسن أبو سوقي الفني بقسم الطواحين بالمصنع وغيرهم من شغيلة السكر الأشاوس.
في ذلك الصباح الباهي من تاريخ السكر كرم رجل من نوع آخر كان صاحب اسهامات وافرة في دفع مسيرة الانتاج بعطائه الممدود واختراعاته محل كل التقدير والصون.. جاء من غمار الناس وكسى البلد حلة زاهية من نمير ذكائه واجتهاده وحسه بالالتزام والمسؤولية.
ذلك الإنسان الذي وضع بصمته ورحل بصمت مثلما ومض حضوره في ستر.. الراحل المقيم سيد عبد الرجال صاحب التاريخ والعطاء الذي بدأ منذ نشأته الأولى بحى كوبر بالخرطوم حيث ترك أثرا طيب ومذكور في حياة الناس هناك.. وما تركه لأهل كوبر لا يقدر بثمن ولا مقابل.. هي منارات لا تزال تستمر في رفدها حتي الآن ويتمتع أهل المنطقة بخيرها.. فقد كان سبباً ووسيطاً في إدخال مياه الشرب لحي كوبر.. وقصته تقول حسب ابنته (بت سيد) بمنتديات مصنع سكر حلفا الجديدة في قصة مشهورة.. (لقد  ذهب إلى خواجه يني في منزله ببحري لأداء مهمة بمنزل ذاك المسؤول المعروف حينئذ، وبعد انتهت مهمته كان هم أهله بكوبر يراوده ولم يضع تلك الفرصة الثمينة طالما هو في حضرة المسؤول... وطلب من الخواجة بمد ماسورة لمياه الشرب إلى داخل حي كوبر، ولم يرفض الخواجة ذلك الطلب بل أخبره بأنهم يخططون لأن تصبح كوبر في المستقبل (مدينة).. وقد صدق حدس الرجل الآن أصبحت كوبر مدينة وفعلا امتدت الماسورة من منطقة شمال سجن كوبر إلى داخل كوبر.. وأضافت ابنته (وازيدكم من الشعر بيت.. فقد كان أول نادي رياضي هو منزلنا الذي نسكن به الآن، قد منحه الوالد في ذاك الزمان الغابر ليكون أول نادي رياضي لابناء كوبر.. وفي أواخر أيامه كان الوالد مؤذناً في فترة أمامة عمنا فضل النبي وعمنا فتحي يوسف رحمهم الله جميعا وأسكنهم الفردوس الأعلي)..
وعمل الراحل سيد عبد الرجال في وظيفة براد تحت مسمى ملاحظ بالورشة الزراعية قسم الترلات بمصنع سكر حلفا الجديدة وقام بتعليم وتدريب كثير من ابناء المصنع، ويعتبر هو المسؤول الأول عن الترلات، وقد قام في عهده الزاهر والمليء بالنجاحات بتصنيع زراعة للقصب ساعدت كثيرا في عملية زراعة القصب وبموجبها منحه رئيس جمهورية السودان جعفر محمد نميري نوط الجدارة في العام 1976م.
وعمل الراحل بالمصنع منذ العام 1969 حتي العام 1983.. وكان يسكن في حى البركس، ولما تدرج إلى الدرجات العليا في الوظيفة مُنح منزلاً في حي الموظفين حيث رفض ذلك العرض وآثر أن يكون مع جيرانه الذين أحبهم وأحبوه مثلما يفعل الكثير من أهل المصنع ذلك الموقف أيا كان الحي الذي تم نقلهم له وهو حنين العشرة ووفاء حق الجيرة.
بلا شك لعب الرعيل الأول دوراً كبيراً ومؤثراً، وامتازوا ببذل قصارى جهدهم في ما يخص المصلحة العامة، وضحوا بامتيازاتهم الخاصة من أجل المصلحة العامة.. وضمن تلك المساهمات قام الراحل سيد عبد الرجال بتعديل تلك الترلات التى أحضرت من ألمانيا لتحمل كميات أكبر من تلك التى كانت تحملها مما كان له الأثر الأكبر فى زيادة معدلات الانتاج.. ويذكر بأن الراحل رفض السيارة التي خصصت له وبل آثر الذهاب إلى العمل بدراجته الخاصة حفاظا على المال العام وضرب مثلا ونموذجا يحتذى به من جيل الآباء المؤسسون للصرح العملاق، ولم يصحب ذلك أدني نوع من الضجيج والكبر من أجل الحفاظ على مسيرة الانتاج في حقول قصب السكر وماكينات الانتاج بالمصنع والذي يعتبر أمانة في أعناق الجميع. 
تميز رجالات المصنع في ذلك الوقت بالإنضباط على مر العهود في الورشة الزراعية، والزراعة، والإدارة والمالية، والخدمات الإجتماعية، والمخازن، والغلايات، والعصارات، وغيرها من الأقسام والوحدات الأخرى.. إذ يعتبر كل واحد من هذه الأقسام سِفر حافل من الإنجازات والتضحيات وتاريخ ناصع يتوجب الحفاظ عليه وتعريف الأجيال الحاضرة به ضمن مقرر يدرس في مدارس المصنع على الأقل كوفاء وتقدير كما أنه تعريف شامل بكل الصعوبات والظروف التي عمل فيها جيل الرعيل الأول من أجل قيام وتنفيذ مدينة مصنع سكر حلفا الجديدة الصناعية والزراعية في فترة وجيزة من الوقت بأقل الإمكانيات والكلفة المالية.
ولعل الأخ عبد الرحمن موسى بحكم تخصصه واحد من جيل الشباب الذين تسنموا المسؤولية من جيل المؤسسون الأوائل يدرك بحسه ووعيه أهمية الإحتفاء، والوفاء، والتقدير لجيل العم المرحوم سيد عبد الرجال بالورشة الزراعية عامة وقسم الترلات خاصة.. إذ يقول في مداخلة له في توثيق لسيرة الرعيل الأول في منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة: "إن أى خلل أو تقاعس في عمل وإصلاح مواعين نقل قصب السكر المحروق من المزرعة إلى المصنع هو فشل مؤكد للمصنع وضياع للقصب وتلفه فى الغيط، فلذلك الترلات من أخطر الأقسام فى الورشة، وعلى طول تاريخها حظيت بالمتفردين أمثال المرحوم سيد عبد الرجال، وخضر توتو، ومعلم موسى أحمد سليمان ومعلم عبد الله بشير، وسعد الله، والعم أحمد ساكن أمد الله فى أعمارهم، والمغفور له المهندس أمين أحمد العوض، وقبله المهندس جمال محمد أحمد المحسى الذى نقل إلى عسلاية فى منتصف السبعينيات ضمن الكوادر التى نقلت لتأسيس ونقل الخبرة للمصانع الجديدة (سنار وعسلاية).
ويظهر في الصورة رجل فارع الطول يقف بشموخ وأنفة وعزة روح الشغيلة مع الرئيس الراحل جعفر محمد نميري في يوم تكريمه ومنحه نوط الجدارة كحال من نال ذلك الشرف الكبير كوشاح من ذهب مكلل بالفخار.. تقلدوه نتيجة لجهدهم وتفانيهم وإخلاصهم من أجل الكيان المصنع الوليد وقتذاك.. صورة معبرة تشيء إلى روح وأنفاس الزمن الجميل الذي اشتعلت فيه جنبات الحقول وعدا وأملا ونضارا محققة حلم التنمية الريفية في إنجاز بقعة خضراء تتزين بشامة المصنع الذي يقف كالطود رابضا يواصل مسيرته السكرية إلى ساعتنا هذه بكل كبرياء وشرف.
طوبى لأولئك الأبطال في شخص الراحل المقيم سيد عبد الرجال لما قدموه من نكرات ذات وحب عميق للأرض البكر يوم أن ولجوا حياضها بأرواحهم وأجسادهم وبمعاولهم واياديهم البيضاء والكريمة لا يبالون بشيء في سبيل دحر بوار الأرض وزرع الحقول وصناعة السكر.
اللهم أرحم حبيبنا جميعا، الراحل المقيم، طيب الذكر، سيد عبد الرجال، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وكوبر بالخرطوم، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.

 


اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الخميس 25 يونيو 2015, 11:15 pm

أحمد حلبية.. رجل من أبكار السكر
ما أصعب أن تمسك بتلاليب وخناق اللحظات وتصادر حرية إنعتاقها المستديم.. وإن كان من الرعونة أن تجازف بفعل ايقاف ايقاع سرعة الوقت متجاوزاً نواميس الطبيعة.. 
رغبتي أن أفعل ذلك بكل أريحية دون عنت ومشقة خوفا على تفاصيل حية متشبثة بقاع الذاكرة تكافح عامل الفناء.. وحده العاشق ينسج جرأته بحميمية بعيدا عن تراتبية الكون بحثا عن أملاً كما لو أنه وعد صادق من روح غادرتنا ذات يوم وصعدت إلى عليائها..
سهول البطانة لوحدها تعي متلازمة ذلك الرحيل الفاجع لرجل جاءها محملاً بروائح الباشندي والتبر وسافر منها أكثر زهداً مجبولاً ومجندلاً على أعواد سدرة منتهاه على يقين اللقاء، وما درى أنه ترك لنا من إرثه الحي سواء سمت خلقه الرفيع ومقام أدبه حين ركل الدنيا يوم أن ملكها، مختاراً أن يكون على حد الكفاف ومترفعاً عن ما يشغل الناس؛ المال والبنين.
حينما أشق شغاف القلب مقرونا بجوف الوقت وسديم المكان، أحس انني أخترق أَنف الجبل في سبيل العبور إلى دار ألفتها وعشقتها وبيني وبينها الكثير من الإخلاص, والإعزاز, والإِخاء, والتتيُّم, والجوًى, والصبابة, والمحبة, والمعزة, والمودة, والمُصافاة, والوداد.
بلاد تمسي وتصبح معي في كل لحظة وحينٍ لا تفارقني في الحل والترحال لطالما احتضنت ذات يوم رجل من غمار الناس ضمن شغيلة تنادت لنداء العمل في تلك البقعة الطيبة كواحد من أبكار قبيلة السكر.. رجل جاء مهرولاً بغير تعب، وطائفاً في رجاء، ومتبتلاً بخشية، ومعتمراً كل خُلق ونخوة أهل البطانة وبيوت شعر الدوبيت ورائحة القهوة وطعم الزنجبيل وشموخ ريرة، والصباغ، وغيرها من زهرات بلاد المسادير والرباعيات وانعام سدت حلقها وحوافيها وأركانها.
جاء وفي يده خير أرض منحتنا الدفء والعشيرة والحياة، نشاركه ويشاركنا، وكلانا فقير إلى الآخر، ولكن كنا أكثر جدباً منه وهو أكثر صلابة منا.. يحمل روحه وجسده بين يديه جسراً للجميع حتى وقف سور البلد على عضده.. وازهرت الأرض وجادت بخيرها؛ أناساً وقصباً.. أفلح في أن يكون منارة ودرسا من خلال عمل قاس نال منه شرف سبل كسب العيش.. سائسٌ للأُمور عن تجربة وحُنكَة... قَائم بها كما يجب وعن دراية.
تعرفنا عليه باكراً ونحن في ميعة المهد وهو خبيرا بشؤون ورعاية وتطبيب وحلب البقر في حى خمسين بيت وفي زريبة الخدمات الواقعة بحلة صغيرة لا يتعدى عدد بيوتها أصابع اليد؛ أسرة المرحوم بشير البقاري، وأسرة داود سنين، وأسرة هارون، وأسرة أخرى غاب اسمها من الذاكرة ولكني ما زلت محتفظا بكامل هندام ووجه رب الأسرة الذي غادر العمل بقسم الخدمات الاجتماعية الى سائق في قسم آخر.. في تلك الحلة الصغيرة والتي كنا نطلق عليها (حلة الخدمات) عاش رجلا حياة بسيطة بغير كلف رغم أناقته البادية في مظهره في قطية متوسطة الحجم على طرفها ومجاورا للترعة العفنة الشرقية حيث يفتح عليها باب القطية بكل وقار وشموخ مقابلا لشروق الشمس كل يوم. 
قلَّما تجده في غير كامل هندامه وحلته البيضاء والمعروف بها أهل البطانة.. جلباب أبيض قصير وسروال أبيض طويل مع ثوب طويل وناصع البياض يتلفح به طيب الذكر المرحوم الراحل أحمد عبد الله الذي ذاع صيته بعدة ألقاب أخرى مرافدة لاسمه مثل (أحمد حلبية، وحلبية، ونميري).
هكذا خبرناه في أناقة تكاد أن تكون مفرطة للحد الذي لا يتناسب مع عمل مضني وسط الأبقار طوال اليوم، ولكن ذلك ديدنه صاحب الشعر الطويل والناعم والفاحم والوجه المشرق والطافح بالابتسامة والسخرية.. مع وضع (خلال) خشبي على رأسه متماثلا مع لونه الأصفر الفاقع.. صفرة تشبه لون النحاس أوان صهره ميزته إلى حد ما وسط سكان المصنع عموما وإن لم تكن ذات أهمية تذكر وسط قبائل وأعراق عدة تآلفت وانصهرت في نسيج واحد ومتضام ومتحالف.
ما وجدت رجلاً مثله يحب النكتة والطرفة على طريقته الخاصة حتى وهو ممكسا بأبريق الوضوء بل وهو على سجادته يصلي فرضه.. وكان حريصا بالقدر الذي يوزع به نوادره على التزامه بصلاته ووقاره وعمله المرهق.
يومذاك كنا جوقة من ابناء حى الموظفين نتلهف الحضور أمام مسكنه البسيط لنستمتع بطرائفه ونشرئب بأعناقنا إلى دخان غليونه الأحمر المصنوع من الفخار وقهوته الطيبة المذاق.. نشربها معه على نخب محبته التي كنا نكنها له وهو بيننا كابائنا تماما ولا فرق في الخضوع إليه اذا شذينا عن صراط الأدب.. وفي ذلك له عصاة من الخيزران أظنها كاملة الدسم يحملها بوجه مصرور ولا يهاب وإن كنا ابناء موظفين نجد أنفسنا مجندلين بها ومع ذلك كان رفيقا بنا وحبيبا الى أنفسنا من غير ضجر وذو أنس كثيف ورقيق.. يكلفنا بأن نغسل أواني القهوة ونضعها في أسفل وجوار باب القطية على أعواد من قصب السكر اليابسة.. وما أعذب تلك القهوة التي صانها بحب عميق مع أبيات مشهورة من الدوبيت وحداء وغناء يسير به في دنيوات نجهلها لصغرنا.
وسرعان ما ندلف إلى حصة اللبن من زريبة الخدمات القريبة من مسكنه وننال نصيبنا ونمضي وكلنا أمل في يوم جديد في حضرة (حلبية) ونسابق الوقت وننصرف إلى شغلنا آخر من شقاوة الطفولة.. وهكذا الأيام دواليك تنصرم منا.. بين الحين والآخر نراه نهارا في شوارعنا أو في المساء مع بقرة مصابة أو حلب بقرة (مصرورة) تخص أحد الأسر، وما أن نلمحه حتى نشيعه بلقبه (أحمد حلبية) ونملأ سكون الأمكنة بأصواتنا الضاجة حتى ينصرف جزلا وطربا إلى بيته أو شغل آخر يخصه يرشف منه كؤوس الحياة صاحب الذوق الرفيع والمقام العالي بيننا حتى غدونا كبارا وغاب عن حياتنا قليلاً، ولكنه ظل متمسكا بعمله ومسكنه المكون من (عنقريب وسجادة وربما شنطة جلدية وأواني القهوة البسيطة وغليونه الفخاري الفاخر).. لم نر شيئا يميزه عن الناس أو يجمعه بهم..
جاء غريباً وغادر غريباً بلا مال وبلا أهل.. لا نعرف له أهلاً أو قبيلة أو بلداً تخصه سوى أرض البطانة منبعه.. ودائماً كان مربوطاً  في ذاكرتنا بثورة مايو وقائدها جعفر محمد نميري، وقد يكون مرد ذلك للقبه الفريد (نميري)، ولفترة طويلة كنا نظن أن هنالك علاقة أو رابطة وهكذا تتبدى لنا الأشياء في طفولتنا ولا نعرف لها تفكيكا ولا فكاكا تلتصق بوعينا غير الناضج... ونغني له كعهدنا به كلما التقيناه بأغاني مايو.. نميري قائدنا... قائد الشعب يا نميري.. وغيرها من أناشيد ذلك العهد المايوي.
وغبنا في صراع الدنيا ومتونها الحارقة كاللهب واللظى وظل (حلبية) حياً في ذاكرة المصنع الغضة لفترة طويلة ولا يزال حتى بعد رحيله الفاجع في منتصف تسعينينات القرن المنقضي..
قُبيل وفاته شاء حظي أن أراه ذات مساء بارد ممدداً على الأرض ممسكا بوجعه يصارعه وحيداً جوار عيادة مستشفى مصنع سكر حلفا الجديدة الخارجية (المستشفى القديم) من الناحية المقابلة للمستشفى.. والمساء يرخي في جدائل سدوله على استحياء، جلست إليه في الأرض في محاولة مني لمعرفة ما به ولماذا يرقد هذه الرقدة المميتة والقاتلة والقاهرة! ومكثت معه برهة من الوقت حدثني فيها بقلب حاضر وحالة يرثى لها من الألم والمرض اللعين الذي يحاصره من كل صوب وحدب كما الفقر والعوز وضيق الحال، ويبدو أنه قد اشتدَّت به الفاقة ومصائب الدنيا.. ولم يزد معي في حديثه كثيراً في ظل الإهمال الذي وجده من إدارة المصنع إذ أضحى بعيدا عن الرعاية والعناية المكثفة لمثل حالته الحرجة.
وبكيت في سري، وما زلت أبكيه الرجل الصبوح واللطيف والحلو المعشر، ومضيت حتى عدت إليه بعد ساعة من الزمن، وقضيت معه ساعة من الوقت وغادرته لعجالة من أمري ووقتها كنت على سفر.
وما أيام حتى نعي لنا الناعي خبر رحيله المرير، إذ لم تهمله الدنيا كثيراً في معالجة الداء اللعين الذي وضعه في أضيق مساحاته..
ورحل الرجل الزاهد والعفيف وصاحب البال الرائق والحديث العذب والطرفة الحية والأنس الشفيف والقلب الطيب وبقيت ذكراه حية نستمد منها صلابة المسير وعبق صحبة رجل طيب وجميل خذلته الأيام.. ويبقى أريج حضوره ووهجه وروحه السامقة والأبية معنا نحملها أينما حللنا كأنه مهدي الوقت ننتظر أوان ظهوره مرة أخرى.
اللهم أرحم حبيبنا جميعا، الراحل المقيم، طيب الذكر، أحمد عبد الله، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر والبطانة، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.
اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).


ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 26 يونيو 2015, 10:46 pm

عمي النجيب.. غيمة مترعة بالخير



صورة نادرة للعم النجيب وهو يرتدي طاقية من السعف يسار الصورة ضمن حملة نظافة بالحلة بقيادة الاستاذ كمال عبد الرحمن في ثمانينات القرن المنصرم.. رحمة الله عليهما

أكثر من ربع قرن من الزمان تقريباً لا توشك الذاكرة على التورط في مخاض النسيان.. بعد نهار يوم طويل قضيته في رحاب وربوع المصنع تسللت من مرقدي بدافع نزق الصبا وجنونه غداة إنثيال (صوت كرن) على مسامعي قادم من بعيد.. وحينها إخترت أن أخرج للشارع من مهاد بيتنا عسى ولعل أن أفوز بنداوة الصوت.. وقد كان حتى كنت بين يدى صديق عزيز وجدته جاثماً على طرف الشارع يغالب وحدته من أرق غشاه..
أذكر جيداً والوقت صيفاً لمحته في وجوه صبايا (الحلة) حالاً بايناً ومترعاً بالبِشر والحفاوة، والساعة وقتها تشير إلى الساعة الواحدة صباحاً إن لم يخن مكيانزم الذاكرة ويصيبها العطب.
مضينا في ليل داكن وبهيم وملبد بغيوم حرارة مرتفعة تشوي مناخ نشوتنا الخجول.. وفي غفلة عن دِنان رحلينا الماطر في أجواء المكان إمشتقنا طرق جنوننا حتى عبرنا كبرى الرى وكل ما يشغلنا إيقاع قادم من مسافة نحسبها قريبة وهكذا بانت لنا في رؤى أحلامنا الفطيرة.. والإيقاع يقترب من مسامعنا ونحن نلهب أرجلنا بالحماس للسير والتوغل في أرجاء الحلة والناس نيام إلا من وسوسات وهمسات خجولة تشق جفون الليل بخفر ودلال لا يمكن تجاوز سماعها.. والإيقاع تكاد أن تلمس تلالبيبه وهزته في وجوه البيوت ونوافذها والأزقة التي تمتد بطول مشوارنا وهى تغط في نوم عميق.. فما بالك بأجسادنا وأرواحنا العطشى لأناشيد المساءات المترعة بفيض الأشواق وعطور الصبايا المندلقة على صدورهن..!!
وفي عبورنا شارع الردمية ساورنا قلق مستبد وهاجس هجم علينا بغتة بنفس إصرار حس الطبول عن الإبتعاد رويداً رويداً عن إرهاف سمعنا وكأننا في أفياء حلم يمضي إلى أواخر نشاطه وشوطه الأخير في حمى الصراع المتقد بين الصبية للظفر بصيد ثمين.. وكأن الصوت يقول لنا بإن مصدره قادم من بعيد.. وبعيد عندنا لم تتجاوز المصنع كله حتى أحراش حى كمبو (الكاو) كان في أطار خيالنا الشارد بحثاً عن النغمات الحنينة التي تأخذ بالباب صبانا الباتع في الجنون وتهب لنا نسيماً يرطب حلوق أذواقنا الهيمانة بصوت الإيقاع المضطرد عمقاً في الإقتراب منا.
وفي غضون زحفنا المتواصل للوصول إلى الصوت البعيد، يقول لي مرافقي قائلاً: "لا تقلق .. يمكننا الوصول سريعاً قبل أن تنتهي ضربات الإيقاع -التي تزداد ضراوة في اللهيب نحو الإيغال في عصب الحنايا كلما عبرنا شارع تلو الآخر -ولسنا بحاجة إلى الإسراع أكثر مما نحن فيه". ومرافقي يتحلى بالصبر الجميل والممدود– والذي إنتخبني لتزجية الوقت– بالثقة التي تعكس راحته في نشدان ضائعة حفلة في هذا الليل. وهكذا كنا بعض أبناء حى الموظفين في ميعة الصبا ندلق الآمال صوب الريح والمطر والليل وبحر السماء والسراب وأعشاش طائر السمبر وطيور أخرى صارعناها في منازلها ومخادعها في حزام البان حتى (بوري) المصنع لم ينجو من هزلنا المعهود فكان له ميقات فيه نضج ونثور لإنتهاء أمد ألعابنا وميعاد أوبتنا القسرية إلى البيوت بعد نهارات مضنية في مصارعة شُعب طفولتنا وأرتال شقاوتها.
كل كلمة في ذلك الليل الهميم تحسب بأنها ستدخل بعض البيوت إذا أفرطت في إعطائها حجماً أكبر عند خروجها للحياة.. ولكن أطمئن بشدة كلما تحدث مرافقي وصديقي نبيل الصادق ود الزين وتوغل في الحكي، فأرهف السمع إليه على نحو كبير، فالصوت أكثر من خفيض وممعن في الخصوصية كتلك الأصوات التي تخرج عادة في نهار يومها غير متبرجة بين شقوق أسوار البيوت كحال أهلها وعفتهم، وهم جميعاً أسرتنا وأسرة الجميع.
لا مندوحة إذا عبرنا على غير وجل والبيوت بيننا تتوسط قلوبنا قبل أن نتوسطها عبوراً إلى مراجل مبتغانا.. مررنا على الكثير من البيوت وكذلك الشوارع حتى أرتاحت خيول صبرنا الجامحة بعد تعب على فضاء وسيع في شارع كبير يمتلئ بفيوض الناس وشباب غض منهمك في الرقيص بصحبة فتيات ماجدات كظباء كراكير الجبال رشاقة يخبطون الأرض بحيوية ونشاط جم حتى تخال نفسك في هديرهم. 
والشارع يتسع للغناء الباذخ كما للرقيص الصاخب.. وقفنا لبرهة مشدوهون ومشدودون بهذا الحفل خاصة إيقاعه الهاطل الذي يتدرج صعوداً وهبوطاً في التنغيم حتى إنغمست عيوننا وقلوبنا في مطاردة حركة الصبايا والصبية متزامناً ذلك مع إيقاع طبل متزن يشد أوصال الجسد والروح بعضه أو كله إن جاز لنا التعبير كحال الرعشة بصورة شحذت فينا نشوة الفرح الغامر في حضور حفل كهذا بدون سابقة دعوة.. وأفراح البلد ولا أتراحها تحتاج إلى بطاقة دعوة أو إذن عبور حتى من عسس اللجان الواهنة والواقفة ضد منطق الأشياء والطبيعة والناس كما يجري الآن.
والوقت يمضي سريعاً بين الإيقاعات التي لم تتوقف البتة عن أزيزها وشغبها على الفضاء بجانب سور إحدى البيوت حيث يقبع عتاة الطبول وجوقة المغنون، وبين سعادتنا الطاغية والتي ولغت حد الثمالة في إتون المكان.
المغنون كانوا في حالة من النشوة التي لا توصف بينهم والمساء مقدار مسافة إشتهاء العبور لدنيواتهم الفتية.. وما برحوا يعطرون سوح المكان بمزاجيتهم العالية والتي تلخصها حبيبات عرق جبينهم الفياض على وجوه الصبايا كـ(نز) يرسم أجمل المساءات وأعطر المناديل المطرزة بسيماء عشقهم النبيل.
رغم براح المكان إلا أنه يضيق بحضوره والسلاسل البشرية التي تتراص في دوائر وحلقات واحدة إثر الأخرى كما دوائر المياه المنداحة موجة فوق موجة تشكل لوحة بديعة تتسق والوجوه التي تضيء المكان بدلاً عن كهرباء المدينة والقمر شاهد على ذلك العسف وليل أسود يلف المكان.
وبهذا تحول شارع الأربعين في المنطقة الملاصقة لحى (كمبو مجان) إلى أرخبيل من الحب والتداعي السهل والبوح الشفيف في أفراح لا تنقطع ولا تغيب عن البلدة مهما تأخرت المقادير في الإستجابة.. والأيام لا تجري سفنها بالتمني والإنتظار ولكنها هنا تمضي بكل سلاسلة ويسر.
وغصنا في سرابيل صمتنا نرتشف بعض رحيق اللحظة وسحر الأرواح التي تسري فينا كما قوس قزح في إفتتانه الناضر بتراتيل عوسج مساءات بلادنا الفتية.. ومن يسقي مد البصر إخضرار المكان وصبايا الأزاهر غيرك يا شارع الأربعين؟ بلا مزاج قهوتنا النهاري المتعسف في الإنتماء!!.
وفي البال أصدقاء كثر كانوا وما زالوا في أودية القلب يسقون ما جف بفعل الزمن والاعيب الدهر العجوف ويرسمون ملامح هذه الأفراح. 
والغناء يشتد بالدائرة والتي تضيق وتئن من فرط الحداة والحضور معاً.. والرقص موصول بذلك في صلة متشابكة ومتشابهة في نصوصها الليلية.. وإيقاع الكرن كان حاضراً بقوة مجسداً تاريخ وجغرافيا وسوسولجيا قومية أمة هزت الأرض بأرجلها وعقلها الراجح ولا تزال تواصل صعودها في الحياة بنفس الروح والشكيمة التي جبلت بهما.
وفي ذلك المنحنى الليلي المتخم بنخب الود وبقايا خطوط نار الحنين المشتعلة ونثيث الذكريات التي تنهك البال وتنهش الخاطر وتهشمه أشلاء على مرمى حجر من ذلك البيت الذي عرفته وما زال عندي (نشوق ودمر) في الحل والترحال على حواف شارع الأربعين العظيم.
أحياناً الأيام تسوق إليك أقداراً باهرة في الجمال وصادقة في معانيها لا تتوقع عبورها يم حراكك على الإطلاق لظروف ووقائع شتى وأنت في يدك لا شيء سوى جبرية تسد طيوف الأحلام والأماني.
وبما إننا في حوض شارع الأربعين وعلى مقربة من بيته العتيق كان لابد لنا من أن نورد بعض تفاصيل ما حدث في حضرة عمي النجيب الذي أعرفه منذ صغري كعلاقتي بالعم على سلك وإن لم أكن وقتها على معرفة بـ(كرانك) روحه الوهيطة و(كراكيره) الماهلة.
والأزمنة ليس بعيدة.. في إجازة في مطلع تسعينينات القرن الماضي صادفت العم (النجيض) كما يحلو لأسرة خمسين بيت منادته في وجبة إفطار عادية جرت مقاديرها في بيتنا على نحو عابر.. تعرفت عليه عن قرب وإستمرت علاقتي به منذ ذلك الوقت خلال تلك الفترة.. وسمت بنا علاقة نبيلة تجاوزت كل الحدود.. كنا نلتقي يومياً على أريج من ندى صباحات البلد الطيبة والمفعمة بالود ونتواصل عبر يومنا في حقول مزارع خمسين بيت عبر علاقة عمل وإنتاج في مزرعة الوالد الواقعة على مدرج مطار المصنع السابق. 
وكان (النجيب) بسيطاً ورقيقاً يفضح صمتك وقبحك المخبوء مثل البتلات والسبلات التي يرعاها بصبر وتودّةٍ وهدوء يخالطه وقار يسكن كل أطرافه وتهويماته التي يوزعها بلا مقابل حين يكون مزاجه عكراً أو صالحاً للفضفضة وسيان ذلك وهذا حاله لا يتدثر ولا يتجمل خلف صدفية ظروفه ولا تعليم أبنه في حدائق الحقوق ولا عمل زوجته في حقول السكر.
وهكذا يتمرس حيناً في بعض (بنبون) أهاته التي تطول وتقصر حسب الموقف ولكن سرعان ما يتجاوزها بضحكة مجلجلة ونوبة تعصب عابرة أو توتر عارض يعقبها بقول نشاز.. (حسين ولدي يتخرج يحكم ولاد عرب جت).. والدنيا عنده حسين وأم حسين وبعض مشاوير رزقه وكفى وفيها لا يزيد قيد أنملة ولو نضبت مياهها أو فاضت!!.. بيد أنه لا ينفك يحكي بفرح طفولي طاغي عن بعض أهل بيته في نواح قضروف سعد في حميمية تعادل غزارة المطر الهامي هنالك.. وأظنه هنالك يمضي بذات النهج والحبور والبساطة تحت ظلال قوس قزح وسماء تضج بالرعود. 
وذات ضحى يوم بارد ورطب كالعادة إجتمعنا على مائدة إفطار طيب مبذول من خير المصنع.. وتبادلنا القفشات في حضرته البهية رغم ألفاظه الخشنة التي ينثرها بكل إريحية وبلا عواقب لمآلاتها وهكذا يبدو صلباً في مراسه وكلامه وحروفه المنثالة..
انت عندك مرة؟..
لا لسه يا عم النجيض!!
انا عندي ليك بت نضييييييييييييف..
دي منو؟
بت نضيييييف ساكن هنا جنبكم ..
وين دي البتقوله دي؟
ارح اطلاعاك برة انا اوريك بيتن..
لكن دي يمكن مخطوبة..
انا بشوفه ليك.. انت راجل تقرا قانون ما ساهل زى ولدي حسين ..
ويستمر السجال خلال سمر النهار الحافل بينه وبين شقيقي الأكبر ياسر الذي يجله لزمن طويل حتى غادرنا مختاراً رحيله دون أن نصل لإتفاق في عقد قرآن تلك البنت اللطيفة والمليئة بالبياض كما يرى عمي النجيض ونرى نحن كافة.
وكثيرا ما كنت أرافقه في رحلته المنتظمة من بيتنا إلى السوق أو بيته ونحن نتاوب إفطاراً هنا أو هنالك عند أم حسين.. وفي ذلك نمر بالسوق وعلى وجه الدقة محل الجزارات ليبتاع كمونية نادرة كأقصى طعام يشتهيه لا يتجاوز نقده حدود الـ(200) قرش في ذلك الزمان المتخم بجلالات المشروع الحضاري وصيحات المخبول المسمى: إنقاذ.
وما لم يخطر على بالي أن تستمر علاقتي بعمي النجيب على أحسن ما يرام حتى غيابه الفاجع الذي هز البلد بُعيد خروجه من بيته منذ أكثر من عقد من الزمان وعدم عودته حتى الآن.
وعندي سيان الأربعين والنجيب كلاهما زهرة أرعاها على تخوم ذاتي كلما أجدبت حياتي وأقفرت من إخضرار أيامها وهذا واقع لا مناص منه إذ لابد من إستنشاق عطور هذا المكان وذلك الرجل الذي علمني معنى التسامح والزهد في الدنيا حيث إتخذ من سعف النخيل وساق الشجر آلة لكسب سبل عيشه الكريم بقسم الصحة باعدت بينه والحرام ومفازات الرزق الضنين.. لم تشغله الدنيا ولا زخرفها.. يقطع فيافي البلد راجلاً من أقاصى المصنع إلى أدناه في رحلة مكوكية تجري على مضمار رهق متصل بينه وبيته العريق يقف فيها سوق المصنع شاهداً على كل وجوده حيث يغشاه لضرورات أغراضه اليومية فقط.
وعلى خصر الشارع ذاته كنا نرى عمي النجيض بهمته الوضيئة وقامته القصيرة نوعا ما وجسده النحيل يغازل شوارع المصنع بكل حيوية وصبر جميل وقسمات صارمة وصدر يتسع لكل ضيق الدنيا كما كنا نظن من فرط صعوده الأعالي.. كلها صفات تؤكد بأنه واحد من جيل الرعيل الأول النشطاء الذين صنعوا مجد البلد.. وهكذا النجيب كنا نراه منذ أن عرفنا باكراً في طفولتنا طريق منهل أمنا بدرية المصباح ورفيقتها الأخرى أمنا عائشة سعد الله (ماما عشوبة) رحمة الله عليها على ملاعب جنتنا الأولى في دروب المعرفة والعلم.. وعلى تلك الدروب حاك لنا العم النجيب وصنع أفخم ثياب الايمان بشغف وإخلاص منقطع النظير يعز الآن أن تجد مثله بذات الهمة والسؤدد.
وشارع الاربعين مثل البذرة يختبئ في حقول المصنع وبيادره وفي كل رقعة من الأرض الطيبة وكما في أرواح الناس تتداخل فيها المسرة مع المشقة.. هو درب الاربعين: لم يتخلَ عن أناقته المفرطة وجماله حتى وهو في شظف العيش ومغالبة أحلك الظروف، كالورقة الخضراء لا يسقط في ميعة الشدائد مهما هبت العواصف والأنواء.
وغاب الرجل الزاهد والعفيف وصاحب البال الرائق والحديث العذب والطرفة الحية والأنس الشفيف والقلب الطيب وبقيت ذكراه حية نستمد منها صلابة المسير وعبق صحبة رجل طيب وجميل.. ويبقى أريج حضوره ووهجه وروحه السامقة والأبية معنا نحملها أينما حللنا كأنه مهدي الوقت ننتظر أوان ظهوره مرة أخرى.
اللهم أرحم حبيبنا جميعا، الراحل المقيم، طيب الذكر، عمي النجيب، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وجبال النوبة، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




عدل سابقا من قبل ناصر البهدير في الأربعاء 01 يوليو 2015, 12:58 am عدل 1 مرات (السبب : إضافة صورة)

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأحد 28 يونيو 2015, 12:15 am

سامية حمزة.. سدرة سيرورة الحضور




قبضة أمشاج من الحنين تسافر في البعيد، وثمَّة أمر لا بد من ذكره بين سهول الوقت المنقضي بلا أوبة.. ليس أمر يحد من التشظي والتلاشي بين سهوب الليل المتخم بنوبات متصلة من النشيج.. أمر في غاية التعقيد بيد أن أسهله فاض وطفح على وسادة المساء المسترخية بعناد لغد رحلة غير مأمونة العواقب.. رياح لا نستطيع أن نهملها لترعي في بيدر الأشواق إلا لبرهة من سهو الإنتظار المرهق.. رهق نشد لجامه ونعبر مفازات تمور بالهدوء الفاضح وكل حجر يستطيل ويتسع أفقه ويبلغ الرمل ولا يدرك الماء.. ويسهب المكان في حيرتنا ويتلجلج أي صار لا يمنع الماء ولا يمسكه.. سحب تتلاحق ويتغير لونها حيناً غامقة وحيناً آخر صافية كالبلور من أنفاس حبُّ الغمام.
أول أو طرف موجة البرد القارس.. تنخفض درجة الحرارة، والنسيم يقلل الحرارة ببرودته.. ليس ذلك أوان برد العجوز تلك الأيام السبعة التي يشتد فيها البرد، وهي تقع في أواخر الشتاء وأوائل الصيف عندنا.. وكأني أشعر بحالة البَردان؛ أي بين الظل والفيء، الغِنى والعافية.. ولكن دون أن أشعر يهبط بجانبي بغتة هدوء لا يماثله إلا تلك الحالة التي أحسها وأعيشها بين جدران ذلك البلد الطيب؛ وطني مصنع سكر حلفا الجديدة، وقشرة قصب السكر.
لم يكن حلماً عابراً بل ومضة من إشعاع الهدوء لفتني بكل سكينة ووداعة وهربت صوب نجيع الفلوات والأصوات التي ألفتها ولا تزال ترن كصوت شجي بين أذان الوقت.. أصوات رقيقة ومفعمة بأشجان النفس وزفراتها ودموعها الحرَّى... شديدة اللوعة والحزن.. كبد عطشى ومفجوعة حزينة تغرق في بيداء صمتها وسجنها وتجتاحها أعاصير الشجن من كل صوب وحدب.. وفي كل رحلة شجن قصة لا تنتهي بالرقيص على حد الدم النازف ولا على مرافىء الحسرة والأنين فقط ينثال الهدوء ويغمر كل أعطاف الروح ويحيلها إلى جثة هامدة من فرط حزن ينمو ويأخذ سيرورة الغياب.
الكثير من الهدوء الذي نراه أحياناً ماثلاً على وجوه البعض يخفي شيئاً داخل الإنسان لطالما ينسج على محياه أشكال من التعابير التي تنوء بحمل ثقيل يشبه نثيث الحنين حينما يتكثف ويصعد إلى علياء الروح ويغازلها في تضامَّ فريد معلنا سيرة الحضور الباهي لروح جسد فارقنا.
هدوء غامر كنت أراه على نول سعة الوقت من براح يصنع نصاعته ونضارته لأجل الحياة ومشيمة تنتهي بأوان الخروج من رحم ينجب شغيلة جديدة محملة بأريج كفاح الإنتاج ومسيرته التي لن تنطفيء.
طفل جديد يشق عتمة الليل وحقوله، وصرخته تجندل الخوف ومصارعه.. يمضي بثبات ويقين امرأة أوجبت علي نفسها أن تكون نذِيرةً وقيمة على خدمة المواليد الجدد والمساهمة بغيرة وتفاني وإخلاص في تخليص الحُبلَيات من نساءنا وفتياتنا، وهن في مخاض العسر وطلق الحياة إيذانا بطفل لَدُن يملأ الدنيا سعادة وحبور.
أول خيط من الفجر تنسل وتدخل أمنا سامية حمزة رحمة الله عليها كل مسامات وأنفاس هدأة المصنع بعملها المعتاد في البيت بينما تسند عملها الآخر في تطبيب النساء بلا زمن مقيد؛ تأتيهم حيث يشاؤوا أو أوان الطلق وصرخة الحياة التي لا تنتظر مماحكاة، والوقت تعافه وطقوسه عندها ليس للتزجية بل لإقصاء الفراغ الذي لا تشتهيه لضرورة مواصلة مهمة حفظ النوع والدفع بالحياة في الاتجاه الموجب. 
تلك مهنة عسيرة وتأخذ حينا بحشرجة الموت بدلاً عن الحياة، والمرأة الحبلى بين نارين؛ الموت أو الحياة.. ما أعظمها من امرأة جديرة بترجيح كفة الحياة وذلك توفيق من الله سبحانه وتعالى، وهي أمة نباهي بها في صناعة صيانة نسلنا من التضعضع والفتور والخوار والوهن.. وحقا ملأت كل فراغ بسماحة روحها وبسالة عزيمتها وقواها التي بذلتها لأجل البلد برمتها؛ ساعة بين أنفاس الأطفال وساعة لمواصلة علائقها وإن بعدت مسافة وتعلقت بضياء بنات نعش.. وفية للحد الذي جعلنا في محور دائرتها وما انفكينا في بِر صون تلك العلاقة الحميمة.. وكل الناس عندها رهن سماح روحها وأزاهر حيويتها، وتيسير فقه محنتها، ومشاعرها الصادقة.. وهي نازِك لطافتها ورقتها، وبذلك استحقت أن تكون فائزة عصرنا بلقب حصريا عليها؛ أم الناس والطيبة.
مثلما هي تصنع رضاب محبتها بين راحة علاقاتها العديدة، وتمضي بارة كرَغْوَةُ العسل وطلاوة الندى على الشجر وفٌتات المسك وقِطع السكر البيضاء ورهافة الماء العذب بالمقابل هي في بيتها أميرة وملكة ومثالية وكريمة ورقراقة وعظيمة الخلق ووضيئة ودخيـمة كحالها دوما، وهنانة ومتهللة وعزيزة غـافلة عن الشر تخترق كل حجب السكون والفلاح وتنشر أريج طيبها وعشرتها وحبها للناس.
لم أراها تذكر أحد بسوء دائما مشغولة عن سيرة الخلق ومنشغلة بنثيث ورشاش أنسها الشفيف والدافق كمطر البطانة وهي تعطر المكان بكرمها ومحنتها. 
وفقدها الناس ذات يوم شتوي عاتم في جغرافية سوداء من الوجع كتب علينا أن نعبر عبابها وأن يغمرنا الألم والشجن الكثيف والحزن الصعب.. يوم عصيب غشى مجالسنا وأرض المصنع قاطبة ونثر سلالة دموعه برحيل الأم والإنسانة الطيبة والتي لصقت سيرتها بالناس؛ طاعة وعبادة. ما شذت عن حياض الإيمان ولم تتجاوزه في أبهى مسيرة خلدت فيها نفسها بين مجتمعها الصغير والكبير.
وفي التاسع من نوفمبر 2009م، نعى الناعي نبأ أفول زهرة وروح باسقة وريحانة غشيت مجالس الناس وبيوتهم.. خبر فاجع أدمى القلوب واحتدم ليل عكر وفتح جرحا غائرا لا يزال دمه ينهمر وبكاها الأهل وعشيرة المصنع في نواح وحزن متقد ماج بالصدور. 
وغابت أمنا سامية حمزة سيدة نساء البركس والمصنع وانتقلت إلى رحاب الله وبقيت سيرتها العطرة والفواحة دليل لسيرنا في غيابها المر.. حقا إنها امرأة لم تعرف طعم النشاذ وخلط الأرواق لذا جاء أبريق قهوتها على مزاج نبيل وهو عابرا صراط الناس بالمحبة والأدب ولم تترك لنا منفذ للهروب صوب قطيعة العلاقات ولا تأجيل مواعيدها بيد أنها رسمت كل السبل الوثيرة لعلاقات صادقة ودائمة لا تعرف حيل الانقطاع وخبل اللحظة وضيق اليد والحيلة والصدفة والمرواغة والمناورة وتلك العلاقات الواهن خيطها حينما تنزلق إلى أطر المصالح الضيقة والوقتية.. حصيفة وإن ضاق صدرها بسر أو ألم وأناءها حمل ثقيل حتى تنهض إلى تبروقتها في خفاء تتسلل وتمتح من خير خالقها في أناة, وإِحتمال, وتأَسٍّ, وتبصر  وتجلد، وحلم ومن ثم تظفر براحة بال تخفف عنها وطء وجهد ما ثقل في قلبها.. امرأة لا تعرف الجزع, والإستعجال, والاضطراب, والتبرم, والتسرع, والخوف, والسأَم, والضجر, والضيق, والكَابة, والملل, والهلع.. عرفناها بشوشة ومقدامة وذات عطاء وافر وعزيمة وتعرف واجبها وتقوم به ولا تنتظر أحد ليذكرها بذلك.. لم تسرف في الحياة كثيراً وكانت ذات نظرة مختلفة عن الآخريات والآخرين؛ متقشفة وبسيطة وزاهدة وترنو إلى الأمام بقلب صادق وثابت إذ كان دليلها وقائدها في مسيرة قضتها في ‏إخبات وإِدلاج دون تنطع وتكبر وإظهار.
والقلب إناء لا يعرف الفراغ في حضرة امرأة فارعة مثل أمنا سامة التي غمرت بوادينا وكل سهولنا وبيوتنا بالحب والمودة وسندتها بالعفوية والكلمة الطيبة والرزانة ومضت إلى لقاء ربها بقلب خاشع.
اللهم أرحم أمنا جميعا، الراحلة المقيمة، طيبة الذكر، سامية حمزة، وتقبلها قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرتها وأحبابها وعارفي فضلها، وأهل السكر والشمالية، فقد كانت عَلَماً يُهتدى بها في حالكات الدجى.



اللهم ابدلها دارا خيرا من دارها واهلا خيرا من اهلها وادخلها الجنة واعذها من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهم اجزها عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كانت محسنة فزد من حسناتها, وإن كان مسيئة فتجاوز عن سيئاتها. اللهم ادخلها الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسها في وحدتها وفي وحشتها وفي غربتها.
اللهم انزلها منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزلها منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة, ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح لها في قبرها مد بصرها وافرش قبرها من فراش الجنة. اللهـم اعذها من عذاب القبر, وجاف الارض عن جنبيها. اللهم املأ قبرها بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنها فى ذمتك وحبل جوارك وقها فتنة القبر وعذاب النار, وانت أهل الوفاء والحق فاغفر لها وارحمها انك انت الغفور الرحيم. اللهم انها كانت تشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم بها. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمها ولا تعذبها. اللهم اّتها برحمتك ورضاك وقها فتنة القبر وعذابه وأّتها برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثها إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقلها من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها وثبت علي الصراط اقدامها واسكنها في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنها من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسها أّمنة مطمئنة ولقنها حجتها. اللهم اجعلها في بطن القبر مطمئنة وعند قيام الاشهاد أمنة وبجود رضوانك واثقة وإلي أعلي درجاتك سابقة. اللهم اجعل عن يمينها نوراً حتي تبعثها اّمنةً مطمئنة في نور من نورك.
اللهم انظر اليها نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنها فسيح الجنان واغفر لها يا رحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنها فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انها جاءت ببابك وأناخت بجنابك فَجْد عليها بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمها رحمة تطمئن بها نفسها وتقر به عينها.
اللهم احشرها مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشرها مع اصحاب اليمين واجعل تحيتها سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشرها بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعلها من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيها عليك ولكنا نحسبها انها اّمنت وعملت صالحاً فاجعل لها جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيها نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائه واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُ.
اللهم اجعلها في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنها صبرت علي البلاء فلم تجزع فامنحها درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انها كانت مصلية لك, فثبتها علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انها كانت صائمة لك, فأدخلها الجنة من باب الريان. اللهم انها كانت لكتابك تالية وسامعة فشفع فيها القراّن وارحمها من النيران, واجعلها يارحمن ترتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأتها أو سمعتها وأخر حرف تلته. اللهم ارزقها بكل حرف في القراّن حلاوة, وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمها فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنةً. وادخلها الجنة فانها كانت بنبيك مصدقةً وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهـم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين, وعرق منا الجبين, كشر الانين والحنين. اللهـم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب, وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات, وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي, واذا توعد عفا, وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لنا ولها، واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلها الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم في الأحد 28 يونيو 2015, 5:51 pm

اللهم لا تحرمنا اجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لنا ولها، واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلها الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).


سامية كانت نعم الام والعمة والخالة بالرقم من قصر قترتى معهم نسال الله لها الرحمة والمغرة 
وسألين العلى القدير الرحمة والمغفرة لجميع موتانا


كلام عيوووووووووووووووون 




مشرف منتديات المصنع


يعقوب اوشى عيدالكريم
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 1075
نقطة : 5796
تاريخ التسجيل : 26/08/2011
العمر : 36
الموقع : قلب البركس
المزاج : يتغيرون فقط.عندما نخبرهم اننا نحبهم جدا؟؟؟

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأحد 28 يونيو 2015, 11:20 pm

ماما عشوبة.. ملاك الرحمة والنور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حاولت لبرهة من الوقت أن اتحسس مكامن ذلك الصوت الندي والواضح النبرات.. الصوت الذي ألفته منذ أكثر من أربعة عقود وما مللته كلما داعب صيوان الأذن.. صوت يتسرب عميقا إلى القلب بلا تعب ولا رهق ولا إستئذان. هو صوت أمي التي رعتني باكراً في حجرها بين تلك الجدران الواسعة ونحن عصبة من ابناء العاملين بمصنع سكر حلفا الجديدة. أم بحجم الدنيا ولم تبخل علينا بشيء ولم ترعانا في حدود جغرافيتها واكتفت بذلك بل امتد نمير عطائها حتى بيوتنا ولا تزال حتى ساعة رحليها الفاجع.
حاولت كثيراً أن استعيد ملامح وطلاوة الصوت وفشلت حتى تشبثت بأقاصي البعيد والقريب وكل شيء يمت بصلة لهذا الملاك الطاهر والرحيم. 
والصوت عصي على الأتيان والحضور ولو لومضة عابرة من شعاع إنسانيتها وغيمها الهاطل الذي غطى كل حقول قصب السكر.
صرخت بملء قلبي في أركان الفراغ العريض الذي يحيط بي من كل جانب، وأوشكت أن أقبض على بعض خيالات تتراءى وتغطي على ناظري وتحجب عني الرؤية.. وطفقت في مد الذكريات وتلك السنوات البعيدة والموغلة في الحضور أكثر مما مضى.
ذلك المكان الذي تعرفنا فيه باكرا على هذا الصوت الشجي بين خمائل الأشجار والحدائق والأراجيح وضوضاء الأقران وشغبهم المعهود.. طويت الأزمنة مرغما وسافرت في أديم الحزن وليس انتهاءً بذلك اليوم المشهود الذي ما فارق ذاكرتي البتة.
ما زلت أتذكر تلك الحقيبة التي اقترنت عندي بالذهاب إلى المدرسة وعهدي بها الأول الزاهر في مصنع سكر حلفا الجديدة جوار زاوية السادة البرهانية.. إبتدائية (أ) بنين لم تكن عندي فقط هى المبتدأ والمنتهى لرحلة استمرت ست سنوات فقط إذ إنها كانت البدايات الأولى لأول مهد رحلة انطلقت من عتبات الروضة الشرقية بحى الموظفين الكبير تبحث عن مبتغاها في دروب الحروف تتوه حيناً، وحيناً أخر تخلد إلى الراحة، ولا تزال تبحر في عباب المدى والأمواج المتلاطمة.
تلك الحقيبة المدرسية كانت هدية تخرجنا في حفل صغير أقيم في فناء الروضة الشرقية في عصر يوم من أواخر شتاء العام 1977 تقريبا. ولم لا أحتفي بها طالما أنها واحدة من أعظم الهدايا التي تلقيتها في حياتي على الإطلاق، ولا تزال عظيمة عندي لدرجة تذكري لكل معالمها ومحتوياتها التي لم تغب عن ذاكرتي حتى ساعتي هذه.
اصطفينا عدد لا بأس به من البنات والبنين في صفين متوازيين، ولم يتجاوز عددنا وقتها نحو 15 طفلا.. مناسبة صغيرة تحتفل بها الروضة كالعادة بطريقة مبسطة نمضي فيها مع كوكتيل حلويات وفواكه، وكوب شاى من الحليب مهره عمي أحمد حلبية رحمة الله عليه، وشنطة صغيرة بلاستيكية وبداخلها قلم رصاص، ومسطرة، وممحاة (استيكة)، ومبرأة (براية)، وكراس مقسوم إلى جزئين؛ أحداهما (نوتة) لمادة الحساب، والأخرى لحصة العربي.
جو غلب عليه نوع من الارتباك والتوتر والفرح الممزوج بالخوف ونحن لا ندري ماذا سيجري لنا في الغد؟ كل ما أعرف كانت تنتابني أشواق عظيمة وفرح غامر وعارم وعامر بالانتقال إلى صفوف المدرسة والاحتشاد في صف الحلم الكبير الذي انتظره على أحر من الجمر كى يتحقق.. وفي ذات الوقت تسيطر علي سطوة رهبة الغياب عن روضتي الغناء في اليوم التالي مباشرة.
في تلك الروضة العتيقة نهلنا من معين أمهات من غرس نساء الدنيا، وكن أجمل الشابات وقتذاك ونحن في يفاعة الصغر ندور مع العابنا بأزيائنا المزركشة بياقة رقيقة تميل إلى لون غامض والنساء يطلقن عليه اسم الكبدي تيمنا بكبدتهن ربما أو كبد البقر أو الخروف كما أظن، ربما أقرب إلى لون (لسان البقرة)! نعم، كانت كرفتة صغيرة وغريبة اللون ولا تشبه الذوق العام حتى في نوعية قماشتها الترِفيلة كما نعتها رفيق دروبي راشد عمر الجاك. 
وفي دار تلك الروضة وملاعب طفولتنا التي لا تزال تقف بذات المهابة، نهلنا الكثير من معلمات لهن باع طويل في أسس التربية والتعليم.. معلمات شكلنا بواكير الوعى لكل أطفال السكر وساهمن بربطهم بمرحلة الدراسة من ناحية إعدادهم وتدريبهم وتأهليهم في أفضل ما يكون وفق مناهج معدة لذلك رغم أن التعليم وقتها ينحصر في المدارس الحكومية على قلتها والخلاوى غير الرسمية.
الاستاذة منى عبد الجبار حمدي صاحبة الأظافر الطويلة وإن لم تنشبها في جسدي ذات يوم، قادتني إلى تعظيم الاهتمام بالمظهر العام ومحاولة الكتابة مبكراً والتي كانت غير متوفرة وقتذاك في منهج رياض الأطفال كما يبدو، حيث اشتمل المقرر على تدريب على الموسيقى من خلال آلات صغيرة كنوع من اللهو، علاوة على المراجيح والتنزه بالدراجات ولعب كورة القدم وبعض الالعاب وحفظ الأناشيد وقليل من سور القران الكريم. متعها الله بالعافية والصحة إذ لا تزال تعيش بالخرطوم.
أما الاستاذة بدرية المصباح.. زهرة وريحانة رياض أطفال مصنع سكر حلفا الجديدة.. تلك الأم الرؤوم التي احتضنتنا بحب عميق وأدب جم وإخلاص عظيم وافر وتفان منقطع النظير.. وكنا بين يديها كأطفالها تماما، ومنها تعلمنا الكثير، وقد خاطبت مشاعرنا وأذواقنا وكل أدواء النفس بصبر وتقدير لعظم المسؤولية الملقاة على عاتقها. ولا يمكن لي البتة نسيانها.. دائما في القلب تبقى كأعظم معلمة في حياتي تلقيت أبجديات المعرفة على يديها وقلبها الأبيض.. متعها الله بالعافية والصحة.
ولإني دوماً كنت أقول أمي الأخرى دون عسر وإبهام، لذا أجد نفسي مثقلاً بدينٍ تنوء بحمله رأسيات الجبال تجاه الإستاذة ومعلمتي عائشة سعد الله رحمة الله عليها. ولعله إلتزام يبدو غير قابل لقيد التحقق على الأقل في مستواه الأدنى مما يحز في النفس كثيراً، وهذا حزن متقد طالما عجزت عن تكريم أمي العظيمة.
وماما عشوبة إمراة نادرة من النساء الخالدات اللائي شغلن حيزا مقدرا في إثراء الحياة العملية والتعليمية والتربوية في مدينة المصنع بطولها الفارع في وضع اللبنات الأولى لإجيال عديدة تناسلت عبر خبراتها المعرفية الطويلة التي قدمتها في أرخبيل رياض الأطفال. وهذا جهد كبير لا يمكن الوقوف عليه كلية مهما اجتهدنا وتكاتفنا بكثافة عليه.. فمثلها للوقوف على تاريخها الناصع بلا شك دونه خرط القتاد، ولكن مع ذلك نحاول أن نقف على ملامح من تلك السنوات الحافلة بالنشاط والجد والإهتمام بناشئة المصنع. 
ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي تم فيه تعميدي للمدرسة وهيبة وجلال تلك اللحظات الموسومة بإنتهاء رحلة ممتلئة بالكد والفتور والنفور معا في تضاد يصعب جمعه وكبح جماحه في نفس إنسان جُبل على حياة لا تعترف بالقيود حتى في مقاعد الدراسة فيما بعد أصابني ذات النفور على نحو كبير من تلك الرسميات، وإن لم ينقطع. ولذا لم يكن الأمر متعلقاً بالروضة فقط إذ اكتشفت مللي من قاعات الدرس حتى يوم الناس هذا.
وبهذا أكون محقا فيما سردته بيد أن الأمر برمته نتاج طبيعة رغم رقة وإهتمام ماما عشوبة وتعلقها بنا واندماجها في أسرتنا في علاقة لا تزال تمضي بذات التراتبية والنظام الذي عرفت به في حياتها.
ماما عشوبة إذ جاز لنا القول يمكن إعتبارها المؤسسة الرسمية التي عبرنا خلالها إلى حيوات مختلفة.. فهي لم تكن تعيش حياتها الوظيفية فقط وتكتفي بذلك، بل عبرت جسر الروضة إلى دنيوات المجتمع ودخلت كل بيوت الأهل كما الهواء العنصر الديمقراطي وتماهت فيها كواحدة من أعظم الأمهات اللائي لعبن دوراً مقدراً في الحياة الاجتماعية لمجتمع المصنع حيث كان يتشكل وقتها على وعى جديد مغاير لبنية الأفراد الذين نسجوا قماشته.
وقد أدت ماما عشوبة دوراً محورياً أخر ومكملاً لدورها الأساسي بقسم الخدمات الأجتماعية تحت رعاية معلمتها الأولى الوالدة وأمنا الكبيرة محاسن الأمين بدري (محاسن المرشدة) رحمة الله عليها. 
وتقاسمت الأدوار بذكاء وفراسة، وأذكت نار الحراك الاجتماعي بين نساء المنطقة بكل ثقة واقتدار لم ينفصل عن دورها الكبير الذي قامت به حتى استقرارها مؤخراً بين عشيرتها بالقرية 6 دبيرة من قرى الإسكان قبيل رحليها الفاجع نهار الثلاثاء الموافق 12 مايو 2015م.
ومن منا لا يتذكر عطائها الثر وعشرتها النبيلة الممتدة بين أهل المصنع قاطبة بذات السمت والبهاء المعروفة به منذ أن وطئت قدماها أرض المصنع ضمن الرعيل الأول المؤسس لتلك البلدة الطيبة والزاخرة بالمحبة.
يكفي أن الأم ماما عشوبة رحمة الله عليها سقت وروت بدمها شرايين ابناء المصنع مع كل الأمهات والمعلمات اللائي ما زلنا قابضات على جمر قضية تعليم الأطفال بالمصنع بصبر جميل رغم المشقة والتحولات الاجتماعية الكبيرة التي طرأت وغيرت الكثير من ملامح ومعالم وجه المجتمع وبنيته.. لهنَّ الشكر والتقدير طالما هنَّ شمعات متقدات في ظل الرياح العاصفة والتي لا تزال تمضي في دروبهن حيث ساهمن في تشكيل وعي المجتمع ومنحنه شارة المرور إلى كل دروب وضفاف وأحجار المعرفة التي يقف عليها الآن.
ومضت  أمنا العظيمة ماما عشوبة (عائشة سعد الله) معلمتي بروضة مصنع سكر حلفا الجديدة الشرقية إلى رحاب الله، وهي قابضة على شعلة العلم والمعرفة والايمان، ومكافحة غول الجهل الذي يغزو جسد الوطن، وملوحة بقدوم عصر الهواء العنصر الديمقراطي كواحدة من أعظم المعلمات اللائي أنارن عقول أكباد قبيلة السكر.
اللهم أرحم أمنا جميعا، الراحلة المقيمة، طيبة الذكر، عائشة سعد الله، وتقبلها قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرتها وأحبابها وعارفي فضلها، وأهل السكر والقرية (6) دبيرة بحلفا الجديدة، فقد كانت عَلَماً يُهتدى بها في حالكات الدجى.






اللهم ابدلها دارا خيرا من دارها واهلا خيرا من اهلها وادخلها الجنة واعذها من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهم اجزها عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كانت محسنة فزد من حسناتها, وإن كان مسيئة فتجاوز عن سيئاتها. اللهم ادخلها الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسها في وحدتها وفي وحشتها وفي غربتها.
اللهم انزلها منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزلها منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة, ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح لها في قبرها مد بصرها وافرش قبرها من فراش الجنة. اللهـم اعذها من عذاب القبر, وجاف الارض عن جنبيها. اللهم املأ قبرها بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنها فى ذمتك وحبل جوارك وقها فتنة القبر وعذاب النار, وانت أهل الوفاء والحق فاغفر لها وارحمها انك انت الغفور الرحيم. اللهم انها كانت تشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم بها. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمها ولا تعذبها. اللهم اّتها برحمتك ورضاك وقها فتنة القبر وعذابه وأّتها برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثها إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقلها من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها وثبت علي الصراط اقدامها واسكنها في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنها من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسها أّمنة مطمئنة ولقنها حجتها. اللهم اجعلها في بطن القبر مطمئنة وعند قيام الاشهاد أمنة وبجود رضوانك واثقة وإلي أعلي درجاتك سابقة. اللهم اجعل عن يمينها نوراً حتي تبعثها اّمنةً مطمئنة في نور من نورك.
اللهم انظر اليها نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنها فسيح الجنان واغفر لها يا رحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنها فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انها جاءت ببابك وأناخت بجنابك فَجْد عليها بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمها رحمة تطمئن بها نفسها وتقر به عينها.
اللهم احشرها مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشرها مع اصحاب اليمين واجعل تحيتها سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشرها بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعلها من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيها عليك ولكنا نحسبها انها اّمنت وعملت صالحاً فاجعل لها جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيها نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائه واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُ.
اللهم اجعلها في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنها صبرت علي البلاء فلم تجزع فامنحها درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انها كانت مصلية لك, فثبتها علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انها كانت صائمة لك, فأدخلها الجنة من باب الريان. اللهم انها كانت لكتابك تالية وسامعة فشفع فيها القراّن وارحمها من النيران, واجعلها يارحمن ترتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأتها أو سمعتها وأخر حرف تلته. اللهم ارزقها بكل حرف في القراّن حلاوة, وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمها فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنةً. وادخلها الجنة فانها كانت بنبيك مصدقةً وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهـم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين, وعرق منا الجبين, كشر الانين والحنين. اللهـم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب, وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات, وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي, واذا توعد عفا, وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لنا ولها، واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلها الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 29 يونيو 2015, 11:45 pm

كمال عبد الرحمن.. سيد شباب المصنع




ثمة درب ندي وأخضر ومسور بالمودة يدفعنا إليه حنين دافق من الأعماق بلا حدود يموع كما نمير الماء راعفاً على الحقول.. شارعاً من فرط بهائه تود أن تسرقه وتخفيه في عميق الروح حتى تغيب معه كما يشتهي قلبك وكل أفراح وأشجان ذكرياتك الطيبة في متن نهره العريض.
بلا شك شارع الردمية الخلاب يعني الكثير لجغرافية أهل الحلة باعتباره واحد من الدروب التي يعبرها الجميع خلال اليوم أكثر من مرة، وكما لا يمكن لأحد أن يدخل الحلة ولا يمضي بأشواقه قبل أقدامه صوب ترابه الراعش والميمون والمجدول برائحة عافية السماء والأرض.
أعرف أن لشارع الردمية سحر ووقع خاص وجمال أخاذ منقطع النظير لا يحده شيء ولا يزيد عنه شيء في المصنع إلا تلك الحقول الخضراء التي تحتشد بالقصب الأخضر الريان.
وأظن لا تزال جنبات الشارع وفيضه المترع تردد ذلك الغناء الجميل منذ زمن بعيد كان فيه ذلك الشاب محور (دلوكة) بنات الحلة وهنَّ يترنمنَّ بمقاطع شعرية (قطع أخضر) في غاية الروعة.
وصهيل الغناء له طعم خاص حين يكون مرتبط بشاب أضحى عصب نسيج البلد كلها في محور العمل العام..غناء صادق لطيب الذكر الراحل المقيم.. الاستاذ كمال عبد الرحمن عبد الله.. رحمة الله عليه.. غائب الجسد وحاضر الروح.
ترامى لى من بين الدمع الهتون خاطرة.. ايامئذ وبنوت الحلة يملأن حناجرهن بالغناء على قارعة شارع الردمية الوسيم، ولا حرج في ذلك فأضحين محل حسد وغيرة من بنات البركس وخمسين بيت والقرى الزراعية.. يوم أن هدرنَّ تغريداً بصوتهن عاليا.. (الله لى منو.. الصيد الساكن الردمية).
وبهذا يرسمن سيرة باهية وعطرة للخالد فينا بعبق ذكراه الطيبة.. ولعلها دمعة امتنان تتدفق بدماثة يقين لتحي ذكرى الراحل المقيم.. الاستاذ كمال عبد الرحمن.. رحمة الله عليه.
وهذه بعض مفازة من امتنان الدمع.. المرحوم كمال عبد الرحمن عبد الله الراحل المقيم لا يزال صدى صوت بنات الردمية له رزيم في نواح الردمية والحلة (الصيد الساكن الردمية.. الله لى منو).. هذا يؤكد أن المرحوم كمال لم يكن منعزلا عن هم الناس الكبير مما جعل شبكة أرصاد القدر الاجتماعي تتصيده وتضعه في صورة باهية.. ولقد وجدناه نشطا في كل المجالات وقدم للمصنع الكثير.
إي حديث عنه داخل أو خارج إطاره الخاص.. بلا شك حديث يجلب الشجن ومرارة الفقد الكبير ودفق الذكريات الجميلة، ومع ذلك يتشعب الحزن فينا ويتحلق حول مدار شخصه الكريم.
وكنا نرى من خلال بسمته الطاهرة التي تميط اللثام عن أشياء كثيرة، وهالته التي تشهد له بخلقه الرفيع، ومن بين ثنايا نبرات حديثه العذب والواضح.. نثيث الحياة وجمالها وكيفية التعامل معها.
كان بحجم أحلامنا وآمالنا حين أسرج لنا فنار معرفته في فضاءاتنا العريضة حيث كنا نسير فيها لوحدنا وهو يتقدمنا كدليل وبصير لركبنا.. وما زلت أذكر جيداً تفرده في أداء عمله المنوط به في تعليم الأجيال من خلال مدرسة مصنع سكر حلفا الجديدة المتوسطة بنين أو بنات.
تجده في كل المناشط مشاركاً بفكره الثاقب وببدنه اللادن يصنع المستحيل من أرض المدرسة الجرداء والغبراء والتي أحالها مع زملائه إلى حدائق غضة ووريفة من الإلفة والظلال.
وفي ملاعب الرياضة كانت له صولات وجولات ممتدة مع الافاضل الاستاذ نجم الدين دياب صالح والاستاذ محمد سيد أحمد (سيدون) والاستاذ عوض فضل والاستاذ أحمد حسن عيسى وغيرهم من عطرت سيرتهم الوضيئة أركان المدرسة وفنائها الواسع. 
أما النشاط الثقافي فكان فارسه الأوحد وقمر لياله المنير، فشهدت له الجميعة الأدبية، والتي تنطلق مساء كل يوم إثنين من الأسبوع في الجزء الشمالي بفناء المدرسة، ذكريات طيبة لا تزال تحتشد وتعطر أجواء المكان وتلك الأزمنة السحيقة من منتصف ثمانينيات القرن الماضي.. وبرعايته الكبيرة وتحت مسؤوليته المباشرة انتظمت ليالي الجمعية الأدبية الباهرة في مشهد لن يتكرر البتة والتي فرخت أجيال مؤمنة بقضيتها وعظمة قيمها ودورها في قيادة وريادة المجتمع حيث كان له الدور العظيم والقدح المعلى في إرساء عظائم الأدب ودرره واكتساب الجميع مهارات التواصل وتطوير القدرات الذاتية والادبية والعلمية والعملية والفكرية والمعرفية.. وبذَّ الجميع بصوته الجهوري الرخيم وهندامه الأنيق وأدبه الجم وأريحيته وعفويته ولغته الناصعة وحروفه المنضددة وسلاسة عباراته الفخيمة.. ومن منا ينسى ذلك الجهد الكبير الذي بذله الراحل المقيم كمال عبد الرحمن عبد الله بين جنبات المدرسة!! 
ولأنه يخصنا في وجيب القلب وفي كل شيء تبقى ذكراه حية لا تموت ولن تكون ذات يوم في دروب الموات.. مضى بجسده طيب الذكر وأنيق الروح ولكن تظل كل وسامة ودماثة أعماله النيرة وشاحاً وهرماً يسد أفق وسماء المصنع في كل ناحية وشارع.
جاء فينا بالقلم تلك الروح الدفاقة والوثابة ما أنفك يروي البلد جلها بطعم تلك الأنامل التي زرعت بذور الخير وغرست فسائل الجمال بين كل حقول المصنع وكل دروبها المعطرة بذكراه.
أتذكر جيداً قلمه الأحمر وخطه المنمق على أطراف كراساتنا وتوقيعه الباذخ ونحن أكثر جزالة يوم أن نحظى بتقدير إمتياز بحبر يراعه الفاتن، نذرع حوش المدرسة ونجوب أركانها الأربعة بحبور يملأ القلب ويسند جوعنا وإشتهانا للدروس المدرسية... بلا شك لن ننسى يوم أن نفح عقولنا ولقحها بنطفة العلم والمعرفة والثقافة والأدب.
وما بين بسمته ونسمته الحانية كان يطوف بنا كل أربعة أركان المعمورة بسمت نبيل وخلق رفيع... شامة معرفتنا الأبدية وفجر خلاصنا يوم أن كان إنحيازنا التام بلا مواربة إلى سبورته وطبشيرته وكتاب اللغة الانجليزية الأول مع عم تروتا.
وفي مدرسة المصنع المتوسطة بنين في بداية العام الدراسي تقريبا مايو 1983م، تعرفنا على الجميع بأسرع ما يكون وفوق ذلك التمس طريقنا شاب وسيم الطلعة وهادئ الملامح ومرح تكسوه حفاوة البشر والأنس الشفيف والإنسانية العامرة وتشابكت خيوط معرفتنا به في أوائل العام الدراسي من خلال حصة اللغة الانجليزية.
بينما هو في بحر أنشغاله بالتدريس انفجر داؤود زايد نورين بضحكة هستيرية شقت عنان زنك الفصل الذي كان يفصل بينه وبين الميدان العامل (التضامن لاحقا) سوى شارع ترابي مغمور واظنه لا زال يمرر العربات الداخلة الى حى البركس وكما كان هنالك شارع صغير يمر به أهل البركس في عبورهم اليومي إلى السوق أمام الفصل من الجهة الجنوبية وكان أهل البركس لا يتحرجون في عبور المدرسة لقضاء أغراضهم والمضي إلى أعمالهم لو تصادف ذلك من المدخل.. انتظر رحمة عليه استاذ كمال حتى أكمل نورين دهشته المباغتة والتي جاءت فقط عندما ذكر الاستاذ اسم (بتول او منى) على ما اذكر خلال الدرس المقرر في الحصة.. لم ينفجر بغضب ولا مساءلة ولا امتعاض بل بابتسامة خجولة وكل ما قاله ببساطة: (مكيسه انت)؟..
العبارة كانت جديدة على بعض الجميع ولم تلامس افئدتنا بعد مفردات الغة الانجليزية حتى نستوعبها.. ولم يزد. وواصل شرحه باقتدار وعبر بنا إلى مساحة قربتنا منه أكثر حيث توقعنا منه أن يعاقب الاخ نورين.
كما أن هنالك حكاية أخرى في الجزء الشمالي الغربي المعروف من مدرسة المصنع المتوسطة.. في ذلك المكان يتوفر مدخل موارب عن الانظار يسع لواحد أو إثنان وعبره كان ابناء الحلة ينسربون ألى الفصول. والموقع يقع شمالا ومباشرة لدورات المياه الوحيدة بالمدرسة. وعبر هذا المدخل المتكدس بين أغصان نبات العوير كانت كل صباح تعبر الابتسامات وأجيال من ابناء المصنع وكما تمر الكثير من الأشياء التي لا تعود. وسط كل هذا الضجيج كان يعبر الأنيق دوما في هندامه وتعامله استاذ كمال في وقت لا يتغير إلا إذا تغيرت ساعة الكون؛ قمة في الإنضباط محسوبة بالدقيقة والثانية قبيل مواعيد الطابور الصباحي بوقت ليس قصير.
ذات صباح من أيام المصنع الجميلة، والذي وهبنا الحياة، كنا في شغل شاغل وفق ما أتفق لنا مزاجنا. ثلاثتنا تقريبا جلسنا عند هذا المدخل؛ طيب الذكر صديقي ورفيق طفولتي والرجل الجميل مرتضى محمد محمد عثمان يعقوب والاخ الصديق والزميل مجدي حسن شريف. امتدأ بنا الأنس الصباحي كما طقوس قهوة المرحوم على كيك التي كانت في ذات الجغرافية والتي تنسمت عبيرها فيما بعد. بينما نحن جلوسا بكل أريحية ونغوص في عميق جنوننا و(هترشاتنا) مر الاستاذ كمال بغتة بنا وهو على دراجته القيافة، وبما إننا كنا ساعتئذ لا نعرف قوانين المدرسة ولا ما يمور فيها من لوائح والتزامات؛ وكما نحن ما زلنا صرعى قديمنا حوش مدرسة (أ) الابتدائية بنين الماهل باشجار التمر هندي لا نلوي على شيء سوى أنسنا الجميل.
ولم تمر لحظات حتى وصلنا إستدعاء إلى المكتب من قبل الأستاذ كمال. لحظتها لم يمر بخاطرنا شيئا ونحن بعد لم نتعرف على حصص الوريف كمال رحمة الله عليه. نعرفه ضمن أستاذة المدرسة فقط وقتها كان يدرسنا الأستاذ محمد سيد أحمد سيدون.
دخلنا عليه في مكتبه متراصين والوجل يكسو قلوبنا. القينا التحية وبنا بعض من رهق خوفنا الباكر من مكروه قد حصل.
كعادته التي ألفناها فيما بعد، مضي برحابة بين واجبه الأخلاقي والتزامه بلوائح المدرسة، وقال لنا الكثير مما زاد في احترامنا له ومع ذلك نلنا قسطا من الضرب. وكان ذلك أول درس تعلمناه في حضرة معلمنا الجميل كمال.
كان اجتماعيا بما يكفي للحد الذي كان كافيا لأن يستنشق المصنع عبر جليل أعماله عبير الراحة والعافية.. تجده مع دوره الكبير الذي قام به في حقل التربية والتعليم في كل مكان يحتاج إليه فيه المصنع.. لا يتواني ولا يتقاصر عن تقديم عرقه وجهده وماله لسد كل فرقة بنفس القدر الذي ساهم به في تعليم آخرين رفض أهلهم تعليمهم في ظل الظروف الصعبة التي يمرون بها.
منذ صغره الباكر حمل هم نفسه وطوعها على ولوج ميادين الشغل والعمل العام بولع وحب.. لذا لم يكن غريباً أن نجده في كل مكان وزمان باذلاً نفسه رخيصة بلا مقابل من أجل أن يعلو المصنع فوق الهامات.. قامة واستقامة.
في مقام ذكره الطيب نستحضر كل الصور الجميلة التي زينت كل جدران وشوارع المصنع ولا تزال ملهمة للجميع كواحدة من التجارب الثرة والغنية في مجال العمل الخيري وكل المجالات التي خاض وعرها والتي ما فتئت سيرة خضراء كحقول قصب السكر.
نأمل أن تكون سيرته العطرة نبراساً ودليلاً لأبناء المصنع تعين على وعثاء المسير والعمل العام ودروب العلم والحياة في شتى المجالات التي كان فيها فارساً لا يشق له غبار، ومغواراً في العطاء والتضحية والبذل لا تلين له قناة ولا تهزمه العوارض والصعاب والتحديات.
والراحل كمال ما زال فينا قيمة تربوية وعلمية وعملية وخيرية وإنسانية فذة تسند ذاكرة المصنع.. كان صاحب علاقات عديدة ومعرفة واسعة بطيف أهل المصنع، لم تتقيد بحاجز العمر أو النوع فالجميع عنده سواسية في الإنسانية.. كحاله دوما محبا للجميع بذات ألق البسمة التي لم تفارق محياه حتى وهو في أحلك الظروف التي مر بها في أيامه الأخيرة مع مصارعة المرض اللعين.
كمال عبد الرحمن كان رجل  تطوع، ويتمتع بأسلوب فريد من نوعه، وسيتذكره الجميع بخدماته التي قدمها لبلده حيث ترك أثرًا عميقًا للغاية في التاريخ التطوعي بالمصنع.
وتبقى ذكراه حية ما أتسعت الأيام وما بقى مصنع سكر حلفا الجديدة حياً في القلوب والمكان.. إنها أطياف ذكرى تمر من طيوب نفحه وعصارة جهده ونسيم أريجه المار على كل الدفاتر، وهو كالقلم الطاهر يعطر كل كراسة وكل درج بالحضور المنير كقمر السماء حينما يكون في قمة ألقه مصادفا الأيام البيض.
والمدرسة كانت عنده كل شي تبدأ معه في الصباحات الرحيمة، وهو يفتح عينيه الساحرتين على صباح أمه سعدية متعها الله بالصحة والعافية، ويمنحها عبق السلام والتحيات الطيبات.. وهى سعيدة وفخورة جدا به كابن بار ما نقص من التزامه تجاهها في شيء، وهكذا حاله مع والدته المرأة المكافحة والصبورة التي احتملت رحيله الباكر في عز شبابه.
والمصنع لن ينسى القامة والراحل المقيم كمال عبد الرحمن عبد الله وإن طالت السنوات لطالما كان ذات يوم صخرة دفاعه الأولى ضمن شباب فارع المقام.. شيدوا ووضعوا اللبنات الأولى لكل معالم البلد الجميل الذي ما زال لسان ذاكرته رطبا بسيرته الطاهرة يا زينة كل دروبنا.
وقتها أيامئذ والسبورة لوحة شاهدة على الكل.. لا يمكن لنا أن ننسى كل من وقف أمامها مرتجلا يم الحروف بإقتدار وحنكة.
ولن ننسى في مقام ذكره هؤلاء الذين امتطوا ظهر سفينة العلم والمعرفة.. كل واحد منهم كربان ماهر ووفي لحد الموت من أجل أن تكون السبورة مسودة بنبض الحياة وبذاك اللون البهي الذي يشبه قلب محبنا ومعلمنا الراحل المقيم كمال عبد الرحمن عبد الله.
لأننا جيل محظوظ بحكم الوقت وعافية البلاد وقتذاك.. بيننا وبين الحسرة وعسفها مسافة بعيدة ونحن جيل نهل المعرفة من كنف شعلة راسخة  في الأرض ومتقدة في العلم والمعرفة والإنسانية من لدن الاستاذ نجم الدين دياب وسيف الدين سلمان وحسين أحمد الحاج والنور محمد أحمد النور والراحل المقيم كمال عبد الرحمن عبد الله وحسن عبد الله وعاكف وعوض فضل وأحمد حسن عيسى وفتحي عبد اللطيف ومحمد سيد أحمد سيدون ومحمد عبد المجيد وأحمد أبو حشيش وكمال جبرة وعبد القادر الفضل وغيرهم من زينوا جنبات مدرسة مصنع سكر حلفا الجديدة المتوسطة في مطلع عقد ثمانينيات القرن الماضي بأبهى ما جادت به قريحتهم وموهبتهم وقدراتهم الفذة وتواضعهم السمح وتعاملهم السهل.
كما هو المصنع دائما مليء بالحيوية والشباب، مثل هذا الجيل المخضرم من المعلمين في تاريخ التعليم أفضل حقبة زمنية راقية ومتناهية الدقة في الاخلاص والالتزام. كانوا ملء السمع والبصر في مهنية فاضت حتى إمتلاء الوعاء، جبلوا على الكثير على امتداد فصول وسوح مدرسة مصنع سكر حلفا الجديدة المتوسطة بنين وبنات، مما حظوا معه بحب الجميع وتقديرهم واحترامهم.
لن نستطيع أن نرتب قاماتهم ومقاماتهم، فجميعهم كانوا ملوكا متوجين بقدر متساوٍ من التواضع والأناقة.. مروا وعبروا على صراط عشق المصنع الممنون وأضحوا إهرامات شاهقة لا يمكن تجاوزها.
وكمال كبيرنا ولا يزال نبراس وشمعة تضيء لنا الطريق.. فالراحل نمذوج نادر تقلد مهام العمل العام بالمصنع في صمت ونبل نأمل أن نكون كلنا مثله في التضحيات وتقديم عمل الخير وأن نقتدي بسمته وجلاله وأخلاقه الرفيعة.
كهبة النفحة رحل وغادرنا بدون إستئذان، وكالنسمة كان يزيل كل غبار يدنس البلد بكل سلاسلة واتقان.. وهكذا عرفناه في شتى المجالات ممسكاً بدفة القيادة.. هنا وهنالك حاملاً معول الإصلاح والتقويم والعمل والتميز أياً كان موقعه وفي أي مجموعة كانت.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، الأستاذ كمال عبد الرحمن عبد الله، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر والشمالية وأثيوبيا، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.
اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).


ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

شمس الفلاح محمد مهدي

مُساهمة من طرف خالد حسن بخيت في الثلاثاء 30 يونيو 2015, 12:56 pm

كانت الايام كعادتها .. تمر ببطء شديد .. ربما حتي ساعات النهار لا ندري كيف نقضيها ونحن بين طيات الفرح الطفولي .. نرسل ابتساماتنا ونوزعها لكل المارين .. اطفالاً زغباً تهدهدنا ايام البراءة والحلاوة والطفولة .. وكل من يمر علينا يرشقنا بقبلة حارة علي خدودنا .. ثم ما ان يغادرنا ذلك المار ببعض خطوات حتي نمسح خدودنا باكفنا ظانين ان لعاب القبلة باق فيها .. كل ذلك بيني وبين صديقي الراحل شمس الفلاح .. وقد صدق ابوه ان سماه شمساً للفلاح .. فقد افلح في كل شيئ حتي في مدرسته .. و كان اول المدرسة .. و ان لم يكن الاول في كل شئ لكنه كان السبّاق .. المتلهف اللبق .. كان مشغاباً وكان هادئاً بعض الاحيان .. قد لا تفهمه وقد تسهب في فهمه .. ليس تناقضاً في شخصيته بقدر ما انه كان ذكياً .. يعرف _ متين يبقي الكلام ويعرف متين يبقي السكوت _ فهو هكذا عندما تعرفت عليه وهو جاري العزيز .. فقد تم نقله من المدرسة الابتدائية (ب ) الي مدرسة النهضة .. كما يحلو لنا ان نسميها .. او المدرسة الابتدائية (ج) فتزاملنا .. وكنا مثل التيمان .. لا يفارق بعضنا بعضاً .. الا اوقات القراءة والمذاكرة والليل .. ثم نشتاق الي بعضنا صبحاً حيث الذهاب الي المدرسة ..
يا لهاتيك الايام .. التي نشتاق فيها الي ملاسنات اصحابنا .. وتراشقنا ببعض ما قد يثير حوافظنا .. ثم ابتداء اليوم الدراسي وانتهائه علي مضض اصابنا بفعل شوقنا الي بعضنا وعودتنا الي بيوتنا .. وقبل ان يدق جرس البيوت ترانا نعتلي نوافذ الفصل وبابه .. نختلس النظر الي من سيرفع الجرس مؤذناً بالبيوت .. ثم بعدها تمتزج اهازيجنا بفرحتنا .. ونردد بصوت واحد يملؤه الفرح ( البيوت البيوت البيوت ) .. وكأن بيوتنا ناطحات سحاب علي سواحل البحر .. او كانها عمارات شواهق في جزر هاواي .. 
كانت اجمل الاوقات بالنسبة لنا هي اوقات العودة الي البيوت .. وكنا نتناقش ونتجادل في جميع الامور التي تخصنا .. حتي اذكر اننا كنا نتفاخر بأن ست ( فلانة ) تحب احدنا .. ونجزم ونبصم بالعشرة انها تحب فلاناً لانها كانت تنظر اليه اثناء الحصة او انها داعبته او ابتسمت معه .. ونحن اطفالاً ربما لم نبلغ الرشد وقتها ولكن الاحساس الغرائزي كان قد بلغنا .. 
المهم انها اوقات مليئة بالجمال والبراءة .. ثم بعدها جاءت المرحلة المتوسطة ومثل ما اعمارنا تزيد فحبنا لبعضنا ايضاً يزيد .. حتي جاء وقت فراقنا وان اختار شمس الفلاح ان يذهب ليختار ويحدد مستقبله من دون المدارس فهناك معهد القرش بالخرطوم يود اللحاق به .. وتفرقنا .. ولم نلتقي الا بعد اشهر وربما سنوات .. ولكن قلوبنا لم تفترق .. فقد كان شمس الفلاح انساناً لا يمكن لاحدنا ان ينساه .. كيف لا وهو من تجد عنده الحكمة والاجوبة علي كل ما استعصي عليك فهمه .. خاصة انه التحق بخلاوي ود الفادني لتحفيظ القرآن الكريم .. فقد كان رجلاً ذو شكيمة ومعرفة ودراية باغلب ما كنا نعتبره شأن العلماء والفقهاء .. وحتي اسلوبه في النقاش كان يمتاز بالهدوء والفطنة .. فقد كان صوفياً جزلاً .. 

ومن صوفيته وقرآنه .. خلق لنفسه جواً خاصاً .. كان هو الوحيد الذي يستطيع العيش في ذلك الجو الذي خلقه لنفسه .. فقد كان يعرف بعض ما كنا نجهله نحن .. وكل وقته اما ضاحكاً او سارداً لرائعة او طرفة مرت به .. وكان يقول الكثير من الاشياء التي لا يسمح المقام بذكرها .. ليس من اجل شيئ سوي خوفاً من التكهنات والمغالطات التي ربما اتعرض لها .. خاصة ان الجدل كان يلف تلك الشخصية .. ولا احد يستطيع ان يقول انه يعرفها اكثر من غيره .. ففطنة وذكاء الرجل كانت اكبر من كل التوقعات .. فهو بوّاح تواق الي كشف اسرار الغير .. ولكنه بخيل عن كشف سر نفسه .. شخصيته كانت اشبه بشخصيات تاريخية .. تلقفتها اجهزة الاعلام والكتاب والادباء ورجال الدين .. ولكن صديقي هذا لم يجد له الاعلام طريقاً لكي يسرد او يخرج لنا اسرار ذلك الفتي العظيمة .. زاد حبي له وكلما همّهمِ دنوت منه فاذا به يصلي علي النبي الكريم ( عليه افضل الصلاة والسلام ) كان يحب الصلاة علي النبي .. وذلك لما عرفه عنها من جلب للخير والبركة .. وكانت امنيته الوحيدة ان يري النبي الكريم في منامه .. فجاب الارض يسأل الشيوخ والعلماء عن سر رؤية الحبيب في المنام .. ولا ادري هل وافته المنية قبل ان يراه ام رآه قبل رحيله .. قبل رحيله باشهر عدة كان يزورني ويكشف لي المخبأ عن بعض اقاصيصه وروائعه وظروفه .. ويصمت اثناء سرده حتي تخشي عليه من نفسه فتتمني لو انه لم يتحدث او يحكي .. ثم يبتسم بعد أن يقرأ تعابير وجهك .. ويواصل في سرده .. ثم يتأوه ثم يبتسم ... فلا تكاد تميز حزنه من فرحه .. سعادته وشقائه .. ولكنك تظل متوتراً طوال فترة بقائك معه .. فتتمني ان تكون بجانبه ليحكي لك .. ولتقف معه في محنته .. واحياناً تتمني ان يكون معك ليعينك علي مطبات الحياة ومزالقها لما له من حكمة في اتخاذ ما يجب ان يتخذه وفي ترك ما يجب ان يتركه .. 
آآآهـ يا فلاح .. فمازلت تشكل الاكثر في حياتي .. ولك الرحمة ..  ان شاء الله ....

لكأنني اجد نفسي حائر بين ارث خلده هذا الرجل بداخلي وداخل كل من عاشره وصادقه او حتي التقي به عبر مشوار ما .. حائر بين هذا وبين ما يكتبه الكتاب من وظائف ودراسات اهلت الكثيرين لكي يكونوا عظماء .. فصاحبي هذا لم ينل الحظ الاوفر من الحياة حتي تبرز شخصيته كشخصية تثير الجدل .. فكم من النبغاء عند وصولهم حد معين من العمر ينتقلون الي عالم آخر حيث لن يجدوا من قد يفهم الكثير من طلاسمهم ان صح التعبير .. فهذا الرجل يتملك امكانية غير محدودة في الاقناع والبحث والقوة والشجاعة والصدق .. لذلك صعب علي من لم يعرفه ان يحاول معرفته من خلال سيرته الذاتية .. لان السيرة قليلة الكلمات في حق رجل لم تمنحه الحياة سوي عمراً قليلاً ودروباً اختارتها له .. لكنها صعبة المآل كثيرة الشوك .. كؤود .. و خاض غمارها .. بكل شجاعة ..
ورغم ذلك اعطي قارئ الكريم بعض ما اعتاد ان يقال في السيرة الذاتية : 
الاسم : شمس الفلاح محمد مهدي ( ابوه هو التاجر الكبير بمصنع السكر / محمد مهدي / وحالياً بحلفا الجديدة ) اما عمه فهو عبد الكريم مهدي وهو امام وخطيب مسجد الحارة الثانية 
الميلاد : الحلة / الحارة الثانية / حي الجعلين سنة 1976م
التعليم : مدرسة (ب) ثم مدرسة ( ج ) الابتدائتين ثم المدرسة المتوسطة ثم معهد القرش .. ثم خلاوي تحفيظ القرآن ( ود الفادني ) اعتقد انه درس التفسير والفقه وفقاً معطيات النقاش معه .. 
المنيّة : رحل في العام 2001 تقريباً باحدي مسشتفيات الخرطوم .. بعد ان تم نقله من مستشفي حلفا الجديدة و بعد معاناة طويلة مع المرض .. سلم الروح الي بارئها .. 
له الرحمة والمغفرة

الله الله الله يا شمس الفلاح .. لم انساك وربي لم انساك .. ولكنها ايام وايام .. تاخذنا فتنسينا حتي انفسنا .. ولكننا حتماً سنعود اليك فانت ما زلت تحيا في قلوبنا ..

اللهم ارحم شمس الفلاح واغفر له واكرم نزله .. واسكنه الفردوس الاعلي يا حنان يا منان يا رب السموات والارض ومن فيهن ومليك السماوات والارض ومن فيهن .. يا ذا الجلال والاكرام يا حي يا قيوم ارحم شمس الفلاح واغفر له وتجاوز عنه انك انت اكرم الاكرمين وارحم الراحمين يا رب العالمين



..

مشرف المنتديات الأدبية


خالد حسن بخيت
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 1930
نقطة : 7157
تاريخ التسجيل : 10/02/2010
العمر : 40
الموقع : www.3aza.com/vb
المزاج : مسلم

http://www.3aza.com/vb

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 01 يوليو 2015, 12:51 am

بت رفاعة.. صندل المصنع الفوّاح



حين يهمس البان بآذان رفقة قصب السكر ويضطرم الإخاء.. صرير متناغم وهمس متعالي فوق هامة الوقت وأصوات رهن الأشجار النضرة والمتمايلة برفق نتيجة فعل ريح هادئة تشنف مسامع الطيور، وتعلن في الوقت ذاته عن صعود عروق قبيلة نبتت من عميق الأرض الطيبة؛ البطانة. والقلب موقن في ايمان منقطع النظير ما دام فيه عِرق ينبضُ بحب فطري بأن أهل المصنع أضحوا قبيلة لا تضاهى، ولن يكون لها مثيل أبد الدهر. جاء الناس من أصقاع ومناطق شتى وقلوبهم على قلب رجل واحد، وما فتئوا ينسجون على هذا المنوال حتى ساعة الناس هذه.. بلد متعدِّد الأعراق.
هكذا نشعر بحقيقة المصنع كما بقيمة الوقت.. ربما بضعة دقائق تفصلن عن المكان الذي نحب ودفنا فيه كل ذكرياتنا.. بلهفة نرتقب مرور اللحظات حتى نقف على باب بلد لطالما عشقناه وأوار شوقه يستقر بين جوانحنا في طريق يعج ويضج بالأشواق لأناس رحلوا عنا وغابوا تحت التراب لا يمكن معهم نسيان تلك الأعمال الجليلة التي قدموها على مر الأزمان التي عانقوا فيها أرض قصب السكر بحب وتقدير.
يجدر بنا أحيانا كثيرة أن نتسائل.. هل يمكن لنا الحق في النسيان سواء كان كلياً أو جزئياً؟
التذكر وجه موغل في الرعب والوقاحة عندما يتعلق الأمر بشجن مستوطن القلب مقابل الشعور الدائم بثقل وطأة الحنين، هو موجة يواجهها الراغبون في الالتزام نحو أشخاص خضوا تجريتهم لخير الناس ومضوا مطمئنين إلى أماكن أخرى أكثر سعة ونضارة.
وفي ذلك لا شيء يمضي دون تراتبية مقصودة في تلك الفترة الزمانية الممشوقة القوام اللادن من القرن الفائت.. يصطف الناس على مودة غير منشغلين بأشياء الدنيا وصروفها الفالتة إلا بمقدار ما يجمعهم على صراط المحبة ولا يشذ أحد إلا مخبول يعزف على وتره بنغمة نشاز.. الكل في متراره ينصع قوته من عرق جبينه اللامع والمشع، والوجه يتلألأ كالنور وبسمة الشمس الصباحية نساءً ورجالاً يرابطون على حقولهم.
ضمن شغيلة المصنع برزت امرأةُ من طراز مختلف وفي مجال مغاير، واختلطت بدائرة صغيرة من الناس بلا حجابٍ كشذا المِسكُ يطوف بأركان المكان، وتساوت مع الرجال ولا فرق فالعزائم لا تعرف التراخي.
هذه واحدة من نساء المصنع الماجدات.. امرأة طيبة العِرق ومن نفس طين البطانة وذات إسهام مقدر وفاعل في إقتصاد المصنع القائم على التنوع في عرضه وطلبه.. وبرزت في تجارة صغيرة لم يتعد نطاقها دائرة البركس، ولكن ذاع صيتها مع آخريات وعبرت سيرتهن الأفاق مثل حاجه النيل رحمة الله عليها، ونفيسة بيلو.
ولعلها واحدة من أوائل النسوة اللائي كن رفيقات وعضيضات لأزواجهن منذ البدايات الأولى لتأسيس مشروع سكر حلفا الجديدة، لذا لا بد من ذكر سيرتها المضمخة بالعبير ضمن نساء صنعن مجد البلد الطيب. 
وتأتي سيرة الراحلة فاطمة أحمد محمد نور مقرونة بسيرة الخالد فينا بعبق ذكراه الطيبة الراحل المقيم أحمد خالد القدال رحمة الله عليه.. وتلك مسيرة فاضلة لا تنتهي بالراحل المقيم الطيب أحمد خالد رحمة الله عليه، وعلي، ويوسف، وخالد، وعبد الباقي، وابو عبيدة، وسمية، ولا الراحلة المقيمة العازة (الحاجة) بل تمتد ضافية عبر أحفادهم الذين ما زالوا قابضون على عروق قصب السكر بنفس وايقاع حب واحد يخضرون الحقول بعملهم الدؤوب والمنتظم.
وهذه مسيرة بدأت من تخوم رفاعة البلد المقرون بحضر أودية البطانة وضفة النيل الأزرق الدفاق.. مدينة صان عبقريتها كُثر تاريخياً وما أنفكت في ذات المسار من لدن تلك الثورة التي صنعت مجد النساء المتعلمات في مطلع القرن الفارط حيث أسرن اللُب وخلبنه ونالن إعجاب البلد قاطبة في مسيرة ظافرة تواصل كدحها دون قيود يوم أرسى حجر أساسها مفجر ثورة تعليم البنات الرائد بابكر بدري.
ولدت فاطمة بت رفاعة في تلك الأجواء الحضرية ونهلت منها وعبت مداركها وسيقان وعيها، وعُرفت بين أهلها باسم (الصندلية) حين فاح عطرها الأخَّاذ وغطى مسام البلد كواحدة من النساء الفارعات الحسن والجمال اللافت, والآسر، والباهر، والساحر، والفاتِن، والملِيح.
جاءت (الصندلية) رفاعية الهوى تجوس في بطون البطانة وبين حقول قصب السكر بقيم مختلفة وانماط ثقافة غلب عليها التحضر رغم عبق البدواة الذي يشع من أهل رفاعة والذي يكسوهم وقار وجمال ولطف.
وفي ذلك الوقت من عقد الستينيات من القرن الماضي بدأ سوق مصنع سكر حلفا الجديدة كنقطة تجمع صغيرة لتجار يختلفون في عرض بضاعتهم وغير ذلك لا يوجد سوق آخر أو حوانيت تشق فجاج أرض المصنع كما بدا الآن واضحا بعد أن نشط الكثير في التجارة.. وتوالى الحراك الاقتصادي والنشاط التجاري بعد ذلك بايقاع متصاعد حتى بلغ سنام ذروته ما نشاهده اليوم.. وخلال تلك السنوات المنصرمة وبعد أن استقر الناس في مواضع شتى ومالت البلد إلى حالة مواتية من النمو الحضري، ونشط الجميع في دورة الانتاج وتكاملت الأدوار ونهض المصنع على وادٍ طيب ومتشعب الخير.
وفي خضم هذا الحراك نشط سوق صغير مواز لحركة (ترلة الخضار) وللأمانة والتاريخ أغفل كثيراً من تاريخه المجيد وإن كنت شهودا عليه لفترة من الوقت، ولكن جاء هذا الموقع في ذات المكان الذي تشرفه حركة بيع خضار قسم الخدمات الاجتماعية انذاك.. وفي هذا السوق بزر نجم الراحلة فاطمة بت رفاعة، وحاجه النيل، ونفيسة بيلو، وآخريات سطرن أسمائهن وخلدن سيرتهن ضمن حركة إقتصاد سوق البلد برمتها.
كنَّ ثلّة من العاملات في هذا السوق الصغير والذي يبدأ حراكه في الصباح الباكر وينتهي بأفول ضحى اليوم كما أظن ذلك وفق ما بدا لنا وحسب حركة (ترلة الخضار).. ويضج السوق بحركة نسوية نشطة وفاعلة وفيه يلئتم اجتماع لحمة البركس، ولم تكن بضاعة السلع الاستهلاكية وحدها هي الرائجة فيه، بل كان هناك منتدى إخباري يذيع أخبار المصنع وما يدور في فلك الإدارة، وكما أنه يروي سيرة أخبار المدينة الصغيرة من لدن تلك الأفراح والأتراح وغيرها من الأنشطة الاجتماعية التي تميز بها المصنع علاوة على أهم ما كان يؤسس حركة السوق هو روح تلك العلائق التي جمعت بين أهل البركس حيث تميل النساء إلى تفقد بعضهن البعض وسط جو مشبع بالألفة والمحبة في صباح كل يوم تشرق فيه شمس المصنع ناثرة عقدها الذهبي.
جمع بين أولئك النسوة بصيرة المسؤولية والالتزام ببيوتهن وأزواجهن وأطفالهن وعلاقت الجوار الممتد التي تشابكت وصارت أكثر قربى وحميمية وفاقت صلة الرحم شأْواً عظيماً، وهذا هو المصنع في تألقه وانفراده دوما في مسيرة حافلة بالتضامن والإخاء الإنساني. 
وعملت بت رفاعة رحمة الله عليها برأسمال رمزي وتمثلت قيمته في بؤرة ذلك الإشعاع الاجتماعي الكبير، والذي مثل نوع نادر من الذكاء المجمتعي وكيفية توظيفه في إذكاء روح صعود الجماعة وتماسكها من أجل الإستمرارية الوظيفية المطلوبة لنهضته.. واستطاعت أن تسد فجوة صعب على مؤسسة رسمية كمصنع سكر حلفا الجديدة بأن تقوم بعبء واجبها فيه مهما كانت قدراتها، وقد توازى ذلك الدور مع مؤسسات أخرى في المجتمع.
وحرياً أن نفخر بامرأة صانت عمق مجتمعها بطهر واستقامة دون أن تنال شيئا مقابل ذلك الدور العظيم المتشاطر مع آخريات مثلن عمق الواقع الاجتماعي الفاعل لبلد يرفد قيمته من الصناعة والزراعة وقليل من التجارة الرابحة.
نساء عكفنا على العمل الحلال، ثم مددنا البصر بعيدا حتى لا يستهلكهن الفراغ القاتل في تتبع ما لا يفيد من ثرثرات تدمي عورات بعضهن... وهذا مثل وعياً متقدماً أرخى بظلال خيره وبسطه بين أفراد المجتمع قاطبة دون تخيير، وبذلك عمت البشائر والخيرات الذي نضدت عقد البلد وزينته كأجمل ما يكون دون تتفرق به السبل؛ لا حمل أحداهما سوء ظن في دخليته با تجاه ذاته، ولا أحد يمم شطره صوب الهروب والإنكفاء والسلبية.
كان يوما أكثر من بهيجاً حين التقيت حاجه فاطمة رحمة الله عليها بعد سنوات عديدة من الفراق في الربع الأول من العام 2013م بمصنع سكر الجنيد، وهي في كامل هندامها وجلال بهائها وذاكرتها البضة.
ورجعت بي إلى سنوات خلت من ذاكرة المدينة.. وعدت إلى سوق نساء البركس وذلك النشاط المائج بالحراك.. فما أنجزته (الصندلية) وصاحباتها كسبق هو سفر إنجاز عظيم وسجل حافل لصالح قبيلة المصنعجية لا يمكن نسيانه وتجاهله، إذ يضاف إلى إنجازات أخرى لا تزال توسم المصنع بالجمال والعطاء.
ومع ذلك كانت حافظة وناقلة للكثير من الأرث والأمثال الشعبية والأشعار ومأثر الطرق الصوفية كواحدة ناهلة من معينها إذ رفدت مجتمعها الصغير بدلالات ومفاهيم هذا التراث الزاخر بالحكمة والغني بالمعرفة، وبذا استحقت أن تكون تجارتها رابحة؛ دنيا وآخرة.
ورحلت صاحبة الروح السمحة ورائدة سيدات سوق البركس بت رفاعة إلى الرفيق الأعلى فجر الثلاثاء الموافق 24 من شهر فبراير 2015م، مخلفة ذكرى طيبة وعطرة لسيرة راسخة من العمل الاجتماعي والإنساني امتدت إلى سنوات طويلة منذ تشييد وتأسيس مصنع سكر حلفا الجديدة حتى تاريخ غيابها الفاجع.
اللهم أرحم أمنا جميعا، الراحلة المقيمة، طيبة الذكر، فاطمة أحمد محمد نور، وتقبلها قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرتها وأحبابها وعارفي فضلها، وأهل سكر حلفا الجديدة والجنيد ورفاعة، فقد كانت عَلَماً يُهتدى بها في حالكات الدجى.
اللهم ابدلها دارا خيرا من دارها واهلا خيرا من اهلها وادخلها الجنة واعذها من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهم اجزها عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كانت محسنة فزد من حسناتها, وإن كان مسيئة فتجاوز عن سيئاتها. اللهم ادخلها الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسها في وحدتها وفي وحشتها وفي غربتها.
اللهم انزلها منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزلها منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة, ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح لها في قبرها مد بصرها وافرش قبرها من فراش الجنة. اللهـم اعذها من عذاب القبر, وجاف الارض عن جنبيها. اللهم املأ قبرها بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنها فى ذمتك وحبل جوارك وقها فتنة القبر وعذاب النار, وانت أهل الوفاء والحق فاغفر لها وارحمها انك انت الغفور الرحيم. اللهم انها كانت تشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم بها. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمها ولا تعذبها. اللهم اّتها برحمتك ورضاك وقها فتنة القبر وعذابه وأّتها برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثها إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقلها من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها وثبت علي الصراط اقدامها واسكنها في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنها من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسها أّمنة مطمئنة ولقنها حجتها. اللهم اجعلها في بطن القبر مطمئنة وعند قيام الاشهاد أمنة وبجود رضوانك واثقة وإلي أعلي درجاتك سابقة. اللهم اجعل عن يمينها نوراً حتي تبعثها اّمنةً مطمئنة في نور من نورك.
اللهم انظر اليها نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنها فسيح الجنان واغفر لها يا رحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنها فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انها جاءت ببابك وأناخت بجنابك فَجْد عليها بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمها رحمة تطمئن بها نفسها وتقر به عينها.
اللهم احشرها مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشرها مع اصحاب اليمين واجعل تحيتها سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشرها بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعلها من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيها عليك ولكنا نحسبها انها اّمنت وعملت صالحاً فاجعل لها جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيها نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائه واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُ.
اللهم اجعلها في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنها صبرت علي البلاء فلم تجزع فامنحها درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انها كانت مصلية لك, فثبتها علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انها كانت صائمة لك, فأدخلها الجنة من باب الريان. اللهم انها كانت لكتابك تالية وسامعة فشفع فيها القراّن وارحمها من النيران, واجعلها يارحمن ترتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأتها أو سمعتها وأخر حرف تلته. اللهم ارزقها بكل حرف في القراّن حلاوة, وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمها فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنةً. وادخلها الجنة فانها كانت بنبيك مصدقةً وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهـم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين, وعرق منا الجبين, كشر الانين والحنين. اللهـم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب, وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات, وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي, واذا توعد عفا, وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لنا ولها، واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلها الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).


ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 01 يوليو 2015, 11:06 pm

محمد ناصر.. بصمة لن تتكرر




هنالك مقولة مأثورة تنطبق على ذلك المكان الأخضر المعتق برائحة الدعاش وشَّذا الحقول ولعلها توضح مالآت فيض الروح وتلاقيها في فضاءات أخرى.. عبارة ذكية تدمج الإنسان في المكان وبالعكس في تناغم لا يضيق بالآخر، ولقد اتسعت لقول لا يربو على النسيان والانزياح يجعلنا في محط التداعي ومدى صحتها قياساً بأخضر اللون؛ مصنعنا الحبيب.
والعبارة في تفاصيلها مهولة وذات كبرياء يتعالى على حروفها المقتسمة جملتها حيث وجدتها بين طيات بعض الكتب أو المقالات العابرة، لا أذكر متى وكيف حبلت بين الدفاتر بتلك الصيغة عندي: (في إمكانك أن تخرج الشخص من المصنع، ولكن لا يمكن أن تخرج المصنع من الشخص).
ومعي تخيلوا كيف لنا أن يكون ذلك.. هل بالإمكان أن يخرج المصنع من قلب واحد بتلك السهولة كم لا أظن لأن سوء الظن إثم، وهل يزعم بعض فاقدي الأهلية وأصحاب النزعات الرعناء عن حقيقة حين فكروا في مقايضة وبيع حفنة تراب البلد بحب آخر! وهل هنالك أحد مثل هؤلاء! أشك في ذلك ظاهرياً.
قياسا إلى ربوة المكان وتلاله وسهوله وحقوله التي ما برحت تصون فضاءه، يزهو المكان المصنع بسيرة تسمو أكثر ما يبدو ماثلا في ذهنية كل منا إذ نظرنا إلى التلازم والتضام الذي نسج بين انساق وسلالات المودة التي شبَّ عليها اجتماع الناس على صعيد واحد بنفس وروح واحد وإن إختلفت الاجساد.
هي حالة يصعب سبر غورها وتفكيكها إن أردنا التقاط الإشارات والدلالات الأولى التي رسمت ملامح تلك البقعة الخضراء التي امتدت ولا تزال تمتح من بئر الرعيل الأول الذي وضع نطفته في المكان بذكاء عفوي ومتقد دون انثيال متواطئ وتدبر.
في غابر الأيام انسل الناس إلى فضاء البطانة أفرادا وجماعات بهدوء وسكون لازمه راحة بالٍ وسكينة وروح مطمئنة إلى أقدراها لا تنشد شيئا من أشياء الدنيا إلى بلوغ أمانيها في انجاز حلم قيام مشروع كبير وطموح يصنع السكر والإنسان.
وانشغل الجميع بصدق وعاطفة واحدة من أجل رفعة شأن الآمال المعلقة بالقلوب حتى وجدوا أنفسهم يحملون ثمار كفاحهم وجهدهم المتفاني والمخلص.. وأثمرت الأرض وتحركت الآلات ودبت الحياة في المكان وتسلم جيل الرعيل الأول والمؤسس لمشروع سكر حلفا الجديدة دفة وناصية القيادة حتى انتقلت إلى الإجيال الأخرى بكل سلاسة ولا تزال تمضي بذات التراتيبة والنظام.
وسط ذلك الجيل الفارع جاء شاب نضير ومعتق ووسيم الطلعة وصغير السن ومختلف الشأن يتَّكئ على أدب وسمت وخلق رفيع وثقافة وفكر مستنير علاوة على موهبة فذة وشهادة فخيمة تسند وظيفته التي تسلمها فور وصوله لأرض المصنع حتى غدا بين كبار الموظفين.
وقد لا يعرف البعض عن تلك الأزمنة أن الكثير من الموظفين الذين اشعلوا شرارة عصب الانتاج جلهم من خريجي المرحلة الوسطى إنذاك وبعض من خريجي الأولية عدا قلة نادرة تحسب على أصابع اليد الواحدة كان على رأسها الراحل المقيم محمد ناصر عبد الكريم صاحب الصمت النبيل والبسمة المشرقة والقلب الطيب.
وتأنَّى، وتمهَّل الراحل محمد ناصر رحمة الله عليه في سلك الوظيفة بصبر وعزيمة عبر عن حالة شخص زاهد في المناصب مع أن الوظيفة اتته طائعة ومنقادة على طبق من ذهب حتى عافها بصدق وتقشف، وإن كانت الترقيات وقتذاك تعبر على مهل الدفاتر وتصعد بمزاج كتبتها وتصدقيات تمر هنا وهناك في خفاء.
إختار أن يذهب بلا ضوضاء كحاله دوما مع الأشياء التي كانت تحت بصره ويديه ولكنها لا تملكه بنفس القدر، فهو صاحب طريق مغاليا في الانصراف في أودية خضراء تؤدي به إلى ما يطمع فيه في آخرته التي اختارها عن عمد وترقب، فكانت له دانية قطوفها.. وهكذا ديدنه لا تملكه الأشياء وان تعاظمت وغلت واحتشد حولها الناس.
ودوداً، وبسيطاً، وعفيفاً، وشريفاً، ومستقيماً، ونقياً، ومهذباً، ورقيقاً في مقاعد كل المناصب التي تسنمها في حياته سواء في مصنع سكر حلفا الجديدة منذ مطلع عقد السبعينيات من القرن المنقضي حتى تقاعده عن العمل في مصنع سكر الجنيد بعيد منتصف العقد الماضي.
صلباً، وقوياً، وأميناً، وصادقاً في مهنية العمل والوظيفة لا يجامل ولا يهادن ولا ينافق ولا يميل إلى أنصاف الحلول الأدنى وثقافة أسفل الطاولة، وتخاله من فرط حرصه على حفظ المال العام هو صاحب المؤسسة، وفي سبيل ذلك لا يقع في فخ أو موقف لا يشرف المؤسسة ولا يشرفه.
هكذا جاء إلى السكر متخماً بنخوة ودفق القاش وأهله.. يكسوه وقار أروما وتندلاى ودقين ووقر ومتتايب وطمي النهر الشاب وروح الأرض الخصبة وعيدان الذرة الممشوقة القوام وقناديلها، فهو ابن بيئة خضراء ووارفة الظلال والكبرياء، انجبته على طهر وعرق حلال وورع لازمه حتى لحظة رحليها الفاجع في يوم 14 من شهر ديسمبر 2010م، بعد حياة حافلة قضاها متعبداً، وناسكاً، وورعاً، وقانتاً، وصائماً في صمت مطبق لا يدع مجالاً لأحد أن يعرف ماذا يدور في خلوته وجلوته التي عبرها بصدق منقطع النظير إلى منازل الفردوس نحسب أنه من أهل الله الصالحين والعاكفين على عبادته بصدق واستقامة.
طيلة مسيرته الظافرة ما اغتاب أحد ولا تحدث بشر وسوء نية هكذا جُبل على اتقاء سيرة الآخرين، إذ كان له ما يشغله في مراتع مكتبته الكبيرة والمحتشدة باصناف شتى من الكتب والمجلات والصحف والمراجع العلمية وأمهات الكتب موصولاَ بذكر الله في (تبروقة) تخصه لوحده.. مضى سنوات حافلة بين ربوع دفاتره منقباً في سيرة العلم والعالم بذكاء وعقل كبير.
ورجل مثل محمد ناصر رحمة الله عليه، لم أجد له مثيلا في عشرة المصنع بهذه القدرة الخلاقة والتجلي الشفيف والمثابرة الحثيثة والاطلاع المستمر في سبيل امتشاق سبل المعرفة والوصول إلى كنزها وهديها.. لا يضيع ثانية من الوقت إلا واغتمنها مضيفاً الى رصيد معارفه الكثير.
والحكاوي معه لا تنتهي خاصة أنه كان صديقي وعمي وأبي ورفقة ماجدة لأسرتنا في كل شيء منذ أن عرفنا المصنع باكراً وجدناها ركناً أساسياً في بيتنا لا يغيب إلا بمقدار خصوصيتنا، ومع ذلك كان حريصا على متابعة ما يلزمه من علائق الناس بحب ومودة وحاضراً في قلب كل فرح وترح ومرض.. ما عدت إلى المصنع من إجازة حتى وجدته من مُقبلاً، ومبادراً، وسائلاً عني بحب عميق غير متناهي وخصني بالكثير هذا الإنسان النبيل والجميل الذي لن استطيع أن أكف دموعي في حضرة ذكراه في كل لحظة تمر علي.. وجدته يقف على كل شاردة وواردة طيلة فترة غيابي، ويحرص بشغف مبالغ فيه أن يعرف ما يدور في كل منطقة زرتها وقضيت بها بعض الوقت بل يسأل عن أصدقائه وزملائه الذين تبعثروا في انحاء البلاد بحميمية ومحبة.
رجل بهذا الحجم لا يمكن نسيانه وطمره في أودية الغياب مهما باعدت الأيام بيننا.. أحببناه وعاشرناه بصدق، لم لا ذلك، إذ كان مخلصاً وحفياً بكل علاقاته بما يكفي أن نقول عنه، أنه رجل أمة وصاحب نصيب وافي من العرفان والايمان والصدق والمعزة التي يكنها لكل الناس.. بحق مثل الاستثناء في طبائع الناس وأخلاقهم بابتسامته التي لا تفارق محياه وسلوكه وتدينه الذي اتسم به في أي مجال وضع عليه يديه الطاهرتين.
قد لا يعرف الناس عنه الكثير من الخصال الحميدة والمأثر الاخرى، فهو دائما ما يتوارى عن أنظار المجتمع لائذا بفضائل صمته وانشغاله بالصيام المستمر والصلاة في جماعة وملازمة المسجد كحمامة ترسم ملامح محبتها بين أهل الله وعيادة المرضى وتفقد جيرانه بين الحين والآخر وقضاء أكثر الوقت بين مكتبته.
كما لعب دوراً مهماً في مجال قطاع الرياضة بالمصنع كلاعب حريف واداري فاعل ونشط بفريق الأمل (السكر) تسنده موهبة كبيرة صقلها في مدينة بورتسودان، حيث مثل مدرسة بورتسودان الحكومية الثانوية في ثنائية مشهودة بجانب زميله محمد حسين كسلا لاعب الهلال العاصمي المعروف في الكثير من الدورات المدرسية. وجاء المصنع بذلك الحضور الوهاج والحماس والروح الرياضية الكبيرة، كما أنه مثل الجيل الأول والمؤسس لفريق السكر الحالي كلاعب قدير وماهر وصاحب مواهب متعددة، وقد شهدنا جزءاً من تلك الفترة.. ويذكره الرياضيين دوما بقسطه الوافر في سهم الرياضة بالمصنع بتقلده الكثير من المناصب في نادي السكر الرياضي في أوقات لاحقة بُعيد اعتزاله لعب كرة القدم.
وغاب أروع الناس وألطفهم كنفحة عبرت بسرعة دنيواتنا صاحب البصمة التي لن تتكرر، والخُلق الرفيع، والتقوى، والحكمة، والهدوء، والمعرفة، وساكن الحنايا، والرجل النادر على طريقته في محبة الناس وعبادة الله.. رحل وترك فينا جرحاً غائراً لن يندمل لطالما سيرته الوضيئة تساهم في صون وتهذيب وجدان الكثير من الذين عاصروه على امتداد تاريخه الناصع البياض. 
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، محمد ناصر عبد الكريم، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر والقاش، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.
اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 03 يوليو 2015, 12:14 am

بابكر القديل.. ضمادة الروح والجسد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمشاج غيث مثل تلك لا تنبت إلا في المكان الذي يتلفت نحوه القلب بذكاء فالت وحيوية عذبة الخروج.. وفي حنايا الروح تشتعل موجات الأشواق رغبة في التسامي؛ صعوداً وهبوطاً حتى يجرفها العشق بحرارة دافئة وإِبطاءٍ نحو شواطئ الراحة وثقوب الليل التي لا يرتقها شيئاً سوىّ نفحات الحنين الهادر لأيام هادئة ذات رحيق مائِز.
وقت مثلك ذلك لن يعود وإن تدثرنا بغيم الأمل.. ولهذا الوقت حكاية أخرى، حيث صوت (بوري) المصنع ورزيمه الهازّ يشق الأجواء والحقول، والذي يمثل واحد من الأيقونات التي تحدث الضجيج والجلبة في البيوت والشوارع.. كل الحركة موقعة بفعل ذلك الصوت العالي والمميز الشاق كل فراغات ومتون البلد.
ومع ذلك الصوت المعتاد تبدأ موجات من البشر في زحامها الاعتيادي حتى تملأ الشوارع وتفيض على محبة وأنس وتحيات بالمقابل تجوس حركة أخرى تشعل عصبها نساء يسرعن في إعداد أواني الطعام لوجبة شهية وسائغة وثياب تخص نوبة العمل لعامل في طقس لا يتغير وإن تغيرت فصول العام.. وفي الشتاء عبء جديد موصول بلبسة البرد، وفي الخريف حذاء يناسب طقس المطر، وفي الصيف عمامة تقي من لهيب الصيف. 
في وسط هذا الزحام المعقود بنواصيه الخير في كل موسم إنتاج كان هنالك رجل مختلف عن عموم الناس في مهنة تأخذ كل وقته وراحة باله.. مهنة حددت طبيعتها لون قماشتها الطري، وبانت بوسامة باذخة مثل لون قلبه الذي عرف به، وكان قرينا بتلك البسمة التي ميزته طيلة ملازمته لمعالجة وتطبيب أوجاع الناس يوم أن كان للتمريض؛ (شنة ورنة)، وسيرة عطرة بذات نقاوة البنسلين؛ مضاد الألم.
وكان في ذهابه و إِيابه المعهود على شارع البركس العريض، وهو مدفوعاً بهمته وحبه لمهنته.. وكنا نراه هاشا باشا غير كدر كالغيم ينثر خيره في كل مكان ولا يتخطى رقعة إلا لضرروات مقصورة على وقت آخر متبوعا بالغيث.. يدخل ويخرج محملاً بعبير الوئام والود حتى وهو بين أدواته وحقنه المعقمة في تلك الغرفة المعروفة من مستشفى مصنع سكر حلفا الجديدة (القديمة).
وجاء الرجل بعطاء عميم وصبر كبير لمهنة شاقة تغالب الجسد وترهقه بالسهر في نوبات متصلة.. ومعها لا يغادر ممرض مكان عمله إلا ووجد نفسه مرة أخرى أمام مريض في الحى يحتاج إلى علاج عاجل.. هكذا كان يلبي النداء الراحل المقيم بابكر القديل على جناح السرعة بفرح طفولي غامر وبكل أريحية ونفس طيبة دون مقابل في التزام الوقت والجهد المبذول من حصة راحته.
والقديل واحد من شغيلة مستشفى المصنع في أيام ريعان شبابه وتلك الأزمنة الممزوجة بالرحمة والمحبة، لم يتكاسل عن أداء واجبه المنوط به، وهو في سعة الحضور أنيقاً وفطناً وصبوراً في أوائل الحضور وآخر المنصرفون.
والمكان والناس يشهدون له بالكثير من مجد مروءته ونجدته التي تجعله يهرع بكل حفاوة وبشر داخل كل عنابر المستشفى، يمارض ذلك، ويضمد جراح هذا، ويمضى إلى ذلك في زهو وفخر منتشياً بوظيفته التي منحت العافية لجسد المصنع.
لم يغب عن بال الناس أبداً رغم رحيله الفاجع في مساء يوم الإثنين الموافق 15 ديسمبر من العام 2014م، وما زالت ذكراه غضة ورطبة بين طيات الذاكرة.. ومثله لن ينسى وإن طالت الأيام وطاف الدهر.. عندي على وجه الخصوص، ما يزال ممسكاً بحقنته المعقمة في إناء معدني متوسط الحجم يبدو انه مصنوع من الالمنيوم، وفتيل بنسلين ناصع البياض.. يبادر بكلمة أو كلمتين ولا يزيد، وطيف من ابتسامة لطيفة تهون عليك من هول الموقف حتى يفاجئك ويقول لك؛ أجر وعافية وبالشفاء إن شاء الله.
هكذا وجدنا مزاجه رائقاً في حقبة السبعنينيات والثمانينيات من القرن المنصرم يؤدي واجبه باستقامة وبكل جد ونشاط ونزاهة لا ينتظر شكر الناس، كما لا يتضجر من إزعاج المرافقين وأنين المرضى.
بذات القامة المربوعة والجبين الشم والشامخ، مشى بين الناس بسمت شخصية مرحة وبسيطة وبشوشة يأخذ ويعطي على انفتاح مع مجتمعه، كما أنه ملتزماً بواجبه في كل صغيرة وكبيرة.. وكنا نراه في حواف وبطون كل الشوارع كحمامة الوقت والطوافة برسائل الخير مثله والآخرين في تفاعل مع ايقاع اجتماعيات المصنع.
ما أعظم القديل المحبوب وهو يقف على وعورة عمل مهنة شائك ومعقد وحساس حين يتعلق بأرواح الناس، وفي هذا امتلك شجاعة نادرة وظفها لصالح علاج كل مرضى السكر بقدر كبير ودون تذمر وهو في أحلك الأوقات وليالي السهر التي لا تنتهي عند ناصية الزمن.. من نوبة إلى أخرى تمضي قوافله في العطاء والإنسانية، وهو في مراس عمله المتصل يقوم ويسهر على راحة الناس بضمير يقظ وإخلاص لا تحده حدود رغم كثرة عواد المستشفى وقتذاك خاصة أن المصنع يفتقد للمراكز الصحية والعيادات الخاصة.
ومضى وقت طويل ظل فيه العاملون بالمستشفى يعملون في ظروف صعبة وحرجة خاصة أن المستشفى يقدم خدماته الجليلة لمدينة المصنع وقراه لوحده مع شح في كل شيء وأمراض وبائية تحيط بالبلد، وكما لم تحظ ادارة المستشفى بمساعدة من الأهالي في عمل الطوارئ وفرق التطعيم الموسمية، والتي أضحت الآن تحت رعاية المجتمع والمؤسسات الأهلية والممثلة في المراكز الصحية الأخرى وجمعية الهلال الأحمر السوداني والعيادات الخاصة وغيرهم من الأفراد أصحاب الهمة الذين بذلوا أنفسهم قرباناً لراحة وخدمة المجتمع.
ألفينا في ذلك الوقت أعباء عديدة ملقاة على عاتق الكثير من العاملين بالمستشفى ظلوا على الدوام يقومون بها في صمت مطبق.. وذهب جيل الرعيل الأول المؤسس لمستشفى المصنع بدأب وغيرة في تقديم جليل أعماله الأخرى المتصلة بالختان والرعاية الأولية وملازمة المرضى في عقر منازلهم لأطول فترة ممكنة حتى تمام الشفاء.
وتبقى على الداوم مثل تلك الأعمال الجليلة مصدر فخر وشرف لنا ينوء كاهلنا برد جميلها.. وحقا لن نوفي أصحابها الميامين والمترجلين عن صهوة الراحة حقهم الأصيل في تطبيبنا، ولو وضعنا وسام شرف واكليل على صدر أولئك القابضون على جمر مهنة تتهددها الأنواء وصعوبات الوظيفة، خاصة أنها ترتبط بروح الإنسان وعلاجه من علل وأمراض كثيرة تحدق به وتفتك بروحه وجسده في كل لحظة وحين. 
لعلها سانحة أن نقول شكراً عميقاً من الجوف للخالد فينا بعظمة أعماله وتضحياته التي قدمها طيلة مسيرته وأداءه الإنساني في مستشفى مصنع سكر حلفا الجديدة الراحل المقيم بابكر القديل صاحب الجهد الوافر والروح الشفيفة والقلب الطيب والأيادي المعطاءة التي لم تبخل على أهل المصنع بشيء وهذا هو صنيعها الماجد.. كما أنها فرصة طيبة لنترحم على روحه الطاهرة بما قدمه من جليل أعمال لإرضاء لله تعالى وأهل المصنع قاطبة كسند لمسيرة الإنتاج التي امتدت بعافية مضاد البنسلين.
ولن ينسى الناس رجلاً بمثل هذا العطاء الوافر رتق وضْمَد أعضائهم الجريحة والكسيرُة بعصابة ولفافة شداها وربطها بلطف وصبر ويسر أو عالجهم بمصل أو مضاد بحِرفية ومسؤولية دون عنت ومشقة صاحبها.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، بابكر القديل، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.





اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).


ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 03 يوليو 2015, 11:23 pm

عبد الرؤوف سعيد.. ثُلمة لا تُسد






في دماغ كل منا هناك حيزاً مخضراً بأريج الذكريات وتلك المشاوير الكافية لرسم صورة واقعية لمكان شغل القلب... في داخل دهاليز تلك الذاكرة المكلومة تترنح أشجار باسقة وأغصانها مثقلة بثمار أينعت بفعل الحنين لبقعة لا تزال صون القلب والعين ورهن مشاعرنا المخبوءة التي ما كلت عن المسير في أودية تشع بالنور والضياء وسناء أرواح لجملة من أناس عمروها بصِدق، وتفانٍ, ووفاء، وأَمانة, وإِستقامة, وبِرّ.
في حيوات المصنع لم يعرف الناس مثالب إندياح القيم السالبة ولا تداعيات معايبها، ونقائصها التي تؤثر على أفراد المجتمع كما أنها تشل الحياة عامة وتصفدها في دائرة الخناق والموت الزُّؤامُ مثل الإِحتيال, والإِفتراء, والخيانة, والخداع, والغِشٌّ, والكذِب, والمكر, والنفاق, والمُخاتلة, والجُحُود, والرياء, والعُقوق... ويعيش الناس بمدينة المصنع في تضامن وود ووئام وصفاء على قيم الحق والخير والجمال ينجزون أعمالهم على صعيد أماكن عملهم أو علاقاتهم الإنسانية؛ فالكل منشغل بما يليه من التزام، لذا ضاقت فرص نمو القيم السالبة، والتي عادة لا تعرف لها منفذاً بين مجتمع يتعهد رعاياه بالكفاية والعدل والاقتصاد المتزن والمرن والإدارة الحكيمة.
وكانت معائشُ ومطالب الناس بسيطة لا تتعدى طاولة الطعام ولا تزيد في أفضل الأحوال، ومع ذلك يغشون دور السينما لقضاء وتزجية الوقت في الترفيه، والأسواق لشراء ما يحتاجون من ملبس وطعام وغيرها من متطلبات الحياة، والتي كانت زهيدة وفي نفس الوقت على مرمى حجر من الأيادى في ظل مرتبات ضئيلة القيمة ولكنها وافية بمعايير ذلك الوقت وظروفه وقناعات أفراد المجتمع والسلع المتوفرة آنئذٍ في الأسواق.. على كل حال يتوفر حدّ المعيشة الأدنى بحيث أقلّ مقدار يكفي لسدّ حاجات العَيْش على مستوًى مقبول من الرضا، ولم يعرف الناس شح هذه الأيام والشكوى المريرة من سُوء المعيشة وضِيقها وضنكها.
وكان لا يجد الجميع مشقة في قضاء حوائجهم وكيفية الترفيه عن ذواتهم في زمن عزّ فيه ما يمور الآن من تطور تقني وحياتي كبير على الكثير من الأصعدة حيث بات الناس رهن إشارة السلع الإستهلاكية والتقنية يهرولون ويركضون إلى ما لا نهاية في سعي محموم.
ولم يكن إقتصاد مدينة مصنع سكر حلفا الجديدة قائماً لوحده على زراعة قصب السكر وصناعة السكر بل ساهم سوق المصنع الكبير في ردم تلك الفجوة التي عادة ما تحدث في منطقة يعتمد حراكها التجاري على نمط واحد من الإنتاج أو سلعة نقدية معينة.. ودخل السوق دائرة الانتاج بقسطه الوافر من خلال عدد كبير من التجار الذين وضعوا اللبنات الأولى لنشأته، والتي تزامنت مع تأسيس مصنع سكر حلفا الجديدة في تضامن سريع عكس رغبة كل طرف في دفع سهمه بارتياح في هيكل البنية التحتية لمدينة تقوم على صناعة السكر كواحدة من المشاريع العملاقة والتنموية الكبرى التي حظيت بها منطقة البطانة في عقد ستينيات القرن المضي.
ضمن هؤلاء التجار صعد نجم شخصية هادئة الطباع، وسمحة البيع والتعامل، ونقية السريرة، وعفيفة النفس، وشريفة ومتواضعة، وغير عجولة في جني الربح حيث تأبطت الحكمة وسبل الرشاد والصلاح والخشوع، وتوخَّى مسلك الرزق في مظانه الصحيحة والشرعية دون عنت وحيل وتطفيف واحتكار وسوء كيل وحشف.. وهذه واحدة من مظاهر تلك الشخصية النادرة في تجارتها الرابحة التي طبعت بسمتها ووقارها مجمل حراك السوق، وكانت نعم النموذج والمثال الذي يُقتدى به في شريعة البيع والشراء علاوة على علائق المجتمع الأخرى التي كانت فيها بارة بكل جيرانها وأهلها ومعارفها.
ما يزال الراحل المقيم عبد الرؤوف سعيد محمد حيّاً بقيمه وأخلاقه التي أرساها بين الناس وريادته لجيل أفنى زهرة شبابه وعمره في تدعيم اقتصاد المصنع، كما تظل روحه الطيبة ماثلة في أذهان كل الذين عاصروه أيام عنفوان مجده وسطوة قيادته الأبية التي رسمت للجميع طريقا سهلا لسبل كسب العيش الحلال في قطاع التجارة بالمصنع.
ومثل حانوته الكائن بشمال غرب سوق المصنع ذروة ركيزة الإنتاج من خلال علاقة أخرى بناها الراحل المقيم عبد الرؤوف سعيد مع شغيلة الإنتاج بالمصنع ممثلة في عمال الحصاد (الجنقو – الكتكو)، وامتدت تلك العلاقة الزاهرة وأزدهرت في سمو وإخلاص، مما أسقطت عن كاهل إدارة المصنع هموم تمويل وتموين تلك الشغيلة الكبيرة العدد، والتي يتطلب تموينها نوعا محددا ومعينا من المأكولات والمواد الضرورية والمنتجات الأخرى حيث التزم بتوفيرها على حسابه الخاص على أن يدفع العمال فيما بعد أي بعد أن يستلموا معاشهم من الإدارة دون وضع أي قيود أو توقيع عقودات معهم.
هكذا كان سهلا وسمحا في خُلقه وأخلاقه في التجارة غير شغوف وملحاحا في تحصيل نقوده كم يفعل البعض شفقة وخوفا من المجهول ومصيره.. وظل موفور الثقة والأهلية وسط (الجنقو) في محبة وحفاوة وعلاقة مؤطرة بالثقة المتبادلة بينه والآخرين في صمت مبين عرف به في كل معاملاته التجارية.
ولقد عاش بين الناس ملكا في محله التجاري محترما ومقدرا من قبل الجميع خاصة شغيلة (الجنقو) التي بادلته حبا بحب في علاقة لا تزال مذكورة غير عصية على النسيان.. لا مثل آخر يأكله بضرس ويطؤه بظِلف، لا يراعي الجميل ولا يحفظه.
كان من الطبيعي أن تنداح علاقة أسرة عبد الرؤوف سعيد رحمة الله عليه في ذلك الحراك الاجتماعي الذي اتسم وشمل كل نطاق المصنع في علاقات متعددة ومتشابكة لا يحكمها شيء سوي ذلك الإنتماء الأصيل للمنطقة.. ومثلت دارهم العتيقة والمفتوحة بحي التجار مثوى للكثير من أهل المصنع في تواضع وحب عميق لم يتقاصر دونه شيئاً.
 وددت أن أقول شيئاً فيها يتسق وفق علاقتي بهذه الأسرة التي كنت جزءً منها، وما زالت عندي شجرة حياة وصلة علاقة نبيلة تكبر وتمتد بنبلهم وخلقهم الكريم وانسانيتهم الشفيفة.. ولكني عاجزاً عن قول يليق بمقام عمي عبد الرؤوف سعيد وخالتي الراحلة حاجة أم كمال سيدة نساء حي التجار التي رحلت في الخامسة من ديسمبر للعام 2006م بعد حياة حافلة بالإيمان والورع والإستقامة والكرم.. الإنسانة التي كانت حافظة لحقوق جيرانها وأهلها وعلاقاتها علاوة على كرم يدها التي لم تتوقف عن الانفاق والبذل وقلبها الحنون الذي كان مكاناً آمناً وملاذاً طيباً ومتكئاً يفوح عبيره ونداه وعبقه.. إضافة إلى ذلك حفظها لكتاب الله الكريم قولاً وفعلاً.
حاجة أسم يختصر لك كل معاني المحبة والطيبة والتواضع.. نعم كانت تملك قلباً كبيراً ورحيماً تجسدت فيها كل معاني الإنسانية السمحة، وحظيت بحسن السيرة بشهادة كل الجيران والأحباب والمعارف وأهل المصنع، وكانت عوناً للسائل والمحروم وملاذاً للخائف والمظلوم، كالنخلة شامخة وكريمة تجود على الكل دون من ولا أذى.. لقد من الله عليها بطيب المقام والمقال في هذه الدنيا الفانية.. كانت ملئها الصلاح وتقوي الله.. هادئة، وورعة، تملئها السكينة والوقار أينما حلت.. كم قال أحباب المصنع.. وفي عتمة هذا الحزن لا نجد إلا التضرع والدعاء لهما.
عشية العقد الأول من الألفية الثانية فقد المصنع رجلاً حكيماً وحليماً وصاحب بصمة لا تخطئها العين.. وأحد أكثر أبناء المصنع تشريفا له صاحب الحسّ السليم والذوق الرفيع العم عبد الرؤوف سعيد، ولا يمكن للناس نسيان خدمته الجليلة التي قدمها للمصنع كأهداف نبيلة ضمن ضلع الإنتاج كأنه واحد من العاملين في خدمة المصنع الحكومية.
وغاب الراحل المقيم عبد الرؤوف سعيد محمد عن دنيانا الفانية في يوم 28 ديسمبر من العام 2003م، تاركاً ذكرى عطرة من سيرته الطيبة لا تزال عبقة بجلائل أعماله التي قدمها للمصنع قاطبة في تجرد ونكرات ذات وصف به كواحد من أعظم التجار الذين رفدوا البلد بأعمال لا تضاهى ولن يستطيع أحد أن يسد ثُلمته.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، عبد الرؤوف سعيد محمد، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر والمغاوير وشندي بالشمالية، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.
اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).




ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 04 يوليو 2015, 9:55 pm

عبد العظيم قسم الله.. خيط الإلفة المديد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كثيرة هي الأغنيات والقصائد والكتابات التي ترثي عظماء الرجال.. ولكن ماذا عمن فقدناه بغتة، وهو يشد حيل المجتمع بقماشة مروءته ومقصده، ونحن في سيرة العجز نمارس سطوة الشجن الأليم والحزن الدفين! هل من الممكن أن نعيد بريق نجمه وضياء قمره إلى الحياة مرة أخرى؟ 
هناك رجال أقوياء ليسوا محبوسين في قبو النسيان والذاكرة، على كل حالٍ لهم وزن مقدر، لا أحد يعرف مقدارهم، ولن نستطيع أن نرسم ملامح عطائهم الثر مهما اجترحنا الحرف.
مضت أعوام ولا يزال جرح الفقد أخضراً ومبتلاً بالدمع السَخِين كنثيث المطر وميلاد بذرة الندى.. جٌرحا عميقا لا ترى دمه بما يكفي لتذرف بسببه المحاجر فتائل من الألم الممعن في الوجع لفقيد لن يعود مع قوافل أسراب الرهو كل عام فوق حقول قصب السكر والقمح.
كل عام نعيشه يمضي على غياب، والجرح يتسع غوره، والروح تسافر في مشقة محبته، ذلك الطائر الذي رحل فجأة في فرح العشيرة بغير ميعاد، بغير ما ألف في حياته أن يرتب كل شيء بمقدار النظام الذي عرف به في بيدر العمل مسؤولاً إلى حد الكفاءة والنشاط والمثابرة.
وعرفته حقول المصنع في كل مزارعها؛ مرشدا وموجها ومفتشا ومعالجا لكل أدْوَاءٌ نبات قصب السكر وكل الفواكه والخضروات التي يزرعها قسم الخدمات الزراعية لصالح شغيلة المصنع. 
أعوام مرت على الرحيل الفاجع، والدمع زمزم سرف لم يكف عن المسيل واجترار الهدير.. سفر حزن عميق هاطل لا يأنف من التَسيار وراء إرواء مسغبة الروح العطشى للقاءك الكبير.. ولا زلت انتظر قدوم طيفك أخي وصديقي عبد العظيم قسم الله محمد التوم على تبتل وراحة المنتظر على كف الضراعة.. وفيه دوما أنسج نول الحكايات الطويلة التي جرت على تخوم تلك الأيام الوضيئة يوم أن عرفت شخصا مختلفا عنا جميعا في دار عمي يوسف الطيب بانقا في ذلك البيت الذي كان ناديا ذات يوم لجموع الموظفين بمصنع سكر حلفا الجديدة في عقدى الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم والمكان لا يزال يحتل شرق الروضة الشرقية مباشرة بكل خشوع وجلال ولم يرحل في الأعالي، كما صعدت روحك الطاهرة الطيبة والمضمخة برائحة ثرى الوطن الذي جمعنا على صعيد محبته بالتساوي دون مَنِّ أو أَذَى.
وعظمة سليل أسرة مصنعجية بإمتياز حين توزعت في كل دروب مصنع سكر حلفا الجديدة، وما كان ينبغي له بغير ذلك في محيط متامسك من سعة الإنسانية التي شدت خيط الإلفة الرفيع وجعلت بين الناس مودّةً ورحمةً، ومضت أكثر من ذلك لتجمع شتى قبائل وأعراق الوطن الواحد على صعيد وحدة وطنية خالصة كانت رهينة بخلاص البلد من عذاباتها المزمنة لو لا سطوة فتية الكنيف على صهوة الوطن.
وهكذا أظن على يقين ممشوق كقامتك، عرفتك شاباً نحيلاً ونحيفاً؛ خِلْقَةً لاَ هُزَالاً، مثل ما غادرتنا ذاك المساء المشؤوم.. وكنت قوي العظم والروح رغم ضعفك الباين لا يفتَّ شيءٌ في جسارة عضدك مهما تكالبت عليك خيوله وكواسره وجوارحه. 
وفي ذلك البيت تعرفنا عليك عن قرب بمعية صديقي الجميل ورفيق مفازاتي ايهاب يوسف الطيب بانقا.. وكنا في جزالة وميعة الصبا نحتقب زهو الحياة وعنفوانها، وأنت تنظر إلينا بعين الشفقة والرأفة لشغبنا وجنوننا الذي تعدى كل شيء لدرجة توغلنا في نبذك كلما لاح لنا غراب الظرف والملح، ونصيح بأعلى صوتنا: كوارع! ونغيب في الدروب ولا تجد لنا أثراً.. ومع ذلك لا نخافك ولا نهرب من أسئلتك التي إستقوينا بها ضد رياح الحياة الهوجاء ولا قبضة يدك الحديدية الماهرة.. حصنتنا بلقاح المعرفة والعلم بحكمة سمعتها منك مراراً وتكراراً وغيرها حيث هى عندي ترياق لكل المحن التي تمور بها الدنيا.. (يا ضبعة! جاك عشاك في جحرك).
الوقت كان بهيجاً ومشرقاً في تلك الأزمنة المغسولة بعافية الناس وروحهم الطيبة مما يجعلك أن تتفوه بكل عفوية وأريحية في حضرة أقرانك والأجيال التي تسبقك، وهذا ما رفع الكلفة وقصر المسافات بين الأنداد وأعدمها.. وفي ذلك البهو العتيق التقينا عبد العظيم كوارع على سعة من براح التواصل والإنسانية العامرة بالإخاء والود.
في ما بعد منتصف عقد الثمانينيات من القرن العشرين بان الراحل المقيم عبد العظيم على مسرح الحياة الاجتماعية بأحياء الموظفين كواحد من الذين وضعوا بصماتهم على مدى ثلاثة عقود من الزمان حتى لحظة رحيله الفارقة إلى الدار الأخرى.
"عظمة" توافر على نحو خاص بمحبة خالصة وتلقائية صرفة عمدت روحه الطيبة بين الناس بغير تزلف وتصنع، وتدلى كفاكهة تسقط على واد الإلفة صديقاً للكل في المصنع.. حيث كان المجتمع في صباه ويبحث عن ملامح شبابه وفحولته الناضجة، أنه كان في مرحلة التحولات والتغيرات الكبرى غير المتوقعة، وهو ظرف لم يبتكره الراحل عبد العظيم، وإنما دأب عليه أفندية تسنموا صدر الوطن، وكأن الوضع بقدر ما يأخذ سيرورة وصيرورة التطور في الزمان والمكان، يرسم بالمقابل حدودا تتخطى كل ما هو قابل للسكون. وانداحت البلد متضعضعة في موجات إثر موجات تضرب لججها بقوة متواترة حتى عصرنا الراهن ولا مغيث!
ومضى عظمة الحبيب أوفر حظا في سلك مآلات المستقبل، فالعمل في المصنع موسمياً على فترة طالت أم قصرت أمر شائع في عرف الإدارة والناس على حد سواء، لا يستهجنه الجميع بل يصبرون عليه لازمة وقت ضرورة حتى يقع خيار التعيين في وظيفة في الخدمة المستديمة ويدخل صاحب الحظ والوقت في أضابير الخدمة المدنية بالدولة. وهكذا تدرج عبد العظيم بذات النسق حيث تعين موظفا موسميا في بوابة المصنع بوظيفة (Time keeper) وقضى فيها وقتا قصير نسبيا حتى وجد فرصته في القسم الزراعي بشهادته الجامعية وتخصصه في مجال الزراعة مع زميل وسامته في العلم النطاس البارع والزراعي القح صلاح حسن محمد علي متعه الله بالصحة والعافية، ويبدو ذلك قٌبيل سماع مارش ثورة الإنقاذ 1989 بقليل.
عظمة قروي قدِم بسمت البداوة والحضر من عمق بعيد في غور الجزيرة المروية حيث نشأ وترعرع في قرية وادي شعير، رأى الشمس كغيمة مطر تبخرت وغسلت بيوت وحقول الحلة الراقدة على إستحياء كسول وشامخ، غادرها على عجالة بعد أن أكمل تعليمه الجامعي في كلية ابو نعامة جنوب الجزيرة وعلى تخوم النيل الأزرق ليلتقينا عابراً على فسحة من الوقت قضاها في المصنع كقوس قزح متنفسا في كل الأمكنة بألوانه المزركشة، وكحال طائر السنبر حين يحط رحاله بحزام البان بالمصنع أوان الخريف الماطر.. وهل من عودة أخرى أيها الحبيب الباهي!
وكان الفراشة والعطر النفاذ حين يسرى بدمه الخفيف وظرفه اللطيف وسخريته اللاذعة وعبوس وجهه المعروف به وضحكاته المجلجلة التي ميزته ببحة صوت خفيض في ذات الوقت.. وهكذا جبلنا على محياها المألوف دون كدر أو تأفف منه بل اتخمنا بغيم مزاجه كلما غشينا باحته الفسيحة وسط أريج أزاهره الباسقة.
كما كان صاحب مزاج نادر.. إذ لا تمر الأيام وإلا يفاجئك بطرق عنيف على الباب في ما بعد منتصف الليل، وهو على عتبة الباب يحمل بين ثنايا قلبه قولا ربما ثقيلاً عليه ليلتها، ويريد أن يطهر نفسه بركله لك دون سابق إشارة أو انذار، وهكذا يسقط عبء قوله ويمضي في الظلام غير عَابِئٍ بشيءٍ بما القاه عليك في ناشئة الليل ووطأة الدياجير والناس نيام يتقلبون في زحمة أحلامهم.. ويمضي بيقين كامل على جناح ملاك بطهر أبيض ويغيب بذات الدهشة في حلك الليل غير مُبالٍ ومُكترثٍ.. ويا الله لتلك الأيام البهية التي أمضي فيه معه في سرابيل صمته الطويل حينما تغمره موجات جذب لا أعرف كنهها ولا أستطيع أن أصل إلى سدرة منتهاها طالما هو عبد العظيم يقيم يومه على بسطة من أمل وبال ذو رهافة من الحس النبيل.
ياااخي انت فلان دا شايقي! يطلقها مجردة من كل شيء وبدون رتوش ومقدمات ومماحكات، ولا ينتظر ردي ويدوس على دواسة الحركة في سيارته بعنف يخنق عنق اللحظة ويكتم أنفاسي وعمق الليل وهدأة الوقت وسكون المكان، ويمسك بتلاليب شفرة السكون حين يحيلها إلى لغز أكثر تعقيداً لا أعرف مده ولا جذره حتى اليوم.
آه من تلك الأفكار التي كان يزرع بها حقول نسيم الليل ويبعثها على شفقة وصلاً بحضرة نبوية تعانق سماء المصنع مع صوت عمي محمد محمد عثمان يعقوب البرهاني المسكون بأسلاف المؤمنين، وهو في سلافة الفجر يتوكأ صوته العذب كالكنار أو صوت الكروان الأحمدي الراحل العم قنديل النصري الممتليء نضارة وصحو وهو يهدهد منام المسلمين باليقين والرضأ وعذوبة الذكر، وهو يبر حلقات الذكر المحمدي والناس بمواعيد الصلاة.. واحسه في صوت عمي الراحل علي محمد علي حامد (علي كيك) الختمي الهوى والضريح وهو يشق سماء البلد بجلال تواضعه وجهارة حباله المتينة في نداء الصلاة.. وهو بين ذاك وذلك وهنا وهنالك لا أعرف له موضع طريق سوى جادته الواحدة، ولم أساله أو أقع على حيرة من سوء ظن، وقد كفاني فضلا عن ذلك مشقة الأثم بحب عميق طالما نحن مصنعجية الطريق.. وكفى يا رائع حين سندت ليلنا بحسن الظن ولطف الحكاوى والنوادر.
وعظمة على قلق كثيف يثير فيني كثيراً من الريبة الحميدة والشفقة عليه من تعب الدنيا خوفا من أن تحيله إلى ثقب في القلب أو ضيق في الشريان، وإن كان على مبعدة من أمراض الدم... وها هو يرحل على هامة دم ممشوق بقامته الرشيقة وشكيمة قلبه الندي على صراط عبوره المفاجئ.. وما زلت أبكيك كلما رهنت ليلي تحت ذلك السراج الذي يجمعنا كل ليل وكلما أضحيت بقرب تينتي الشوكية بعُقر دارنا وبجوارها يفوح عبقك وشجي صوتك الضنين وهمس أوتارك الباحة لتسر لي بالكثير من العام.
وكان منيفاً طَّاووسُ أهل البلد، كقزع السحاب يؤلف الله به بين أهل المصنع في سقاية الأرض، وقطبه الأوحد في الفكاهة وسرعة البديهة، وكان فطن وأريب وعاقل لبيب وصاحب دراية وعقل راجح، ما وجدته يوما يعري نفسه ومنكبا على أوجاعه الخاصه ليصينها من رهق العلاقات الاجتماعية أو مصاعب الحياة، بيد أنه كان يخصنا بالعام وما يليق برجولته وفي حدود التزامه الإخلاقي الرصين، وفي أطار روضته التي أزهرت أفنانها بين أهله ومعارفه وخلصاءه. 
وقد أهداني سبل الرشاد نحو طرق عديدة ومسالك مختلفة في شعاب الحياة وبمثابة العتبات السهلة التي نقلتني بسلاسة إلى مستويات متجددة من الوعي والإدراك والسلوك والالتزام بقيم الحق والخير والجمال على إطلاقها في أطار علاقة صداقة جمعتني به لم تتجاوز سفح الصدور حتى غادرنا على عجل حبيب الفناء عدو الحياة.
لم يكن لي مدخلا للتخير بين عظمة وغيره، ربما ساقتنا أقدار الدنيا وقتها وسهولة الحياة في أن نكون على مقربة منه ضمن آخرين من ابناء المصنع على صعيده الطاهر الذي جمعنا بمودة.
ومن هذه السهولة، انسرب في علاقاتي الراحل المقيم عبد العظيم بعقلانيته المائزة، وطلاقته وطلاوته في أن يقول لك ما يشاء وفي الوقت الذي يقرره، وإن كنت أرهقه عن عمد في قيلولة نهاره التي لا يفرط فيها.. وكنا على النقيض في الكثير ومع ذلك لم نفترق البتة.
فالراحل كان معجماً للسخرية الفارقة التي لا تتلون على نوع معين، ودائرة من الهزل لا يغادر شاردة ولا واردة حتى من العناوين الصغيرة للطرفة ينهل ويغزل بمتراره نول الفكاهة، فكان بارعاً في الحكي المشدود إلى ناصية إلهامه الفذ وذكائه الفارط ينظم على تراتبية مهولة تتصاعد أنفاسها متى ما كان مزاجه رائِقٌاً ومتقبلاً للحال الذي فيه.. وجزالة المزحة لا تنفصل عن تماسك روحه في حضور طاغي لا ينفلت عن مساره الذي يريده.. تسيطر عليه عاطفة جياشة وصبابة مخبوءة ونارعصبية وقادة بين ضلوعه قد تفقده توازنه أحيانا وهكذا رأيته بين الناس على اختلاف شتى، وإن إصطفوا وتكالبوا في حبه على صراط واحد.
وبينه ورفقاء مسامراته، مساجلات وقصص يطول بها الليل كما نفس الحال بينه وأصدقاءه وزملاءه وأحبابه معزة وعشرة علاقات لا تنتهي وستبقى أمد الدهر موضوع تذكر وتدبر وبكاء وعويل مر.
ومن منا ينسى خيمته الرمضانية المفتوحة والتي بسببها يستدعي والدته وشقيقاته لمساعدة زوجته.. وفي داره العامرة بالكرم والضيافة في أفطار شهر رمضان المعظم تجد عدد لا يقدر من أهل المصنع بشتى وصفاتهم الوظيفية دون تمايز في مأدبة ملوك وذوق خدم وحشم وحاشية تنوء براحة بال بين جوانح الحبيب عظمة وهو طوع بنان ضيوفه الكرام واقفا على عود صلابته. 
ويبقى امتناني وتقديري ما حييت للصديق الراحل عبد العظيم قسم الله في علياء غيابه ونحن قيد رقعة المصنع التي علمتنا الكثير بغير حدود ولا نهاية طالما أمسك بأيادينا برفق وصبر وقادنا صوب مَنَاهِلُ  النور، وفتح لنا كوة في جدار الحياة يومئذ ونحن رهط في شرخ الصبا والجنون وعند مداخل رَيْقُ الشباب كما نشعر، نصنع كأس تسكعنا ونحتسيه على مزاج متقلب؛ منغمسين حتى العمق.
وكان حبيبنا عظمة كحبة الغيث ونثيثها المدرار، وصاحب ومضة بارقة وتجلي شفاف وحضور ناصع لا يقارن، وهكذا الناس بالمصنع كما عاشرتهم وعرفتهم عن قرب وصلة رحم في تلك الأزمنة المحقونة بماء عذب ونهر دم وحبل سري لا يزال مضموما بعضه إلى بعض ومشدودا لرحم يعطي أجيال الحياة بوطني الصغير؛ مصنع سكر حلفا الجديدة.
وفي يوم الخميس الموافق السابع من نوفمبر 2008م، غيب الموت نقي السريرة وروح ريحانة مجالس الأنس بالمصنع الراحل المقيم عبد العظيم قسم الله.. وغادرنا كحمامة بيضاء تسد الأفق.
رحل عظمة وغابت المزحة، وانسدلت معه آخر ستارة لمسرح الرجل الواحد الرقيق والطيب وصاحب الإلفة المديدة التي عجزنا عن فهم ما تنطوي عليه من رفعة وإدراك تطويعها بقدر مقامه الجليل وجعلها كلمات حية على دفتر نسترجع فيه عظمة إنسانيته وذواتنا.
قد اندثرت معه حياة عريضة أضحت أكثر من مجرد ذكرى عطرة، ونحن على جمام دموعنا نرثى فيه نفوسنا قبل روحه الطاهرة التي غادرتنا مسرعة إلى بارئها ومولاها.
رحمة الله عليك يا صديق الأيام والحى عبد العظيم قسم الله الذي صعد بأحلامنا.. وأنت تحيا وترقد على نعش غيابك الأبدي على أرض لا تجهلك؛ قلوب أهل المصنع.. أرقد بسلام ونم مطمئن البال وقرير العين والحال. 
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، عبد العظيم قسم الله محمد التوم، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر ووادي شعير بالجزيرة، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.





اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان ممؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم في الأحد 05 يوليو 2015, 11:18 pm

اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً


كلام عيوووووووووووووووون 




مشرف منتديات المصنع


يعقوب اوشى عيدالكريم
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 1075
نقطة : 5796
تاريخ التسجيل : 26/08/2011
العمر : 36
الموقع : قلب البركس
المزاج : يتغيرون فقط.عندما نخبرهم اننا نحبهم جدا؟؟؟

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأحد 05 يوليو 2015, 11:20 pm

[rtl]على كيك.. حبيب الله والناس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خيول الغياب تكبلها أنات الصرير وبعض ما أراقَه الشوق على الكف والباطن، ولا غمد يستر سوى رهاب ذكريات قديمة.. العجز في تلة الشجن بلا سناج ولا أسارير تفتح مرابع الذاكرة المترعة بفيض الحنين على أقاصي الروح..
كل طاقة للإنتظار بين رهد الحنين تسرف في العرق والغثيان والذهول.. وبرابخ السقاة تسعى للوصول إلى نقطة قهوة حامد أو غيرها، وهنا مُتَّكَأً لآخرين وفق مشروب يصنع مزاج الناس وراحتهم العظيمة بسوق المصنع.
ولم لا تتمرد خيول الزهو والنشوان وتدهس عند نزول رغبتانا واختمار عجيننا للذي يتخبَّر الأخبار أَوَّلَ ورودها وهو يقول: كسرة أمي أو كسرتها كلها اشتهيها كما اشتهي بلدي وحنيني.. وحنيني الى مصنعني وحصان دامر وهسيس حقول قصب السكر وروح أجمل ما فينا علي كيك.
وفي عظمة الفقد نشتهي مسامرة البال الغارق في رمل الأشواق النابتة بين عروق ذاكرة شارع الأربعين والردمية وشارع الترلات.. والغفوة وبعض مهل الوقت يمنحان الروح زبدة الأنس عند ظل شجرته الماهلة لكل شيء حتى للنمل وبعض يرقات خضراء وصفراء.. وهو يفتح شغاف قلبه جزلاً لطريق الحياة.. وما تنكر هذا الشهم لأرض أعطته القليل وبالمقابل منحها دمه وروحه وشبابه وكهولته.
ومعه كنا ننجو من كيد الهوان والبلبلة برغبة تصعد بلهاث كل شوارع المصنع وأفراحها.. ولا قلق يستبد بحناجرنا كيفما اتفق فنجان قهوته.. ونحن نستطيل في بسطة الأرض على راحة الوقت وتمهله الشاسع.. ونمدد أرجلنا ومزاجنا بقرب ناره، وعيدان حطب البان الصغيرة، والزنجبيل، والسكر، وأناء ملء الدنيا راحة وسعادة وبهجة.. وهو يصنع قهوته النهارية على مهل لا يبالي بنجوى الروح ولا تزلفها في مهاوي بعيدة.
وعند قهوة على كيك كل شيء يزدحم بلطف.. وبقايا صفق البان، وصوت لبان البنات، وسورة عشقهن.. لا نمضي أكثر من قوت مودتنا صوب شوق هياجهن، وهنَّ في أعلى خيولهن يكفيهن مقام قضاء حاجة مؤونتهن، وهذا يتكفل به صاحب الوقت والكريم في صمته.. حبيينا علي كيك وما بخل عن واجبه من راتب جله للخير، وما نكص على عقِبيه عمَّا كان عليه من خير.
هكذا كان شفيفاً في مقام عرفانه وتصوفه وزهده، يلوذ بصمته وهزله وطرائفه وسماحته، ومعبراً عن تلك الحياة العريضة التي عاشها في رحاب البلد، ويده مغلولة عن أذى الناس .
وأعرب دوما في أنسي ومراتع ذكرياتي كلما تناولت قهوة، وفي ذلك لا أسهو بين جفون الوقت، عن إمتناني وشكري للراحل المقيم علي محمد علي حامد، الذي ذاع صيته بين الناس تحت إسم "علي كيك".. على ذلك الود الذي طوقني به في محبة علقت بين قلوبنا وبقيت في الصون والعهد.
متصوف أكثر من رائع، جاب أركان المصنع بإبريق ماء ورده وسجادة محبته التي طواها على صدره، وهو هائماً بين الأماكن يوزع عبير مودته بلا مقابل ولا أملاً في جنة أحد.. لا يملك من الدنيا شيئاً، ولا تملكه زينتها.. رجل يملك زمام أمره ويعرفه كل أهالي المصنع، وهو علما بينهم في صناعة (الكيك) التي عُرف بها في فترة من مواقيت مواسم العمل.. وشاء حظه أن يتنقل من عمل لآخر يحمل معه سر محبته للناس أجمعين كلما حل في بقعة خضراء من أرض المصنع.. إنه الحب وفق تلك العبارة الندية (لا تعد نفسك من الأحياء حتى تطوف بأربعة أركان المعمورة وتمارس فيها الحب).. هكذا حبيبنا علي طاف في مضمار عشقه أربعة أركان المصنع بلا وجل ومشقة، سعيداً وفرحاً.. كما يعرفه أهل أحياء الموظفين بقامته وعنقه الطويل مؤذناً في مسجدهم العتيق والعامر لفترة من الزمان، قضاها بصوته الشجي والندي والجميل صادحا بأذان الوقت لكل صلاة، وما تخلف عن واجبه حتى غادر الحى الكبير.. ومن ثم غاب وانسرب في عوالم المصنع ينشد رزقه الحلال وفق ما قنعت به النفس الراضية.
في مارس- أبريل 2007م، وجدته لحسن حظي متربعاً وقائماً بوظيفته على أفضل ما يرام في إلتزام صادق في مركز الكمبيوتر ضمن شغيلة قسم الأمن الداخلي... حدثني عن الكثير وخصني بما هو أكثر من حقي في علاقة المصنع.
ولقد جمعتني به في فناء وردهات المركز أياماً بهية ورائعة تستحق الذكر وعدم النسيان، قضيتها مع هذا الهرم الباذخ في سماء بلادي المصنع، وقتها كان يقطن حى جبرونه المعروف.. فالرجل لم يكن عابراً سوح المدينة كأي موسمي جاءها ينشد السكر والمال فقط بل تعبد في محرابها وتغني بها ونسجها أهزوجة ونشيداً له طعماً كما عرفت ذلك عن قرب ومشاهدة في بساط قهوته الباتعة في كثير من نهارات المصنع الجميلة.
هو نوع من الرجال الذين تلحظ في أوجههم الصبوحة أول ما تقابل الإبتسامة الصادقة، وهذا سر محبة الجميع له فى كل أرجاء المصنع سواء أن كان في السوق أو الحلة أو حى الموظفين أو البركس، إذ يعتبر رمزاً من رموز المصنع الكبيرة التي عبرت عن قناعة وايمان عن حبها للناس في أبهى تجلياته خاصة أنه مريد ومحب في الطريقة الختمية التي طبعت على قلبه ورسخت الكثير من معاني التسامح والمودة والوفاء والتعاون.
ومثل الخليفة علي كيك أسمى عنوان للتجلي الصوفي، والإنسان العاشق في حضرة طريقته التي التزم بها طيلة حياته حيث تجده في كامل الإرتواء الروحي في جلسة تلاوة المولد النبوي الشريف، يتلو بحب وصفاء وصدق حتى تسيل دموعه وتغطي على عينيه لا تحركه شواغل الدنيا وأشياؤها السفلى أو العليا.
وأضحى الراحل المقيم علي كيك رقماً يصعب تجاوزه كلما ذكرت سيرة الرعيل الأول والمؤسس لمصنع سكر حلفا الجديدة علاوة على مقعده المحجوز دوماً، والذي لا يزال شاغراً في الزاوية الختمية بالمصنع وحضرتها وتراتيلها في كل مناسباتها الكُثر، خاصة في مولد المصطفى صلي الله عليه وسلم كواحدة من الطرق الصوفية التي وسمت المصنع بطابع صوفي وديني ضمن موروث قديم عُرفت به.
كحال أي صوفي متبتل في محراب خلوته وجلوته.. تجد الراحل على بساطته وتقشفه، محيا الورع والايمان بقضاء الله وقدره، وعدم مبالاة واهتمام بقسوة الدنيا الفانية.. وقد شغل نفسه بالتصوف ومدائحه وعوالمه الجلية حتى بان في سلوكه وروحه النقية الطاهرة من خلال علاقاته العديدة مع الآخرين.
وملأ الله تعالى قلب هذا الرجل الصادق بالايمان وحب الناس، مما جعله بعيداً عن ثورة الغضب والتردي في سيرة الناس ومزالقها.. حليماً بما يكفي ليتساقط ثمر خُلقه على الناس بالتساوي كنخلة سامقة باقية أبد أيام الدنيا في مصنع توزع خيرها.
ويبقى الراحل المقيم على كيك في ذاكرة الناس ذلك الرجل المصنعجي الطيب والمتميز والفاضل الذي لم يدخل في شجار أو مشكلة مع أحد.. أحبه الجميع كما أحبهم بذات القلب الودود والروح البشوشة.
وفي مداخل شتاء مصنعجي دافيء غاب الرمز والإنسان علي كيك، ورحل والذكرى فينا فوهة بركان لا يهدأ منذ غيابه الفاجع في أكتوبر من العام 2010م.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، علي محمد علي حامد ، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وطوكر وشعاب البحر الأحمر فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.
اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان ممؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).
 [/rtl]
[rtl][/rtl]

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف عائدة محمد الحسن في الإثنين 06 يوليو 2015, 2:02 pm

لا اله إلا الله وحده لا شريك له . - اللهم صلى الله على سيدنا
محمد خاتم النبيين والمرسلين عليه افضل الصلاة أتم التسليم .

- اللهم يا رحمان الدنيا والآخر ورحيمهما ارحمنا وارحم أمة محمد
رحمة كافة تغنينا عن رحمة من سواك

- اللهم اغفر لحيينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا كبيرنا وصغيرنا

- اللهم من احييته منا فاحييه على الإسلام . ومن توفيته منا
فتوفاه على الإيمان . اللهم ارحم ( امواتنا ) رحمة واسعة وتغمدهم
برحمتك

- اللهم ارحمهم فوق الارض وتحت الارض ويوم العرض عليك . اللهم
قهم عذابك يوم تبعث عبادك .
- اللهم ارحم غربتهم وارحم شيبتهم

- اللهم اجعل قبورهم روضة من رياض الجنة . لا حفرة من حفر النار

- اللهم أغفر لهم وارحمهم واعف عنهم واكرم نزلهم

- اللهم ابدلهم دارا خيرا من دارهم . واهلا خيرا من اهلهم . وذرية
خيرا من ذريتهم وزوجا خيرا من زوجهم وادخلهم الجنة بغير حساب .
برحمتك يا ارحم الراحمين

انهم السابقون الخالدون الراحلون المقيمين سلمت اخى البهدير ومتعك انت واولادك ووالدك ووالدتك بالصحه والعافيه وجزيت خيراً واللهم ارحمنا فى دنيتنا واخرتنا


              

عائدة محمد الحسن
المراقب العام
المراقب العام

عدد المساهمات : 509
نقطة : 4840
تاريخ التسجيل : 10/03/2011
المزاج : موووو صافى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 06 يوليو 2015, 9:24 pm

حاج جدو.. سليل الفخر والعزيمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شبح الذكريات لا يتقهقر إلا بمقدار ما يستعيد قوته من جديد ريثما يمارس سطوة وصياته بشبق طفولي غامر، وينسج شباك أقداره بخيوط مرة تلو الأخرى ليس حتما كخيوط العنكبوت.. سيظل ذلك الشبح يطارد كل ما نكنه من ضياء حب ومودة لبلد يعلو مقامه كل يوم بين قلوبنا.
لا شيء يعدل غبطة النفس في رواحها وتنزهها في بيادر الذكريات، وهي تتقلب حيناً على وجع وحيناً آخر على فرح، وتلك سيرورة الحياة ومنازلها التي نصعدها على وجل، ونحن أكثر صلابة في تقاسيم أرض مزهرة لا تعرف سكون الخيانة ولا هياجها.. تلك تراتيل تسمو بالروح في انقيادها لروائح عبقة تملأ الأنفاس بطمي الإنسانية العالق بين الحلق والباطن.. متوهطة ضلوعنا الظافرة بصبح سماوات أغر ومساء آسِر يموع حيوية وجسارة بطعم البلد الطيب أهله.
من يقرأ حياة العظماء بتفاصيلها الصغيرة يمثل في ذهنه تلك الحياة العريضة التي أسست لبلد عظيم وكبير نفخر به دوما ونباهي به الأوطان في سيرتها مثل مصنع سكر حلفا الجديدة؛ نعني بذلك الزمن الذي عاش فيه الأباء الأوائل نصرة لبناء حياة اجتماعية واقتصادية وثقافية ودينية وسياسية وغيرها من الحيوات التي مهدت لصناعة السكر بكل سهولة علاوة على مجتمع معافئ ومتماسك في وحدته الروحية والاجتماعية والوطنية.
نصف قرن من العطاء وولادة بلد بهيّ الروح, ووضاح المحيا، وغرير الملامح, ومليح الوجه, ومُشرق الجبين, ونضير الحس, كما أنه نِعمة, وهِبة سماوية لا مثيل لها؛ مثل المصنع يتهاوى في الذوبان في وقته وليس عصارة جهده، وهذا هو المهم حين نذكر شموخ وعظمة هذا البناء البهيج في معماره وهندسته وإنسانه وشغيلته وكل كائن حي فيه يتنفس على أرخبيل نعمته.
وما أكثرهم عظماء المصنع الذين نثروا عبير حبهم لتلك البلدة بكل صدق وفي نزاهة نادرة تتجلي في صنيعهم الساحر والمدهش ومضوا عل صراط المحبة والكفاح.
وفي البال كُثر وسلسلة طويلة من المحسنين الأوفياء وأصحاب الأيادي البيضاء والأرواح الجميلة وضعوا سواعدهم وأرواحهم وأجسادهم جسرا للعبور وصناعة مجد يليق ببلد اسمه المصنع حيث خلد نفسه بكل يسر بين المؤسسات الكبرى التي تمنح بلادي الانسان قبل الغذاء.
هنالك واحد على وجه خاص برز من أحباب المصنع بسمت العمل والصلاح بصورة لافتة في محفل يكمل نضارة سكر المصنع حيث حمل على كتفيه ومنكبيه ويديه الطاهرتين وضلوعه عبء وهم شغل أكثر قساوة.. وروى بعرقه وجهده كل مسامات الأرض التي وطأَها  بأقدامه والتي ستعبر به أيضا بأذن الله - نسأل الله سبحانه وتعالى - الصراط المستقيم بذات تلك الوسامة والجهارة التي تحمل بها مسؤوليته في دنياها.
عصامياً بما يكفي لأن تتخلق من ذاته شكيمة مراس العمل وبلوغ مراقيه حتى استحق مكانة علية بين جيل الرعيل الأول المؤسس لمصنع سكر حلفا الجديدة بجليل خدمته التي قدمها ولم يتقاصر في رعايتها حتى غادر دنيا الناس ظهر يوم الجمعة الموافق 18 يوليو 2014م، وهو فى طريقه إلى الخرطوم لتلقى العلاج بعد حياة مليئة وحافلة بأعمال باهرة وحية قضاها ممسكا بدفة قيادة شغيلة (العتالة).
جاء الحاج عثمان محمد أحمد إلى مدينة المصنع متسربلاً بالمحبة والإستقامة وحب العمل من سلالة أرُومة طيبة الحسب والنسب، وصاحبة عزيمة وكريمة الأصل، وما انفصلت عن منبتها وشجرتها السامقة على ضفاف القاش حتى يوم الناس هذا. 
واتصلت خصوبة القاش بحقول المصنع الفتية في تلاقٍ بديعٍ ما أنفك قمره المنير يضيء عتمة الأرواح والحقول بنور قنديل قابع في مشكاة شكل عمادها الإنسان حاج جدو.. كُوةٍ احترق على جبينها كل قصب محمولا على الأكتاف.. ونافذة يبصر بها شغيلة ما كلوا وفتروا عن نقل السكر من مكان إلى مكان آخر.. ومصباح أنار دجى الحقول والأرواح وبيوت الله.
يكفيه عمنا جدو أنه كان يصلى كل الأوقات الخمسة بالمسجد معمراً لبيت الله، وهذه شهادة الناس ومجتمعه له، وهو الآن بين رحمة الله الممدودة يقترب من ظِله يوم لا ظل إِلا ظِله.. تلك روح لن تخذلها السموات طالما رجل قلبه معلق بالمساجد كالسمك في الماء حتى أشرق قلبه بنور الله وبات مطمئن عليه.
كما هو معروفاً بين الناس بوظيفته؛ شيخ العتالة، ولقبه؛ جدو... كان أيضاً مشهور بالوفاء، والجدية، والعدل، والالتزام، وحب العمل، والإخلاص فيه بالإضافة إلى أخلاقه الرفيعة وتعاونه مع كل إدارات المصنع من أجل مسيرة الإنتاج، وكذلك بِره واتصاله بأهل المصنع في كل أفراحهم وأتراحهم.. هكذا عاش بين الناس بسيرة وضيئة وحسنة طيبة.
وغاب أجمل الناس فينا طهراً وصلاحاً وسكينة وبقيت سيرته مدرسة ومنهجاً كافياً للتعلم منها في دروب الحياة.. وهذا سر الله فيه أودعه على طلاقة روحه ورحابة خُلقه. 
وكما لم يكن للراحل جدو سلف عظيم يتعلم منه، كذلك لم يكن له خلف عظيم يترسم خطاه، وسيحتاج المصنع أن ينتظر كثيراً من السنوات قبل ميلاد رجل عظيم مثله.. وإظن أن ذلك دونه خرط القتاد.. وهذا ما يؤسف له إلا نجد له خليفة بذات سمته ووقاره وأخلاقه.
وكان مع بلوغه حالاً من اليسار والدعة، متواضعاً يكره الأبَّهةّ لأنه ثمرة طيبة واحدة من شجرة طيبة واحدة.. تجده بين الناس بسيطاً وحفياً بهم في مجالسهم أو مجلسه الخاص المفتوح للجميع بقلبه الأبيض.
ومشى الحاج جدو بقامته المديدة والفارعة بين الناس بالحب والمودة حصِيفاً, ورزيناً, ومُتعقلاً, وواعياً في أبهى ما يكون حلة مكسية بالجلال والمهابة.. وكان محل تقدير واحترام الجميع؛ صغيرهم وكبيرهم على السواء دون غطرسة وتعالٍ.
ورجل مثله يندر مثاله في التجلة، والعُلو، والشرف، والرقي، والرفعة، والسموق، والسناء، والمجد، والمكانة، والعزة، والفخامة. 
ولم يمش بين الناس بالتكبر، والغرور، والخيلاء، والعتو، والكبرياء رغم أنه صاحب وجاهة، ومنزلة، وسيادة، ومجد، وأوج.. ومع ذلك فضل أن يعيش في زهد وتواضع وبساطة لا يروم من الدنيا شيئاً سوى محبة الناس والعمل الصالح حتى نالهما.
كم عاش في إِرتياح, وإِغتناء, وإِنشراح, واكتفاء, وبشرى, وسرَّاء, وسكينة, وسرور, وغِبطة, وفرح, وفرج, ومسرة, وهناء, وهدوء, ويسر.
وافتقده المصنع وأهله وعلى نحو خاص قبيلة العتالة الذين مثل لهم نعم القائد المحنك والأب الحنون والنقابي الأمين على حقوقهم ورب العمل العادل والأخ الفاضل الشريف والصائن لعلاقاتهم.. وبحق كان رباناً وقائداً فذاً لن ينسى مجتمع المصنع أفضاله وجلائل أعماله وروحه الطيبة والتي ستبقى رهن ذكرى الجميع موسوماً بها طيب الذكر؛ جدو.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، الحاج عثمان محمد أحمد، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وكسلا فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.





اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان ممؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 08 يوليو 2015, 12:25 am

محجوب العمدة.. فارس شغيلة السكر






في تدافع الناس تغيب أشياء وتنمو أخرى مثل ركام يتراكَم بعضه فوق بعض.. هكذا هي سنة الحياة تتدافع فيها الذكريات كحال ضيف يتدافعه الحيُّ... تضطرب وتضطرم نار الأشواق في القلب وتنهش رخاوته وتهزه بشدة حتى يشتعل حنيناً دافقاً كأنها نزوة الصبا والشباب وحدتها لا تستقر على حال.. ويتقلب القلب ويميل هنا وهنالك على جمر البين والفراق والبعاد.
ويبقى مصنع سكر حلفا الجديدة بقعة خضراء في سُويداء القَلْب لا يتحول قيد أنملة، وإن كثرت الأمكنة ومالآت الظروف.. هو العشق نفسه للمكان الذي لا يبرح الذاكرة ولا تلك المراتع التي علمتنا الكثير وأكثر من ذلك بصبر وحب.
وفيها غشينا سدرة الحياة التي أطعمتنا الأفراح والعزة حتى إرتوينا على ثمل، وما فقنا من نشوتنا إلا على موجة حزن يهتك ضلوعنا... بين الفينة والأخرى يتجدد ذلك مع مرور الأيام ومن ثم نغيب في الذكريات وندفن فيها القلب المعنِيٌّ.. وهكذا دورة الأيام والحياة.
ثمة حزن جديد يغشانا فجر الجمعة الباكر من 25 يناير 2013، ويضيف لنا مفازة مشقة في الألم والشجن المر برحيل محجوب أحمد العمدة الفحل النقابي الصلد وعمدة أرخبيل السكر في العمل العام أيامئذ؛ أيام كان البلاد تضج بمشارع النور ومسارب الضيء الجميل وقوس قزح يسد سماءها من نقع ونثيث المطر. 
والحزن مرير يهد القلب ويغمره باللوعة ويحيله إلى ركام من الدم الخاثر حين يرتبط بفقد غال وعزيز مد روحه وجسده لشغيلة قطاع السكر بوافر من الحب والإخلاص مثل عمدة نقابات السكر في الزمن النضير.. بسالة منقطعة النظير في فضح الباطل وضمير يقظ يسند مزعته للحق ولا يهاب قطبان الحديد وصلصلة الرصاص.
والقلب ينفطر ويكب وجيبه في شرايين النواح والعويل وهذا زمان قحط الرجال وجفاف ماء غدير الحياة. ومثل محجوب حى بقيمه ومنافحته لا يغيب عنا بوجهه الصبوح واتزانه.
مضى الراحل المقيم العمدة إلى ربه قوياً وشهماً لم تهزم روحه نائبات السنون التي هدت جسده ونخرته.. ظل متحاملاً ومتسامياً على جرحه المفتوق منذ أن تسنم أقلية الفحش الاجتماعي مقاليد الأمور. وذهب من ذهب مغضوبا عليهم في تلك الأيام العبوسة. وحمل (صمد) القضية ما حمل من البلوى لإيمانه الكبير بقضية الإنسان المظلوم من بني جنسه, وتحول الخفر المسجون بداخله إلى فارس وسيم من الطلاقة والبشاشة. كان يؤمن بأن الخلاص سيكون رهن وعى المجتمع, والتضحية بحياته, بأغلى ما يملك من أجل صيانته.
وفعلاً كان محجوب معدنه من نضار لا يعرف الهزيمة والإنكسار والدمامة والقبح والزيف. وكان محجوبا عنا دائماً بقيمه النبيلة. لا يعرف الطريق إلى المال السهل. طيلة حياتنا وعشرتنا معه لم نجده يتعاطى الدخان ولا المسكر ولا غيره كما أياديه البيضاء والنظيفة التي لم يخالطها بفسق وشر ورشوة. 
كان يؤمن بالقيم الاجتماعية ويتخذها دليلاً ومرشداً ونبراساً من أجل بلوغ ناصية الإصلاح ولم يفتقد الثقة في ذلك ولم يتعجل السير رغم صروف المحن والبلايا التي مر بها في حياته. لم تهن عظم روحه السمحة والقوية في التبصير بقيم كان يضعها بين راحتيه ولا حتى شغلته ألوان خيم تجارة البازار الكبير التي نصبها تجار الحقيقة ومزارعو الربا ولصوص النصوص ونقابات صنعت من التجارة مهنة لها كدلالية بلا خبرة تغزو بيوت المدينة.
ومضي غفارينا صادق اللهجة في إستقامته نيراً ووجيهاً كما الفجر ولسانه حاله (أقف الآن مفتخرا بمصيري ..جازما أن عاصفة الظلم والجبروت العاتي سوف يعقبها مطر من دمي.. باعتزاز وهبت حياتي .. وتوحدت منفرداً) كما قال شاعر افريقيا بنجامين مولويز في قصيدته التي كتبها بدون عنوان وهو في طريقه إلى المشنقة التي أعدتها له السلطات العنصرية في جنوب افريقيا وقتذاك.
وفي مطلع تسعينات القرن الماضي في هوجة البغض الاجتماعي الذي ابتلينا به فقد مصنع سكر حلفا الجديدة باكراً نقابيا قديراً، وعارفاً، وخبيراً، وذا حنكة وبسطة في الثقافة والفكر وتصاريف شؤون العمال.. لم تلن له قناة، وظهر بهياً وشجاعاً في سبيل النضال من أجل نصرة العمل.
وفي مراسه الكبير بذل نفسه في الحرب الشرسة التي أرساها ظلامية القرون الوسطى والزبديون الجدد بكل ما يملك، ولم تعفه ظروفه القاهرة التي عاشها خلال العقدين الاخيرين من حياته متنقلاً من عمل لآخر في ثغر بلادنا الحبيب تارة وتارة أخرى في عاصمة البلاد. فأوقد ناره وتدفئ بها وقاتل الناس بالحب حتى عبر إلى صراط الحق نبيلاً وصعد طاهراً كما ولدته أمه.
وفقدتك منابرنا يا فارس نضالها الأوحد في الصدع بكلمة الحق.. وغبت يا نوار الحقيقة كطلع نضيد تدلى من شاهق يمنحنا الثبات ورائحة الحياة حتى نقف على جرحنا وحزننا الأبدي المنسوج على مرافيء دوامة الموت المتجددة.. نطببه من بلسمك الناجع.
طوبى لك هانئاً يا صاحب الجهارة الثورية والصوت العمالي الفخيم كواحد من جيل الرعيل الأول الذين ساهموا في وضع اللبنات الأولى لحجر مصنع سكر حلفا الجديدة.. وطبت في مرقدك طيباً وسالماً يا أجمل الناس فينا كرماً وعطفاً ولطفاً.
كان شفيفاً، ورقيقاً، ومرشداً لنا حد التماهي معنا في علاقات صداقة رائعة خصنا بها في مودة وحب، واقتسم معنا المال والخبز والماء وكل أشياء الدنيا في تجرد ونكران ذات كأب رحيم وعطوف وأليف.. ومعه لم نشعر بالوحدة والنفور بل عرفناه صديقاً خفيف الظل وصاحب طرفة لماحة وأيادي معطاءة؛ تُخفى يمينه عن يساره دون من أو أذى رغم ضنك الوظيفة وعوزها. 
ما أحببت رجلاً غرِير الخُلق مثل شخصه وهو بين جيرانه كـ(الطين) في أيادٍ طفل صغير، وهو بين أصدقاء ابنائه كلعبة هشة تُرمى هناك وهناك بكل سهولة.. هكذا كان سهلاً ومنيفاً في ذات الوقت، وتجده حافياً يرهق الأرض بسيره النشط هرولة لنجدة أياً كانت، وما نكص عن التزامه للمجتمع؛ أبو الكل.
وفي دمعه فكرة وعبرة ومحبة.. تسيل وتجري كلما اشتد طلق الإنسانية بمحور يجد فيه الإنسان مهزوماً.. يبكي بحرارة وصدق وشموخ، ويذرف دمعاً سخيناً رغم صلابته ومحيا وجهه الصارم حيناً، وهو في مواجهة الباطل.
حقا تواري الجسد وغاب، وتبقت الروح كتاب نستلهم ونستمد منها صلابة المواقف التي خاضها في زمهرير الشقاء النقابي والشتاء الترابي الكَالِحُ بعيداً عن ثقافة أن الرغيف هو مفتاح فك شفرة اللغز لأفندية حزب الريح وجنوده.
سيرة وضيئة ذائعة الصيت لرجل أحصن نفسه بالخير والحق وتدثر به في شعاب الحياة وجاب به نهاد الأرض وهضاب وأودية البلاد بيد كريمة ممدودة في كل النواح. 
وفي غياب حضوره الكبير يذكر الكثير.. باكرا ولجنا إلى هذا البيت الكبير وتعلمنا فيه كيف نصون المعرفة من خلال مكتبة صغيرة وبيضاء تحفها قناديل المحبة. وتعلقت قلوبنا بتلك الكتب المرصوصة والمنضودة على الرفوف في أبهى حُلة. ووقعت عيوننا المتلصصة في هذه الدار على أول كتاب قرأناه، وكان مصدر إلهام لمعرفتنا في السرد القصصي المرتبط بالوعي؛ كتاب اسمه: الرجل والضفدعة.
وفي حديقة هذه المكتبة صدح صديقنا ورفيقنا وزميلنا وابن الجيران الخلوق عبد الخالق محجوب العمدة بأغنيات سمر للمغني الجميل مصطفى سيد أحمد المقبول. وتلك كانت نقطة تحول كبرى هذبت مشاعرنا وسمت بها ودهنتها بلقاح المعرفة الناضجة التي انتجها عقل المغني، وعرفنا حينها بأن الغناء ليس كله طرب ورقيص وسرت فينا رعشة الحياة، وعبأ اكسجينها أوردتنا ببذور المعرفة الدفينة التي أوقدت فينا نار ما خبأت حتى اليوم من نقطة لأخرى ما زلنا نبحر في يم الحقيقة وسدر نوالها العظيم.
فالعمدة صاحب قضية يعرف الحق ولايخاف فيه لومة لائم.. سطر لروحه ذكرى عطرة وسيرة حسنة ومثال يحتذى فى الشفافية والاستقامة وتجويد العمل والإخلاص فى خدمة قضايا الشغيلة مع زملائه فى النقابة.
سيرته مضمخة بالعبير والشذا.. طاهرة وخالدة ومعطرة بالايمان بأهمية العمل وحب الناس.. غيابه مثل لنا فاجعة وحزن مقيم.. لم نستطع حتى اللحظة أن نتمالك أنفسنا.. دوما نغيب مع الذكرى في بكاءٍ عميق ومتهدج حتى يغمر كل أضلعنا ويتراى لنا بين الدمع الهتون إخوة الإنسانية والمصنع عبد الخالق وطارق وسامي وسارة وسلمى وفاتن والحسين ومحمد وعسجد وراشد.
لا يمكن لنا أن ننسى رجل بمثل هذه الرقة، والكرم، والجود، والتجلة، والإِقدام , والبسالة, والجسارة, والحصافة, والحماسة, والحكمة, والخبرة, والرصانة, وسداد الرأي, والشجاعة, والفطنة, والقوَّة, والمتانة.. لقد هدانا إلى جادة الطريق وسواء السبيل يوم أن دمغ الباطل بالحق وساهم في تعليمنا بقسط وافر من المحبة والتفاني والإخلاص والمادة.
ورحل فقير الجيب الشريف بلا مال ولا بيت ولا مزرعة ولا عقار ولا مصنع في فجاج الأرض دون تذمر، وغنياً دون غطرسة، وأنيقاً دون تكلف، وجميلاً دون مساحيق.
وغاب محجوب العمدة موظف المخازن مصنع سكر حلفا الجديدة والنقابي السابق في اتحاد الموظفين ونقابة السكر، ومن أوائل من احيلو للصالح العام ومن مؤسسو اللجنة القومية للمفصولين. ورحل رجل المصنع النبيل والعمارة طه الحمش الذي مات قَرِير العين أي مُرتاح البال مُطمئناً لا تشغله أشياء الدنيا.. ومضى إلى رحاب ربه أكثر خفة ورشاقة ونضارة كواحد من الناس الأوفياء والخيرين في دروب العمل العام والأهل والعشيرة وحق الزمالة والجار.
ولا نقول فيك إلا ما قالته زوجة الأحنف بن قيس وهى ترثيه:
كنت من الناس قريبا
وفي الناس غريبا
إن العين لتدمع والقلب ليحزن وإنا لفراقك يا عمدة لمحزونون.. كنت نعم الأب والصديق والجار.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، محجوب أحمد العمدة، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وكسلا فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.
اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان ممؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الخميس 09 يوليو 2015, 12:06 am

سعد سليمان.. قَصَبَ السَّبْقِ والسكر




من الصعوبة بمكان أن تبارح أرض حضنتك ذات يوم بشغف ولطف، وقدمت لك كل شيء تحتاجه حتى العطر في شوارعها تدفق مِلء أرواح الناس.. كل شيء رائع وطاعم وحلو يهمس برائحته الذكية كما عبق المكان الفالت من الخشونة واليباس أيامئذ ولا مشاحة في الكلاء والماء والنار وفق سماحة قلوب تآلفت وتحالفت في سبيل تعمير الأرض الجديدة.
هكذا الناس تقاطروا من كل صوب وحدب يحملون المحبة زادا والتكاتف معيارا في توطيد خدمتهم وخبرتهم.. جلهم اقتسموا تعب بور الأرض ومعاناة البناء والتشييد كل في مجاله مخلصاَ ووافياَ حد التعب والموت والتضحيات الجسام.
أرض بكر وطيبة مثل مصنع سكر حلفا الجديدة يستحيل أن يعلو حاجب أحدنا مقدار عظمتها وإن طال.. أرض توسدنا خيرها ذات يوم وما زلنا في الطريق نمضي وننهل و نُعبِّئ من مناهِلُها وما ارتوينا لطالما نسير في المفازة على طريق السُّفار.
لذا تترى الذكريات كنثيث الغيث بلا توقف.. كل ذكرى تقود إلى أخرى في تتابع وتواتر وبينهما بكأ مرير يصعد بالضلوع ويفيض هاتيك الدماء.. والعين هملاً في دار البعد لا تنام وهذا نصيبها في مقادير الإرث.
وفي الذكريات هاجس يتصل ويمتد بأرباب الذين عمروا الأرض ومضوا على راحة الأكف إلى دنيوات آخر.. تركوا لنا كل شيء مادي ورحلوا كالنسيم العليل.. وبقيت سيرتهم الطاهرة كعبق يرواح بين المكان، ولا تزال أرواحهم محلقة.
في مثل هذا اليوم تماماً على نحو أكثر من ربع قرن ويزيد.. على وجه الدقة في يوم الإثنين 21 رمضان 1402هـ الموافق الثاني عشر من شهر يوليو 1982م، رحل رجل البر والإحسان ورجل الأعمال ذائع الصيت الحاج سعد سليمان محمد بعد حياة حافلة قضاها في التجارة بمصنع سكر حلفا الجديدة.. رجل مِلءُ السمع والبصر، وسار السمع بذكره والبصر بمهابته، واشتهر كواحد من جيل الرعيل الأول والمؤسس لمصنع سكر حلفا الجديدة بل يعتبر الملهم الأول والدليل الذي سار على دربه الكثير من تجار المصنع ولا تزال مسيرتهم ناجحة بذات الهمة والمسؤولية والسؤدد.
لا تذكر التجارة في المصنع إلا ويذكر حاج سعد سليمان ومتجره الواسع الأطراف حتى تخاله مخازن كبرى من فرط هيبته وتمدده على أرض واسعة.. ولا يذكر الإحسان والكرم إلا ويذكر عم سعد رحمة الله عليه.. كما تذكر البساطة والتواضع مقرونة بالدعة والأبهة والوجاهة والغنى كلما ذكرت سيرة حاج سعد سليمان وأولاده.
شخصية عصامية نادرة، وفحل تجارة وبصيرة ونجاعة أتى المصنع كواحد من غمار الناس حينئذاك حتى غدا مشهورا بتجارته وحبه للناس والعمل العام وكرمه الذي عُرف به طيلة حياته بين المجتمع.
رجل صاحب عظمة، ومجد، وسيادة، وشرف، وقدرٌ رفيع، وكرم في المنصب، ومقام رفيع في إنجاز مشروع اقتصادي كبير ساهم في نهضة المصنع حيث أزكى المال، ونمّاه ووفره، حتى أزكى ثروته بمشروعات اقتصادية متنوعة رفدت الحراك التجاري والاقتصادي بالمصنع حتى وصل نمير جهده لإدارة المصنع، والتي كان لها المعين الصادق وصاحب الفضل الأول في تدبير الكثير من نواقصها.
وكان بمثابة مؤسسة اقتصادية قائمة بذاتها في ذاك الزمان المخضر برهق التأسيس وشواغله ومع ذلك لم يتقاصر عطاؤه وبره وتعاونه لممصنع السكر والناس أجمعين.  
ومصنع السكر لن ينسى فضله وخيره المتدفق حين وسد كل ماله في خزينة الإدارة في كثير من الأوقات الحرجة التي مر بها، وساعد في فك الكثير من الأزمات المتلاحقة والخانقة في تلك السنوات الصعبة من عمر التأسيس والبناء، ووقف بنفسه واشرف على الكثير من العون الذي قدمه للمصنع ويكفيه فخرا أنه عندما كان يحين أوان صرف الراتب الشهري للعاملين تجده باذلاً ماله لعملية الصرف الشهرية بدون من أو أذى وبلا قرض في ذلك العمل الكبير الذي كان يقوم به لوحده فقط عكس ما يجري الآن من فحش في التعامل المالي.
دينه على المصنع بمقدار المال الذي سلمه فقط ويكتفي بذلك.. هكذا كان الوفاء والامتنان للمصنع بلغ عنده منزلة رفيعة لا يلحقه فيها أحد. وتصرف مثل هذا نادر حتى في تلك الأزمنة دعك من هذه الأيام الرمادية والنافقة بالربا والقروض والسحت.
واستحق الراحل المقيم الحاج سعد سليمان لقب الوجيه والكريم والمناصر لقضية التنمية كواحد من أعيان المصنع وبل أكبرهم مقاما وقسطا في ضريبة الحب التي دفعها عن حب وإخلاص وتفان.
وكرمه امتد في نواح كُثر ولم يغب عن بقية أرض المصنع.. تجده بارزا في كل بقعة ومكان وشارع... وغمر بفيض أياديه الجميع ونام مِلءُ جفنه مرتاح البال بلا هم ولا غم أيامئذ.
في تلك (البرندة) الواسعة أمام دكانه العامر، والذي كان عبارة عن مؤسسة اقتصاية كبرى، ترى على نحو واضح في كل مواعيد الوجبات اليومية المعتادة قدح كبير يسد أفق المكان وحوله يتحلق الجميع؛ جيرانه، والعاملون في متجره الكبير، والزبائن الذين يصادفون وقت الوجبة.
ومثل دكانه مؤسسة كبيرة جادت بكل أصناف السلع الاستهلاكية الجيدة والفاخرة وغيرها حيث تصطف البضاعة بنظام بديع ومنسق بكل سهولة يصل إليها نظر الزبون دون رهق.
ولم يرهق الحاج سعد شغيلة العمال بالمصنع؛ ثابتهم وموسميهم بسداد شراء ما يرغبون فيه بل يترك لهم الحبل على الغارب متى ما أحسوا وشعروا بقدرتهم على الدفع، وفي ذلك متنفس للجميع لذا كان متجره عبارة عن سوق كبير من الزبائن يتسع لأكثر من أربعة باعة منذ ساعات الصباح الأولى ألى المساء المتأخر في ظل عدد كبير ومتزايد من الزبائن، والذي بالكاد يخلو منهم... ومن الاعتياد الانتظار حتى يغادر الذي أمامك في طاولة الشراء.
وكانت أخلاقه رفيعة وسمحة في البيع والشراء مما حبب فيه الناس حتى جعلوه مقصدهم الأول والأخير في السوق، وبذلك اتسعت تجارته وكبرت وأضحى سيد تجار المصنع وأولهم في قصب السَّبْقِ لمرحلة التأسيس.
ولم تقف تجارة الحاج سعد رحمة الله عليه عند حدود متجره خاصة أنه صاحب تجربة سابقة خارج السودان حيث استصحبها معه في توسيع تجارته، والتي نمت بفضل الله تعالى أولاً ومن ثم بإخلاصه وصدقه وكفاحه حتى ساهم في رفد مواصلات المصنع بعدد من العربات (البكاسي)، وكان أول من أدخلها تلك (البرينسه)، والتي بفضله ساعدت في توفير سبل المواصلات بين مدينتي المصنع وحلفا الجديدة. 
وتسارعت تجربته الثرة إلى إنجاز آخر تمثل في إمتلاكه لإسطول من السيارات الكبيرة والصغيرة، والتي وفرت عليه الكثير من أعباء تكلفة الشحن واستيراد البضاعة من أمكان بعيدة.
ومن منا ينسى السائق (الجيب)، والذي مثل أكثر من ظاهرة وقتذلك بالتزامه بالعمل مع الحاج سعد لفترة طويلة من الوقت، ويبدو ذلك حتى آخر أيامه ولم يفرقهما إلا الموت؛ هادم اللذات. 
وأمام متجره تقف تلك السيارت في صف طويل ومتراص وفي نظام بديع كنا نلحظه عصر كل يوم من نهاية العمل الخارجي لها.. تقف بشموخ و إباءٌ أمام مؤسسة عملاقة اعطت للمنصع الكثير وما بخلت حتى تداعيها مؤخرا بفعل الظروف وأشياء الدنيا.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، الحاج سعد سليمان محمد، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وجبل أم علي (قرية الصالحين) بنهر النيل فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان ممؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الخميس 09 يوليو 2015, 11:55 pm

حاج محمود.. حليف الصوت العذب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في هدأة جوف الليل تتسرب الذكريات رويداً رويداً إلى القلب على مهل الوقت الخانق ويتسع الحيز للشجن والمشاعر المحطمة ودلق الحنين بين صهد مفازات دنت من الاشتعال.. أشلاء كأنها لرجُل مجوَّف أي جبانٌ لا قلب له مزقته كَربُ النفس.. وما أقساه ذلك الغور البهيم الذي يسكنك في الليل الموجع.. عمقه كجوف البئر اليابس أو العير أي لا خير فيه.
وحطام القلب تستهلكه حمى المسير في أودية اليباس.. هشيم يتداعى ويتبعه هشيم متكدر صهدته أشجان الذكريات.. حديث ذو شجون يستدعي بعضه كقزع الدم المتطاير في جوف القلب.
والوقت يتنفس في الكَرْبان؛ في الغداة تميل النفس إلى الرواح، وفي العشيّ تختلي بمرير الذكريات وصيرورة الواقع التي لا يفيق الانسان منها إلا وهو مكبل بقيود الدهر.. غفوة تمضي إلى غفوة وساعة تمضي إلى ساعة حتى أذان الوقت.
تسري أمشاج الحنين وفي مسراها نمو أَسَف, وأَسَىً, وإِبتئَاس, وإِستياء, وإِكتئاب, وتبرُّم, وترح, وتعاسة, وحسرة, وحُرقَة, وشجًى, وغمّ, وغُمَّة, وفجعة؛ تظل أشجان بلا جدوى ودمعة سدى على أرض فارقناها بغتة. 
وقحٌ ورائعٌ جداً ذلك الحنين الذي يختبئ في داخلنا عنوة دون إستئذان حين يفقدنا القدرة على القول والتماسك.. وقحُ حينما يمنحك الكآبة, والكدر, والكمد , واللذعة, واللهف, واللوعة, والنكد, والهم, والوجد, والوحشة, والوله، والسقوط، والشقَاء, والندم... ورائعُ حينما يسافر قلبك في الحُبور, والفرح, والسرور, والبهجة, والغبطة, والارتياح, والسعادة, والمسرة, والهناء.
هي الجرأة التي تصنع من الأشواق بكائية طويلة لليل لا ينتهي عند المناحة والعويل حين تفارق أرضك الطيبة التي انجبتك، كما هو القرار الذي لم يخطر ببالك أو حدسك أيامئذ حتى شقَّ السكون، على عجل دون سابق إنذار، نقيع غراب البَيْن.. فجأة وجدت نفسك غارقاً في للج الحنين ودوامات الأشواق؛ غريق لا أمل له في النجاة؛ فالحاوي لا ينجو من الحيَّات.. وهكذا بعدنا خلسة عن أَرض لا يطير غرابها؛ وحقاً خصبة صاحبة الخير الوفير.
جاء سكان المصنع الأوائل؛ أسيادنا في البلد تلبية لنداء الوطن الصغير ورفع معاول التنمية، ومن بينهِم رجل أي في عدادهم شيخ مديد القامة وفارعها، وصاحب صوت مميز ومؤثر.. وبيننا وبينه ذات بين أي قرابة قدرها مسافة مدِّ البصر.. وكنا نزوره بين وقتٍ وآخر في منزله الكائن جوار جامع البركس القديم (الخشبي) الرابض في فسحة ميدان المولد الواقع في جنوب شرق موضع الحى، وكذلك بُعيد انتقاله إلى بيت مجاور لناد العامل في الحى نفسه.
وفي تلك الفترة تعرفنا على عوالم شتى في تلك البقعة التي يقع فيها الجامع حتى تماهينا في المكان وتعرفنا على مشاهد المولد النبوي الشريف وحلقات الذكر المتصلة للعديد من الطرق الصوفية، وفي خضم ذلك بان لنا صوت الشيخ ندياً وشجياً في تلاوة آيات الذكر الحكيم، إذ كان حافظاً لكتاب الله تعالى على رواية الدوري المعروفة.
وهذه واحدة من القراءات المعروفة للقرآن الكريم، وكانت منتشرة في السودان والتي اندثرت الآن مثل رواية ورش عن نافع المدني.. ورواية الدوري هي عن قراءة ابي عمرو بن العلاء والكسائي اللذين روى عنهم الامام الدوري صاحب الرواية، والتي تشتهر بالامالة هي أن تنحو بالألف نحو الياء وبالفتحة نحو الكسرة.. مثال كلمات؛ الدار والنار والنهار والكفار والأبرار وغيرها. وتأتي هكذا في القراءة (النيس والنير والنهير والكفير والابرير). 
وهكذا كان يتلو جدي شيخ محمود محمد محمود صاحب الصوت الرخيم آيات الذكر الحكيم بشكل مختلف عن حفظة القرآن الكريم في مساجد المصنع على وجه العموم وفي مسجد البركس على وجه الخصوص.
وفي صوته لين، وعذوبة.. وصوته طوع بنانه يفعل به ما يشاء في رقة وشجو حميد يأسر الألباب والقلوب حتى يحبس الناس إلى حين تنتهي تلاوته المجيدة على مدى ثلاثة عقود من عمر الزمان المصنعي... وكان يطلق لصوته الرخيم العنان ويضحى طليقاً، وحراً، ومعتقاً في فضاءات البلد برمتها.
وعرف الشيخ محمود رحمة الله عليه بطلاقة الصوت وسحر البيان واللغة السهلة والتزامه بتلاوة سورة الكهف عند كل صلاة جمعة في إحدى مساجد المصنع في تعاقب لم يخل بميزانه حتى رحيله الفاجع في شتاء العام 1991م.  
ويغشى حاج محمود مساجد المصنع بأناقة ومظهر جذاب وروح مرحة وتقية.. لا يتخطى عتبات المسجد إلا وهو مرتدي كامل هندامه المكون من جلباب ناصع البياض، وعمامة ملفوفة بعناية، وعباءة لماعة وشفافة، ومركوبُ فاشري الصنعة... ويتوكأ على عصاة معقوفة، وفي جيب جلبابه ساعة مذهبة تتدلي على سعة.
ونهل في صباه وشبابه من معين العلم حتى بلغ مراقي متن العشماوي وألفية مالك وغيرها من متون الفقه وعلوم الشريعة مع حفظ كامل للقرآن الكريم.
ومحمود حَيُّ القلب على شهامة، ونفاد، وجد، وبصيرة حتى ملك قلوب الناس وأصبح ملكها المتوج بلا تيجان.. ومن مثله يضارعه في حلاوة اللسان والذوق والأدب والظرف والطرفة والأخلاق!
شخص ناصحُ الجَيب أي أَمين على ما يقع في يديه وعينيه حتى قلبه، دائما ما كان في محل الصون والحفظ يؤدي واجبه بجسارة وخُلق.. هكذا أدى وظيفته في القسم الزراعي والارشاد الديني حتى رحيله الفاجع علاوة على دوره الاجتماعي الكبير في الحي والمصنع عموما.. إذ كان متواضعاً وباراً بصلة رحمه في خلق حسن وسماحة نفس بسيطة، وكذلك في قضاء حوائج المجتمع ينبض قلبه بحب الناس.
لا يميل إلى الشطط والحلول القصيرة الأجل في كل ما يواجهه ويواجه القريبين منه من صعاب وتحديات بل دأب على التمهَّل، والتروّى، وعدم التسرع والاندفاع.. وفي كنفه تعلمنا الكثير وفقدنا الكثير بعامل الوقت.
وتُرى طريقته في الحياة والتعامل مع الناس على أوضحها في إختيار عباراته المنمقة وأسلوبه السهل في الحديث؛ فهو شخصية لبقة تعرف كيف تصطاد جيد الكلام وألطفه.
ولا يمكن أن يذكر الناس الطيبين بالمصنع، إلا ويخطر بالبال حاج محمود كواحد من أفاضلهم وهو صامد لا يبرح ثوابته في الرقي ودماثة الخلق، وقد قبلته قلوب الناس على محبة ومودة لا تقدر بثمن.
وينظر إليه أهل المصنع بعين الإكبار والإجلال، وكنا نلتمس منه علوم القرآن الكريم وغناء الحقيبة في آن واحد دون تصارع في جوفه الذي حوى الكثير من العلم والمعرفة والمثل العليا هكذا أهدته سليقته صوت آخاذ وبارع في تلاوة القرآن الكريم والغناء معاً.
وهنا ما يذكر عنه من مواهب وصفات أخرى.. بالطبع غير حاضر في ذاكرة الذين عاصروها في تلك الأزمنة، إذ لم يعرفه المجتمع مغنياً أو مطرباً ولم يراها كذلك، وكان صوته نادراً ما يتردَّدُ بالغناء عالياً أو منخفضاً مع أنه صاحب صوت صادح عندما يترنم بأغان الحقيبة.
لا غرو في حفظه وترديده في سره للعديد من أغان الحقيبة الملهمة، إذ عاصر العديد من مغني الحقيبة في شبابه، ولقد حرمنا الورع والتقوى فناناً بارعاً، ومجوداً فطناً لأغان فترة زاهية من الغناء السوداني، والتي تربى عليها الوجدان الوطني في كل مراحله.
ورحل غرّ الوجه، وأليف المعشر، وطيب الروح، وصادق الوعد، وعفيف اليد واللسان، ولم يخدش مشاعر بلد بأكملها، وظل على الدوام متسربلاً بصمته النبيل ونجواه ومشاعره المتدفقة وإنسانيته الباذخة والمترعة على فيض المحبة.
أناس المصنع دائماً ما يتقاصر عنهم الوصف.. مثل حاج محمود الوجه المألوف الذي سكن الحشا، وصاحب العقل الراجح والناضج، والشخص المتفائل والطموح والايجابي.. ومضى كجواد جامح في عشقه للمصنع الذي وهبه الكثير من علمه ورزانته وأخلاقه وطيبته.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، الحاج والشيخ محمود محمد محمود، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر والكنيسة بالقرير في الشمالية، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان ممؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 10 يوليو 2015, 11:32 pm

سلوى الحبيب.. سيرة الأم الرؤوم




أشياء كثيرة لا يمكن لها أن تكون في طيِّ النسيان مهما تباعدت الأزمنة وتوغلت في تصاريف التفرق.. نعم لقد مرت أيام وتسربت من بين أيادينا خلسة وتفرقت في بيداء الحياة الوعرة بلا عودة.. وحقا يصعب استرجاع سيرورة الوقت بعد مروره كبعض الأشياء.
ومع ذلك لا أحد يجرؤ ويتجاسر على مفارقة فصوص ذاكرته صوب مشقة جديدة لم تخطر على الحدس والفراسة حتى نذهب على غير هداية ونجوس على نجوع أرض جديدة لا تعرفنا.. وتبقى الروح حبيسة موطنها الأول مهما سافر الجسد وساح في أربعة أركان المعمورة.
لا شيء مثل الحنين يكبل الخطو ويثقل الحنايا ويفتك بسويداء الفؤاد.. مجرد حدسٍ يغمر القلب كلما طالت أشواقه في الصعود نحو بقعة لا تغيب عن البال بل تزدهر كل يوم في أناقة مفرطة لا يحدها حدود.
وفي هذه الأجواء يبقى مصنع سكر حلفا الجديدة رهين القلب والذاكرة دوما نشغل به أنفسنا على أمل نراه قريباً، وإن طالت الأيام وتقوس عمودها الفقاري.
وفي تلك السنوات الناصعة بلون قلوب الناس.. كان كل شيء مرتباً ومنتظماً بمقدار مراد النفوس والأجساد التي حملت على عاتقها مهمة عمران الأرض بنبتة قصب السكر الطاعمة، ومن ثم المساهمة في صناعة السكر.
ولعل المفارقة أن معظم أمهاتنا الأوائل كنَّ صغار في السن بجانب أزواج – أبائنا - وفدوا إلى مدينة المصنع في عمر الشباب عدا القلة التي تراوحت أعمارها ومالت إلى كفة تخطت فيها مرحلة الشباب وأوغلت نحو الرجولة والشيخوخة.
لذا جاءت تجربة أمهاتنا قليلة وغير ناضجة ربما ذلك، ولكن صقلتها الأيام وظروف الأرض الجديدة القاسية والتي تعلم فيها الناس سريعا كيفية تقبلها والتغلب على مصاعبها العديدة والجمة.. فالمنطقة خلوية نائية في صقعٍ يخلو من الناس، وإن لم يكن المكان قفراً حيث كان يضج بالحياة البرية الناضرة لا يغيب عن ناظر الناس منظر الحيوانات والطيور البرية والأعشاب الموسمية التي تسد أفق المكان ورونقه بزينة راقية تسر الناظرين باعتبار أنها جزء من أرض البطانة الكبيرة.. كل تلك المظاهر شكلت عصب الجغرافية وقتذاك مع مطلع عقد الستينيات إلى أواخر عقد السبعينيات من القرن المنصرم حتى إختفت بغتة، وغدت الأرض كأنها لا تصلح إلا لزراعة قصب السكر فقط.. تلك هي التحولات الكبرى في بيئة المصنع، والتي صاحبتها ولادة مجتمع جديد قائم على المساواة في كل شيء.
ومن خلال قساوة الطبيعة والمناخ والغربة علاوة على طبيعة العمل الجديدة على الجميع، والتي لازمتهم شتى، انصهرت الأسر في بوتقة واحدة وصارت عائلة كبيرة ومتلاحمة في السراء والضراء، واستمرت تلك العلاقات في نمو مضطرد حتى اكتمل بنائها وغدا المصنع الكبير واحة تسر الناظرين وقبيلة واحدة ومتجانسة تعتصم بصلة علاقة جديدة وصادقة في معانيها.
وتحولت رقعة الجغرافيا الخاوية إلى بذرة من الصفاء الإنساني وغدت البلد مأهولَة, وآهلة, وعامرة بثمرة قبيلة المصنع التي تمازج أفرادها في لوحة فريدة من الإخاء والتقارب والترابط.
وفي وسط ذلك المزيج بانت امرأة من أهل رفاعة؛ شابة في مقتبل العمر، وذكية في علاقاتها برفقة زوجها بحى خمسين بيت.. ولا تزال الذاكرة محتفظة بذلك النضار والألق والروح الوثابة التي سكنت الحى، وأضحت جزءاً من نسيجه الزاهر.
فأهل رفاعة عرفوا بالتمدن والحضارة وحالة الرخاء، وانتشر بينهم التعليم المبكر خاصة تعليم الفتاة، إذ سرعان ما ارتبطت تلك الزهرة الجديدة في ارتباط روحي وثيق بالمجتمع الجديد الذي وجدته في حراكه الأول ولا يزال طفلاً.. مستمدة كل ذلك النجاح المضطرد اللاحق من جذورها الإنسانية الضاربة في القدم بمنطقة البطانة لذا تآلفت بسرعة واندمجت مع أهل الحى.
وكانت أمنا سلوى الحبيب طرفا من الحى وامتدادا له في آن واحد، بما تمثل في علاقاتها المتفردة وتصدرها للمشهد الاجتماعي بصورة لا تقارن.. وغلب اسمها وطغى على زمرة الشخصيات الموسومة بعلاقات طيبة ومتوازنة.. ولم تكن خاملة الذكر حتى يشملها طوفان النسيان.. إذ بذت جاراتها وفاقتهم شهرة في عماد مقامها الرفيع، وفي صلابة ونعومة مواقفها الإنسانية الحاضرة في قلب كل موقف.
غدت سيرتها وضيئة وفواحة كالمسك، وذات ملمح حيوي من نهر عذب يتدفق غيثها ويجري إلى ما نهاية في حياة الذين عاشروها خلال أكثر من أربعة عقود من عمر الزمان الجميل الذي شبَّ عليه المصنع ونضج وبات معلماً كبيراً في الوطن.
وعندما انطلق الود المصنعي وانتهى في تشييده لصرح عملاق جمع الناس على المحبة كما أظن في ذلك كانت الراحلة المقيمة سلوى أحمد مصطفى محمد زين تمثل قمة رأسه في مجمل الحراك الاجتماعي والمعنوي بأحياء الموظفين ذلك الجانب المشرق والذي رفد وتسارع بعملية الزراعة والانتاج حتى توطدت أركانها.
بالفعل لكل زمان ومكان حكاوى عديدة أبطالها يولدون من فوهة الظروف والمعاناة وقبو النسيان أحياناً.. ضمن ذلك السياق الاجتماعي المتخم بفيض الإنسانية والخير عاشت أمنا سلوى رحمة الله عليها وعزفت على وتر متصاعد من الرقة والتفاعل وصنعت للناس ايقاعاً متفرداً وجديداً في حياتهم ولونته وصبغته بذوقها المتقدم وإنسانيتها التي ورثتها من أهلها وزوجها الفنان البارع والشريك المخلص العم أحمد الحبيب البدوي.
ولقد شهدنا مأثرتها عياناً بياناً في رحلة المعاني السامية والكبيرة التي عاشت خلالها كواحدة من النساء الطيبات والصالحات بطيبة قلبها، وحسن معشرها, وحلو حديثها العذب, ودمث خُلقها, وكرمها الفياض، وسعة صدرها، وصبرها الجميل، وأنسها المستطاب.
وفي محرابها كأم رؤوم شديدة الرحمة والحب، أحتوتنا بتجرد منقطع النظير، وغدينا في مدرستها تلاميذ نتعلم ونتربى على كنف امرأة صارمة وذات هيبة ولينة في ذات الوقت، وصادقة ومسكونة ومهمومة بقيم الحياة والدين وعادات المجتمع الفاضلة.
وكانت صاحبة طاقة جبارة غير عادية لا تنضب في مواصلة علاقاتها الاجتماعية القائمة على الالتزام وتبادل مشاعر الحب والتضامن والانصهار وتحمل صعاب النفير.. ولم تغب عن أفراح الناس ولا أتراحهم، بل تدخل كالنسمة في أي وقت كلما أشتهى أهل بيت حضورها الجميل.
بعض الناس لهم مودة خالصة لا تحكي فالكلمات لا تفيئها حقها من الثناء، كم لا تكتب سيرتها على الطروس إذ تخونها اللغات والأساليب والحروف.. ومثل الشفيفة والعفيفة وصاحبة العاطفة الجياشة، والأمومة الدافقة سلوى الحبيب لا يحتويها كتاب مهما أُجزلت فيه العبارات الرقيقة والكلمات المعبرة.. ومن يجهل قدرها واستقامتها ولطفها وحيويتها التي مشت بها بين أفراد المجتمع على صراط حب عميق ما تراخت في عبوره! تلك صحيفة بيضاء من جلائل الأعمال، ملفوفة بعضها فوق بعض بعناية كسيرة ضافية لأجمل نساء عمرن أرض المصنع دون من أو أذى.
وطوى الله عمرها في 28 من يوليو عام 2011م بعد معاناة مع المرض اللعين، وفي ذلك اليوم الأسود ساد المصنع ومثله رفاعة مشاعر الغم والوجوم والحزن العميق للنبأ الفاجع.. وغمر الحزن كل شخص عرفها في دروب مدينة المصنع المتسعة ولا يزال نهر من الأشجان يتدفق ويسيل.
اللهم أرحم أمنا جميعا، الراحلة المقيمة، طيبة الذكر، سلوى أحمد مصطفى محمد زين، وتقبلها قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرتها وأحبابها وعارفي فضلها، وأهل سكر حلفا الجديدة ورفاعة، فقد كانت عَلَماً يُهتدى بها في حالكات الدجى.
اللهم ابدلها دارا خيرا من دارها واهلا خيرا من اهلها وادخلها الجنة واعذها من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهم اجزها عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كانت محسنة فزد من حسناتها, وإن كان مسيئة فتجاوز عن سيئاتها. اللهم ادخلها الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسها في وحدتها وفي وحشتها وفي غربتها.
اللهم انزلها منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزلها منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة, ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح لها في قبرها مد بصرها وافرش قبرها من فراش الجنة. اللهـم اعذها من عذاب القبر, وجاف الارض عن جنبيها. اللهم املأ قبرها بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنها فى ذمتك وحبل جوارك وقها فتنة القبر وعذاب النار, وانت أهل الوفاء والحق فاغفر لها وارحمها انك انت الغفور الرحيم. اللهم انها كانت تشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم بها. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمها ولا تعذبها. اللهم اّتها برحمتك ورضاك وقها فتنة القبر وعذابه وأّتها برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثها إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقلها من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها وثبت علي الصراط اقدامها واسكنها في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنها من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسها أّمنة مطمئنة ولقنها حجتها. اللهم اجعلها في بطن القبر مطمئنة وعند قيام الاشهاد أمنة وبجود رضوانك واثقة وإلي أعلي درجاتك سابقة. اللهم اجعل عن يمينها نوراً حتي تبعثها اّمنةً مطمئنة في نور من نورك.
اللهم انظر اليها نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنها فسيح الجنان واغفر لها يا رحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنها فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انها جاءت ببابك وأناخت بجنابك فَجْد عليها بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمها رحمة تطمئن بها نفسها وتقر به عينها.
اللهم احشرها مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشرها مع اصحاب اليمين واجعل تحيتها سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشرها بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعلها من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيها عليك ولكنا نحسبها انها اّمنت وعملت صالحاً فاجعل لها جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيها نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائه واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُ.
اللهم اجعلها في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنها صبرت علي البلاء فلم تجزع فامنحها درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انها كانت مصلية لك, فثبتها علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انها كانت صائمة لك, فأدخلها الجنة من باب الريان. اللهم انها كانت لكتابك تالية وسامعة فشفع فيها القراّن وارحمها من النيران, واجعلها يارحمن ترتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأتها أو سمعتها وأخر حرف تلته. اللهم ارزقها بكل حرف في القراّن حلاوة, وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمها فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنةً. وادخلها الجنة فانها كانت بنبيك مصدقةً وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهـم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين, وعرق منا الجبين, كشر الانين والحنين. اللهـم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب, وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات, وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي, واذا توعد عفا, وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لنا ولها، واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلها الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف وليد سيد احمد في السبت 11 يوليو 2015, 5:25 pm

لها الرحمة والمغفرة وان يجعل الله البركة في زريتها ياحنان يامنان  واكرمها بأعلي الجنان بفل رمضان شهر الغفران


" />

..

مشرف المنتديات الإدارية


وليد سيد احمد
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 170
نقطة : 1536
تاريخ التسجيل : 07/12/2014
العمر : 49

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأحد 12 يوليو 2015, 12:10 am

حاج بامسيكا.. شيخ سوق المصنع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا شيء يزدحم في العيون في كل الوقت؛ مثل منظر مصنع سكر حلفا الجديدة، وهو مخضراً؛ هاشاً وباشاً، وبين مضاربه يسوح الجميع في دعة وحبور وسلام وأمان.. ما أجمل وأبهى تلك المناظر التي نكحل بها عيوننا وهي تبصر من خلال أحلامنا ورؤانا بين الفينة والأخرى، وفي ذلك يقين وشعور بالارتياح لطالما حياتنا تمضي كأمواج البحر بين مدٍ الأفراح وجزرٍ الأتراح لا تبقى على سكون.
وكل مشهد قديم تبقى له رائحة وذكرى لا تفارق القلب، وإن إنطوت الأيام على غياب.. رائحة الدعاش والرشاش والطين والمطر وصوت الرعد وضوء البرق الشالع من بين أطراف المكان ينثر تباشيره.. نجترح كل ذلك على محبة ونضمر الوقت لمفازات المنام والصحو، وعبر المسافات الني نشتهي طيها في كل لحظة قرباً لمسقط الرأس الذى لا نهوى سواه.
ونحلق في الصباحات والمساءات على أنغام تلك الذكريات الطريرة التي يفوح عبيرها ويضج ويضيق بالحنايا.. كل ذكرى تنثر شوقها المكنون وفرحها الرشيق والمُنتشٍ بلقاء، مثلما كنا أكثر إرتياحا وحبوراً ونحن نعانق كل المصنع ذات يوم بين هنيهة أفخاذ الذات والروح والجسد، واللحظات الندية التي انطوت كالخيال وبللتها دفقات الدمع الهامي بين كل لحظة وأخرى، كما ظلل سيماء أوداجها أروع خلق الله ببلدي. 
ولا نحيد عن صراطنا، ومن ثم نحمل ركوة الذاكرة ونمضي بين أتون حريق أشواق تصارع فيضها الطافح في سفر لم ينته من حكاوى الزمن الجميل نسجها نول الأيام على عصب خواطرنا وقلوبنا  وسُرَّة روضة بلدنا، عسى ولعل أن نغسل أدران الحاضر ومثالب الغياب وبعض ترهات أوجاعنا حتى نتزود من جديد بطاقة حب من عبق حضور أهلنا الفاتن.
في زمان مضى من تاريخ بلدنا كانت جغرافية أركان سوق المصنع تمور بعمالقة من جيل الرعيل الأول من تجار البقعة الخضراء.. أولئك الأفذاذ الذين قامت على أكتافهم حيز رقعة المصنع الماثلة الآن في بهاء البلد.. شهدنا جزءاً كبيراً من حراك تلك الفترة الفتية والمزدانة بكريم أعمال شخصيات فذة لا تزال جلائل عملهم تتحدث عنهم بكل فخر وعزة.. على سبيل المثال ليس الحصر المرحوم سعد سليمان محمد، والمرحوم عثمان البشير أحمد البدوى (بامسيكا)، والمرحوم عبد الرحمن حسن المواطن، وعثمان الحاج، وزمراوي، والمرحوم الرزم، والمرحوم عبد الرؤوف سعيد، والمرحوم عم قمر الدين، والمرحوم الكاروري، والإخوان بشير واسماعيل زكريا، وأحمد القاضي، وغيرهم من الفطاحل.
في وسط ذلك الجيل المعتق والمعلق قلبه بهم اقتصاد وتجارة المصنع، برزت شخصية فذة ومختلفة وذات طابع فريد، ويرجع إليها الفضل في قصب السبق في كل ما نراه.. وتحس في متجرها كأنك في أودية البطانة ذات الخير والجمال والحضور الوضاح.. تشم رائحة أجواء البطانة على وجه الخصوص؛ رائحة الباشندي والتبر وقناديل الذرة وقطعان الأبقار والضان والماعز والسعية واللبن ورائحة القهوة.. مشاهد شتى براقة تتخليها وأنت والج نطاق المتجر لغرض ما.. ربما من بينها تكاد تسمع أصوات طيور البطانة بأنواعها العديدة؛ طير الجنة، طائر الزرزور؛ ذكره ود أبرق وأنثاه عشوشة، والخضاري بنوعيه الأحمر الصغير والأزرق الكبير، أم قيردون، والقطا، والقماري، وطائر الكتر، والسقد، والرهو الموسمي، وطائر البقر، والصقور بأنواعها المختلفة، وغيرها من الطيور الأخرى التي تعمر أرض البطانة.
هكذا أتخيل كلما قادتني قدماى نحو (دكان بامسيكا) الواقع تقريباً في وسط جنوب السوق حينذاك.. لذا أحس بالراحة والدفء، واختار ما يروق لي من سلعه الوافرة، والتي كان غرضي فيها لا يتعدى بعض الأعشاب وغيرها من أشياء أخرى تكون للأسرة.. وزد على ذلك، لكن أتذكر على نحو خاص كنا مولعون في تلك الأزمنة الباهية بشراء المحابر، وأقلام الحبر والرصاص وقلم الجاف الأحمر، والصمغ، وبعض الكراسات.
ولم يكن الحاج باميسكا غريباً على المكان عكس جيل الرعيل الأول الذي جاء أغلبهم من مناطق بعيدة عن أرض البطانة.. وهذا ما كان يميزه على نحو كبير، فهو خبير والصق بطبيعة وتاريخ وجغرافية البلد على نحو واسع ومختلف عن جيل الروّاد.
ومن قرية أم رهو شمال الواقعة على ضفة نهر الاتبراوي الغربية، وشرق شمال سكر حلفا الجديدة، والتي تقع على بعد 17 كليو متر تقريبا.. جاء الراحل المقيم عثمان البشير أحمد البدوي المشهور باسم (بامسيكا) متأبطاً بفخر وشجاعة وتواضع خبرته الوسيمة في تاريخ وجغراقية بقعة أقليم البطانة الشاسع المسافات والمتباعد الأطراف التي ساعدته على التكيف والتأقلم بسرعة مع عوالم مدينة المصنع الجديدة وأهلها الجدد الذين لا يشبهون أهل البطانة الا في خُلقهم واندياحهم وأرواحهم الهميمة ببناء البلد الجديد.
وجاء الراحل بامسيكا تاجراً يبغى رزق الله في الأرض الجديدة بمعية أسرته التي شكلت عمقاً في التعاضد والتآلف مع الأسر الأخرى بحى التجار، وغدت من الأعمدة الرئيسية في قبيلة المصنع الكبيرة، وعرفت بأسرة بامسيكا ولا تزال في ذات الطريق تنهل في عملها الكبير وترفد اقتصاد المصنع بكل حيوية وتفانٍ، كما رفدت المصنع بعدد من العاملين الذين ساهموا مع الآخرين في بناء المصنع.
كعادتهم دوما كما سدرة أم رهو؛ إخبات ودماثة وهم في مسير إدلاج البطانة، وهذا عهدنا بآل بامسيكا منذ أن توطدت حياة الناس ومعاشهم في سوق المصنع. 
شبوا على مبادئ عميد أسرة تربى على نهج البادية وتلك الطرائق التربوية القويمة التي إنتجهت الصرامة والحزم والشدة واللين في ذات الوقت.
ومثل الحاج بامسيكا رحمة الله عليه مركزية صلبة ودعامة ثابتة تأسست عليها علائق التجارة بين أفراد السوق في تلاقح وتقارب لم يكن له مثيل في سمت الخُلق وسماحة البيع والشراء والتعامل والتعاون مع العاملين في المصنع الذين كانت لهم مكانة وتقدير في فناء متجره العامر بفيض المحبة والكرم.
ويعتبر الحاج بامسيكا أول تاجر تطأ قدماه أرض المصنع في مطلع عقد ستينيات القرن الماضي، إذ غامر بكل ما يملكه من رأس مال في الأرض الجديدة التي لم تستقر على حال معين.. ولقد وضع اللبنات الأولى لسوق المصنع بدءً من أول مكان شغله السوق في منطقة جنينة الفواكه الآن التي تقع شرق المصنع حتى انتقاله إلى مكان آخر، واستقراره أخيراً في المكان الحالي.
مما يذكر أن آثار سوق المصنع القديم المجاور لجنينة الخدمات لا تزال ماثلة توضح الكثير من معالم أول سوق أنشأ بمدينة المصنع مواكبة لأعمال الإنشاءات الأولى التي صاحبت تشييد مبنى المصنع أولاً حسب الخطة الموضوعة من قبل إدارة مؤسسة السكر والتقطير وقتذاك، ومن ثم توالى العمل وتغيرت جغرافية المكان حتى استقرت على ما عليه الآن.
ورحل الجسد الضامر والنحيل، والذي قام على عافيته وفكرته بناء مرافق ومحلات سوق المصنع في يوم 25 من شهر رمضان المبارك للعام 1414هـ، ووافق ذلك شهر مارس من العام 1994م.. وغاب المؤسس الأول لسوق المصنع الكبير العم عثمان البشير أحمد البدوي بعد حياة حافلة وزاخرة بالعمل والجهد قضاها في صيانة ورعاية التجارة بالمصنع في التزام صادق ونبيل على مشوار بدأها بحب لأرضه البطانة.
على قدمٍ وساقٍ، ورؤية ثاقبة وسديدة وصائبة، ساهم الحاج بامسيكا في توطيد أركان سوق المصنع في كل الأمكنة التي أستقر فيها لوقت قليل إلى حين مستقره الاخير، والذي عُرف به أكثر في وقت قامت فيه التجارة على العرض والطلب فقط بعيداً عن حيل التطفيف، والاحتكار، والسوق السوداء، وسوق سقط المتاع، كأنها سوق خيري يصرف أرباحه في وجوه الخير لذا ربحت تجارته وسمت حتى أثمرت الكثير.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، الحاج عثمان البشير أحمد البدوي، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وأم رهو والبطانة، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان ممؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 13 يوليو 2015, 12:01 am

حاجة النيل.. وهل يُخفى القمر؟




رياح يحتدم حراكها ويتعالى عزيفها على نحو يدعو للريبة والانكسار.. والليل  قطعة متقدة من جمر الحنين ونار الأشواق.. وطوفان يحتشد على تخوم الذاكرة حتى أحالها إلى خراب ووقائع من سواد بهيم.. لا شيء يلوح في الأفق سوى ضوء خافت يسعى جاهداً لمحاربة ضباب الروح الماثل.
تفاصيل ما حدث وسيحدث كلها تتشابه في القتامُ أياً كان سواء سحب الغبار الأسود العالق أو الظلاَم كثيف السواد أو حتى ذاك النهار الجاف الذي لا تخلو موجاته العابسة من هذا الاِكفِهرارُ، لذا أي إشارة تبحث عن الدفء ما هي إلا محاولة، ربما يحالفها النجاح أو الفشل.
وفي حيز الوقت تتبدد أشياء وتنمو أخرى على ضيق البين وخيال يصعد بعنف كأنه أَشأَمُ من غراب البين.. ولكن القلب بينَ بينَ يرعى بتُؤدة وهدوء ممعن في الهروب صوب رقعة تمتد ما بين الأرض والنجوم... بغتة ينطلق صوت حنين يعمر السكون بنواح.. سجع ملائكي الحضور لقُمرِية جميلة المنظر ذات بيان موسيقي عذب وجسم رشيق تقف على رأس حائط وسط تلك البيوت.
ويسافر القلب في ضراوة الحنين متزملاً بنداوة ذلك الصوت.. ويأخذه المكان برهبته.. ساعة يسترجع الذكريات ويقف على روح الراحل المقيم عبد اللطيف الكرف، وساعة أخرى يهيم في الفضاء الواسع الأطراف والممتد بظل ظليل كان ذات يوم مثوى لعدد من ربات البيوت.
وجاشت العين وفاضت بالدموع، وكذلك النفس بالإِضطراب والفزع، والصدر بالهمُّ.. وتدفقت الذكريات وهاجت النفس بالكثير.
وقدسية المكان تعلو على كل شيء.. ساحة تمور بالحراك وأصوات نساء ماجدات في أقدارهن ومكانتهن احتلت حيزاً مقدراً من قلوب  الناس كما الأرض يومذاك مجاورة لمنزل عبد اللطيف الكرف رحمة الله عليه، والذي يأخذ ناصية ذلك الشارع العريض والممتد على فضاء الفسحة الكبيرة والتي منها يمكن للشخص أن يرى جل حى البركس في مشهده الرائع.
وفي تلك الأرض الفسيحة، شهد المجتمع سوق صغير تعارف الناس على تسميته بسوق (الحاجات) أو سوق البركس، والذي ينعقد في الصباحات الباكرة ويغلق أبوابه المفتوحة بمقدم ظهر اليوم أي في نهايات ساعات الضحى أوان ميلان شعاع الشمس الساطعة في تلك الأنحاء إلى جهة الشرق الجغرافي.
وفي ذلك الوقت من عقد الستينيات من القرن الماضي بدأ سوق البركس كبؤرة صغيرة لنساء عديدات وفارعات في مقاماتهن ومتساويات في عرض بضاعتهن، معتمدات على عون الله تعالى وظل الصباح المديد.
ونشط حراك هذا السوق الصغير المواز لحركة (ترلة الخضار) ببركة النفوس والأجساد النحيلة في هذا الموقع، وفي ذات المكان الذي تحتله حركة بيع خضار قسم الخدمات الاجتماعية زمانئذ.. وفي وبين ظلال هذا السوق المائج برز نجم نساء كُثر مثل الراحلة حاجة النيل، وفاطمة رفاعة، وحاجة آمنة بليل، وحاجة تسابة، ونفيسة بيلو، وآخريات سطرن أسمائهن بمداد من ذهب، وخلدن أنفسهن في ذاكرة مدينة مصنع سكر حلفا الجديدة.
كنَّ مجموعة صغيرة ومتفاهمة ومتعاضدة يشعلن فناء السوق بعبقرية فذة وحركة فاعلة ومتممة لدورهن الاجتماعي في بيوتهن ووسط الحى، حتى التأم بعونهن اجتماع البركس في مودة وفضل واستقر على حياة رخية.
على غير العادة، جاء سوق البركس الصغير كواحد من الابتكارات والحلول العملية التي وسمت البلد بنوع مختلف من التجارة، بدأ غرائبياً في سمت مظهره بين وسط مجتمع يميل للمحافظة على تقاليده، وإن لم يشذ عن قيمه الأخلاقية وأعرافه.. كما لم يكن مجرد تجمع للتسلية وإزجاء الوقت فيما لا يفيد بل كان فكرة واقعية تجسدت في توفير حصة رفدت حراك المجتمع بنحو لافت بالجديد.
وزاد نشاط أولئك النسوة في تضامنهن مع أزواجهن في مدافعة رهق العيش ومغالبة هموم المعيشة والحياة، وبذلك سدن فراغ لا يُملأ في أزمنة البدايات الأولى لتأسيس مشروع سكر حلفا الجديدة ضمن شغيلة عضت بالنواجز على صناعة الحلم الكبير؛ مشروع سكر البطانة.
ولم يكن السوق منشغلاً ورائجاً ببضاعة السلع الاستهلاكية وحدها، بل كان في المقابل هنالك لقاءات عفوية يتم فيها تناول أخبار البلد الصغير في أفراحه وأتراحه وغيرها من الأنشطة الأخرى التي تميز بها المصنع. 
ضمن نساء البركس برزت امرأةُ نادرة تعرف قدر نفسها، وفي مجال مغاير غير دورها الاجتماعي، واختلطت بالناس بحب عميق وجزل، وحملت معول العمل وطافت بالحى مبشرة بواقع وضرب جديد لم يألفه المجتمع من قبل.
هذه واحدة من نساء المصنع الطيبات والشريفات، والتي يعود إليها الفضل في تأسيس أول سوق للحريم بالبركس، كإساهم فردي كبير خلدت به نفسها في تاريخ المصنع وسفره العظيم .. امرأة طيبة الروح، والأنفاس ومن مضغة طين الشمال وذات جهد وافر وطاقة جبارة ومقدرة فاعلة في تجارة المصنع القائمة على التنوع في العرض  والطلب.. وذاع صيتها وانتشر عبر الأفاق والأمكنة وبانت بصمتها الجلية التي لا تخطئها العين على نطاق واسع عبر تلك التجارة الصغيرة المتواضعة.
وبهذ تأتي سيرة حاجة النيل أحمد بابكر رقيقة وغضة وعبقة ومقرونة بسيرة الخالد فينا بعمله الطيب في مشروع التأسيس زوجها محمد عباس سعيد، والذي انتقل إلى رحاب الله في العام 1979م بعد حياة مليئة بالكفاح في سبيل بذر بذرة مشروع السكر حيث عمل في قسم الترحيلات سائقاً.
وتلك مسيرة مثقلة بالنضج والتعب والسهر والكفاح لم تنته عند الراحل المقيم محمد عباس سعيد رحمة الله عليه ولا زوجته النيل أحمد بابكر، إذ امتدت ولا تزال تمضي بذات البهاء والنضار والتضحيات من خلال أنجالهم وأحفادهم بمصنع سكر حلفا الجديدة مساهمة في دفع ضريبة الإنتاج وغرس قصب السكر في حقول المصنع الواسعة الأطراف.
وحياة بمثل هذه الحفاوة والإشراق لن تنتهي، بدأت على ضفاف نهر النيل أطول أنهار العالم، ولا تزال مستمرة على ضفاف نهر الاتبروي العظيم عبر سلالة الأحفاد.. من قرية بانقا المحطة، البقعة الخضراء الصغيرة الراقدة على حضن النيل.. ومن هناك نبع هذا الألق ودم شريان الحياة وتدفق على حقول السكر بكل حب وعزيمة.
وجاءت حاجة النيل رحمة الله عليها إلى المصنع تحمل روح مواثيق حضارات قديمة موغلة في القدم من منطقة عرفت بالكثير في تاريخ البلاد على امتداد ممالكها الحضرية الكثيرة والتي عبرت عن وعى إنسان المنطقة منذ زمان باكر يمتد إلى ما قبل التاريخ.
وبذلك الوعى المبكر والورح الأبية اقتحمت عوالم المصنع الاجتماعية حتى حملت لها اسماً له رنين وجلبة، ولا يزال خالداً في ألسنة الناس يقاوم النسيان بثبات عريق.. امرأة باهرة، وقائدة من الطراز الفريد، وساحرة الحسن، وآسرة الجمال، كواحدة من ضمن منظومة العقد الفريد اللائي صنعن مجد المصنع بصمت وجهد كبير لا مثيل له وسط نساء عرفن بقوة الشكيمة والبسالة واجتراح الجديد وعدم الركون إلى الضيق والراحة والظروف القاهرة.
وأسست حاجة النيل سوق البركس برمزية الفكرة، وألمعية الذكاء الفطري، ورأس المال الشحيح، والنفس صاحبة المراس الصعب، التي لا تميل إلى الهروب نحو الإنصراف والقضايا غير المجدية.. وعبر ذلك المال البسيط شحذت فكرتها وانطلقت اجتماعيا واقتصاديا وسط نساء الحى حتى جذبت آخريات في كيفية توظيف ذلك الفراغ في عمل مفيد يعود صالحه للأسرة وللبلد في منتوج أعلى قيمة نوعية.
ونهضت بهذا العمل الكبير في البدء بمفردها وسط أستغراب ربما من المجتمع لأول حالة تسود البلد ولكنها العزائم التي لا تقيف أمامها عوائق وصعاب.. وتحدت تابو القيم والمجتمع التي كانت تعيق من عمل المرأة بجسارة لا توصف، وغدت صاحبة الفكرة أول من قام بشق صمت المجتمع بعمل جليل أخذ قدره وقيمته بمرور الزمن.
وتعد حاجة النيل مفخرة وصنديدة في مجابهة تلك الظروف التي تحدتها حتى صانت نفسها ومجتمعها بطهر وشرف مرتقية بمجتمعها نحو المثل العلياء والأداء الفاعل في المشاركة مع الجميع في سبيل نهضة بلد في بداياته يشق طريقه نحو العزة والكرامة.
ومع ذلك العمل الدؤوب، لم تنقطع حاجة النيل عن دعم دورها الاجتماعي في علاقات ربطتها بالكثير من أهل البركس والمصنع قاطبة حيث رفدتها بالتواصل المستمر ولم تتحجج بأعباء العمل وظروفها.
وأضحت حاجة النيل رمزاً حياً من رموز المصنع في تلك الأزمنة التي شهدت الميلاد الفعلي لقبيلة المصنع الكبيرة والتي من خلالها عملت بصبر وخٌلق ومودة، وغرست غرسها ومضت أكثر إخلاصاً ونضارة.
ورحلت صاحبة البصمة التي لن تتكرر، ورائدة سوق البركس حاجة النيل إلى الرفيق الأعلى في شهر رمضان الكريم من العام 2006م، مخلفة ذكرى طيبة وعطرة لسيرة راسخة من العمل الاقتصادي والاجتماعي والإنساني امتدت إلى سنوات طويلة منذ تشييد وتأسيس مصنع سكر حلفا الجديدة حتى تاريخ غيابها الفاجع.
اللهم أرحم أمنا جميعا، الراحلة المقيمة، طيبة الذكر، حاجة النيل أحمد بابكر، وتقبلها قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرتها وأحبابها وعارفي فضلها، وأهل سكر حلفا الجديدة وبانقا المحطة بنهر النيل، فقد كانت عَلَماً يُهتدى بها في حالكات الدجى.
اللهم ابدلها دارا خيرا من دارها واهلا خيرا من اهلها وادخلها الجنة واعذها من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهم اجزها عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كانت محسنة فزد من حسناتها, وإن كان مسيئة فتجاوز عن سيئاتها. اللهم ادخلها الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسها في وحدتها وفي وحشتها وفي غربتها.
اللهم انزلها منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزلها منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة, ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح لها في قبرها مد بصرها وافرش قبرها من فراش الجنة. اللهـم اعذها من عذاب القبر, وجاف الارض عن جنبيها. اللهم املأ قبرها بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنها فى ذمتك وحبل جوارك وقها فتنة القبر وعذاب النار, وانت أهل الوفاء والحق فاغفر لها وارحمها انك انت الغفور الرحيم. اللهم انها كانت تشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم بها. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمها ولا تعذبها. اللهم اّتها برحمتك ورضاك وقها فتنة القبر وعذابه وأّتها برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثها إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقلها من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها وثبت علي الصراط اقدامها واسكنها في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنها من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسها أّمنة مطمئنة ولقنها حجتها. اللهم اجعلها في بطن القبر مطمئنة وعند قيام الاشهاد أمنة وبجود رضوانك واثقة وإلي أعلي درجاتك سابقة. اللهم اجعل عن يمينها نوراً حتي تبعثها اّمنةً مطمئنة في نور من نورك.
اللهم انظر اليها نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنها فسيح الجنان واغفر لها يا رحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنها فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انها جاءت ببابك وأناخت بجنابك فَجْد عليها بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمها رحمة تطمئن بها نفسها وتقر به عينها.
اللهم احشرها مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشرها مع اصحاب اليمين واجعل تحيتها سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشرها بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعلها من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيها عليك ولكنا نحسبها انها اّمنت وعملت صالحاً فاجعل لها جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيها نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائه واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُ.
اللهم اجعلها في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنها صبرت علي البلاء فلم تجزع فامنحها درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انها كانت مصلية لك, فثبتها علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انها كانت صائمة لك, فأدخلها الجنة من باب الريان. اللهم انها كانت لكتابك تالية وسامعة فشفع فيها القراّن وارحمها من النيران, واجعلها يارحمن ترتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأتها أو سمعتها وأخر حرف تلته. اللهم ارزقها بكل حرف في القراّن حلاوة, وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمها فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنةً. وادخلها الجنة فانها كانت بنبيك مصدقةً وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهـم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين, وعرق منا الجبين, كشر الانين والحنين. اللهـم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب, وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات, وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي, واذا توعد عفا, وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لنا ولها، واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلها الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).



ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 13 يوليو 2015, 9:58 pm

محاسن المرشدة.. طُرُوس المعارف والمحبة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في غضون أيامنا بمصنع سكر حلفا الجديدة ثمة أناس تتمهل ريثما تنطق بأسمائهم، مهما إنعدمت وتلاشت درجات رفع الكلفة بينك وبينهم.
ليس من الصعب ألا تستطيع أن ترسم ملامح واضحة لتلك الحقبة التي تسنمت فيها والدتنا المرحومة محاسن الأمين بدري دفة قيادة العمل الإجتماعي على كافة الأصعدة. هنا وهناك، كثيراً من المشاريع التي وطدت حياة الناس بالمصنع واتصلت بمعاشهم وهمومهم وترفيههم وترقية سلوكهم، كانت شاهدة على حضورها الطاغي وتفاعلها المميز مع جميع قضايا الناس.
وقد أولت المرحومة محاسن إهتماماً كبيراً بريفي مدينة المصنع. وكانت تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً كَمَا يرزُقُ الطَّير في نواحٍ القرى الزراعية ولا سيّما التي تحتاج إلى إهتمام ورعاية، وساهمت بذلك في ترسيخ دعائم إنتاج شغيلة الريف برفده بغزير تجربتها الثرة التي إختمرت من خلال مكونات شخصيتها الفذة حيث بزت الناس بكرمها الذي لا يوصف للحد البعيد. 
وكان بيتها ملتقى جامع لأهل المصنع بصفة عامة وأهل حى الموظفين بصفة خاصة، وهذا مسار حديث لا ينتهي، ومثار نقع علق بالثريا. ولكن الذي ميزها فوق ذلك، تعاقب على مملكة كرمها كثيراً من أهل السروراب وأصبحوا جزءاً من مجتمع المصنع مما عرفهم بأهل السروراب عن قرب، وكما في ذات الوقت نقلوا ثقافة المصنع إلى أهلهم بالسروراب والنوبة بالريف الشمالي بأم درمان، فكانت نقطة إلتقاء وعلاقات اجتماعية لا تزال وشيجة المناسج.
قياسا بقلة تعليم البنات في تلك الفترة، نالت المرحومة قدراً كبيراً من التعليم، وربما يرجع ذلك لأهمية العلم في حياة أهل الريف الشمالي خاصة إذا علمنا أن أول مدرسة لتعليم البنات في السروراب أُنشئت في العام 1923م، وهذا ما يقدح في سيرتها التعليمية الحافلة والنيرة، والتي أضافت إليها مدداً عظيماً من فترة دراستها بالمدرسة الاميرية بنات بأم درمان.
وما نالته أمنا المرحومة محاسن من تعليم في باكر حياتها، ساعد في تأهيلها للانتظام في السلك الوظيفي في قسم الخدمات الاجتماعية بسكر حلفا الجديدة. ومن ثم أُسندت إليها مناصب قيادية عديدة، علاوة على مقدرتها الفائقة في إجادة ناصية الكلام وملكاته، حيث شهدت المسارح والمناسبات العامة سجالاً ممتداً بقيادتها الماهرة.
وإن كان المركز قد حرم الهامش من حقوقاً تاريخية كثيرة، لعل أخطرها نكران الحق الأدبي لكثيرين أثروا العمل في الأرياف بدلاً عن رفاهية المدن المتخمة بالثراء والإسراف.. فسلط الإعلام الضوء علي كثيرين بفعل تلك المركزية الرعناء لا بفعل ما قدموه للمجتمع من عمل حقيقي ملموس، وإن كنا لا نقصد الإنتقاص من دورهم، ولكن نحسب أن ما قامت به الوالدة محاسن من تفانٍ وإخلاص وعون في رعاية الأسرة والطفل ودعم التنمية الريفية ودفع عجلة الإنتاج وغير ذلك من جلائل الأعمال التي قامت بها بلا من ولا أذى، وبعزيمة ونكران ذات، فإن بعض من ذلك لهو كفيل بوضعها علي قدم المساواة مع من إشتهرن كرائدات لنساء السودان. لما لا، وهي المؤمنة والمدركة لأهمية ودور التنمية الزراعية والصناعية المختلطة في تطوير المجتمع وتحقيق رفاهيته. وفي ذلك يسبق عملها قولها، وهي المسكونة دوما بهموم الناس بلا عصبية مذهبية أو قبلية تقدح في شخصيتها الكاريزمية الفذة.
ومن منا ينسى أعياد العلم والأم والطفل والمرأة، وكل ما يتصل بالقضايا الاجتماعية، والتي مثلت فيها بعداً تنموياً وتثقيفياً لا يستهان به ولا يقدر، ومن خلال وظيفتها إستطاعت أن تقدم الكثير للإرشاد النسوي ورياض الأطفال ليس على مستوى مدينة المصنع فقط، بل فاق عطاءها تلك الدائرة وإنداح منثالاً كالمطر إلى المجتمع الريفي على هامش المدينة في القرى الزراعية التي تمتد على طول إمتداد المشروع الزراعي.
وذاكرتنا مليئة بنضيد أفعالها الباهرة في نهارات وليالي المصنع الباذخة والباتعة. لوحدها كانت مؤسسة كبيرة، شيدت قلاعاً للمعرفة وغرست غرساً طيباً في ملاعب وجنان رياض الأطفال ومجالس الإرشاد النسوي وحجرات محو أمية الكبار وتعليمهم. ونالن أمهاتنا تعليماً أنار عقولهن بفك الخط والتفقه في الدين وحفظ القرآن الكريم، وتعلمن مع ذلك صناعة الحرف اليدوية والمشغولات والمنسوجات، وشاركن في المعارض بفعالية ونشاط جم، وبأيديهن صنعن المعجزات، وأصبحن حديث الناس بدقة صنعتهن وتدريبهن المهني، الذي ما أنفك منهجاً منمقاً وتراتبية متصلة ومتقنة في تعليم الناس في عهدها الزاهر.  
بالطبع، هذا نموذج لصناعة وتطوير التنمية الاجتماعية والريفية، ولعلي لست مخطئاً إن زعمت بأنه من أوائل النماذج المشرقة في بلادنا، وأحسب لو أن هذا النموذج طبق في مناطق بلادنا المختلفة لكف السودان الكثير من المشاكل التي يمر بها الآن، لتفرده ونجاحه في ضم نسيج مختلف الأعراق والأشتات والقبائل في مجتمع منصهر وبوتقة واحدة، لا تحس فيه بالفوارق الأثنية، ولعله الآن يحتاج إلى مراجعة من الجهات الرسمية بالشركة حتى يستوي عوده ويصدر كتجربة ناجحة وإستثماراً يضاهي سلعة السكر في عائده أملاً في إخماد نار الفتن التي تتأجج يوما بعد يوم، وفي معالجة بؤر النزاعات والحروب والنزوح والتشرد والفقر والأمراض المستوطنة، وغيرها من علل المناطق التي تحتاج إلى تنمية عاجلة تعيد لبلادنا ألقها ونضارتها. 
كانت في عادتها في العمل، أن تشركنا في مشاريعها وعملها الرسمي بين الفينة والأخرى، وتفتح بيننا أبواب النقاش بصورة ديمقراطية، وكأننا موظفين تحت إدارتها على الرغم من قلة تجربتنا، ولا تخشى في ذلك لومة لائم أو تدخل مسؤول. وأكاد من فرط إهتمامي بهذا الأمر، أن أذكر الكثير من ملامح نشاطها العام الذي يبدأ من خلال دوام عملها اليومي الممتد من الصباحات الباكرة إلى الساعات المتأخرة من الليل دون تهاون ولا تقصير ولا راحة أو إستهجان، تترك لنا بعض المهام الصغيرة على مهل، وبذلك تعرفنا على كل القرى الزراعية بمعيتها ضمن نشاط برامجها المتصلة التي لا تتوقف طيلة العام.
ومعها تعرفنا ونحن صغاراً على الثورة الارترية وثقافتها وتشربها في أرض المشروع والمنطقة عموما. وضمن تلك الاحتفالات التي كانت تقام في المناسبات والأعياد المختلفة، مر بخاطري احتفال أقيم خلال نهايات عقد السبعينات في مسرح إحدى القرى الزراعية حيث إعتلى خشبة المسرح المشاغب عبد الله قنونة بقامته القصيرة التي تميزه عن أخوته، وغنى بصوت جهوري أغنية (ارتريا حرركو) الثورية التي تنادي باستقلال ارتريا عن اثيوبيا في حربهما الضروس التي إستمرت من 1952م إلى 1991م حتى تحررت ارتريا كما تمنى لها قنونة.
وفي ذلك الزمن الباكر وعينا بالقضية الارترية، بيد أن الأمر لم يكن حشراً لارتريا بلا طائل بل المقصود إتاحت الفرصة للجميع بالتساوي في بلاد الفرص المتساوية، والتي وجد الناس ضالتهم فيها على إختلاف ضروبهم وقبائلهم السودانية، وأوطانهم؛ اثيوبيا، ارتريا، اليمن، الصومال، مصر، نيجريا، موريتانيا، تشاد، زائير، يوغندا، المغرب، الجزيرة العربية، وغيرها من بلاد الله، وكان المعيار بين الجميع هو العمل والتفاني من أجل المصنع بغض النظر عن اللون والوظيفة.
وهذه واحدة من الإشراقات التي تفتحت عليها مداركنا، وتوفرت بفعل المشروع الفسيح، حيث أتاح للجميع العيش برحابة ومودة دون أحن وضغائن وضيق مهما كان من هو الآخر المختلف عنك سواء في الوطن أو القومية أو الدين أو القبيلة أو اللون أو اللسان. وتأقلم الناس جميعا بسرعة مع الاوضاع الاجتماعية الجديدة التي إنتقلوا إليها في أرض المصنع، متناسين ثقافاتهم وتقاليدهم القديمة مما ساعد في إنصهارهم على وجه السرعة دون مناداة أو مناشدة من أحد أو تدخل لإدارة المصنع. ولاحقا لعبت ظروف كثيرة في تماسك هذا النسيج واتحاده في مكون واحد وكتلة تسمى (ناس المصنع)، وما تزال تأخذ بهذا المسمى والطابع في سرمدية مدنية وريفية متصلة ومستقرة، رغم تفرق الكثيرين منهم في أصقاع الدنيا والبلاد خاصة.
ومن النماذج المشرفة التي نفخر بها، والتي لعبت الراحلة المقيمة محاسن المرشدة دوراً كبيراً فيها، أن المصنع أنجب المغني النوبي عاصم ختام.. وترعرع عاصم ضمن الموهوبين الذين نالوا نصيبهم رعايةً وإهتماماً في إحتفالات المصنع التي تقيمها الإدارة بين الحين والآخر تماشياً مع خدماتها الاجتماعية المصاحبة للمشروع خاصة في برامج المهرجانات والكرنفالات السنوية والمستديمة التي هى لب عمل إدارة الخدمات الاجتماعية، حيث تتسم بالحراك بإعتبار إنها من الفعاليات التي عَجَمْتُ عُود البعض وصقلتهم وقدمتهم للمجتمع في شتى المواهب. وعاصم خير مثال لذلك، إضافة إلى الكثيرين الذين لا يسع المجال هنا لذكرهم.
وحتى لا ننسى من وراء هذه المرأة العملاقة، بالتأكيد لن نتجاوز العم عثمان خالد محمد زوجها الذي وفر لها كل سبل هذا العطاء والانجاز عن طيب خاطر. ونحن نقول وراء كل إمرأة عظيمة رجل خلوق مثل عثمان في دماثة خلقه وطيبته ورجولته وتفهمه لعمل المرأة رغم بعض محاذير المجتمع في ذلك الزمان. ولكن أيضا مثلت الأم الحنونة والأديبة والدتها حبوبة (السرة أم الظاهر) رحمة الله عليها، مساراً آخراً في حياة المرحومة، حيث دلفت بها إلى بحور وأبواب المعرفة والعلم والأدب. ولقد وجدت المناخ المثالي بين يدى والدتها غير مكترثة لوعورة الدروب في تلك الأيام، حيث كان عمل المرأة نوع من العيب بين أهل الريف والمدن جميعاً لندرته وقتئذ.
ومنحتها السرة ثباتاً وقوة وزادتها إصراراً على إصرار في تنكب الصعاب والعمل الشاق والمضني الذي إختارته عن قناعة وحب. وكل خطوة ميل مشتها في حياتها، دون شك مدفوعة بتشجيع ومساعدة كبيرة من والدتها.
ما يقال في حقها كثيرُ، ومداد الكلمات وأقلامنا الهشة لن توفي حق مقامها الرفيع، ولو سودنا صحائف الدنيا، فمقامها، قامة وهامة وجلال. 
بلا شك إن المرحومة علماً من أعلام المنطقة، بغيرتها ووطنيتها المميزة، ومنافحتها وكفاحها الجسور حيث أوقفت حياتها لخدمة السكر، ساعيةً لرفعته وتقدمه، متحملة في سبيل ذلك شتى ضروب المعاناة، فلم تزدها الأحداث إلاّ ثباتاً على الموقف وإستهانة بالتحديات وإصراراً على التضحية بعزيمة لا تعرف التراجع.
لقد ظلت الفقيدة الغالية تناضل من أجل تقدم ونهضة البلاد عموماً وقطاع السكر خصوصاً، منذ نهايات ستينيات القرن الماضي، وحتى قرننا الحالي، مبتدرة حياتها بمعالجة أوضاع النساء والأطفال المختلة أولا وأخيرا، وهى في عنفوان شبابها الذي لم يتوقف عن البذل والتضحيات حتى اللحظات الأخيرة من مرضها اللعين، وإختارت الإرشاد النسوي ميداناً لنشاطها، فمارستها بمهنية عالية ووطنية ساطعة، مسؤولة بجدارة وإقتدار، وسارت على الدرب غير هيابة ورحلت، وظل صوتها عالياً في كل المراحل والمنعطفات تصدح بكلمة الحق وتدعمها بالمواقف الصلبة التي لا تعرف التخاذل وأنصاف الحلول.
وضربت الأم عذبة المنهل محاسن الأمين، أروع الأمثال في السمو والوعي المعرفي بأصول التربية وأساليبها الموغلة في التعقيد. وقفزت على كل التوقعات والاحتمالات غير الممكنة، وفوق كل حواجز المستتر والمعلن في علاقتنا بالناس، مهما إشتد بها كرب وضيق وسوء ظن وإلتباس.   
ظني بها، حقيق على الإلتفاف إليها، كلما إدلهمت في حياتي خطب كريهة وتصاريف ملتوية وأنفاس متلاحقة. قريباً كنت للحد الذي لا يعلمه حتى هذه اللحظة، امير واميرة ومجتبى وخالد ومنى وآمنة وأسماء ومحمد، ربما، كما أتوهم شكاً باليقين، حتى عمي عثمان خالد.
وفي داخل بيتها الماهل كقلبها؛ رحمة ومحبة، أشترك في كل شيء ابتداءً من لدن تلك الأشياء الصغيرة حتى على مستوى ما يكون كبيراً ومحجوباً عن الناس، وهو بيتي يوم أن تفتحت عيناى على الحياة، لم أعرف ملاذاً مثله حتى يوم الناس هذا، ولن أجد.
بيتهم، كبيتنا تماما في داخلي، لا أطرقه ولا أتعب أناملي كلما ضاق بي المكان. أهرول وأمضي حيث تجلس؛ حيثما شئت طاب المكان. 
أهم بالرحيل كحالي دوما تجاهها في أوقات قيلولة النفس المتقلبة، وسموم الروح المحرقة، وأرخبيل الذات المهشم، وذهان القلق المقيت، ولا رضأ إلا في مضامير حنينها الأبدي. وإذ أجد نفسي بين يديها وبين سلطة (الموليتة).
والموليتة بين يديها طعام نادر ولذيذ ومغسول ببركتها، وله طقوسه في أيام الخريف الرطبة، وتحلو نفوسنا وتتسامى حول صحن خلوي المنبت وإنساني الصفوة. ونشتهي وأكثر من ذلك حتى خضرة الخلاء العجفاء والجافة الملامح والطاعمة تكون حضوراً. 
روحنا تميل إليها وهى في سمتها ووقارها وحنينها وحبها لنا، وكأننا خلقنا بين أحشائها كما تشتهي. صغاراً أم كباراً في حضرتها رونق من البهاء والصفاء، زمان الناس؛ نفاج بين البيوت، والديوان بابه مفتوح على الشارع حتى للهوام، ونوافذه مشرعة ومشاعة كما الهواء العنصر الديمقراطي. ومن فرط أناقتها الاجتماعية المميزة، مهما يكن من أمر جلل، لا تظهِر أو تعطي إنطباع بأن هنالك فارقاً زمنياً بين الكبير والصغير البتة. والناس طوع بنانها ورهن خلقها الرفيع. 
وعندها وفي بوابة معرفتها، تعلمنا كيف نتسامى مع الكبير ونتأنق في إحترامه وتقديره، وهي المرشدة حقاً للكبار والصغار علي الحد السواء. لم تأمرنا بضرب أو نهى أو زجر، كل ما تفعله تتركنا في فضاء حوشها الواسع المنافذ والحنين، نفعل ما يهوى عقلها وقلبها وقيم المجتمع وماذا تحب للمصنع، دون ضغوط وجنوح نحو الرضوخ لسلوكها الشفيف، وهكذا علمتنا إن المصنع هو بيتنا وسدرة منتهانا الأول والأخير.
بفعل انسانيتها الفخيمة، تربينا وتعلمنا بين جنبات وبطون الحوش الماهل، والذي كنا لا نبارحه إلا ونحن إرتواءً بـ(اللبن)، والكثير من كرمها الفياض، ويبقى الوعاء سجين نعم الله وطليق أيادي أمنا محاسن. وهذا ما دخرته لنا من لبنها الوفير ما وسع فيه عمنا عثمان خالد باله ووقته وجهده وماله. 
وللشاى في بيتهم طقس خاص. يبدأ كرنفاله وهجيجه منذ المساءات الباكرة. تفسح للنار مكاناً في أقصى أعالي الحوش الشرقية على منقد كبير تتوهطه (كورة) كبيرة تملأ باللبن الخالص حتى تستوي على جمر الفحم إستواء الحديد حتى يلين.
ويستوي الشاى بنار صبرها ولهب مُنمنماتها وجمر مقاماتها و(كولاج) منقدها الوهيط، بعد أن تدلق حباته على اللبن بدون ماء يعكر صفوه ومزاجه وطعمه، وهذه طريقة عرفناها عندهم، ولم نراها بعد ذلك، لأنهم أصحاب سعية وخير باسط.
لذا لم يكن غريباً أن يكون للشاى مهرجاناً عفوياً في مساء ذلك الزمن الجميل، وجلسات تمتد إلى بهيم الليل. وإعتدنا ونحن جلوسا أن تطوف بنا (البرطامنيات القلاد) أو (كبابي الشب) الكبار أو أن تقلصت مساحتنا ننعم بـ(كبابي عثمان حسين). 
كنا أولاد وبنات الحى حين يتطلب الأمر منا أن نصف لبعض أصدقاؤنا بالمدرسة منازلنا بحى خمسين بيت، لا نمضي بعيداً في الوصف، فقط كل ما نقوله: (بيتنا في شارع بيت محاسن المرشدة)، كما هم يعرفون ذلك. ومن النادر جداً، أن تجد شخصا بالمصنع لا يعرف هذا البيت العتيق، الذي ساهم بصورة مباشرة أو بأخرى في تربيتنا جميعا: أبناء مصنع سكر حلفا الجديدة خلال أكثر من ثلاثة عقود من الزمان.
وفي هذا البيت تفتحت أعيننا على الحياة ودروبها المتشعبة، تحت ظل شجرة سدرة (نبقة) البيت الوحيدة والمبذولة للجميع؛ صغاراً وكباراً، في تدافع لا ينقطع نهار كل يوم. نمضي سحابة يومنا كله في هز جذعها وأفرعها وأغصانها المتشابكة، لا نكل ولا نمل، لا أحد ينتهرنا أو يقطع لحظات ولعنا بتلك المهمة التي لا ينقطع سيل تكرارها طيلة فترة إجازات المدرسة حتى أيام الدوام المدرسي ندلف إليها خُلسة. ومن ثم نكمل لعبنا تحت شجرة الليمون، وهى الأخرى، مأوى حنين للمقيل، ومفازات شوق يعطنه الكثير من لهونا البريء.
وبحق حظيت إدارة الارشاد بأمراة دبيرة وقديرة في فن قيادة العمل الجماعي، لم تبخل بحركتها الدؤوبة وجهدها وإمكانياتها المهولة على منطقة معينة، بل شملت كل المجتمع بصورة يندر مثيلها في قطاع السكر.
وهذا ما يضاف إلى إنجازاتها غير المسبوقة والمعهودة في القطاع بأثره، وبرحيلها فقد السكر إمرأة نادرة في طريقة العمل وتنظيمه، وكما في طاقتها الوافرة وإخلاصها غير المحدود وتفانيها المديد غير المنقطع، وفي كيفية جمع الناس على العمل والإنتاج بمحبة ورضأ دون تذمر وتنطع.
لا ريب إن المربية الفاضلة محاسن الأمين رحمها الله، كانت إمرأة مخلصة ونبيلة سيذكر المصنع فضلها ومواقفها وأعمالها وإسهاماتها؛ إقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. فلها تاريخ ناصع البياض ومشرق ومنحوت في ذاكرة الجميع، ووشماً بايناً يرى للعيان في ظاهر كل أنحاء المصنع على إمتداد الزمان، لن تمحوه عاديات الظروف ومتغيراتها ولو بعد دهور. فقصتها، درس بليغ في الوطنية والإنتماء للناس، وفصول من التضحيات الكبيرة لدرجة قدرتها وتمكنها على الإستمرار في العطاء رغم أن المرض اللعين كان ينهش أحشائها بصورة مؤلمة وموجعة لنا ولها. 
ومع ذلك إحتملت الألم الشديد، ومضت في سبيل أن تنجز شيئاً للمصنع، وكانت تسابق الزمن وتصرع المرض بعزيمة لا تلين ولا تفتر حتى خارت قواها وهى ممسكة بجمر المصنع وقضاياه وإنسانه، مخلفة حزناً عميقاً متراكماً في النفوس، وجرحاً لا يرى دمه، وأسىً خالداً أبداً ما حيينا على وجه البسيطة.. وغابت عن أنظارنا بغتة في مطلع الألفية الجديدة في الخامس من شهر يونيو من العام 2003م.
اللهم أرحم أمنا جميعا، الراحلة المقيمة، طيبة الذكر، الإستاذة محاسن الأمين بدري، وتقبلها قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرتها وأحبابها وعارفي فضلها، وأهل السكر والسروراب والنوبة بريف أم درمان الشمالي، فقد كانت عَلَماً يُهتدى بها في حالكات الدجى.   




اللهم ابدلها دارا خيرا من دارها واهلا خيرا من اهلها وادخلها الجنة واعذها من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهم اجزها عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كانت محسنة فزد من حسناتها, وإن كان مسيئة فتجاوز عن سيئاتها. اللهم ادخلها الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسها في وحدتها وفي وحشتها وفي غربتها.
اللهم انزلها منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزلها منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة, ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح لها في قبرها مد بصرها وافرش قبرها من فراش الجنة. اللهـم اعذها من عذاب القبر, وجاف الارض عن جنبيها. اللهم املأ قبرها بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنها فى ذمتك وحبل جوارك وقها فتنة القبر وعذاب النار, وانت أهل الوفاء والحق فاغفر لها وارحمها انك انت الغفور الرحيم. اللهم انها كانت تشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم بها. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمها ولا تعذبها. اللهم اّتها برحمتك ورضاك وقها فتنة القبر وعذابه وأّتها برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثها إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقلها من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها وثبت علي الصراط اقدامها واسكنها في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنها من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسها أّمنة مطمئنة ولقنها حجتها. اللهم اجعلها في بطن القبر مطمئنة وعند قيام الاشهاد أمنة وبجود رضوانك واثقة وإلي أعلي درجاتك سابقة. اللهم اجعل عن يمينها نوراً حتي تبعثها اّمنةً مطمئنة في نور من نورك.
اللهم انظر اليها نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنها فسيح الجنان واغفر لها يا رحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنها فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انها جاءت ببابك وأناخت بجنابك فَجْد عليها بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمها رحمة تطمئن بها نفسها وتقر به عينها.
اللهم احشرها مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشرها مع اصحاب اليمين واجعل تحيتها سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشرها بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعلها من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيها عليك ولكنا نحسبها انها اّمنت وعملت صالحاً فاجعل لها جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيها نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائه واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُ.
اللهم اجعلها في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنها صبرت علي البلاء فلم تجزع فامنحها درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انها كانت مصلية لك, فثبتها علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انها كانت صائمة لك, فأدخلها الجنة من باب الريان. اللهم انها كانت لكتابك تالية وسامعة فشفع فيها القراّن وارحمها من النيران, واجعلها يارحمن ترتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأتها أو سمعتها وأخر حرف تلته. اللهم ارزقها بكل حرف في القراّن حلاوة, وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمها فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنةً. وادخلها الجنة فانها كانت بنبيك مصدقةً وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهـم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين, وعرق منا الجبين, كشر الانين والحنين. اللهـم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب, وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات, وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي, واذا توعد عفا, وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لنا ولها، واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلها الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 15 يوليو 2015, 1:35 am

عم ثاني.. كوكب القرنفل السيّار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المقارنة كانت إلى حد ما مقبولة وأكثر من مريحة وضاجة بالحركة في دواخلي.. حافلة من النوع المتوسط، ما يسمونها الآن، (طرادة) بالبلاد، مكتظة بخليط من الأجانب، على يساري، باكستاني، وعلى يميني امرأة إثيوبية تختلف عنا كثيراً في الملامح، أمامها مباشرة يقبع شيخ بحريني، وعلى يساره فتاة مصرية.. تلك أمامها وعلى يسارها اثنين من بلاد بنغلاديش، وأمامها فتاة وشاب من جمهورية كوريا استعصى علي معرفة الشمالية أم الجنوبية.. وعلى يمين السائق شابين بحرينيان، ولكنهما من العجم كما يبدو لي ذلك من خلال سحنتهما (اصولهما من ايران)، خلفي مباشرة اثنين من بلاد باكستان، وما تبقى تفرق بين شعوب الأرض خاصة بلاد آسيا موئل العمالة الأجنبية ببلاد البحرين. هذا المشهد اختزن في ذاكرتي من قبل، تقريبا منذ العام 2010م. 
في أحيان كثيرة تمر علينا مشاهد تعود بنا في التو إلى مراتع الطفولة سوى النزر القليل أو اليسير. هكذا يقبع في الذاكرة أشخاص لا تراهم عياناً بياناً بل تأتي الفرصة هكذا عابرة كبرق ينشط ذاكرة الرعد والمطر إيذاناً ببدء الخريف في بلادي.
بان في خاطري بين شهود لحظة تلك الأيام ووقف أمام ناظري بقوة العم ثاني أنيقاً كما عهدته وشاخصاً بنظارته الطبية وقلبه الأبيض يرسم خطاويه بدقة وقامته المربوعة تتسلل بخفة وأريحية، وأظنه ممدا جسده داخل الحافلة هكذا تراى لي ما بين بروق الذكريات أجمل ما فينا وأروع من رسم الابتسامة على محيا كل مصنعجي عبر بموقف المصنع – حلفا.
وتخيل لي وقتها بأن العم ثاني يخاطب هؤلاء القوم بلغاتهم كما كان يفعل ذات يوم بأرض المصنع بكل سهولة.. وتواتر علي الكثير من أعماله وقتذاك، وهو نشيطاً ومرحاً ومنفعلاً بمهمته من سيارة إلى سيارة حاملاً ظرافته ومودته وشغبه وضحكاته الهستيرية المجلجلة والتي تملأ فضاء الموقف وتحيله إلى ميدان واسع من مسرح الشخص الواحد.
لا نعرف على وجه الدقة متى أُفتتح خط المصنع – حلفا ، وكيف نشأ، ولكن يبدو أننا نتذكر كيف كان في طفولته وفي فترة ألقه الأولى.. تلك حقائق غائبة تحتاج إلى بحث عن تلك الفترة التاريخية المهمة من البدايات الاولى التي صاحبت تأسيس مدينة مصنع سكر حلفا الجديدة.
تلك محطة جديرة بالتوقف عندها، ومن المهم نبش أريج سيرتها ونثرها على الملأ، وإزاحة ركام غبار السنوات وشارع الترلات عن هيكلها الواقف بيننا، ولا يزال فارعاً في العطاء، كما هي التي تقف شاهدة على عظمة رجل ناضر الإيمان بفضله حيث بذل نفسه رخيصة عبر سنوات مديدة في عمل يأخذ أكثر من نصف ساعات اليوم حيت يمتد من قبل ساعة الفجر الأولى، وينتهي عند مغيب شمس المصنع الدافئة. 
رغم أن عيونه فترت، ومفاصله قد لانت وضعفت في أواخر أيامه النيرة إلا أنه واصل بذات الحماس والغيرة والسؤدد، باذلاً روحه الرقيقة في سبيل إنجاز مهمته الشاقة حتى بارح دنيا الناس، والمصنع راضياً عنه.
ورجل يفتر ثغره عن ابتسامة صادقة لكل شيء حتى الجماد، ومع الحديد له صولات وجولات ومحبة، أسلم روحه لبارئها وهو بين سطوته وبأسه، وما جفل وغفل عن مهنته التي عرفناه به موحداً وقائماً.
ويمثل العبقري العم ثاني محمد ثاني رحمة الله عليه عمر المصنع الزاهي، وتلك الأغصان التي أخضرت وصنعت من البلد حقولاً لا تضارع من الورد والياسمين.
عبقريته هبة من الله وليس اكتساباً بالحذق الإنساني الطبيعي فقط، إذ كانت له القدرة الخارقة على تذويب كل لقاء فاتر أو مشكلة بين الناس وهم في حالة سفر تبدأ نقطته الأساسية من موطئ قدمه وراكوبته العريقة، وتنتهي عنده في العودة.
فكان يخاطب الجميع ويتآخى معهم بكل سلاسة، فكأنهم شخصية واحدة تتجلى عن فيض الأرض المعطاءة.. لم يكل، ولم يمل، ولم يتبرم، وهو قابضاً على جمر المسؤولية الفردية بصدر رحب وعزيمة.. وفاضت روحه السمحة تتدفق بكل حب في عمل أخلص له ومنحه كل وقته.
كالعصفور يجوب بزقزقته كل أركان الموقف في طاقة من الحبور تذوب جمود الجدية البادية على وجوه الركاب وضيق العربة، وتنقلها إلى رحاب سعة الحياة، وما فيها من حركة واتساع.
ولا يبالي بأحد إن أرتفع صوته في سخرية أو غضب يتصنعه، وهو في رهق ملاحقة الوقت.. يأخذ من هذا ويأخذ من ذاك بكل صبر وحيوية قيمة أجرة الترحيل، ناثراً ضحكاته وابتساماته ومشاغباته، ثم بعد ذلك يناول صاحب السيارة حقه، ومع ذلك لا ينسى أن يصرخ بملء صوته الجهوري والحنين؛ ولع!
رجل بنكهة القرنفل وطعم قصب السكر، ينعمك بعطره الآخاذ من بين ثنايا كلماته الطيبات، وكان أكثر الناس شهرة وذو نفس سليمة من الزهو والغرور والبطر.. لم تعجبه نفسه للحد الذي تجعله منزوياً ومنكباً مع الكواكب والنجوم السيارة.
والعم ثاني رحمة الله عليه هو واحد من الذين أرخوا لذاكرة المصنع ونحتوا في لوحها المجيد قيمة عمل ضافية لا تهمل وستبقى أبد الدهر حية من خلال عمل لم يرتبط بوظيفة أو بيع وشراء أو غيرها من الأعمال الحرة.. عمل يحتاج إلى طلاقة لسان، وروح مثابرة، وصاحبة نوادر وملح، وصبر ومسؤولية، ورجل أمين يخاف الله قبل خلقه بقلب طاهر ونقي.
وهو رجل يتكلم كثيراً ومع ذلك يعمل كثيراً من خلال آلية لهجات ولغات عدة؛ تضطره تركيبة المصنع الديموغرافية الفريدة لذلك الفن والإبداع الذي تميز به لوحده على امتداد البلد وحقولها.
ويندر أن تجده خالياً من حراك عفوي في لغة مختلفة عن الآخر.. ويمكنه أن يتحدث بلغات بعدد ركاب (البرنيسة) أياً كانت طولها (ستة أو خمسة شنكل)، فالرجل خبير وضليع بالتحدث بلغات أخرى علاوة على لغتين؛ الهوسا والعربية.
برع بصورة جاذبة وفعالة في فك شفرات الكلام بين زبائنه الركاب على إختلاف أمزجتهم وقبائلهم والسنتهم.. فكان خفيف الظل كالنسمة تطوف بين الجميع في ظل دعابة وطرافة اكتسبها وأصبحت سمة تميزه عن غيره.
باسم المحيا في هيئة طفل جميل الوجه، ورافعاً الكلفة بينه والجميع، وصائناً ومغطياً كل عيب يقع على عينه، وقريباً من المجتمع في صورة شفيفة جعلته محط إهتمامهم والتعاطي معه.
وصان عرضه وحماه ووقاه مما يعيبه، وصان عهده وصان كرامته وحفظها عمَّا يشينهُ، وصان لسانه وحبسه عن كل قَولٍ فاحشٍ، وصان ماء وجهه، وصان موقع عمله وحافظ عليه بما يلزم، واعتنى به حتى الرمق الأخير.  
لم يكن عم ثاني عظيماً في مهنته فقط، بل إنطوى على نبالة وصدق ومودة في شخصيته الرزينة والمحبوبة والشريفة إذ مشى بين الناس بالمحبة والإستقامة، بذلك أرسى أسس مدرسة عظيمة وفريدة برعت في الحكي على السجية والفطرة دون المبالغة في شيء.
هكذا خبرناه سيد الموقف والطرفة يجول بكل سماح بين سيارات المكان؛ تارة منفلتاً في الضحك، وتارة أخرى في حديث هامس بين سواق الموقف أو مستدبراً القبلة في مناجاة لربه.
وافاه الأجل المحتوم في يوم 16 من شهر يونيو من العام 2000م، بعد حياة عامرة بالجدية والاستقامة وحب الناس قضاها في نشاط وهمة.. وغاب جسد (قومسيونجي) المصنع العملاق والجميل عم ثاني وبقيت ذكراه وروحه الطيبة والمرحة في قلب كل جيل.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، ثاني محمد ثاني، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وكسلا، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.
اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان ممؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).





الصورة: مصطفى عبد القادر

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 15 يوليو 2015, 11:21 pm

محمد الحسن.. بندول الوقت والالتزام




في قديم الزمان الذي عشته، على نحو أكثر من ثلاثة عقود في إحدى مواسم المولد النبوي الشريف، ما زلت محتفظاً بذكرى أجمل حصان من الحلوى أهدي إلى من صديق ورفيق عزيز كان يزورني بكثافة رغم بعد سكنه عني، ومع ذلك يتحفني بحضوره الجميل بل يحمل معه طيب هداياه العطرة حسب مواسمنا المطيرة.
هذا الشاب اللطيف والمهذب للأسف الشديد لا أدري أين أستقر به المقام حيث غبنا في زحمة السنين وتهنا دون هدي وبصيرة وملتقى يجمعنا من جديد. ولعل من المناسب في تلك العجالة أن أقول عنه شيئاً. عندما كنا نفشل في حل أي مسألة تخص المقرر كان معظم المعلمين يستعينون بصديقي (محمد حسين) لحل هذه المعضلة من الصف الذي يلينا مباشرة. وكانت التراتبية في الأول تقتضي المعالجة بإدخال العزيز والأخ الشفيف أشرف كمال محجوب عثمان (قرقور) كما كان يحلو لي منادته بهذا اللقب، وهذا نادراً ما يفشل، وإذا قدر له شيئاً من ذلك حينها يكون محمد النبيه حاضراً بيننا وعلى السبورة وبخط أنيق تعلمه في الخلوة يقدم لنا الحل على طاجنه الخاص.
وهكذا كان حافظ آيات القرآن الكريم محمد، شبيه أشرف كمال في كل شيء حتى تخاله صنوه؛ في الأناقة، والتهذيب، واللطف، والذكاء الحاد، والأدب، والنقاء، وكثير من الصفات الإنسانية الراقية.
وأشرف للذين لا يعرفونه إنساناً خرافياً حد الدهشة في سلوكه، وأخلاقه، وتفكيره، وعلاقاته. وكان يمثل مدرسة بحالها في القيم والأخلاق والأدب. هكذا عرفته بحوش إبتدائية مصنع سكر حلفا الجديدة (أ) بنين، أنيقاً في مظهره العام، وسيماً في هندامه، ونظيفاً في ملبسه، ومرتباً في أشياؤه، ولطيفاً في معشره، وبارعاً في تواصله، ونجماً لا يشق له غبار، ومحبوباً في مودته، وشاطراً وألمعياً في دراسته وتحصيله وعلمه.. حتى في كراسته أو كتابه لا تجد أثراً لحبر مندلق أو شخبطات أخذت طريقها إليهما.
كنت وما زلت أفاخر به في كل دروب الدنيا التي مشيتها، حيث عاشرته منذ أن عرفته في مطلع العام 1977م، والذي صادف مطلع ولوجنا سور مدرسة (أ) بنين؛ حفاة وعراة من المعرفة والعلم.. لم أجد في حياتي مثله قط؛ لم أراه يوماً عابساً، أو مكشراً، أو مكفهراً، أو حزيناً، أو خائفاً، أو منكسراً. تعلمت منه كثيراً. وكان نموذجاً للإنسان المحنك، والأخ الكريم، والرفيق الفاضل، والجار الطيب، والزميل الخلوق، والرفيق القدوة، والتلميذ الشجاع؛ فهو مثال نادر في التضحية، والصبر على المكاره، والإستقامة، والشرف، والتهذيب، والأدب، والتواضع، والكرم، والحب، والنبوغ، وحدة الذكاء.
أعجز عن أكتب عنه صراحة.. لأني أخاف أن أجرح مشاعره الرقيقة، ومحاجري تكفيني كلما مرت ذكراه العطرة بخاطري، وكلما حاولت أن أكتب عنه شيئاً أجمل به أوراقي، وأزين به يراعي .. هذا الرجل الفارع في الاستقامة.. تتواضع الكلمات في حضرته وتهرب وتنزوي خجلاً.
لما لا يكون ذلك بهذا الخُلُق الحسن، وهو سليل أسرة مصنعجية، وحفيد رجل من ثلة الأوفياء الذين سطروا سيرتهم بمداد من نور على دفاتر السكر، ومضوا بأجسادهم في علياء الغياب.. سددوا فاتورة الحب بكل صمود حتى الأنفاس الأخيرة... طاردوا العناء والتعب وفلحوا الأرض اليباب ببذور المحبة وعيدان قصب السكر، وأضحوا أنشودة عذبة على كل شفاه.
في العام 1967م، على وجه الدقة، جاء المصنع رجلُ ممشوق القامة، وعلى سعة من دعابة مستفيضة، وفكاهة جزلة، وبال رحيب, وباع طويل, وصبر فسيح, وأريحية منبسطة, وإستقامة مترامية, وثقة مفرطة، وحجة باينة, وسند وارف، ووداعة في الخُُلق.. لم يألفه الناس بالضيق, والحرج, والانقباض، والضئيل.
وطد أركان نفسه جندياً في مشروع تأسيس مصنع سكر حلفا الجديدة بخبرة سابقة منقطعة النظير، بدأها صبياً في عمر السادسة عشر منتظماً في سلك العسكرية بين أركان قوة دفاع السودان أنذاك (فترة الحكم الاستعماري الانجليزي).. وعندما ناهز عمره التاسعة عشر خاض وحل أتون الحرب العالمية الثانية في العام 1943م، وفي تلك الفترة ذهب إلى مصر، وقبرص، وحلايب محارباً ضمن قائمة جنود قوات الحلفاء ضد دول المحور، والتي دان فيها النصر في ختام الحرب للحلفاء.
وظل الراحل المقيم محمد الحسن محمد زين يعمل في خدمة الجيش الوطني حتى العام 1963م، متقاعداً برتبة ملازم.. وفي عهد حكومة مايو، كرمه رئيس الجمهورية جعفر محمد نميري بمنحه وسام الشجاعة، ومن ثم عمل بالتجارة حتى غادرها إلى شراء سيارة (لورى) للعمل في ترحيل بعض المحاصيل مثل البلح والبصل من عطبرة إلى الخرطوم. 
ثمة أمل جديد بان في سماء حياته ذلك القادم من أرض العالياب، والزيداب، والمحمية، وكبوشية، وقباتي حيث نشأ وترعرع بمنطقة العالياب القلعة موطنه الأصلي على ضفاف نهر النيل العظيم حيث ولد هنالك في العام 1924م.. حتى وجد محمد الحسن رحمة الله عليه نفسه في أرض البطانة ضمن شغيلة الرعيل الأول بمصنع عسكر حلفا الجديدة ملتحقاً بوظيفة سائق في قسم الترحيلات، والتي تدرج فيها إلى أن بلغ منصب رئيس سواق حتى وصل إلى درجة وظيفة مراقب ترحيلات.
ومضت السنوات به في خدمة المصنع بهمة وعزيمة حتى إشتهر بين الناس بلين ودماثة خُلقه، وبساطته وتلقائيته حتى دأَب على عمله بنشاط وحب لا مثيل له.. ولازم وظيفته واعتادها دون فتور، واستمر وواظب عليها بإنضباط ودقة متناهية خاصة في مواقيت الحضور، وتنفيذ أوامر العمل.
وعُرفه قسم الترحيلات عاملاً مخلصاً في صلابة لا تلين له قناة إذ خالف أحد لوائح وقوانين العمل.. وبتلك الشكيمة والحضور الذهني والأخلاقي سما بالوظيفة وعلا بها مراتب في صراط المهنية الملتزمة التي لا تعرف أن تخون مبادئ وقيم العمل.
وظل محمد الحسن رحمة الله عليه مخضرماً ومستقيماً بروح الإنتماء الصادق لقبيلة السكر وعمله، ولم يتنازل عن ما اكتسبه خلال تلك الفترة التي قضاها محارباً ورعاً ومدافعاً عن حمى البلاد حتى تقاعده للمعاش في العام 1996م، في مقام وظيفة متواضعة بمصنع سكر حلفا الجديدة ختم بها حياته الحافلة في خدمة الوطن.
وعاش في حى البركس طيلة عمله بالمصنع، لم يفارقه قيد أنملة حيث التصق به في مودة نادرة وعميقة المعاني وفي هدوء عميق وصمت مبين ينم عن خُلق زكي المغرس ونفس طاهرة وطيبة وعفيفة.. وتميز بعلاقات وشيجة الترابط طابعها القربى والمودة والعرفان بين الجيران، خَليِقاً به إلا ينساه الناس.
وقد يظنه الجاهل من مظهر جسده الناحل والرقيق والدقيق لا يعرف قبيلاً من دبيرٍ، وهو في عنفوان صمته الكثير، في الوقت الذي فيه كان حكيما وذو بصيرة يعرف كيف يأتي الأمور مأتاها.
وغاب صاحب الروح السمحة والطرفة العابرة بجسده النحيل عن الوجود، وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها في يوم السابع من شهر فبراير من العام 2011م بحى البركس، بعد حياة متفردة في خدمة السكر وعلاقات مسكونة بالحب والأصالة والغيرة والتجرد ساح فيها الراحل المقيم محمد الحسن محمد زين منتمياً لقبيلة السكر في نسقها البديع والمتواصل حيث لا تزال سلالة أحفاده تترسم خطاها في تعمير أرض المشروع بكل رحابة صدر ورزانة بذات الروح والحب.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، محمد الحسن محمد زين، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر والعالياب بنهر النيل، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.
اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. الهم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان ممؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الخميس 16 يوليو 2015, 8:54 pm

آمنة بادى.. (البِرَيقْ العَاتِمْ سَمَاهُ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نصال من الشجو والسهوم تتغلل في الحنايا وتنثر عواصفها على الضلوع.. وتحديق في أقاصى البعيد والبصر يعيد الكرة مرتين.. صمت رهيب ومخيف يخيم على وحشة الليل المكسوة بأشجان الحنين، وعنان السماء المجلّوة بنثارات الأشواق الطافحة.. وراحة الكف والروح تمتد لعل أن تقبض أهداب المكان حتى يكون الاستنشاق على يقين الواثق بأن الحب مهمة يقوم بها ضرع الطفولة ومراتع خصبة لطالما أرضعتنا جميعا حليب الدفء والعافية.
جال البصر وافتر عن سعة الحضور.. حاولت النفس أن تلج بصفة الإنتماء في حضرة وطننا الصغير في مساحته، والكبير في معانيه؛ مصنع سكر حلفا الجديدة.
ولا فكاك من لوعة ولاعجة تمسك بحلق الوقت المسافر بين أحشاء الغياب.. أُفُول من فرط حبال المودة المتداخلة في كل الأعماق التي تتلاقى وتصعد إلى الأعالي وتلتصق بجُدُر أرض الأحباب وحنايا الماضي العريق.
فالمكان واحد من الأبواب المشرعة لتتنفس رئاتنا بكل سهولة.. سيان أن دخلت البركس من هنا أو هناك في تلك الجهة التي عرفت فيها أروع خلق الله بالمصنع.
وكيف لك بتلك القوة والشدة والرهبة لتسدل اللجام عن رقاب أنفاسك لتسرع، ومن ثم تكبح جماحها حتى لا تتفلت من يدك وأنت رهن الطريق في سباق مع الوقت للقاء حبيب وصديق وزميل ورفيق أو حدث كبير يشهده مسرح البلد أو دار الأرشاد النسوي أو دار الروضة الغربية للأطفال أو ملاعب التضامن والرفاق والعاصفة والاستقلال والواحدة أو نادي العمال أو ميدان المولد، أو ساحة المسجد العتيق أو فسحة ترلة الخضار.
ربما هواجس ليلة ساجية.. لا أظن بمحض الصدفة طاف ذلك الخيال وأعتلى حقول الذاكرة.. على كلٍ يبقى عبق المكان عطراً يتضوع في سبلاته وبتلاته الناضرة ضمن النسيج الاجتماعي المتماسك الذي عُرف به المصنع منذ نشأته في بواكير عقد الستينيات من القرن الفائت.
سنابل طارت واستطالت في الحقل الجديد تلك الأرض الفضاء الطيبة المغروسة بعيدان قصب السكر وأرواح طيبة انسربت في خدمة المشروع الذي ما أنفكت سيرته ساطعة وأريجها ينتشر ويلف حقول البطانة الكبرى.
وفي ذلك الزمان الباكر من العام 1963م، والأرض تشهق بالخصوبة، طرقت بوابة المصنع الكبيرة عائلة لها شرف باذخ، وشأْنٌ عظيم، وفي الوقت عينه تحمل على عاتقها نطفة سلالة مصنعجية.. غرستها بصمت ومضت مع الآخرين تنسج خيطها لتدابير خيمة احتوت الجميع بحب وإخاء ضمن ميراث البلد العظيم في نخوته المنيفة.
وتلاقت الوشائج في علائق اتصفت بالحميمية حتى تكون مجتمع المصنع على صفاء القلوب الطيبة وانفرد البلد في مسيره الخفاق حتى بلغ الثريا.. وفي يم ذلك الحراك العفوي، تفاعل الجميع وصنعوا مزاج وكيمياء البلد على وتيرة متصاعدة من الإنسانية والحب الخالد الذي اتسم به.. طار صّيت وانبلج نور أسرة عرفت بآل بادى من خلال امرأة عظيمة الشأن والمنبت.. وإنقشعت سماء المصنع المبلدة بغيوم الألفة بسيرة (البريق)، وانزاح قوس قزحها عن ميلاد جليل أحسن بمقام البلد ضمن جيل الرعيل الأول المؤسس لمصنع سكر حلفا الجديدة، حتى غدت مركزا وقبلة للكثير من ذلك الجيل؛ كلهم ابناؤها، وإخوتها في مقام واحد أصطفوا في نوالها.
وبانت سدرة البركس آمنة يوسف محمد بادى رحمة الله عليها برفقة زوجها عمر داؤود محمد بادي متعه الله بالصحة والعافية، وعلا اخضرارها وتناثر جوهر ثمرها على الملأ وتشابكت خيوط علاقاتها الوطيدة في شكل مستقيم ودائري متصل حتى بلغ فيضه مرسى وصعيد حب كبير وطاهر.
امرأة غارقة في سماحتها، وغيرتها، ومروءتها، ومرونتها، وتفيض بكل إعتزاز، وبسالة، وأصالة، وإباء، وبطولة، وكرم، وشهامة، وحمية، ودماثة، وأريحية، ورصانة، وشجاعة، وشكيمة، وكرامة، ونبل، وهيبة إِذنْ من الطبيعي شخصية بمثل تلك الصفات ألا تعرف الحماقة، والامتهان، والتذلل، والتردد، والجبن، والخور، والخنوع، والوضاعة، والهوان، والضعف، والذل، والمهانة، والخوف.
ومشت آمنة بادى رحمة الله عليها بين مجتمع البركس بخفة ورشاقة كوميض البرق يتلألأ في بهاء، ويتألق في إشراق، ويتوهج في حُسْن، ويلمع في صباحة، ويضيء في رونق مما أكسبها حب الناس كقائدة اجتماعية نظمت من علائق مجتمعها عقداً فريداً ومتميزاً بعمق جديتها في التواصل عن قناعة ورضأً تامين.
كما عُرفت بين أهلها في الجزيرة الواسعة الأطراف مسقط رأسها بلقب (البريق) كسمة تدل على شخصية ذو حظ عظيم في الجمال الفاتن في ذلك الزمان البعيد، وكذلك النباهة، والفهم، والحكمة، ورجاحة العقل في تميزها الجم بين قريناتها حتى بين صديقاتها القريبات في الحظوة اشتهرت بذلك الضياء البارق.
كل من عاصرها يشهد لها بنجائبُ الصفات والنقائب والحكمة، وبعد النظر، والحنين الدافق، والطيبة الجزلة بغير حدود، والإنسانية الغداقة، وقد فتحت بيتها للقاصي والداني بقلب كبير حتى احتلت مرتبة نقيبة قومها بكل سهولة، وسارت بينهم رائدة ملهمة، وقائدة فذة، ومثال لا نظير له.
والبيت على ضيقه كحال منازل البركس الوافرة العطاء، لا يخلو من ضيوف وأهل ومعارف وطلاب علم مقيمين وعابرين يكاد يزدحم بهم حد الإمتلاء وكلنا شهود على بساطة التعامل والتلقائية وكأن الضيوف هم أهل البيت في علاقة متينة ومتشابكة يصعب وصفها.. وبيت مثل هذا بلا شك غدِقٌ في كرمه، ومُبتلٌّ ريَّان، وزاخر بالخير الوفير والانسانية الرحبة التي نهلت من نمير المصنع المُترع بالخيرات.
وتربط الراحلة المقيمة آمنة بادى علاقة دم بزوجها كما تربطها علاقة أخرى بأسرة مصنعجية وغيرها من المصاهرات التي جرت في العائلة، وأضحت سرة المصنع الأوحد ضمن فضاء قبيلة المصنع الكبير.. لذا تبقى هي نسيج وحدها وعز وجاه عمدة وادي شعير، وهو عمها في صلة الرحم والقرابة، ووالد زوجها العم عمر داؤود محمد بادي، بيد أن مربط الفرس يتصل بعلاقة أخرى في مدينة المصنع تربطها بالنيل الأبيض حيث سمت بها في اتصال بأسرة العم نمر سليمان وزوجته التهجة في مناطق نعيمة والقراصة في نطاق حزام الحسانية فرع أولاد عتيبة.
وفي الساعات الأولى ومع نداء الفجر من يوم السابع والعشرون من شهر رمضان من العام 2000م، توارى الجسد الطاهر وانتقل إلى الرفيق الأعلى بعد حياة مشحونة ومفعمة بالمحبة والعطاء والغيرية والتضحية والإنسانية قضتها في تبتل ووفاء وصدق في كنف مجتمعها الصغير بالبركس ومحراب علاقاتها الأخرى علاوة على علاقات أبنائها، والتي كانت محل فخر الذين إنتموا لهذه الأسرة الكريمة في علاقات تتصاعد كل يوم في علوها.. وغابت أثر علة لم تمهلا طويلا، وتركت سيرة خالدة للأجيال وصفحات كتاب عنوانه المحبة والصدق والإخلاص والتفاني حيث تضافرت جهودها في ربط المجتمع وقيادته نحو قيم ومُثل الخير.
وبكاها رجال المصنع بالدمع الهتون والسخين في مشهد أدمى المقل يوم رحليها الفاجع والمحزن قبل رفيقاتها وجيرانها.. وفي بيتها لكل شخص قصة مثل  يوم أن زرعت فسائل قصب السكر، وموقف كحبة السنبلة لا يمكن نسيانها طالما أسلمت نفسها باكراً بتجرد ومسؤولية لقيادة مجتمعها، وهي من سيدات البركس الأوائل.. ومع سيرتها تذكر أسماء لامعة نُقشت على قلوب الناس مثل الحاجة فاطمة الزرقاء، وتؤام روحها سعاد الصادق الزين (بت الحرم بت داقلول)، وحواء الحمراء، وحاجة الأمامة مبارك دكين، وكثير من النساء العظيمات اللاتي أسهمن في تكوين مجتمع البركس والمصنع.
اللهم أرحم أمنا جميعا، الراحلة المقيمة، طيبة الذكر، آمنة يوسف محمد بادى، وتقبلها قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرتها وأحبابها وعارفي فضلها، وأهل السكر ووادي شعير ونعيمة والقراصة في الجزيرة المروية، فقد كانت عَلَماً يُهتدى بها في حالكات الدجى.




اللهم ابدلها دارا خيرا من دارها واهلا خيرا من اهلها وادخلها الجنة واعذها من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهم اجزها عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كانت محسنة فزد من حسناتها، وإن كان مسيئة فتجاوز عن سيئاتها. اللهم ادخلها الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسها في وحدتها وفي وحشتها وفي غربتها.
اللهم انزلها منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزلها منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة, ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح لها في قبرها مد بصرها وافرش قبرها من فراش الجنة. اللهـم اعذها من عذاب القبر, وجاف الارض عن جنبيها. اللهم املأ قبرها بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنها فى ذمتك وحبل جوارك وقها فتنة القبر وعذاب النار, وانت أهل الوفاء والحق فاغفر لها وارحمها انك انت الغفور الرحيم. اللهم انها كانت تشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم بها. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمها ولا تعذبها. اللهم اّتها برحمتك ورضاك وقها فتنة القبر وعذابه وأّتها برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثها إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقلها من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها وثبت علي الصراط اقدامها واسكنها في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنها من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسها أّمنة مطمئنة ولقنها حجتها. اللهم اجعلها في بطن القبر مطمئنة وعند قيام الاشهاد أمنة وبجود رضوانك واثقة وإلي أعلي درجاتك سابقة. اللهم اجعل عن يمينها نوراً حتي تبعثها اّمنةً مطمئنة في نور من نورك.
اللهم انظر اليها نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنها فسيح الجنان واغفر لها يا رحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنها فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انها جاءت ببابك وأناخت بجنابك فَجْد عليها بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمها رحمة تطمئن بها نفسها وتقر به عينها.
اللهم احشرها مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشرها مع اصحاب اليمين واجعل تحيتها سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشرها بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعلها من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيها عليك ولكنا نحسبها انها اّمنت وعملت صالحاً فاجعل لها جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيها نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائه واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُ.
اللهم اجعلها في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنها صبرت علي البلاء فلم تجزع فامنحها درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انها كانت مصلية لك, فثبتها علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انها كانت صائمة لك, فأدخلها الجنة من باب الريان. اللهم انها كانت لكتابك تالية وسامعة فشفع فيها القراّن وارحمها من النيران, واجعلها يارحمن ترتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأتها أو سمعتها وأخر حرف تلته. اللهم ارزقها بكل حرف في القراّن حلاوة, وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمها فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنةً. وادخلها الجنة فانها كانت بنبيك مصدقةً وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهـم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين, وعرق منا الجبين, كشر الانين والحنين. اللهـم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب, وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات, وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي, واذا توعد عفا, وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لنا ولها، واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلها الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).


ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 24 يوليو 2015, 10:56 pm

عبد الرحمن المواطن.. طود العطاء الشامخ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزمن في مسيره لا بد أن يحفر أخاديد غائرة على وجوه البعض ويغفل عن البعض الآخر بتسامح، كل ذلك يبدو مقبولاً لكن أن يرسم على القلوب ندوباً وخدوشاً تبقى هناك المقاربة مؤلمة والمفارقة مرهقة لجيل كتب له أن يترسم خطى عصا التسيار ويطوف بعيداً عن مثوى الروح والجسد. وفي ذلك تنثال دمعات لها خفقان كوجيب القلب المعطون في ثرى الذكريات العالقة على أرخبيل الماضي.
مراراً وتكراراً نقول إن الحنين يشد أعطاف الفؤاد كلما هبت عاصفة من شوق مستعر يضج ويصول في فضاء الأزمنة الغابرة.. لمشتاق بعيون شاخصة، وحس متيقظ منذ صباه الباكر، وهو بين متون اللوعة يصارع أفياء السراب الماثل.
إلا أن هنالك بصيص أمل لنمو ناضج، تماماً كعود قصب السكر اللادن الأخضر الذي قرر الزراعي ضمه إلى سجلات مفكرته اليومية للحصاد واخلاء طرفه من تلك المسؤولية.. جذوة تتقد وتتحول وفق قوانين الطبيعة وتلك الأرض التي عمرها الأوائل إلى قيمة من قيم الإنتاج.
كشظية لهب نحاسي أخضر ﺑﺪﺃت الحياة في المصنع بتحضير وتمهيد الحقول الصغيرة، ﻭﻓﻲ ﻛﻞ يوم يمر ترث البلد عمالاً جدد بأرواح نشطة وروحاً وثابة تهفو للعمل الجاد في الأرض الجديدة، تشرق بهم الشمس على أمل وباعث قوي.. تماسكوا ثلة قليلة العدد بهمة حتى ﺃضحوا بالمئات تنعم بهم الأرض وﺗﺮﺗﺞ من ثقل خطوهم المتسارع في الإصلاح وهم قابضون على معاول العمل بكل صبر وئيد.. وتأججت المشاعر المؤمنة بالمشروع الجديد في تضامن فريد.. وتمددت أمشاج الحقول بطول وعرض الحلم الكبير حتى غدا وطنا نضيرا من نسج أياديهم البضة والعفيفة.
وفي ذلك الوقت من دفق الخير العميم كانت الحياة مثل الماء، أحياناً صافية وأخرى متموجة تعصف بها رياح التغيرات والتبدلات التي أصابت البطانة.. ولم يصبر فيها إلا أولي العزم.. أقتفوا أثر رمال الأيام التي أوشكت أن تعفي على عرش تاريخ صنع مجد البلد، وهكذا هم أصحاب النفوس الكبيرة في مرادها وحلمها.
ما برحت الأفواج تتوالى إلى المصنع وعمرت الرقعة الطيبة بجموع البشر في سبيل كسب العيش سواء في مجال العمل اليدوي أو التجارة.. ثقافات مختلفة لا يجمع بينها رابط سواء الرابطة السودانية، وتراحموا وتقاسموا خيرات الأرض، وتبادلوا ثقافاتهم وأعراقهم في مصاهرات عديدة لا تزال في نثيثها حتى صار المجتمع ثقافة وعنصراً واحداَ.. وأضحى مزيجا واحداً متجانساً وسحنة ولغة.
رجال ونساء صناديد واجهوا بصرامة لفحات الشمس الحارقة وموجات البرد القارسة في ظل العمل ليلاً ونهاراً.. تحلقوا حول الأرض، وصدورهم ترنوا إلى العلا والرِفعة، ومهجهم تشرئب صوب المجد والسؤدد.
أشياء كثيرة تستحق الذكر في حياة واحد من كبار رجالات المصنع الذين أثروا الحياة بجليل عملهم ضمن أولئك الذين نحتوا جهدهم في ذاكرة البلد.. رجل خير وبر ودعوة ومن أهل الحذق والمال، سيرته تدل على أرثه الرفيع، وهذا هو تاريخ المصنع في حياة المواطن.. رجل كان فينا شجرة ظليلة ومثمرة وذات فوائد عدة لا تنتهي بل تتمدد إلى الخبز والدواء والكساء والسكن والعمل.. وأياديه البيض سابغة دون منة أو فضل منه في مجال العمل الدعوي والشرعي والتجاري والعام، فالأجيال تقاس أعمارها بأعمالها التي تشهد على فحولة إنسانيتها.
ويشعر الناس في المصنع بعبق التاريخ، عندما يتجولون في سوقه الواقع بين الحلة والبركس، ويسمعون ضجيج الباعة والمتسوقين وحراك الحوانيت، ويشتمون رائحة الخبز المتصاعدة من الأفران المنتشرة في كل مكان... وفي الذهن تبرق صورة فرن مواطن العتيق، وطاولات الرغيف والدراجات الهوائية في غُدُوُّها ورواحِها تحمل الخبز طازجاً وهو أكثر دفئاً وحرارة.
ويُعتبر فرن مواطن أيقونة عصره وواحة مخابز المصنع، ومن رموز سوق المدينة التاريخية، كما يتمتع مبنى مطعمه بالأهمية ذاتها لدى المجتمع في  ذلك الوقت، حيث مثل واجهة أخرى من نشاطه التجاري المعتدل المزاج.
وختم الراحل المقيم عبد الرحمن حسن المواطن تطوافه الكبير في ربوع البلاد في حى التجار بمدينة المصنع بعد حياة حافلة بدأها منذ أن رأى النور، وهو مولُود أشرقت عليه شمس الحياة في قرية هندكة بمنطقة دلقو الكبرى عام 1933م، ومنها انتقل في صباها الباكر إلى مصر والتحق بالجيش المصري في وحدة الهجانة كحال كثير من شباب أهل الشمال الجغرافي انذاك في وقت تتضاءل فيه كانت فرص كسب العيش.
وقضى في الهجانة فترة قصيرة من وقائع التواريخ المتاحة حتى عاد المواطن منهياً فترة عمله بالجيش المصري إلى البلاد ليستقر فى الخرطوم بحرى، وفي شارع المعونة أسس له مطعماً فخماً ثم شد الرحال إلى مدينة طوكر بشرق السودان والتي لم يستقر فيها كثيراً سرعان ما عاد مرة أخرى إلى الخرطوم ليمكث فيها برهة من الوقت كإستراحة محارب، وبعد ذلك بدأت تلوح في أفقه فكرة السفر إلى مصنع سكر حلفا الجديدة ضمن جيل الرعيل الأول والمؤسس لمدينة المصنع؛ الأرض الجديدة، والتي تحققت فيها آماله وطموحاته منهياً حياة التجوال والسفر من مكان لآخر. 
لم يهدأ له بال حتى وجد نفسه منافحاً ومشاركاً في تعمير الأرض الجديدة بكل ما يملك من فكر ثاقب ورؤى مستنيرة وعزيمة صادقة، وتمددت أعماله الفسيحة في سوق المصنع وتلاها بإختياره من قبل السلطات المحلية عضواً في المحكمة الشعبية الوحيدة بالمصنع، والتي إختصت بفض المنازعات بين الأهالي مع الراحل المقيم أحمد الطاهر الرزم، ومحمد الأمين الحساني.
واهلته خبرته السابقة وتنقله بين بقاع الأرض في أكتساب الوعى الإداري ومفهوم العمل التطوعي مما مكنه بكل سهولة من الإمساك بزمام قيادة مجتمعه وتسنمه العديد من المواقع النشطة في خدمة قضايا الناس.
ولم تشغله صروف التجارة عن الميل إلى عمل الخير الذي وجد فيه نفسه منغمساً مع آخرين خاصة الجانب الدعوي الذي ملأ أقطار حياته وانشغل به حد التماهي فيه، صاحب باع وجهد غير منقطع، وكان له القدح المعلى في تشييد وبناء مسجد السوق الكبير.. ولن ينسى الناس الاهتمام المتعاظم الذي أولاه لهذا الصرح العتيق من عمل متواصل ومناشدة ودعم ودعوات متصلة عقب كل صلاة يجهر فيها بصوته الرزين والوقور، وكله تفاؤل وأمل: (اللهم يسر أمر هذا المسجد) إلى أن أضحى المسجد المتواضع الصغير بفضل الله تعالى مسجداً شامخاً وقبلة لجموع المصلين شمال سوق المصنع.
ويبقى صاحب السيرة الصبيحة والصنيع الوافر في إحسانه وكرمه وعمله وبره، حياً بمآثره ومعروفه اللافت بين أوصال مجتمعه.. وسيذكره الجميع وإن غاب في الثرى مشرق جبين العمل العام بالمصنع.
وفي مطلع العقد الأخير من القرن العشرين أغمض عبد الرحمن حسن المواطن رحمة الله عليه جفنه للأبد على راحة نفسية كبيرة وغادر دنيانا الفانية في خريف العام 1990 من شهر أغسطس بعد حياة عامرة بالعمل والجد والايمان. 
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، عبد الرحمن حسن المواطن، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر ودلقو بالشمالية، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.


اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. الهم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان ممؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).




ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف عبد الرحمن موسي ادريس في الثلاثاء 04 أغسطس 2015, 6:43 pm

الحبيب ناصر جعل الله فى ميزان حسناتك كل ماقمت وتقوم به من أجل إنسان المصنع اللهم انت العلى القوى السميع العليم  وجزاك الله خير الجزاء..آمين..




..

المدير العام


عبد الرحمن موسي ادريس
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 1830
نقطة : 6475
تاريخ التسجيل : 19/09/2011
العمر : 59
الموقع : مصنع سكر حلفا الجديدة
المزاج : مسلم/سنى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 07 أغسطس 2015, 6:30 pm

لا شكرا على واجب أخي عبد الرحمن موسى
وربنا يقدرنا على الكثير وما زلنا عاجزين عن تقديم ما يليق بأهل المصنع جميعا
كسرة:
غيابك طال عساك عافية وخير

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف عبد الرحمن موسي ادريس في الأربعاء 12 أغسطس 2015, 10:51 am

الحبيب ناصر مهما طال الغياب يظل هذا الصرح شامخا بفضل عطاءكم الثر الوافر من غير من وهذه السير العطرة لأعلام المصنع صراحة لايستطيع قلم سوى قلمك الشفيف اللذى يسبر غور الزكريات ويتعمق المعانى أن يوفيها حقها وهذا ليس رياءاً ولكنها الحقيقة فنحن مهما حضرنا أوغبنا لاخوف على هذا المنبر  وقلمك حضور جزاك الله كل  خير ونرجو أن تسعفنا الظروف للتواصل معكم عبر هذه الصفحات ..ودمتم على الوفا ء الحبيب ناصر..




..

المدير العام


عبد الرحمن موسي ادريس
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 1830
نقطة : 6475
تاريخ التسجيل : 19/09/2011
العمر : 59
الموقع : مصنع سكر حلفا الجديدة
المزاج : مسلم/سنى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الثلاثاء 18 أغسطس 2015, 1:42 pm

عبد الرحمن موسي ادريس كتب:الحبيب ناصر مهما طال الغياب يظل هذا الصرح شامخا بفضل عطاءكم الثر الوافر من غير من وهذه السير العطرة لأعلام المصنع صراحة لايستطيع قلم سوى قلمك الشفيف اللذى يسبر غور الزكريات ويتعمق المعانى أن يوفيها حقها وهذا ليس رياءاً ولكنها الحقيقة فنحن مهما حضرنا أوغبنا لاخوف على هذا المنبر  وقلمك حضور جزاك الله كل  خير ونرجو أن تسعفنا الظروف للتواصل معكم عبر هذه الصفحات ..ودمتم على الوفا ء الحبيب ناصر..


عزيزي عبد الرحمن شكرا للحضور الدائم في مشاريع المصنع الكبرى والصغرى..
في البال كثير من الاشياء التي أعتقد من الممكن ان تفيد الناس على نحو أكثر في مجال التوثيق ونأمل في سلك مفازات لسبر غور الممكن من تراثنا المصنعجي الكبير خاصة على صعيد مفهوم الوحدة الوطنية .. بلا شك البداية بالتوثيق لشخصيات الرعيل الأول ستأتي نتائجها نحو تأصيل أكثر في مجالات ونواح عدة يمكن ان نكمل بها مسيرنا..
عموما الأشياء تحتاج الى بداية جادة وشغل مستمر وها هنا وضعنا اللبنة الأولى ونأمل مساهمة الغير فالمشروع كبير ويد على يد تجدع بعيد..
كسرة..
أرجو ان تمدني بصورة للجميل الراحل علي كيك وقد تجدها في ملفه الوظيفي بقسم الشؤون او الاستعانة بابنه الذي يسكن الحلة وذلك من أجل إنجاز مشروع جديد في خطى التوثيق سنعلن عنه قريبا يوظف لصالح المصنع..
شكرا اخي عبد الرحمن

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 16 يناير 2016, 10:27 pm

آمنة أم سيف.. امرأة مِيسان صنعت جيل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الريف ساقية لا تزال تنبض بالحياة ومنه البدء والعود. منه كنا وسنكون ويكون الوطن بحجم حنيننا الطاغي.. سكر حلفا عالم من الرؤى المنثالة وشوق فيض يتدفق من بين هضاب الروح، تارة تغالبه الغربة، وتارة تصرعه عوالم الدانبوشي، وحكاوي فكي حسين، وشلاقة بت ود العطا، ودروشة عوض شى، وصيحات ديجانقو وانقنق، وقفشات ود فكي وفاروق جبران ومحمد طاهر وشغيلة المصنع وسوق السكر. عوالم يصعب حصرها في هذه الرقعة المحدودة حيث أضحت لنا وقودا لما تبقت من أيام على ظهر البسيطة.  من مهد أيامنا بالسكر حتى لحد خروجنا منه لم تتغير طبيعة الحياة ولا نفوس ومساكن الناس ولا دروبهم وتقاطعاتهم وهسيسهم وهمسهم وابتساماتهم الوضيئة ونوبات ضحكهم المتصلة. ظل الجميع وفياً لبعضهم، ينضم أواصر عقدهم جوهر المحبة والإخوة الصادقة رغم صروف الدهر وتفرقهم في شتى بقاع البلاد وأنحاء المعمورة.
كان الزمان في ذلك الوقت يقترب من إنفراط عقد السبعينيات من القرن المنصرم. العام 1979 أو فيما يبدو لي تقريبا في العام 1980، كنا نتراص على مقاعد من الخشب خضراء اللون في الصف الثالث من مدرسة مصنع سكر حلفا الجديدة الابتدائية (أ) بنين. ونتعلم منها وفيها بمعية رهط من معلمي الزمن الجميل قانون الضغط الهوائي في تجربة عملية إرتكزت على جالون الحديد وهذا في حصة العلوم. وفي الجغرافيا كنا نذهب في رحلة البحث عن الكنز ونزور بوسطة المدينة ومركز الشرطة وغيرها من معالم المدينة التي تعرفنا عليها عن قرب بحميمية. وفي المطالعة حظينا بمطالعة قصة زيدان الكسلان ومريم الشجاعة وهاشم والكلب العقور وغيرها من القصص التي لا تزال عالقة بالذاكرة مثلها ومثل قصيدة .. "قد كان عندي طائر في قفص"، والتي لحنها صاحب الصوت الرخيم والفخيم والعذب المنشد الصوفي طيب الذكر مرتضى محمد محمد عثمان يعقوب المشهور بـ"حلفاويز". 
ولقد توفر لنا خلال هذه السنين الغضة استاذ نادر وهادئ الطباع وخلوق قدم لنا مادة اللغة العربية بسلاسة وعمق لطيف. تتلمذنا على يديه أبجديات اللغة وفيها لا يجامل، يعاقب حتى في نسيان (في) حرف الجر. هكذا كانت إستقامة التدريس. لا تترك النوافذ مفتوحة لسابلة سوق المدارس وجلابتها الجدد ولا لغفواتنا وانشغالاتنا أو حتى لتدخلات أمهات الاطفال. 
وهذا الاستاذ أحصن يراعي وحقن فيه الروح وليس وحدي بل الكثير من أجيال المصنع التي نالت حظها من التعليم عل يديه. ومنه تعلمت كيف أقفز إلى سور الصحف وأتدبر أمري في كياسة ولباقة لكى أعرف ما يدور هناك من الجهة الأخرى من الوطن. أتاح لي فرصة نادرة بأن أوكل لي مهمة صناعة أول صحيفة كشكول من الصحف والمجلات بالتركيز على المواد العلمية والأدبية والثقافية. أرهق عيوني في بطون الصحف اليومية والمجلات الدورية لكى أنال مبتغاي بعد جهد عسير. تعلمت كيفية إختيار الصور وصفها وقطعها بطريقة بدائية ومن ثم لصقها بمهارة في أوراق فلسكاب تقترب من مساحة السبورة على لوح خشبي يعلق أمام صالة الفصل. وأيضا دور نقل المواد وكتابتها وتنقيحها. وهذه مهمة أسبوعية شقيت بها حتى ساعتي هذا. ومن أسبوع لآخر أتنقل من مشهد وإلى النقيض منه فوق القفز على أسوار المعارف والأخبار، لا يهدأ البال ولا يستريح الجسد ولا يستجم الفؤاد.
مشاوير صقلتها مدارس الأيام بين صهد أقلامها ورائحة حبرها المعطون في الذاكرة. وبها عبينا حلق النشيد والورق وفضاء الروح وإنزلاقاتها النزقة بجهارة الكلمة وشظاياه. إنفتقت بذرة كامنة في النفس من بين ثنايا الحروف مدافعة ومغالبة لا تفتر عن البوح لأشياء الدنيا وشواغلها. ثمة دافع ملح يغشى النفس ويهزها كما صرير الريح على سويق نبتة خلوية المنشأ. ومن حواش قلم الرصاص (3H) والنوتة مروراً بالحبر (قلم الترمسة) وإلى الجاف (البك أو الفرنسي الناعم الطول) إندلقت شبورة الهوى وأحالت روض ربيعنا إلى جنان من القول المفعم بالحقيقة. 
علمني الأستاذ سيف الدين التوم خضر، وله كل الحب والإحترام والتجلة والتقدير، كيف أتانق وأتجمل في حضرة اللغة في بدايات تعليمي النظامي. وفجأة غادرنا على عجل منقولاً إلى مدرسة القرية (22) إسكان المعروفة بقرية دغيم شمال. وتركنا على قارعة الطريق يتامى وقاربنا يبحر بلا أشرعة في يوم عاصف تدمي أقلامنا شوك التنقلات الفجائية، وقدر لنا أن نجمع شتيت رماد رحيله على رمل الأسى بغربال صنعته السياسات المختلة. عسى ولعل أن يعود من جديد. بعد أربعة أعوام حسومة قضاها معلما لنا في العديد من المواد. وإنكشفت عورتنا لقادم جديد لم نطق أسلوبه. فكان التوهان في لججها حتى يوم الناس هذا.
قبل ذلك بوقت ليس بالكافيء لإشعال مدافيء المعرفة، تدفقت جماعات؛ صوب البطانة في أعقاب هجرة أهل وادي حلفا القسرية من بطون وقبائل السودان الكبير من وطنوا أنفسهم على قماشة هذا النسيج.
وخلق هذا التداخل زيجات متنوعة بتعدد هذا المزيج. وصنعت نموذجاً مصغراً للوطن الذي كنا نعيشه حقا وليس كما تمناه غيرنا. 
كان هذا مجتمع المصنع؛ ائتلف على روح واحدة وجسد واحد بين براح الحياة وبطونها، وكما كان شاهداً على ميلاد مجتمع تربى على فضيلة التوحد والوحدة الطوعية وما تأخر وأنتظر فلسفات عقيمة ترفده بها حوانيت الساسة الكسيحة والفراغة من كل محتوى. تواثقوا وتعاهدوا وترابطوا مثل اللغة يتوافق الناس على تعلمها من جيل لآخر لا يخدش إستواء معانيها شيئاً مهما تعددت عناصرها وتفرعت، ولهذا تماسكت وما تركت للعراميس منافذ لحائط مبناها العريق، وهكذا مدينة السكر. وهذه هى مقاصد التنمية الريفية المنشودة لرتق النسيج الاجتماعي الذي اهترئ بفعل أحابيل البيوتات التي احتكرت الوطن، ومجون العسس، وخبل أفندية النضال العاطفي.
ولعل هذا النسيج رفد صلابته من شباب وهبوا أرواحهم لقيادة التعليم بالمصنع، والاستاذ سيف الدين التوم خضر واحد من هؤلاء الذين تصدوا للمهمة بكل بسالة ونكرات ذات، ولا يزال حتى لحظتئذ يمضي باستقامة.
وهو قمين بهذه الرسالة طالما أنه ابن أسرة مصنعجية أصيلة حيث انجبته إمراة فاضلة ورزينة عاشت حياتها كفاحا وتضحية ما بين حى الألمان بنواح حى الموظفين الكبير والحارة الثانية بالحلة.
وتطبع الاستاذ سيف على أخلاقها الرفيعة ومن حجرها نهل الأدب الجم والخُلق القويم وغدا سمته الأبرز حتى ورثه لأجيال عديدة من ابناء البلد الطيب خلال المدارس التي عمل بها زهاء الأربعة عقود من الزمان أو أكثر من ذلك، جاب فيها نجاد وسهول المصنع دون ضوضاء.
واستاذ سيف سليل تلك الأم الرؤوم الرائعة آمنة علي البنا رحمة الله عليها التي رحلت عن عالمنا مساء السبت الموافق (9 يناير 2016)، بالخرطوم.
والحديث عن مدرسة الأمهات لن ينتهي مهما طفنا في محاريبهن ومضمارهن وعددنا مواقفهن النبيلة وأساليب تربيتهن المقتدرة، ويكفي أمنا حاجة آمنة رفدت المصنع بأنبل وأصدق معلم التصق بمهنة الأنبياء وبذل روحه في سبيلها وقدم عمره تضحية لمدارس الكيان، بل ختمت حاجة آمنة عمرها بأن قدمت أسرتها كاملة عربون محبة وإجلال للمصنع الكبير من خلال زيجات ابنائها البربرة.. خضر والاستاذ سيف، وعاطف، وجمال.
وهكذا انداحت وتماهت تلك الأسرة القادمة من بربر، وأضحت ضمن عصب نسيج جغرافية السكر الخضراء، ومن ثم بكل سلاسة صهرت انتماؤها الراكز لقبيلة المصنع بكل أريحية ومدت من كريات دمها وخلاياها رافعة لجيل منصعجي ثالث جديد تشرب بقيم نتكيء عليها جميعا في تواصلنا الحميم، والذي استمديناه من أمهات عظام مثل الحاجة آمنة رحمة الله عليها.
ولست مبالغاً عندما أرى الأخلاق جلها ممثلة في شخص رسول العلم والمعرفة الاستاذ سيف الدين ابن الحاجة آمنة وهو مثلنا الأعلى وقدوتنا في كل الدروب التي عبرناها. وحقاً وراء كُلّ رجل عظيم امرأة رزان؛ ذات ثبات ووقار وعفاف.
وهذا صنيع الأمهات الراسيات اللائي ساهمن بقسط وافر في تنشئة أجيال المستقبل دون من أو أذى، عاكفات في بيوتهن حتى بلغن بعملهن المجيد ذرى المجد والخلود بأعمالهن البارة في سبيل وطن.
اللهم أرحم أمنا جميعا، الراحلة المقيمة، طيبة الذكر، آمنة علي البنا، وتقبلها قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرتها وأحبابها وعارفي فضلها، وأهل السكر وبربر بنهر النيل، فقد كانت امرأة مِيسان صنعت جيل ناضر نهضت على أكتافه صناعة إنتاج السكر.






اللهم ابدلها دارا خيرا من دارها واهلا خيرا من اهلها وادخلها الجنة واعذها من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهم اجزها عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كانت محسنة فزد من حسناتها، وإن كان مسيئة فتجاوز عن سيئاتها. اللهم ادخلها الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسها في وحدتها وفي وحشتها وفي غربتها.
اللهم انزلها منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزلها منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة, ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح لها في قبرها مد بصرها وافرش قبرها من فراش الجنة. اللهـم اعذها من عذاب القبر, وجاف الارض عن جنبيها. اللهم املأ قبرها بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنها فى ذمتك وحبل جوارك وقها فتنة القبر وعذاب النار, وانت أهل الوفاء والحق فاغفر لها وارحمها انك انت الغفور الرحيم. اللهم انها كانت تشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم بها. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمها ولا تعذبها. اللهم اّتها برحمتك ورضاك وقها فتنة القبر وعذابه وأّتها برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثها إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقلها من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها وثبت علي الصراط اقدامها واسكنها في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنها من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسها أّمنة مطمئنة ولقنها حجتها. اللهم اجعلها في بطن القبر مطمئنة وعند قيام الاشهاد أمنة وبجود رضوانك واثقة وإلي أعلي درجاتك سابقة. اللهم اجعل عن يمينها نوراً حتي تبعثها اّمنةً مطمئنة في نور من نورك.
اللهم انظر اليها نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنها فسيح الجنان واغفر لها يا رحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنها فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انها جاءت ببابك وأناخت بجنابك فَجْد عليها بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمها رحمة تطمئن بها نفسها وتقر به عينها.
اللهم احشرها مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشرها مع اصحاب اليمين واجعل تحيتها سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشرها بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعلها من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيها عليك ولكنا نحسبها انها اّمنت وعملت صالحاً فاجعل لها جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيها نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائه واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُ.
اللهم اجعلها في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنها صبرت علي البلاء فلم تجزع فامنحها درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انها كانت مصلية لك, فثبتها علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انها كانت صائمة لك, فأدخلها الجنة من باب الريان. اللهم انها كانت لكتابك تالية وسامعة فشفع فيها القراّن وارحمها من النيران, واجعلها يارحمن ترتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأتها أو سمعتها وأخر حرف تلته. اللهم ارزقها بكل حرف في القراّن حلاوة, وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمها فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنةً. وادخلها الجنة فانها كانت بنبيك مصدقةً وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهـم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين, وعرق منا الجبين, كشر الانين والحنين. اللهـم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب, وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات, وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الأعناق إلى ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي, واذا توعد عفا, وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لنا ولها، واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلها الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف عائدة محمد الحسن في الإثنين 01 فبراير 2016, 2:28 pm

لكلّ مبدع إنجاز
 ولكلّ شكر قصيدة
 ولكلّ مقامٍ مقال
 ولكلّ نجاح شكر وتقدير
وان شاءالله فى ميزان حسناتك
وربنا يسمع منك ومستجابة يارب



              

عائدة محمد الحسن
المراقب العام
المراقب العام

عدد المساهمات : 509
نقطة : 4840
تاريخ التسجيل : 10/03/2011
المزاج : موووو صافى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الخميس 25 فبراير 2016, 1:58 am

عائدة محمد الحسن كتب:لكلّ مبدع إنجاز
 ولكلّ شكر قصيدة
 ولكلّ مقامٍ مقال
 ولكلّ نجاح شكر وتقدير
وان شاءالله فى ميزان حسناتك
وربنا يسمع منك ومستجابة يارب


الشكر والفضل لله اولا ومن ثم للمصنع
ونسأل الله ان يتقبل أهل المصنع في فسيح جناته مع الصديقين والشهداء

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الخميس 25 فبراير 2016, 2:06 am

عبد الله خالد.. يضنينا الرحيل المر
منذ فجر تشقق الأرض وجريان الماء وتدفق الشغيلة على بقعة البطانة، صعدت أنفاس أرخبيل جديد مفعم بالرخاء, والروعة, والرونق, والرُواء، وحل الانسجام والنظام في الحقول المترعة بفيض الخير وتلك السواعد التي أستقرت على تعمير ما يليها من التزام في شأن صناعة السكر، ونما وطنا جديدا اسمه المصنع كهذا عرفناه في مشيئة لا تزال تمضي بذات التراتبية الوضيئة والوضاحة والمشرقة.
وتوزع الجميع بمحبة فائقة ومنقطعة النظير مشاق فلاحة الأرض وإدارة التروس؛ كل في موقعه يباشر مسؤولياته بشفافية وأمل في الدخول في قائمة الإنجاز من أجل وضع اللبنات الأولى لصرح السكر بأرض البطانة، وتآلف أصحاب النخوة والإلفة، وفجروا ينبوع الحجر والإنسانية بأسرع ما يكون في تعاضد وريف حتى شقوا لأنفسهم نهراً من عذب المحبة الخالصة.
وكبر المشروع وإزداد الناس درجات في المحبة وتلاقت وشائجهم حتى في الانساب رغم إختلاف الأعراق والسحنات، وبدأ كل شيء يمتشق دربه في النضج والصمود ضمن عرق مجيد عربد بأشواق الأرض والناس وتفتق عن ثمرة ناضجة خلقت قبيلة متناسقة الخلايا والصبغيات لم يألفها الناس من قبل على امتداد ربوع البلاد برمتها.
هذه هي روح قبيلة المصنع التي تضامنت في السراء والضراء خلال بوتقة واحدة عصية على الإنهزام والتمزق متحدية الصعاب والظروف حتى أضافت للوطن خارطة خضراء جديدة تصنع السكر والانسان الغيور والوطني الموحد على قلب رجل واحد سما بقيم الوحدة الوطنية التي انحاز لها بكل صدق واخلاص.
في خضم هذا التدافع الكبير الذي انتظم حياة الناس بالمصنع، جاء رجل من أقاصي غرب البطانة المناحزة لأرض النيل الأرزق الدفاق وأسلم روحه ورهن جسده للمشروع الخالص من كل عيب لطالما أثداؤه تغذي شرايين اقتصاد الوطن وعرين الإنسانية.. رجل صلب يمتلك زمام أمره وصاحب ورع نادر لا يشبه الناس إلا في العموم، معلناً انتمائه الباكر للسكر في بسالة لم تفارقه حتى لحظات رحيله الفاجع.
وفي مخزن المصنع العمومي اتخذ له ركناً قصياً، ولعله كان ذات يوم في مخزن آخر يتبع لقسم المخازن الكبير سداً منيعاً لإية ثُلمة تطرأ في بيئة العمل.. أُؤتمن على خزانة أصول المصنع، والإنسان ابن بيئته وأحرص الناس عليها في رعايتها ووصايتها.. وكان نعم المخلص والشريف لوظيفته حيث أدى رسالته وواجبه في تفانٍ وعزيمة وسؤدد وحب، وأضحى مثالاً تتحاوشه النياشين وتتناوشه الأوسمة وترفع له القبعات إحتراماً على نبل معدنه وكريم أصله في الذود عن حمى الوظيفة والأمانة التي أثقل بها كاهله وحفظها على أكمل وجه دون من أو أذى.
ومثل طيلة عمله عنواناً ناصعاً وناضراً للنزاهة والعفة والأخلاق والمثل الرفيعة حتى حُسب من أرومة فقراء البلد لأمانته الكبيرة والتي لم يساوم عليها ولم يبدلها بكذوب الدنيا وغرورها ومتاعها حرام. 
هكذا عرفنا الراحل المقيم عبد الله خالد البشير في وسامة عفته ومظهره البسيط الذي لم يغيره منذ أن حط رحاله بالمصنع في حى خمسين بيت بحى الموظفين الكبير في بيت متواضع تحفه الرحمة والمودة بين أسرة عظيمة الشأن حسبها ونسبها الأخلاق الرفيعة والقيم النبيلة.
وتدرج طيبُ الأُرُومة وحسن الخُلُق وارتقي في مدارج العباد ومسالك الصالحين الذين زهدوا في الدنيا ونعيمها الآفل في صمت باهي علق بسمت روحه الجميلة التي سافرت مبكراً وعبرت إلى آخرتها بإذن الله.. وحقا صار إِرَماً منصوبة في مفازة التيه الذي نعيشه الآن عسى ولعل أن يُهتدى به سلفه في الوظيفة والمجتمع، وهذا سلوك الأتقياء النمُوذجُ.
وهذا من شيم خُلقه وبسطة قلبه الكبير والسمح ذو النزعة الإنسانية الودودة والمترفعة عن كل خِسَّة ورزيلة حين خسَّت حصَّتُه من أرباح الدنيا الفانية التي يتكالب عليها أرازل القوم، فكان نصيبه الإيمان والعفة التي عرف بها لحظة أن وطأت أقدامه لأول مرة أرض المصنع وغدت في منهج سلوكه الشامخ الذي تعلمه من بيته الكبير بنواح البطانة وورثه كثروة باذخة لآل بيته الأنقياء.
وهكذا جاء متسربلاً بالاستقامة واليقين والصبر والفلاح والوفاء بعيداً عن الكذب، والرَّياء، والإِفتراءٌ, والجورٌ, والحيفٌ, والخيانةٌ, والخداعٌ, والرياءٌ, والظلمٌ, والغِشٌّ, والمُخاتلَةٌ.
لذا لم نكن نجد عنتا في تصفح سريرته وملامح وجهه النضر، وهو يجوب كل الشوارع متدفقاً ومتجملاً بشمائل الإنسان الكريم والنقي والورع.. وكان سيد نفسه والتزامه الخاص بخُلقه الرفيع وبصيرته الثاقبة حينما أرخى جدائل قلبه وعقله وعصمهما من التهام البغيض من المكاره وأذى الناس، وهو الذي كف لسانه ويده وقيدهما فقط لصالح دعم أرخبيل السكر بعطاء كبير أفنى فيه زهرة شبابه حتى في مداخل شيخوخته ما كل عن نفح المصنع بالكثير... سمت الذين أحبوا المصنع، ولم يغادروه حتى وهم محموليين على النعش اكتفوا بقطعة صغيرة من الأرض دون إسراف.. هكذا شأن التضحية وصلابة المواقف وشيم الذين نذروا أنفسهم للخير والتنمية والجمع الكبير.. وهكذا زرع حَبّه في الأرض بكل طمأنينة و تفاؤُل وانشراح وبإذن الله سيحصد ثماره من بذر خيره هنالك في الأعالي. 
وكان بحق وحقيقة رجلاً سمحاً وعفيفاً وشريفاً وصاحب بأس يتجلى في مراسه وشموخه وطبعه اللين ورزانته التي لا تقدر بثمن ولا تقاس بمقادير... لا تسمع له صخباً ولا ضجيجاً إلا كثير نداوة عبق وطلاوة حديث وحلاوة لسان ورونق بشاشة وعذوبة فصاحة في الحضور الشفيف بين مجالس الناس التي لا يغشاها إلا لضرورة قصوى وفاعلة وحاضرة ضمن اجتماعه في حدود النفير العام.
يضنينا الرثاء ونحن نتبحر بالقليل وما جادت به القريحة في سيرة إنسان مِلْءُ السَّمع والبصر وكُله تدين، وشفقة، ورحمة، وصفاء، وأدب وتهذيب, وحِشمة, ورزانَة, وطهارة, وحياء وخفرٌ.
وبمثل ما كان الفقيد الغالي ملكاً بأخلاقه وصمته النير على قلوب المجتمع، أضحى بذات المهابة متوجاً في دراجته الهوائية التي لم يفارقها لحظة طيلة التصاقه بالمصنع حتى فاجعة رحيله أي منذ أن بدأ في تسديد مساهمته ضمن الرعيل الأول والمؤسس لمصنع سكر حلفا الجديدة.. وقضى جل وقته متسوراً أبواب شغله وأداؤه حتى غادر دنيانا الفانية وقلبه معلقاً بمدينة المصنع في حب ينعدم مثاله.
ورحل كريم الأصل والسجايا، ولم يحكُّ أحد أَضراسه بعضها ببعض من الغيظ والغضب والعتاب واللوم عليه، فهذا ديدن أصحاب النفوس الجليلة والنقية والمقام السامي. 
حقا نام اليوم أبو مدثر الخلوق مِلْءَ جفنِه؛ بلا همٍّ ولا غمٍّ وهو طي جوانحه راضيا عن ما قدمت نفسه لله والناس والمجتمع والسكر.
وأسلم الروح لبارئها صاحب القلب العفيف الراحل المقيم عبد الله خالد في فجر يوم الأربعاء الموافق 24 فبراير 2016م، بعد رحلة مُورِقَةٌ تملأ أحرفها صفحات كتاب المصنع قضاها مستقيماً وباذلاً نفسه بلا تحفظ في تأسيس وصيانة وخدمة مشروع السكر، حتى ظفر بمحبة الناس وحقول قصب السكر.
وغاب صاحب البصمة النادرة التي لن تتكرر البتة، ورائد العفة والسمو، ناثراً أريج ذكرى عبقة وعطرة لسيرة راسخة من الخُلق القويم والقناعة والتسامح امتدت إلى سنوات خلت منذ وضع تأسيس مؤسسة مصنع سكر حلفا الجديدة حتى تاريخ انتقاله المرير إلى الرفيق الأعلى.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، العم عبد الله خالد البشير، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وزرقة بالبطانة، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.






اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأحد 28 فبراير 2016, 1:54 pm

سيد أحمد الجابري.. عميد عشيرة (الجنقو)
ناصر البهدير
إنه الاحتطاب في ليل عكر، أن تكتب في ظله بلا دليل إلا صفحات الذاكرة، هذا معناه أن تمطي سهل السماء الممتد كقوس قزح حينما يربطك بوطن الحكايات...  تلك التي أدمنت نفسك أن تتلصص عليها كلما أرخى الضوء مسافته وإنكمش تحت ضغط إنثيال القمر الضحوك... قمر يقدر لك في التو أن البرق واحد من الدروب التي يمكن لك أن تعبرها بيسر حتى تصل بأشواقك وحنينك دلتا الأنفاس العطرة.
في تلك البراحات والبيادر إرتوى الغيم بالسواعد الصبية حتى هطل ماء الإنسانية الشفيف الذي اِندلق بلطفٍ، مداعباً ولاثماً حقول لا تزال يانعة كما ساق الأشجار الباسقة بنواح شارع الأربعين.
أكثر من أربعين عاماً، ولهاثي يتصل لكي أبلغ طوله الشاسع في ميعة حبه، وما طاوعتني قدماى الواجفة والعاجزة عن المسير في ظل أشواك الغياب.. كلما توغلت فيه انزلقت إلى الأسفل بجوار تلك الوجوه التي شكلت ملامح المكان واخضراره الزاهي وجغرافية البلد وتاريخه الناصع.
منذ مطلع عقد ستينيات القرن المنقضي ما هدأ الغبار والدخان في صراع الحياة، وما أنفكت السماء عن احتمالهما؛ كلاهما يهتك ستر الأديم والسديم بعنفوانه ولا يروغ ولا يروم غير أن يصنع نفسه مع حبات السكر الصغيرة... حبات تناسلت وصعدت إلى أرومتها شعيرات تنتقي لونها ورائحتها وطولها ولدانتها لتحبل بتلك الأرواح العشبية والحجرية التي استطالت على وعي شغيلة تضافر حتى رهق طلق الحقول؛ غيط قصب السكر، ومخاض الالات التي تجمهرت هنا في الشوارع؛ الجرارات، وهناك في تلك البناية الحديدية الشاهقة؛ مبنى المصنع.
وعرف الناس وقتها بأنهم حجر الرحى الذي يكون عليه زراعة عيدان قصب السكر في أرض البطانة، وعليه ستنتج حبيبات السكر، وعبرهما سيكون ميلاد أوتاد قبيلة المصنع الراسية.
وكان كل شيء بمقدار، وكل روح تزاحم الأخرى في طي الأقاصي لوضع اللبنات الأولى لصرح جمعنا من نطف عديدة تسارعت وتدحرجت من أطراف وبقاع الوطن الكبير... سعياً حثيثاً التف بجذع الأرض، ونما على رهان الحياة وانتخاب الطبيعة التي تحتاج إلى الأيادي المتعاضدة والقلوب الرحيمة والأرواح السعيدة، وتآلفت عناصر الشتات والتحقت بالمسيرة القاصدة في سبيل إنجاز مشروع السكر؛ معاش الناس.
ضمن هؤلاء عبر جنود كُثر لا يسع المجال لذكرهم، ولكن نخص هنا أمة توطدت على أركان الحقول والمياه في رفقةٍ كتدافع مراجل البخار الصاعد بقوةٍ، وكصعود سيقان القصب الأخضر الريان برقةٍ.. وتراصوا على هويس مصلوب في حلق الترع، ووسعوا من ضيق للماء حتى يمر ويسقي الحقول، وفيها سندوا ظهر المشروع الذي أزهر على أكفهم وانطلق في الخصوبة والنماء مارداً لا يرد إلى قُمقُمه القديم.
وعرف المجتمع الزراعي والصناعي بمصنع سكر حلفا الجديدة سِيماءٌ هؤلاء الرجال الذين أرخوا لكتاب السكر بعرقهم المدرار حتى خطوا أحرف أسمائهم برحيق القصب على متنٍ سيبقى شاهداً على عطاء عائلة أضحت في نسيج المصنع الكبير نبراساً ودليلاً، حيث حازوا قَصب السَّبقِ في قدح شرارة الولاء والانتماء والتضحية.
وكانوا ثلاثة كشوارع المصنع الكبيرة؛ الترلات، والردمية، والأربعين... أيقونات ترمز لنضال شغيلة فتية أقترن اسمها بالبلد في انسجام بديع حتى غدت أُمثولاتٌ يسير على هديها الجميع. 
وكان الجابري سيد الأسم وحادي ركبهم في سلسلة انصهرت في دعائم هيكل قبيلة المصنع الكبيرة.. وعرفوا بآل الجابري؛ أولهم من احتكر الاسم وخلد به... العم محمد أحمد مصطفى الجابري، وأوسطهم عبد المحمود أحمد مصطفى الجابري، وخاتمهم الراحل المقيم سيد أحمد أحمد مصطفى الجابري.
شكل هذا الثلاثي ثيمة شغل تماهت على ايقاع نغمة واحدة أَثِيرة ومحببة خلبت القلوب والألباب ولا تزال سيرتهم حية تمشي بين الناس بذات التوالي الفريد؛ أسرة الجابري.
وجاء (آخر العنقود السكر المعقود) سيد أحمد الجابري أهزوجة على لسان الكل أينما وطئت قدماه تجد غيثه يملأ الأفق ودفء كل المساحات.. ما أن غشى يباب حتى أحاله إلى بقعة خضراء من خلال دور عظيم يقوم به حتى لحظات رحيله الفاجع، وهو ممسكاً بدفة قيادة عمال الحصاد في مسيرة خاضها بشفافية وبسالة... عرك فيها نفسه وغمرها بين حقول (الجنقو)؛ ريحانة الانتاج وسِدْرٍها المخضُودٍ.
فكان الجابري لحمة وسداة إنتاج السكر في موقع تميز فيه وأشتهر به... وما يُذكر (الكتكو) والقضارف في أروقة القسم الزراعي حتى تجد سيد أحمد الجابري متسنماً عصب حديثها البليغ... وهكذا مد ضراعه الميمون بايمان عميق لخدمة السكر، وأسلمه للعمل دون ضوضاء ومغالاة.
أكثر من ثلاثين عاما قضاها بين الحقول منافحاً ومشاركاً ونشطاً بروح ملتزمة... سكب خلالها قطرات العرق والدم وروى بها الأرض بلا تكلف. وتلك مدرسة باتعة الرقة والطاعة في تعليم فن وأصول العطاء الباذخ، فكان معلمها الوقور بلا غلظة، وتلميذها الذكي والنشط بلا نفور، وقلمها المتدفق نثيثاً بلا توقف، ودفترها المسكون بالنثر حد الإمتلاء في الحواش والمتون، وحبرها السيال حد الفيض، وسبورتها الراكزة بلا شكوى وملل.
وخلال تلك الفترة المُخضرة بجهده الوافر، سار على قدمٍ وساقٍ ومشى هَمِيماً؛ رُويداً رُويداً حتى نحت سجله الوفير بأظافره الندية...  وعلى وجهه انطلق مكباً في فضاء وثقافة شغيلة عمال حصاد قصب السكر، وانشغل بهم لدرجة الاندماج في قضاياهم ولغاتهم العديدة التي تشربها ونطق بها، فكان ضابط حركتهم، وسكونهم، وضجيجهم، ومعاشهم، وترفيههم، وعلاجهم، وكل ما يختص بأمرهم العاجل والآجل.
ومن مثل الراحل المقيم سيد أحمد الجابري! سيتقلد أعباء وجسامة المسؤولية! تكليف يمتد من قضروف سعد حيث المكان الأرحب لتواجد عمال سكب قصب السكر، وهناك يقضى أياماً عديدة يختار فيها بعناية فائقة وتمحيص خبير أصلب العناصر لمهمة شاقة، وهي العمود الفقري لصناعة السكر رغم التطور التقني الذي انتظم مسيرتها.. ولا يعود إلى المصنع وإلا محملاً بالخير الوفير والخبر السعيد، وعندها تبدأ صافرة الانتاج في الصهيل إيذاناً ببدء موسم العمل الجديد.. وعاماً تلو العام بذات الروح والسمت المهيب والخُلق الرفيع يمضي الراحل في مهمته العسيرة.. لا يشغله هم سوى راحة (الكتكو) في كل معسكراتهم المتنقلة والثابتة حتى في سوق المصنع تجده وسيطا بينهم والتجار في مساومة ينتصر فيها دوماً لعماله، كأنهم كحلت عيونهم ضوء الشمس لأول مرة تحت كنفه الحنين.
هكذا هي أخلاقه وتطبعه ومحبته وما حاد عنها حتى سقط على الأرض إثر علة طارئة داخل مبنى الورشة الزراعية في مثل هذا اليوم من العام الماضي (السبت الموافق 28 فبراير 2015)، وأنامله وقتها قابضة برعشة حب وعلاقة مودة على دفتر عمال الحصاد... جاء كعادته للورشة، بعد أن أوقد نار الحصاد، يبحث عن آلة (القريدر) ليجهز المقر الجديد لعماله، وأثناء حديثه مع مهندس المعدات والمحركات الثقيلة (كاتربيلر.. Caterpillar)، فارق دنيانا على عجل واحتقب معه خبرة عمل، ومُرُوءةٍ جسد، ونخوةٍ إنسان نادر.
وغاب أب (الجنقو) الكبير وعميدهم، صاحب البسمة الصادقة والروح الوثابة، وهو ملتصق بقضيته التي كان يحس في قرارة نفسه بأنه خُلق لها، حيث تصدى لها بشهامة حتى وهو في أرخبيل المعاش بالخرطوم يقضى بقية عمره بين أولاده عبدالله، رميساء، وريماز، بطلب من إدارة المصنع التي حملته ثقتها الكاملة وحينها قبلها بصدر رحب ولم يتراجع.
ورحل سيد أحمد الجابري، مُبقياً بيننا سيرة وافية تحكي عن جليل أعماله التي وهبها بصدق وإخلاص للمصنع، فهذا ديدن أصحاب العطاء والمواقف النبيلة.. ولن ينساه الناس وستبقى سيرته رهن ذاكرة مجتمع المصنع وإدارته بعد رحلة عامرة في تأسيس وخدمة مشروع السكر، حتى نال شرف أن يُضمن بين دفتي كتاب المصنع الكبير كواحد من الأفذاذ والرواد والجيل المؤسس لمصنع سكر حلفا الجديدة.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، العم سيد أحمد أحمد مصطفى الجابري، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وأرقي ريفي الدبة بالشمالية، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.






اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.






اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 11 مارس 2016, 8:26 pm

الفاضل كردي.. هالة الضوء الشفيف
ناصر البهدير
أعود - كلي حزناً وشجناً - بعد غيبة مجدداً إلى عسلاية الوطن الآخر الذي يسكن ضلوعي ويتوهطه كما يشاء.. ولعل عسلاية في ذاكرتي لما تبرح المكان منذ أن كنا طلاباً بأبتدائية مصنع سكر حلفا الجديدة (أ) بنين، وذلك عهد فقدنا فيه الكثير من الأصدقاء والزملاء وثلة من الجيران الذين قدرت لهم الظروف في ذلك الزمان الباكر موقعاً آخر في الحياة بأنتقال أبائهم إلى عسلاية بعد أن بدأ العمل في المصنع على ضفاف النيل الابيض جوار قرى قوقيلا، الفردوس، الهجاليج المدرسة وعبد الله الشيخ، والرواشدة، وابو طليح، وحجر عسلاية وغيرها من القرى الواقعة في نطاق المشروع.
وغادرنا في أواخر عقد السبعينيات من القرن المنقضي أبناء جيراننا الأعزاء مراد ومهند ومعتز عبيد عبد الرسول، على (علوبة بحلفا) و(جامبو بعسلاية) وعثمان ومختار عبد الله محمد خير، هاشم عوض عوض الكريم، معاذ نوري، محمد ومعتز جمال محمد احمد، خليل عبد الله خليل، الجار العزيز العم عيسى محمد عثمان (عيسى السنجك) رحمة الله عليه، والأصدقاء صالح وفرح ونجم الدين مكي محمد صالح، رمضان ملوال يونس، والزميل الفقيد الفاضل الكردي ابن الراحل الجليل مصطفى دهب كردي، وغيرهم لا تسعني الذاكرة بسرد اسمائهم.
وكانت تعتبر تلك العملية أكبر نقليات تمت في تاريخ السودان خلال تلك الفترة وفي قطاع السكر تحديداً اذ زامنتها نقليات أخرى من مصنع الجنيد الشقيق الأكبر لمصنع سكر حلفا الجديدة وتوأم الروح والجسد وشيخ مصانع السكر السودانية ولا يزال. 
وتزامنت مع حركة التنقلات تلك إلى عسلاية أيضا تنقلات أخرى إلى مصنع سكر سنار، والذي بدأ الانتاج فيه متقارباً مع بدء الإنتاج في عسلاية، مما شكل فراغاً عريضاً بمصنعي حلفا والجنيد خاصة أن المنطقتين فقدت الكثير من العمال والموظفين المهرة الذين كانوا يشكلون عماد الإنتاج والنسيج الاجتماعي المتسم بحياة شغيلة جليلة وعظيمة ربطت جميع أهل السودان في بوتقة واحدة ولا تزال تمضي المسيرة بذات النسق، صانعة وطناً مصغراً في مصانع السكر، وهذا ما فشلت فيه كل الحكومات المتعاقبة بما فيها الانقاذ التي شتت شمل الوطن في مماحكة كبيرة قضت مضجع أبنائه حتى ساعة الناس هذه، وكانت القشة التي قصمت ظهر بعير بلادنا وتنميتها.
وفي ذلك الوقت تناهى وتسرب إلى مسامع وعينا منطقة تسمى (عسلاية) وبهذا دخلت البلدة الجديدة قاموسنا اللغوي والمعرفي في أُبهة بإضطراد سريع حتى إحتلت مكاناً لا يزال وريفاً كما كل بلادي الطيبة. 
وفي هذا الأثناء انضم إلى ركب التعيين بالمصنع والدي الآخر وعمي وصديقي العزيز سيد احمد محمد الحسن البهدير شقيق والدي مما شكل علامة فارقة في إنتمائي إلى عسلاية جنة مصانع السكر السودانية فيما بعد. 
وأمتدت الايام بنا وإذ بها تمنحني فرصة بعد منتصف عقد الثمانينات (يونيو 1986) أن أكون حضوراً بملاعب هذه الروضة الغناء في زيارة خاطفة، وتلتها فترات متقطعة من الاستقرار بعسلاية. 
في تلك الأزمنة من خريف العام 1986 كانت الصباحات بهيةً كجحافل شوقي وإشراقات شمس مغسولة برذاذ المطر وباهرة بخيوط الوان قوس قزح بما يكفي لهطول دموع الفرح وسط زخات غمام هامي خاصة، وأن كل حنايا الروح وخلايا الجسد رهن سماحة عسلاية.
وفي هذا أنشد بعض عبق الماضي وفي خاطري حكايات تنبض بالحنين وتعيدني إلى الوراء والجسد رهن طريق النيل الأبيض.. زمن كنت أدخر فيه ملامح لأشياء لم تولد بعد في رحم الغيب كمثل هذه اللحظات الجامحة. 
وإمتلأت عيوني لبرهة من الوقت بهذا المسرح المتخم بروائح المطر، وأضواء الرعود، وفيض الضروع، وما فتئت الأمكنة تمنحني إسرافاً في الحياة وأفواجاً منهمرة من زرافات الحنين، وإحساساً صادقاً بنبض الطبيعة الساحرة، وتلك البلدة التي أقبل عليها بكل جوراحي وظمأ إلتياعي وأشواقي، والتي ستكون فيما بعد وطني الآخر.
وقُبيل مدخل الجزيرة أبا بدأت تلوح في الأفق حقول قصب السكر ورائحة تلك المياة اللطيفة كما نعرفها نحن أبناء مصانع السكر ونسميها (ريحة الترعة العفنة).. وكانت الترعة العفنة واضحة للعيان وهى تهرول صوب النيل الأبيض ببطء تعلن وصولنا أرض عسلاية الطيبة، والتي عند مدخلها أيقنت بأن هذه البلدة تخصني بصداقتها المبجلة، وإلفتها الدافقة، وطيبتها المنفلتة كعصافير الشوق وإصطفافها المتزن أوان عبورنا الاسفلت إلى الشارع المؤدي لقلب المدينة التي أحببت ولا تزال تسكن قلبي.
ما أن وطئت قدماى الأرض التي تتضوع وتتضمخ بعطر التسامح وتدخل باستئذان مسامات الروح وتبعث فيها الحياة، بدأت في داخلي شلالات من اليقين تتدفق حيناً برفق وحيناً آخر بعنف إلي الحد الذي كادت أن تعصف بشراييني بعد أن أمست طيوف من التخمين تطن وتوشوش على مسارات مِتك الحنين وأزهار تعلو أشجار قلبي ورغبتي في قطف طلع الزمان وتلقيح وقت مضي للوراء.
وتعلق بصري وكل حواسي وكياني بتلك الأرض التي لم أراها من قبل إلا في خاطري المدهون بالذكريات وأيام تعلمت فيها كيف أنسج نول القول ولا يزال المترار بين الأنامل يتذوق طعم الحشمة.
وعلى زاملتي أثمرت أعشاب قلبي ورغبتي من جديد في نظم النشيد وغمرني رضىً تاماً أزاح ضبابية وغشاوة كانت تستر وتظلل مشاويري التي مشيتها بدون الجميلة عسلاية.
وخدشت تلك الجذوة الحانية بؤرة الضوء التي لامستها في وجه المدينة المغسولة بندى أرواح أهلها وتلافيف الزمن الذي منحنا فرصة أن نسامر أحبتنا مرة أخرى ونعانق أغصان ذاتهم المتهدلة على أعطافنا.
إنها أوراق الحياة تتجدد ببوح صمتي العجول ونثار الريح وصبابة العشق. أوراق تحيل نفسها إلى توق قلبي المركوز على فضاء أصدقاء طفولة.
تلك الدائرة التي كانت تفسح لنا براح من نفس الطفولة وذكريات مشدودة إلى العاب بدنية وذهنية شكلت وعينا. ونتراجع في جلوسنا تحت ظل شجرة دقن الباشا التي كان جذعها في داخل منزل أولاد عبيد عبد الرسول، أما أغصانها فمنحتها للطريق ولنا وللعابرين حتى عبد الله قنونة الفتي السوداني المنشأ واليمني الأب والارتري الأم يتخذها مسرحاً لجنونه وسحره وغنائه الجميل حتى يغافلنا ويخطف بفهلوة وشطينة صبية طاقية ابو نفاش أخي الأكبر ويعبر بدراجته سريعاً شوارعنا ويرحل.. وصدي غنائه في أسماعنا حزناً على فقدان الطاقية (آآنا سرقوا... ومين سرقوا...).
وتختلط على تلك المشاهد بما أراه أمام ناظرى في بيت عمي سيد احمد البهدير الماهل بعسلاية، وقلبي ما بين أيام مضت وحاضر يكرس عهداً جديداً لماضي انقطع عن العيان ماثلا  الآن في وجوه الناس البشوشة ورائحة حقول قصب السكر وعصير القصب وزخات المطر المتواصلة وتلك البيوت المتشابهة كعلب الكبريت التي تحمل يافطة واحدة لعنوان واحد، وكأنها أعواد ثقاب تنتظر من يقدح زيتها.
فسواحل بحر الناس يتلاطم موج مودته، ومداه يتسع، وعمقه يزداد في الحنايا. وبذا أضحيت في ورطة شوق عليل يلعب دور رمانة الميزان في محاولة حفظ توازن كل عواطفي وانفعالاتي. وعندها تعلمت كيف أوزع اشتياقي بلا تطفيف في أرض عسلاية الحنينة لآخرين دخلوا كل خلايا الجسد.
ما زلت أسير ذكرياتي رغم حرارة إستقبال أهلي بعسلاية وتدفق أشواقي كالمطر إنهماراً وقت لقائهم الحميم في ظل قوس قزح الممتد على محيا حقول قصب السكر البضة والغضة بإمتداد الأفق والبلدة جلها.. وصرت بين فيضين؛ أحلاهما يغرقني في يقيني، وعباب الماضي، وبدورها السماء شاطرتني هذا الفرح. 
ومضيت عبر خاطري سريعاً إلى القرية دغيم وسط (22) إسكان نواحي حلفا الجديدة التي أنجبت رجلاً نبيلاً ساد سكر حلفا الجديدة وعسلاية بخُلقه الرفيع وأدبه الجم وكرمه الحاتمي بمجرد ما أن وقع نظري عليه، وإلى ذكرى إبنه الذي شغل الناس إلى يومنا هذا بشغبه وجنونه وغيابه الطويل ورحيله الفاجع.
وما لم أكن أتوقعه البتّة قد سمعته من عمي الراحل مصطفى دهب كردي رحمة الله عليه، حيث كان من حسن حظ عمي سيد أحمد أن يكون له جاراً عزيزاً وكريماً ملاصقاً لبيته وقبل ذلك أباً جميلاً، حين أسرّ إلى بذهاب إبنه الفاضل إلى بلاد الرافدين وعدم عودته.. والفاضل لمن لا يعرفه نوع من الشباب المغامر لا يركن إلى هدوء اللحظة ولا يستطيع أن يكون جزءً منها بروحه القلقة وأماله العريضة والوثابة للإنطلاق إلى الجديد والمثير.. والفتى تسكنه طاقة جبارة تهد الجبل وحيله أن لم تصبه بشر، وهكذا حاله منذ أن عرفناه في صباه.
عهدنا به في إبتدائية مصنع سكر حلفا الجديدة (أ) بنين في حقبة ما بعد منتصف سبعينيات القرن الماضي حيث كان فتىً مشاغباً مملؤءً بالزهو وجنون الصبا لا يمر يوم دون أن يترك أثره على طاولات وأدراج المدرسة، والحبر يدلقه بمهارة على ملابس الجميع حتى عمي نور الدين رحمة الله عليه صاحب بوفيه المدرسة لا ينجو من معاركه المستمرة حول الفول والجبنة والساردين وصف استلام السندوتشات المجبولة برحابة صدره. 
وفي كل خطواته على الشوارع يشيع الصبي هالة من الضوء الكافي حول نفسه أينما ذرع المكان بأرجله العملاقة وجسده الفارع وفتوته الجامحة بين أسوار المدرسة وحقول الزراعة المدرسية ومكان صفوف طابورها الدائم والعظيم، وقليل من يقف في طريقه.
وغانم بخيت واحد من هؤلاء القلة الذين تصدوا له بكل صلف وجبروت حتى أدخل نفسه في معمعة عقاب المدرسة الجسيم.. وغانم لا يقل عنه في الجنون وبسطة الجسم سواء في مقدار الكيف أو النوع.. يتشابهان في كل شيء حتى أدق التفاصيل، فقط يفصلهما لون إهابهم الخشن؛ غانم بلون فاحم، والفاضل المايل للبياض الشديد مثل قلب أبيه وجسده.
وذات يوم من تلك الأيام التي لا تنسى، إصطف الجميع في طابور الصباح الباكر، وكأننا كنا على موعد في مائدة مستديرة، ومختلفة من فوضى الفاضل المتناثلة، والتي إعتدنا على وجباتها الصباحية المعدة في إحدى الأمكنة أو في حى البركس مسكنه أو شارع البركس الفسيح غالباً ليأتي خاتماً كرنفاله على إيقاع طابور المدرسة الصب