منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة
منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة ترحب بالزوار من ابناء المنطقة وجميع الاحباب والمريدين داعين لمد جسور التعارف بين الجميع ودوام التواصل
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» مهدي الدود.. البقاء لله
الأربعاء 07 سبتمبر 2016, 2:26 pm من طرف عائدة محمد الحسن

» هاوية الحدس
الجمعة 19 أغسطس 2016, 3:06 am من طرف ناصر البهدير

» أحزان آل سيد أحمد محمد
الثلاثاء 02 أغسطس 2016, 7:27 pm من طرف ناصر البهدير

» قصص .. عبد العزيز بركة ساكن
السبت 23 يوليو 2016, 5:36 pm من طرف ناصر البهدير

» الغالي أوشي.. فرحنا العام
الأربعاء 20 يوليو 2016, 10:27 am من طرف ناصر البهدير

» غياب بطعم الحضور (2)
الأربعاء 06 يوليو 2016, 1:36 am من طرف ناصر البهدير

» الكتابه في العربات (الركشات +الحافلات)
الأحد 12 يونيو 2016, 11:04 pm من طرف ناصر البهدير

» أحزان التوم لاعب التضامن والسكر
الأحد 12 يونيو 2016, 11:00 pm من طرف ناصر البهدير

» أقوال
الأحد 12 يونيو 2016, 12:03 am من طرف ناصر البهدير

» هَيْثَمات.. أحد عشر كوكبا
الخميس 02 يونيو 2016, 2:57 pm من طرف ناصر البهدير

» طرائف رباطاب -مساخة -سرعة بديهه
الخميس 02 يونيو 2016, 1:31 pm من طرف ناصر البهدير

» أحزان آل آدم حامد
الأحد 29 مايو 2016, 2:32 pm من طرف ناصر البهدير

» من أَنبأَك هذا!
السبت 28 مايو 2016, 10:05 pm من طرف ناصر البهدير

» حبيبنا المصنع
الخميس 26 مايو 2016, 9:40 pm من طرف ناصر البهدير

» زفاف أشرف يوسف
الخميس 26 مايو 2016, 11:27 am من طرف ناصر البهدير

» عبد الله المصري.. ساقية الحس المرهف
الإثنين 23 مايو 2016, 3:35 pm من طرف ناصر البهدير

» لحن الصباح
الإثنين 23 مايو 2016, 9:23 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» مع السكر حتى الصعود
الخميس 19 مايو 2016, 2:40 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» قبيلة السكر
الأربعاء 18 مايو 2016, 8:16 pm من طرف ناصر البهدير

» لحن المساء
الأربعاء 18 مايو 2016, 4:31 pm من طرف ناصر البهدير

» احزان على عوض سعد
الثلاثاء 17 مايو 2016, 3:23 pm من طرف ناصر البهدير

» افراح ال بشير مهدى
الثلاثاء 17 مايو 2016, 3:12 pm من طرف ناصر البهدير

» الدلاله
الإثنين 16 مايو 2016, 3:21 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» الذكرى الخامسة لتأسيس المنتديات
الخميس 12 مايو 2016, 6:09 am من طرف محمود بلال

» زوله حنينه .. قلبها ابيض
الأربعاء 11 مايو 2016, 10:29 pm من طرف محمود بلال

»  الأحباب المشرفين..
الأربعاء 11 مايو 2016, 10:11 pm من طرف محمود بلال

» أفراح آل هشام سيد أحمد صالح
الأربعاء 11 مايو 2016, 6:33 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» أفراح آل عبد الرؤوف سعيد
الأربعاء 11 مايو 2016, 6:31 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» افراح ال يحى محمد
الأربعاء 11 مايو 2016, 5:24 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» سيدون .... وصل
الثلاثاء 10 مايو 2016, 8:54 pm من طرف محمود بلال

» بلال الصغير وصل
الثلاثاء 10 مايو 2016, 7:51 pm من طرف محمود بلال

» الخدمه المستديمه الف مبروك
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:46 pm من طرف نازك يوسف طه

» شهرالشفاعه(شعبان)
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:32 pm من طرف نازك يوسف طه

» مجدى (كجيك)عريس السكر
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:26 pm من طرف نازك يوسف طه

» عيال الفكى عرسان السكر
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:22 pm من طرف نازك يوسف طه

» حافظ عمر .. في ذمة الله
الثلاثاء 10 مايو 2016, 2:02 pm من طرف نازك يوسف طه

» عنتر عريس
الثلاثاء 10 مايو 2016, 1:59 pm من طرف نازك يوسف طه

» إنتــــــــــــــــــباه
الإثنين 09 مايو 2016, 8:42 pm من طرف محمود بلال

» أحمد المصري .. في ذمة الله
الإثنين 09 مايو 2016, 6:32 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» عرفة حميدي.. البقاء لله
الأحد 08 مايو 2016, 9:36 am من طرف ناصر البهدير

» دنان واطة حموري
الجمعة 06 مايو 2016, 9:21 pm من طرف ناصر البهدير

» يا اسمر
الجمعة 06 مايو 2016, 7:51 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» قرموني.. ليس وحده!
الخميس 05 مايو 2016, 1:17 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» نهائى (ميلنو)
الخميس 05 مايو 2016, 1:14 pm من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» رمضان جانا
الخميس 05 مايو 2016, 7:20 am من طرف يعقوب اوشى عيدالكريم

» مرحــــبا بالتسعة الجدد
الأربعاء 04 مايو 2016, 2:51 pm من طرف نازك يوسف طه

» العنصرية تطفو من جديد
الأربعاء 04 مايو 2016, 12:29 pm من طرف سامر صلاح

» الطيب سعيد(عريســــــا)
الثلاثاء 03 مايو 2016, 10:33 am من طرف ناصر البهدير

» احزان ال هدو
الأحد 01 مايو 2016, 4:31 pm من طرف ناصر البهدير

» اعتذار
الأحد 01 مايو 2016, 4:17 pm من طرف ناصر البهدير

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع

أكتوبر 2016
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
     12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31      

اليومية اليومية

مجموعة الفيس بوك
</li></ul><div
 id="follow_fdf"><a target="_blank" href="https://www.facebook.com/#!/groups/sugarhalfa/"><img alt="Facebook"
src="http://illiweb.com/fa/optimisation_fdf/fr/facebook10.png"/></a><a
 target="_blank" href="https://www.facebook.com/#!/groups/sugarhalfa/"><img alt="Twitter"
src="http://illiweb.com/fa/optimisation_fdf/fr/twitter10.png"/></a></div>


<style>

#follow_fdf {
  float: right;
  background: url('http://i40.servimg.com/u/f40/11/60/75/36/follow14.png') no-repeat scroll 0 5px transparent;
  padding-left: 1098px;
}

#follow_fdf img {
  vertical-align: middle;
  max-height: 50px;
  transition-duration: 400ms;
  -moz-transition-duration: 400ms;
  -o-transition-duration: 400ms;
  -webkit-transition-duration: 400ms;
}

#follow_fdf img:hover {
    transform:rotate(-10deg);
    -ms-transform:rotate(-10deg);
    -moz-transform:rotate(-10deg);
    -webkit-transform:rotate(-10deg);
    -o-transform:rotate(-10deg);
}
</style>
FacebookTwitter

غياب بطعم الحضور (2)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأحد 05 يونيو 2016, 11:06 pm

لن ننساهم... لهم خالص الدعوات

مبارك رمضان
كل عام وانتم بخير جميع أهلي بالمصنع
خالص التهانئ وأصدق الأماني بحلول شهر رمضان المبارك، أعاده الله علينا وعليكم وعلى الأمة الإسلامية باليُمن والخير والبركات..
تقبّل الله طاعاتكم.. وكل عام وأنتم بخير
ها نحن نرفل في حلل شهر عظيم قُمناءُ فيه بالتعبد والذكر وما فاز إلا لسان رطب بذكر الله وقلب ورع.. وهذه سانحة طيبة ندعو فيها للأموات الذين رحلوا عنا وتركوا بصمات في حياتنا في أرض المصنع الطيبة.
فكرة في أصلها الطيب مرتكزة على الدعاء لجميع الذين رحلوا عن دنيانا من أهل قبيلة المصنع متزامنة مع الشهر الفضيل الذي هل علينا خيره.. سوف اختار في كل يوم من أيام شهر رمضان الكريم شخصية مضت إلى رحاب الله للترحم عبر ذكر مأثرها وأعمالها ومحاسنها، والتوثيق لها بمشاركتكم جميعا.. واختياري لا يخضع لأي معايير سوى قربي من تلك الشخصية التي سأكتب عنها من خلال تلك الفترة التي عشت فيها بالمصنع كواحد من ابنائه ليس إلا.. سواء أكان قرباً زمانيا أو مكانيا.
هم أناس كانوا حجر الأساس والرحى والصبر في بنيان المصنع الوطيد كما أن بعضهم كان محور حياتي وجزء أصيل منه خلال تلك السنوات التي ترعرت فيها وتعلمت.. كنت أنظر إليهم كمثال لا بد أن يحتذى ويقتدى به.. شكلوا وجداني واضافوا لي الكثير في مسيرتي المتواضعة والتي دوما، أفخر بأن مركزها دائرة المصنع.
كما لا يفوتني بأن باب المشاركة مفتوح لكل فرد يريد أن يوثق لشخص راحل حتى لو وثقنا في اليوم الواحد لأكثر من شخص لا ضير لطالما في باب المحبة التي جمعتنا على أرخبيل المصنع وصنعت منا قبيلة واحدة عصية على الإنهزام والتفرق.
ولقد اكملت اليوم عدتي بعون الله تعالي بإختياري لعدد (30) شخصية من أهل المصنع الكرام، وسأقوم مساء كل يوم بنشر مادة لشخصية واحدة كما هو متعارف عليه على منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة سواء أن كان في موقع منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة او مجموعة الفيسبوك كما جرى  في شهر رمضان الفائت.
نسأل الله أن يكون هذا العمل لوجه الله تعالى خالصا لا نروم منه شيء بقدر المحبة التي جمعتنا بأولئك النفر النبيل.
كل عام وأنتم بخير

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 06 يونيو 2016, 10:29 pm

محمد عبد الله.. قنديل مسجد السوق






ما أتعس أن تهرول السنوات من بين يديك صوب فلاة الروح المترامية الأطراف.. وتمطر أحلامك طائر نحس يركض على مدى الأديم، ويسافر بلا أجنحة كما أنت رصيف على شفير الهاوية كجذع شجرة ملتفة في اليباس بين جوانحها وملقية بإهمال على قارعة طريق الحنين أو ساق قصبة سكر عجفاء تحترق من النسيان في عويل الأشواق الذي لا يطاق.
كَدرُ يعلق بالنفس ويهجسها ويعكر صفو الحياة كنذير شؤم، ولا شيء غير ذلك يبدو في أفق اللحظة العارمة والممتلئة بأنين القلق ونواح البلبلة. ليس هنالك من شيء تراه على البعيد سوى لوحة مضطربة لجحافل شجن تتحرك ببطء في سديم السراب وعباب السماء تحاول أنت الواقف على سدرة الخيال متأبطاً عيدان خضراء أن تتجاوزه، وتعبر إلى مكان يسكنك للأبد دون مشقة.. أرض مضطرمة لطالما تحملها بلطف في نمير الحنايا وبحب عميق باق كما الأزل مخضراً بامتداد الحقول اليانعة التي روت يباب أوردتك وشرايينك وضخت الأكسجين على مهل إلى قلب لا يزال ينبض بشغف عشقها المتين واللاعج.
سيان في تلك اللحظات أن تمور النفس وتصارع بعدها الجغرافي أو أن تشتهي لتكون طائراً رفرافاً كلما هبت الريح قاومها بصبر وعزيمة حتى يصل إلى البقعة التي يروم. ولو أخطف ظلي على سطح الترعة العفنة كما يفعل الرَّفرافُ، خاطف ظِلِّه؟ يا ترى ماذا تبقى في أوعية الذاكرة التي ترتمي على الماء لتخطف ظلها أيضا كما يفعل الطائر إِذا رأى ظِلَّهُ في الماء انقضَّ عليه ليخطفه! 
ولم لا أكون ذلك العصفور رغم جرح القوادم والريح والبلل؟ وهل السماء ستمطر نثيث الرحلة حتى أوان الوصول إلى عش هادئ على ضفة الأرض التي أعشق وتعشقونها أنتم؟ هو حلم وسر يسكن الضلوع، وكلانا مخطوف بالظل البعيد؛ ذلك الذي يركد في الخلايا متماسياً ومستقراً مع ظلال ما زلت اشتهي مدها العملاق حينما تعانق غيمة وشغيلة من الناس كانوا ولا زالوا عضدي وساعدي ونبت لحمي وزندي.
وكان هنالك البدء اللامع والنابض وخليقة المصنع البلد والسكر الأبيض؛ متلازمتان في الاستقامة على صراطٍ صنعه نفر عظيم جاء من شتى البلاد... بلاد بعيدة وقريبة، وبلاد حبيبة وصعيبة، ومنها انشق قمر مضيء وفاتن وجاذب وعبقري بحجم الأحلام الكبيرة، وكان أرخبيل مصنع سكر حلفا الجديدة منتصراً على الطين والعشب وبادية البطانة والطيور والكائنات الأليفة والنافرة كما تلك الديدان التي تركض على استرخاء بين شتى أنواع التبر وأعشاب تنمو بضوء شمس لا تزال ساطعة في الإشراق. وبالطبع لن انسى القنفذ ومراوغاته التي لا تنتهي وكيف يدس أنفه ورأسه في داخل كفنه الرمادي الشوكي اللاذع والليل مسرف في الغموض، وكما لا أنسى طائر الكتر وسر عدم طيرانه كما الطيور! وهل يخاف مراهقة أقرانه أم ماذا يا ترى في الأمر وكنهه المجهول!
وفي بالي الهدهد أمير طيور عاشرناه بألفة ومحبة، وكل ذلك مقروناً عندي بطفولة مشاغبة لاحقنا فيها (القطا) ذلك الطائر النادر وصاحب الألوان الداكنة كما بيضه، والذي كنا نجده بين الأعشاب اليابسة، وهو علي يقين التناسل لا يلقى لنا بالاً حتى نقبضه ونمرغ حينئذ لحمه الطاعم على الجمر، ونسعد بلحم طير، ومن ثم نحمل بيضاته الثلاثة، وسرعان ما نعود إلى البيت ونضعها تحت حمامة راكدة تنتظر طلقها كما يجب في صفيحة صدئة معلقة على حائط بيت الدجاج والحمام.
أما السقدة صاحبة الشوكة الأليمة التي ترقد بخفاء على جناحها! طائر من غرابته يزدهي في بهيم الليل ويصير في عتمته إماماً للطيور المساهرة في سمر صوفيتها الناضح تقضي لحظاتها في تسبيح متصل له صليل وشجو تسمعه من البعيد كإتصال ركوعها الجليل والتي لا تفتر عنه.
ومع تلك البدايات المزدهرة في مطلع عقد الستينيات من القرن العشرين، نبت سوق قصب السكر في وقت واحد مع عزيمة أرواح استمدت أنفاسها الملتهبة من متن شرايينها النابضة بالمودة ورحيق الإنسانية، وغدت الأرض حبلى بقبيلة السكر، وأزهرت وأثمرت بالأخضر الناضر والابتسامات الطليقة تمشى كما وحل ريمها المنطلق في مضمار الحياة بلا توقف في حلق البطانة؛ أعاليها وأسافلها.
والتقى الناس كأنما ولدوا من رحم واحد ومضوا بفضيلة الالتزام وبصيرة التعمير.. معاول من هنا تدك الأرض، وأخرى هناك تصارع بين فتائل الحديد والشجر كما أخرى في نواح البلد تستثمر في كل بذرة، وتطلق أسر كمونها حتى تستفيق وتصحو بطلع يشبه وجوه الناس جميعا؛ المصنعجية.
وبين هنا وهنالك ريح خفيفة تتسرب كالأنسام وتغشى مداخل ومخارج البلد وتصنع الحياة وتفاعلها... شارع الترلات والردمية والاربعين وغيرهن من المسافات والبراحات الأنيقة والمشغولة بقيم الحب والعمل وأنفاس الحياة العطرة.. أحياء الموظفين والبركس والحلة والقرى الزراعية، وفي متن ذلك ارتفعت المآذن تصدح بآذان وقت الفريضة المكتوبة؛ كل الصلوات والدعوات والسيرة المحمدية.
وصدح صوت شجي في سيرة هذا الحفيف الصادر عن تحرُّك أَوراق شجر البان أو جناحيِ طّائر تمنيت أن امتطيه أو صوت جلد الحيَّة التي صارعها الرجال الأشاوس أو صوت لهب النار في هشيم القصب أو صوت أجنحة الخنافس التي كانت تلازمنا أينما مضينا أو صوت النبات والكلأ اليابس حين انطلقت فيه الآلات الحادة التي يرتفع أزيزها في نشاط فاعل وحي.
وفاح عبق نشاط يضج بأثواب الوقت ويغشاها ويلثمها حبوراً وجلالاً ومهابة كلما دخلت أسوار جامع السوق الكبير لتنال أجر صلاة الجماعة خلف رجل جامح صدره بالعلم وعقله ماثل باليقين في رجاحة فذة وعلم مستنير وتقوى فصيحة ترتكز على إيمان عضيد وصلابة مؤمن ومسلم قوي نال ثوابه في صمت بين منبره العتيق.
وبان الصوت رطباً بذكر الله تعالى وإمامة الناس في الصلاة وعرفه الجميع بالإمام الراتب مولانا الشيخ محمد عبد الله محمد كأول إمام تشرف بحمل أمانة منبر مسجد السوق الكبير.
هو الشيخ محمد عبد الله محمد علي المولود في العام 1906م بقرية المحس الرقيبة شرق الكاملين حيث حفظ القرآن الكريم فى سن مبكرة بمسيد الشيخ إدريس ود الأرباب فى أم ضوا بان إحدى ضواحي جنوب شرق مدينة الخرطوم.
ولقد عمل الشيخ محمد عبد الله في غض شبابه الباكر بالزراعة فى مشروع سكر الجنيد حتى تركها منتقلا إلى العمل بالتجارة في ذات مدينة السكر (الجنيد – المصنع) لفترة من الوقت، ثم شد الرحال فيما بعد إلى مصنع سكر حلفا الجديدة فى بداية تأسيس المشروع، واستمر فى التجارة وفي نفس الوقت وبتزامن واحد ومنهجية صارمة انشغل بالعلم حتى عرف كإماماً وخطيباً لمسجد سوق المصنع.
وبعد سنوات عامرة بالإخلاص والنشاط الدافق في مدينة المصنع عاد الشيخ محمد عبد الله إلى قريته المحس الرقيبة بشرق الكاملين، وأسند أمر المسجد والتجارة إلى إبنه مولانا سليمان الذي قام بواجبه خير قيام حتى انتقلت إمامة المسجد إلى الأستاذ النور محمد أحمد فيما بعد.
واستمر مولانا سليمان فى مسيرة والده حتى غادر المصنع عام 1988م، عائداً الى مسقط رأس والده بقرية المحس الرقيبة، وهو ما يزال خير خلف لخير سلف في مسيرة والده الراحل في مهمة المنبر كإمام وخطيب لمسجد الكاملين أمد الله فى أيامه بين أواصر طاعة الرحمن.
وتبقى تلك السيرة الخالدة والمعتقة والمجللة بالوقار والعمل والتضحية والتدين والبساطة تنبض بالحياة والحب ضمن سجل الرعيل الأول الذي شاد حضارة المصنع. 
وقضى الشيخ محمد عبد الله جل حياته بين أسوار المساجد ولم يفارقها إلا لتصريف شؤون الدنيا في القليل، وتعلق قلبه ببيوت الله وعمارتها، فأشرق قلبه بنور الله، حتى نحسبه بإذن الله تعالى سيكون ضمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
وفي العام 1988م، فاضت روح الشيخ محمد عبد الله العالم الجليل والحافظ لكتاب الله الكريم بعد حياة حافلة بالإيمان والورع والزهد والتبتل والخشوع مخلفاً سيرة باهية ترقد على لوح المصنع محفوظة ومصونة كما أراد لها صاحبها الطاهر القلب كأنجاله مولانا الشيخ سليمان، وعوض الكريم.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، الشيخ محمد عبد الله محمد علي، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وقرية المحس الرقيبة بشرق الكاملين، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.






اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الثلاثاء 07 يونيو 2016, 9:53 pm

مجاهد مدني.. مَنْ مِنّا ينساه!

ثمة حركة أنفاس متقطّعة تدور مع أصوات عويل خافت يملأ أرجاء المكان، وهدير موجات صاخبة تمضي في عتبات الليل الأولى تتناوشها الظنون ولوعة البعد القاسية عن الديار... ديار كنا فيها نلاعب أفلاكها التي تتقاطع في استقامة مع وعينا الصبي الرشيق ولا نضج كما نثور الآن، ونحن في أقاصى القمر نمارس سطوة حنين لاعج وفاضح.
كم هي تلك السنوات في حساب الزمن! برهة نخالها تلك الأزمنة العصية على النسيان، ونحن كنا فيها نجوس المكان بخِفَّة الطفولة، وطيش الصبا، وحمق الشباب؛ نَّزَقُ في كلِّ أَمر. 
وعلى ربوع حى خمسين بيت ننثر شغبنا بيد أن ما يهمنا أن نترنح على تخوم المكان بخلسة ومهارة نخفي فيها أجسادنا وأصواتنا الضاجة التي تفضحنا دوما كلما توغلنا أكثر في أرخبيل عدمُ الاكتراث, واللامُبالاةٌ.
كل هذا بخاطري يسري كما رعشة الأشواق التي تحاصرني وتضطرني إلى اللجوء والعبث على مؤشر الراديو الإلكتروني مستمعاً إلى ردايو لندن العريق. ربما طيف عابر جال وقادني إلى سماع برنامج عن الغناء العربي حتى وجدت نفسي أكثر إيلاجاً في محيط بقعة مصنع سكر حلفا الجديدة، واقفاً على تاريخ موغل في أودية الذاكرة.
قفز إلى ذهني مباشرة شخص واحد فقط من بين أقراننا غيبته الأيام بين بطن الثرى قبل سنوات خلت من مطلع الألفية الثالثة بعد حياة مُترعة بالنشاط والبذل والاجتهاد والثقافة والمعرفة.
من المؤكد أن خدمة راديو (بي بي سي) العربية فقدت عدداً مقدراً من جمهورها بحكم الموت أو بغيره مثلما حازت أذواق جديدة، ولكن عندي فقدت بفعل الموت والرحيل مستمعاً جيداً وصاحب ذائقية عالية ومعرفة ملتزمة بالأصول والقواعد.. وهذا المستمع ليس بالشخص العادي حتى أستطيع أن اكتب عنه مهما كانت القدرات.
في بعض الأحيان تصبح الكتابة عن شخص أشبه بالصعود على تل وعر، ولكن عندما تحين فرصة ما أو سانحة مناسبة، يمكننا تحقيق ذلك، على نحو ما، بالطبع لن يوفي مقام صاحبه.
وها هو اليوم الذي يجيء أظنه في حضرة الإنسان والزميل والرفيق وابن الحى والشارع الغائب الحاضر.. مجاهد مدني مصطفى.. طيب الله ثراه وتغمده الله بواسع رحمته ومغفرته وعفوه في فسيح جناته مع الصديقين والشهداء.. ومَنْ مِنّا ينساه ويطوي ذكراه بين تلافيف غيوم النسيان المُندثر والمتلاشي بهدوء في أديمُ السماء!
أعوام مضت على رحيله وهو في ريعان الشباب مغادراً دنياناً في صمت، وبهدوء تام غاب في جوف الثرى مخلفاً ذكرى أليمة بين جميع أقرانه الذين لا يزالون عالقون في جب التساؤل والفجيعة والشجن.. هل حقا مجاهد رحل!
بالفعل مضي إلى الرفيق الأعلى في مطلع الألفية الجديدة صاحب الحضور الذكي والمعرفة والثقافة الواسعة.. والانسان الذي عرفنا بعوالم شتى من ضمنها دنيوات (البي بي سي.. هنا لندن: هيئة الإذاعة البريطانية بصوت الفلسطيني ماجد سرحان أو السوداني ايوب صديق أو المغربي محمد الأزرق، أو المصري محمود المسلمي وغيرهم من فطاحلتها الأوفياء وصوت بق بن).
في ذلك الوقت الباهي لم تكد معرفتنا أن تتجاوز عوالمنا الصغيرة والمحيطة بحى خمسين بيت والمصنع عموما، واذا تجاوزنا ذلك نمضي إلى مكتبة الراحل سالم أحمد سالم لكى نقتني مجلة الصبيان ومريود وسمير وميكي وماجد وبعض الكتب القليلة والنادرة وقتذاك.
وفي حلنا وترحالنا بين أزقة الحى وإلى المدرسة الابتدائية والمتوسطة والثانوي العالي كان دليلنا المعرفي والرابط بيننا والعالم بلا شك دون منازع الراحل المقيم مجاهد مدني مصطفى.. كنا نستمع اليه بإنصات مبالغ فيه ودهشة كبرى ولا نبارح مجلسه حتى نقف على دقائق الأخبار في العالم ونتزود منه رغم أن المذياع كان متوفراً، ولكن ضللنا الطريق إلى (بي بي سي) لطالما كان عبد الرحمن عبد الرسول وعلى الحسن مالك وعلى الريح وغيرهم من فطالحة القسم الرياضي بإذعة أم ردمان يهيمنان على كل حواسنا وسيدا الحضور في أذهاننا وآذاننا، وكما وقفوا حجر عثرة في طريق الإنعتاق من هذه الجمهرة التي فقدنا بسببها الكثير.
فالبون شاسعا بين اهتمامنا واهتمام المرحوم مجاهد، فجل ما يشغلنا لم يتعد دائرة كرة القدم وبعض الاهتمامات الأخرى التي تشغل الصبية عموما لذا كنا نفغر فاهنا في حضرته أثناء حديثه عن إنقلاب عسكري في دولة ما أو حديثه عن إكتشاف علمي ما، ومع ذلك يجارينا في الاهتمام بهوايتنا المفضلة لكرة القدم، ولم ينقص عنا في شيء بل بذَّ أقران جيل كامل بوعيه المستنير ونبوغه الباكر.
لم يكن يشبهنا في شيء فمعظم إهتماماته ذات حضور عميق في الوعى بأمهات القضايا، فنجده طيلة اليوم منصرفاً إلى كبريات الدوريات الأدبية والعلمية وقراءة الصحف السيارة علاوة على متابعته اللصيقة للإذاعة والولع الخاص بـ(بي بي سي)، حيث كنا وقتها نجهل عوالمها إلى حد كبير. وفوق ذلك كان عملياً للحد الذي نضعه فيه مع كبارنا لا يترك لنفسه وقتاً للفراغ وإلا وامتشق دروب الشغيلة في العمل سواء في المصنع أو السوق أو الحى بجدية تحسده عليها.
فانكب منذ طفولته الباكرة على تربية حب العمل والاهتمام بأهمية العلم بصبر لم نبلغه.. وطيلة حضورنا في الحى كحال الكثير من الأصحاب والأقران نقضي سحابة يومنا في اللعب في أيام الإجازة بينما هو منهمك في عمل يدر عليه بعض المال الذي يكون مصروفه وجزء منه لمصروف البيت علاوة على ذلك يكون أول الحضور في ميدان كرة القدم حينما يحين ميعادها المحبوب إلى أنفسنا، وكما يمضى معنا إلى أنس الليل يسلينا بأندر الحكاوى والقصص والأخبار.
وفي فترة صباه وشبابه الغض شهدت ملاعب المصنع حضوره الوهاج كأفضل المهاجمون الذين مروا على المصنع حيث لعب لفريق الرابطة حى خمسين بيت، ومن ثم فريق الاهلي بالسوق، وبعض أندية المصنع الأخرى، بالإضافة إلى إنضمامه لفريق السكر الذي لعب له عدة مواسم رياضية بدوري حلفا الجديدة.
وعركته الحياة وصارعته وصارعها في شتى الميادين، ومع ذلك كان صبوراً بحجم الظروف التي مرت به، فانقطع عن الدراسة وانصرف إلى العمل وسبل كسب العيش الحلال، فعاش شريفا يقتات على عرق جبينه مع أنه كان من الممكن أن يكون صاحب حظ سعيد في مجال المعرفة والأدب والعلم وحظوة في أرقى الاكاديميات والمؤسسات.
وكان صاحب قدرة على الاستشراف والتنبؤء بحكم إطلاعه الكثير وثقافته المديدة.. فأذكر عند جلوسنا لإمتحانات الشهادة السودانية في مارس 1989م بمدرسة حلفا الجديدة الإكاديمية موقفا مشرفا واستشرافيا كبيرا بمآلات امتحان اللغة الانجليزية في مادة القراءة الصامتة كعهده دوما في كل الإمتحانات كحال صديقنا وزميلنا العبقري حاتم عثمان يعقوب (الدنجل).
وبحكم قصورنا المعرفي وخلو إدراكنا بمتغيرات العالم وما يدور فيه حضرنا للامتحان كأداء واجب فقط بينما جاء الراحل مجاهد بورقة مُنضَّدٌة وعليها بخط رفيع ومنمق موضوع نجهل اسمه ومعناه ولا نعرف ما هو على وجه الدقة سواء أن الحديث عن مرض فقط يصيب القرود، كما قال لنا صاحب المسودة الأنيقة.
لم نركز معه كثيرا بل انصب إهتمامنا في المواضيع التقليدية حتى ولجنا إلى حجرة الامتحان محملين بفراغنا العريض وكذلك لحظات خروجنا المخيبة للآمال بعد أن فشلنا في أداء الامتحان ومعرفة اسم الموضوع الرئيس للقراءة الصامتة. فإذ به يقول لنا: (ما قلت ليكم موضوع: "الايدز" حيجي في الامتحان).
ومَنْ مَنّا ينساه من ابناء جيلنا.. صاحب السمت والأدب الوقور والحضور الذكي والوقاد والإنسان الخلوق وصاحب البصمة الكبيرة في ملاعب المصنع.. الراحل المقيم مجاهد مدني مصطفى الذي لا تفارق نظراته الأرض عن تواضع وخجل مستديم علا محياه.
ولو قَيَّضَ الله له حضورا في دنيانا الفانية لكان ذا حضور وسيم بحجم حبه للمعرفة التي نهل أصولها من إذاعة (بي بي سي) اللندنية، ولكنها أقدار المنايا التي عجلت برحيله الباكر.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، مجاهد مدني مصطفى، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر والشرفة دلوت بشرق النيل الأزرق، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.






اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.






اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)


ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 08 يونيو 2016, 10:29 pm

عبد القادر مساعد.. أبلق الرياضة الرزين
ناصر البهدير
أن تروي لنفسك حكاية ما بعد منتصف الليل الباهية، وأنت على صراط قلق يفيض بالرشح فوق ذلك ليس لك حق امتلاك القدرة الكاملة في أن تتنحى عن جادَّة الصَّواب والإيمان بقدر جغرافية الأمكنة المتحركة كرمل لا يستطيع أن يتنكَّب الخطر ويتجنَّب سيولة ماء العتمة ويتحاشى جهة مهب الريح العادية... تلك هي الحكاية المفزعة، وأنت تتصفح في أوراق سُدف الحنين وقلبك موزع بين طائفة الأشواق واختلاط الضوء والظلمة معاً، كوقت ما تتذكره بين طلوع الفجر إلى الإسفار، مثل سُّدْفَة كنت تبصر لونها وتنتقي رونق الحياة منها، وتلك المشاهد التي لا تغيب عن عين البال، وتظل ماثلة منذ شروق أشعة الشمس حتى غيابها واقترانها بهالة القمر، وهكذا دواليك من ضوء إلى ضوء رحيم بالناس.
والوقت نافلة في الغثيان نجترح فيه بضع صمت بليغ، وكأننا في واد الغي نجمع الصلوات استباقا للوصول إلى جنة عرضها حبات السكر التي لا تسقط على الأرض إلا شوقاً وهياماً حين تسبح بحمد الخالق، فنقرأ في جوفها تفاصيل أرض لا تخون ولا نخونها البتة. ومن فينا يشق كبد جوفها ويرسم ملامح وعثاء الطريق الذي نمضي فيه صوب عيدان قصب تضرب بجُذورها وتتشعب بالأرض، وتمتد في عميق الأرخبيل المصنعي. هكذا أراه في البعيد، وهو رهق فالت في الانتصاب. ومتى ينفض سامره بين أحداق زهو الوقت وتطرفه في اللا يقين، وسير الدروب التي صنعناها منذ يفاعتنا وما نكصنا عن أعقابنا في عشقها!
عرق حنين التوي في الخبت، وارتاح واتسع من الأرض التي أحبها، وفيها أخبت إلى الله؛ اطمئن إليه وأخشع أمامه، ومثله قصب يهاجر في المكان نفسه ويقترن بخريف الطقس وهاتيك البروق التي تضيء وتعكس نظام رِّيها من هويس نهر الاتبرواي الهرم الذي تفتق عن ترع تقع بالتساوي بين ربوع البلد. وكل واحدة تعكس خصوصية، وبل فرادة في محيا نفورها الوثاب ونهوض الماء لسقيا ألفناها كما صحبة الطير والوكر.
إلفة الزمان والمكان لا تحيد عن نواميس الطبيعة في مجراها الطبيعي التي خُلقت أوان تأسيس مشروع مصنع سكر حلفا الجديدة الذي نشأ على طريقته الخاصة جداً بسرعة قصوى انتخبت قبيلة من أخلاط الناس حتى حصدت فوزا تلو الآخر بمهارة فائقة.
وتدافع الناس من شتى بقاع الأرض يحثون ويسرعون الخُطًى ويشمرون عن سواعد الجد والفلاح في تآزُر بلغ مداه أفق السماء وفاض عن أديم الأرض.. هكذا برحابة القلوب الوضيئة غرسوا الشتلة الأولى لشجرة الحياة في مدينة المصنع، وفي أسافلها نثروا عبق صبغيات من أفراحهم ومودتهم وحبهم لبعض في نسيج فريد من التلاحم والتعاضد. وكانت جينات إنسان المصنع الأول والأخير تزدهي فارعة كما أغصان شجرة الحيارى، والتي يمتد ظلها الوافر ويصل بأمشاج كوبري فاطنة حسين في تلاق عز مثيله موصول بأوصال شارع الترلات؛ شيخ شوارع المصنع.
وفي تنور هذا الحراك الاجتماعي الكبير صعد قمر في سماء البلد وأضاء ما حوله وبهر نوره وسطع على الملأ، وأرسل خُيُوطهُ الفِضيَّةَ على البقاع المخضر بكواكب تستمد نورها منه كشمس تعكس على الأرض في دوران حراكه الكثيف من مكان لآخر. وكأنه القَمَرانِ: الشمس والقمر. ولكنه قمر في سائر أيامه دون أن نراه هلالاً رغم عشقه الخرافي للأزرق الفتان.
وبان في سماء المصنع بوجهٌ أَقمر باذخ يتبع الناس ظله الطويل بحجم أحزمة البان الممتدة على حقول المشروع. وهل يُخفَى القمر؟ رجل طبقت شُهرته الآفاق ونال سعة كل المنازل حيث يدور في كل لحظة بانتباه في مداره ولا يتخطى في دورانه جغرافية المشروع ولا يتقاصر عنها، قَمَرَ قلبه حب الناس وشغفه حد النخاع ولم يشف منه حتى لحظات رحيله وهو بين شفتيه تعويذة عشق ماجد.
نجم أحببناه بصدق ودخل قلوبنا كما الأكسجين صافياً ونقياً لطالما استرعى مالَهُ القمران؛ إِذ لم يشغله عن إخفاء يديه عند تقديم العون للجميع، ولذا تركه همَلاً ليلاً ونهاراً بلا راع.
وعُرف بين الناس عذباً بموهبته وسلساً بشاشته ودمثاً برشاقته ومحيا وجهه الطفولي وليونة طبعه، في غير تصنع. ركض ما يعادل ذرات أرض المصنع بما يكفي أن تمنحه وتبادله الحب بالحب بالقدر والجهد الذي بذله بين جميع الملاعب والشوارع التي غشاها مشجعاً وإدارياً فذاً لا يشق له غبار.
وهكذا عرف المجتمع الألمعي المحبوب (عبد القادر مساعد عثمان محمد) بكلّ شموخ جسده الرشيق ووعيه الرحْب، وإمكاناته الخارقة التي طوعها لصالح الرياضة والمجتمع في آن معا. فبقي مثاله حيّا حيثما تتبعت خطاه من باب قلبه وبيته إلى بوابة وحوش البلد الكبير.
بدأ الراحل المقيم عبد القادر مساعد حياته العملية والتطوعية منذ أن وطئت قدماه أرض المصنع كما خطط لها ورام برؤية رجل ضليع في الإنسانية، منطلقاً من شفافيته ونصاعة نيته البيضاء في الإسراع للفوز وخطب ود مضمار ركض فيه لوحده لأكثر من ثلاثة عقود ساح فيه بصوفية عذبة وتجلي رفيع.
وكنا نراه يركض من هنا إلى هناك في رشاقة عصفور الجنة وتوتره الخفيف وشجي صوته اللطيف كرهافة قلبه المتدفق بحب الناس ولا يمل حتى المساءات المتأخرة تجده في صلب الحدث وتجلياته الأخيرة حين يمضي إلى نومه هادئاً مطمئنا لأحوال البلد ومخلصاً نفسه من ذروة إنفعاله ونشاطه الجم ومن ثم يخلد للراحة ولكنه يغيب في حلم يخص البلد بين مناماته القليلة.
وختم قدورة رحمة الله عليه شوطه الرياضي وسط أنصاره في ظل مسيرة حافلة بالنجاح والإيمان العميق بأهمية خدمة البلد من موقع المسؤولية المشتركة، وإن حمل لواءها لوحده بقلب نابض ومشرق بالحيوية والمحبة.
هكذا عرفنا الراحل قدورة جسوراً وصلباً ومنافحاً ومتفانياً في خدمة ملاعب المصنع في رحلة قادها من ميدان التضامن (العامل سابقاً) في تزامن مع ملحمة أخرى خط سطورها بالعرق والدم على أرض ميدان السكر (الأمل سابقاً) في إنتماء عميق ورقيق تجسد في تفاعله وسلوكه وقيمه وكل أنفاسه اللاهثة في سبيل أن يكون لمدينة السكر موقعاً في مجال كرة القدم.
وفي ملعب السكر بات الأنيق قدورة رحمة الله عليه فريق لوحده في التشجيع والتدريب والإدارة وكل شيء يخص الفريق بروح طيبة ومخلصة لا تعرف التراجع والانتكاس كأنه ينازل الخصوم ويجندلها دون آخرين يدفعه عشق نادر لم نره في المصنع، وهو حامي العرين والكيان.
وحصد حب الناس لوحده، وساد فارساً غيوراً بلا منازع طيلة حياته بين عشيرة المصنع. وهي مسيرة فارقة؛ سيرة رجل عظيم الشأن لم يبحث عن المجد ولكنه ألفى نفسه فيه على مضضٍ، وبفعل الوفاء لأهله بالمصنع وآل بيته. إنسان فريد انتهي به الأمر على ذاكرة التاريخ متوسدها كحق أصيل ضمن صفحات كتابه، وأضحى أحد أكثر أعلام المصنع محل تقدير واحترام وتبجيل.
والرياضي قدورة مثال للرفعة والسؤدد في كتاب المصنع الكبير إذ يعد من ألمع جيل الرعيل الأول للمشروع الذين كتبوا بأحرف من ذهب سجل تضحياتهم العظيمة.
ولد عبد القادر مساعد عثمان محمد في العام 1948م، بقرية العديد ريفي الجاموسي بالجزيرة حيث استقرت عائلته بأرض مشروع الجزيرة بعد أن كان موطن أجداده مدينة الكوة علي ضفة النيل الأبيض، والتي مثلت مسقط الرأس ضمن قبيلة المسلمية الواسعة الانتشار بتلك الأنحاء.
ولدى إنهائه الدراسة الثانوية العامة، بدأ العمل في مشروع الجزيرة، ثمّ تركه وغادر إلى مصنع سكر حلفا الجديدة ليعمل بقوات المطافئ (الدفاع المدني حاليا)، وثم انتقل الى قسم المخازن الكبير حتى ختم حياته العملية في محطة الوقود. 
كان رياضياً من طراز فريد لا يضارعه أحد في عشقه للهلال العاصمي، وفريق التضامن بالبركس، وفريق السكر في ظل ابتسامة لا تفارقه أبداً، وهو في أحلك اللحظات العصيبة علاوة على طيبة قلب وعطف وشفقة وبر وكرم مبالغ فيه، وفي ذلك لا يحمل لأحد بغض وكراهية.
وغاب صاحب البسمة الحانية والطرفة والأدب والتواضع الرياضي الجميل قدورة في يوم الجمعة من 28 أكتوبر 2005 م، الموافق 25 رمضان 1426 هـ، في منزله بالدروشاب شمال بمدينة بحري الخرطوم بعد أن تقاعد عن العمل.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، عبد القادر مساعد عثمان محمد، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وقرية العديد بريفي الجاموسي بالجزيرة، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.






اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 10 يونيو 2016, 12:05 am

سيد جبران.. هويس ذاكرة الشجن




ما بين الصَّحْو والغفوة مسافة نقطعها هياماً على رهق الذكريات والسنوات التي انسربت خلسة في زحام الحياة.. وما الأيام إلا متوالية هندسية من الوقت وساقية حنين تجتر الأسى، ولا تعرف السُبات حين تخبَّ مهرولة بطاقة قصوى للحاق بشيء عصي على المنال.
ومن الحنين ما قتل في لجة الأشواق التي نكابد عبورها.. نسبح على مضض ويصيبنا الفتر والتعب حينما نعبر يم ذكرياتنا الطيبة المتصلة بمراتع الطفولة والصبا والشباب مع أحبتنا الذين فرق بيننا وبينهم الموت أو رحلة العيش الضنين وكلانا غادر من غير وداع، وهكذا حال الدنيا تفرقنا أيدي سبأ، وبقيت الذكريات قارب نجاة وأمل لحلم مؤجل ربما نلتقي ذات يوم وجميعنا يحمل أشواقه الدفينة وماضي أيامنا التليد والجميل والمليء بالشقاوة والبراءة والشغب والجنون!
يظل حنيننا متقد لتلك البقعة التي علمتنا الكثير ولا تزال تلهمنا مصائر الدروب الخضراء رغم انحسار العمر وانقضاء الكثير منه ونحن في شقاء البعد عنها. ويبقى المصنع جذوة نار الحنين المتقدة والوطن الواحد الذي لا نعرف سواه.. ساقية حب لا تزال تنبض بالحياة ومنه البدء والعود.. منه كنا وسنكون، ويكون الوطن بحجم حنينه الطاغي.. سكر حلفا عالم من الرؤى المنثالة وشوق فيض يتدفق من بين هضاب الروح؛ تارة تغالبه الغربة، وتارة أخرى تصرعه عوالم الدانبوشي وحكاوي فكي حسين وفكي لولوة وشلاقة بت ود العطا ودروشة عوض شى وصيحات ديجانقو وانقنق وقفشات ود فكي وفاروق جبران ومحمد طاهر وشغيلة المصنع وسوق السكر. عوالم يصعب حصرها في هذه الرقعة المحدودة، أضحت لنا وقودا للذاكرة المتعبة بالغياب. 
وها هي اللحظة الحاسمة التي أشعر فيها بأن الوقوف على حد الماء نوع من المغامرة النزقة عندما يتعلق الأمر برمل الحكاية المفجعة.. حكاية عالقة بين عروق الرمل وعصب الشجر لا يمكن سردها على ألواح الطين اللازب ولا الطين الرخْراخ كم صديقنا الذي فقدناه في ميعة الحرب الضروس.
وفي سَّهبُ هذا اللَّيل البطيءُ تمرغنا في وحل نثيث الخوف الذي لازمنا منذ عقدين من الزمان ينما تنعَّم هو في أزل الراحة الأبدية، وزاد الطينَ بلَّةً دربنا سلكناه بين براري الروح المترهلة وسهوب الجسد المتعب، هي أجوافُ توزعت بين حبات الرمال الذهبية وأعالي أشجار الأستوائية الشاهقة وما عثرنا إلا على عشب الذكريات الأخضر والمزدان بروح ملائكية عبرتنا على عجل.
وما زلنا نرنو ونديم النظر ونهفو لبسمة وصمت رهيب يختزل ذلك العذاب، ومن ثم نغيب في رَنُوُّ الأماني ريثما يعود وسيما بذات سمته ووقاره المهيب من أوبته البعيدة كما ذهب قصبة خضراء تملأ الأرض بالحياة.
ليل نشد فيه طاقتنا الحية على وطء الأمل ونثقب فيه أديم قبة الرجأ، وفي الأفق متسع لنجم واحد مثله هذا الرقيق الليِّن لا غلظة فيه ولا كراهة.
ولا نعود إلا على وقع هسيس خريطة الظنون الملتبسة والمبتلة بسوء ظن العسس، وخشخشة أوراق الغاب، وبعض روائح التبغ المنتشرة هناك في البعيد، واظنها تلتهم أرواحنا بدلاً عن أجسادنا قبل أن تنال من حذاء البسطار الضحل والقابع على فويهة بئر الرغبة التي نود أن ننهل منها بعض عبق غائب هناك في الأدغال لسبب الحياة ذاتها التي جمعتنا في بقعة السكر على قلب الوحدة الوطنية الناهضة حتى لحظتئذ ما أنفكينا عن محبتها ووصلها الرفيع. 
ولعلها سانحة أن نمتح من نمير عزيز فقدناه ذات نهار داكن من الجزع, والحُرقَة, والغُصَّة, والغُمَّة, والكُربة, والوحشة, والشجن في أنهار البعد ما بين برزخ أعشاب السافنا وأشجار الإستوائية. وتضاربت الأقوال حوله وتصاعدت كحبات المطر في ظلمة الصريم حتى بتنا نمور كموج البحر في الهياج.. هل ابتلعته أرض يوغندا وذوبته في عذب بحيرة فيكتوريا المقدسة وجرى نيلا للحياة أم ثقبت صدره أنياب جيش الرب المقدس أم شاء حظه أن يرقد هانئاً على خط الإستواء مقتسما جغرافية الكون!.. عام والناس في حيرة وإضطراب وعويل وشائعات من هنا وهناك في أمر فقدان الضابط السوداني سيد محمد أحمد جبران المقاتل ضمن القوات المسلحة السودانية.
ومار العام 1995 بخبر أليم شق كبد البلد وأدماه، وماج الناس في حزن ومشقة لم تزل غُصة مروعة في حلق الجميع حتى يوم الناس هذا بغياب سيد جبران في أحراش الجنوب. وربما اتفق البعض على أنه فقد في معركة مشهورة تسمى مقوي وفرجوك بالجنوب (دولة جنوب السودان حاليا) في ظل تلك الحرب الأهلية الدائرة بين الجيش الحكومي والحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان حينذاك. وربما كثير من زبد الحديث المتناثر كالرذاذ وسيد لا يأتي إلى غرفته في بيتهم الوداع في الحارة الثالثة بحلة المصنع كما هو معتاد من كل يوم.
وغاب ابن المصنع وجزيرة بدين الشهم والنبيل، وزميل ورفيق العلم سيد جبران رحمة الله عليه بعيداَ عن أهله في حويصلات الطير حاملاً روحه الطيبة ونفسه الأبية التي حملته للعمل كسباً للوقت حتى يعف نفسه ويعول أهله ويقيهم شر الحاجة. 
وهكذا عرفنا سيد جبران في صباه وشبابه خاصة بين أقرانه وأصحابه بالصبر وقوة التحمل والكدح والعفة حيث كان يقضي جل أيام إجازاته المدرسية في العمل الشاق والصعب دون تذمر وشكوى.
وتربى وعاش في كنف أسرة عرفت بالمرح والطرفة، وكانت والدته المرحومة الحاجة زينب المحسية الإنسانة الطيبة معروفة بالنكتة وسرعة البديهة، وكانت صديقة للجميع، وكريمة كمثل كرم أهل المصنع؛ ولا يوجد شخص التقى الحاجة زينب إلا وتركت لديه موقف طريف يظل بالذاكرة.
وكما لا ينسى الناس شقيقه فاروق جبران.. هويس ذاكرة المرح الذي لم يحظ المصنع بظريف مثله خلال العقود المضت التي زين من خلالها لوحة الحراك الاجتماعي بالمصنع بلطف نبيل وبال وهيط وروح سمحة وظرف نادر أضحى جزءاً من شخصيته العامة. 
لا تخلو طرقات المصنع من طلاوة حديثه الممتد منذ الصباحات الباكرة حتى المساءات المتأخرة.. طَورًا تجده في قهاوي وحوانيت السوق يصنع المرح وآخر في مكان عمله وميدان الكرة وقليل من وقته قد تجده ملازما لبيت،ه وهذا حاله منذ أن عرفناه مجيدا ومعبرا عن أحوال المدينة بلباقة حديثه المنمق والمخلوط بحركة الأيادي وكأنه مسرحي زمانه.
وكان المرحوم سيد جبران من المتفوقين اكاديمياً ومجتهداً، ولديه الرغبة في أن يشق طريقه بسرعة؛ وفضل الالتحاق بالكلية الحربية، وكان له ذلك؛ ولكن الاقدار كانت له بالأجل المحتوم؛ وكم أبكي الجميع بفقده الفاجع.
نعم كان معروف للجميع؛ خاصة نحن ابناء جيل واحد؛ حيث كان قليل الحركة وأكثر حياءً وجادا في حياته، ولا يترك أموره للصدفة بل وفق ترتيب منظم، ولا يفوقه في ذلك إلا زميلنا الأخ محمد عبدالله إحمد (كرش) رد الله غربته.
وسنظل فخورون بكل صفاته الطيبة والمقرونة بشخصه المثالي في اتزانه ورجاحة عقله وبساطته وعفويته ومحبته للجميع وإخلاصه وشهامته وكرمه الذي عرف به على نطاق ضيق إذ فضل الإنحياز إلى جيرانه الضعفاء والفقراء في مُرُوءة، وبسالة, وشجاعة, ونخوة، وأريحيِّة, وأنفة, وأَصالة, وحميَّة, ودماثة, ورُجُولة, وسماحة, وعزَّة, ونُبل.
ومواقفه كثيرة لا تعد، الحاضر الغائب، وهو الذي جُبل على إخفاء ما تجود به نفسه الكريمة عن الآخرين دون من أو أذى.. هكذا مشى على صراط الحب متزن الروح والأخلاق، وهو الإنسان الخلوق وصاحب الذوق السلس, والسلسبيل, والسهل, والعذب, والمُستحبّ, والمُستطاب, والحُلو، والجميل.
ومضى طُيب الأعراق، وحُلو المُعاشرة, وخفيف الظِّل, الى رحاب ربه مخلفاً أريج وعبير روحه الفواحة والعطرة بعد حياة قصيرة قضاها ملتزماً بالمصنع كقضية وإرث وحياة لا تفارق.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، سيد محمد أحمد جبران، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وجزيرة بدين بالشمالية، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.




اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 10 يونيو 2016, 7:41 pm

إبراهيم قرض.. غوث الزمان الأخضر
ناصر البهدير
شيء ما في ساق الليل ينبض بحميمية وهدوء مغرق في السكون، والقلب قَاب قَوسينِ أَو أَدنى من الاقتراب من شفا خصومة الشجن التي لا تترك شاردة ولا واردة على حوضه دون خفقان عنيف له وجيب مثل رَّزِيمُ الغيثُ الذي لا ينقطعُ رعدُه.
كما أن دُجُنَّة بدأت تتوغل في جنح اللَّيلُ، وأنين يزفر زَّئيره أصواتا غير منقطعة حين يحتدم فعلها مع صوت ريح هدوج يبث لواعج نفس مُهتاجة لرؤية فلَقٌ النهار، والمسافة أطول ما تكون في سفر الضوء الشارد. 
برهة ترقُّب يعقبها تَكَهُّن مضني، سرعان ما لبث في الحنايا ومكث أبد الوقت. ولا أثر لتنبُّؤ بين أشجار الوقت الملتبسة في حريق العشق الريان. وصوت صافرة العمل تنطلق وتنطق على لهب نار القصب الأحمر حتى يستوي عود السكر الأخضر إلى حنيذ أبلق في البهاء.
وما له إناء القلب نشيج يغصَّ بالبكاء المُر حين ينصهر في رقعة البيدر ويمخر في عباب السراب وتغسله مياه الاتبراوي العذبة ويصيح بين حجر النار والحديد لكي يقطر دُهنُه شراباً سائغاً!
وفاصمة الشمسُ تنزلق على مهل وهنالك متسع من الضوء يتسكع بين سهول وجه القمر. ألمحه بذات رونق روحه المشتعلة بين صهد ألياف الكهرباء يضيء المكان ومحراب كهفه المعزول بطاقة يمنحها للجميع.
الدخان ليس وحده ركل المسافة وانطوى على ترح متقد ذلك الصباح الدامي والحزين بسكرنا الحبيب.. فالبقاس الأسود أختصر الطريق وترامى ونثر تفاصيله على مدى البصر المرهون بالأرض الحزينة التي نعاها الناعي أوان ذلك الفجر المنثال على رهق.. لا حريق هذا اليوم، ولا صافرة ستدوي بين الأرجاء، ولا صوت أزيز الآليات، ولا جلبة الباعة بالملجة وسوق المصنع، ولا صوت الصغار بحى خمسين بيت في سيرورته العادية، ولا أصوات الانعام تسبح بحمد الله، ولا لحظات شاى الصباح المشرقة، ولا ساعة الفطور الرطبة، ولا شيء البتة سيكون عدا الحزن الكالح المرسوم على وجوه رفقاء العمل وملامح البيوت الطيبة... حتى ورشة الكهرباء أغقلت أبوابها التي تفتح ببسمته الوضيئة، ومنضدتها الصلدة التي عركها وعرفها عن قرب في علاقة ود متينة تقترب من نصف قرن، ودواليبها التي تؤتمن بمفتاحه السري بكلمة شجية منه، ومعداتها التي تدب عليها الحياة كلما لامسها بأنامله السحرية.. كلها تنوح على كدر وكرب بلغ الحلقوم، وشاركها مسجد حى خمسين بيت المفجوع ذلك الذي طاف بين محرابه كحمامة لا تكل ولا تمل من الطواف كلما جاء نداء الوقت المعلوم، حيث نال حصته من الأسى والحُرقة والكمد.
أعرف كيف حال غازي المهدي وحسين هارون وعاطف التوم وماركوني ومحمد عثمان يعقوب (سطلة) ومامون يوسف وفقيري وعبد الله الحبيب وسليم وبقية العقد الفريد الذي إنفرط بالغياب.
كل شيء مغال في إفراط بين حواف مشهد الدموع التي لن تتوقف البتة.. والألم سيد الموقف والدموع تحكي سيرة الفقد الفاجع لرجل عطر بإنسانيته ومودته طرقات البلد.. وتقاطر الناس في حزنهم يكابدون مشقة الصبر ومرارة الفقد لإنسان عمر الأرض وباحة المسجد العتيق بحي خمسين بيت على وفاء نادر. ومضى إلى رحاب الله بيقين العابدين والقانتين والطيبين.
وسيؤرخ الناس من بداية فجر ذلك اليوم الحزين تاريخ انتهاء رحلة الابتسامات الندية التي رافقت البشوش والمليح والفارع الابتسامة إبراهيم عوض محمد موسى (قرض).. وسيبقى المصنع أكثر لوعة في فيض البكاء المنهمر كالمطر.
كُثر هم ذلك اليوم خاضوا بلا سلوان في متاهة اليتم والفقد الكبير؛ أصدقاء ورفقاء عمل وابناء وآباء غرقوا حتما في لجج سيل الدمع غير المنقطع.
كما وحدتنا قيم الانتاج وأواصر قبيلة المصنع، توحدنا في ذلك اليوم الفاجع على شجو جديد غمر الحنايا واتصل بشغاف القلب في مظهر موحش يجدد وشائج الصلة التي صنعتها الأرض الحنون؛ سكر حلفا الجديدة.
وأصبحنا على حزن مرير يمتح من قلوبنا المكلومة كل لحظة ولن يغادرها أبد أيامنا المتبقية لطالما هي أضحت لحد لروح الشفيف والرقيق وحلو الشمائل والأخلاق والقيم المرحوم إبراهيم قرض. 
وتزاحمت نبرة الأصوات في كل الشوارع وأعلنت عن حضورها الباذخ في محاريب العزاء الذي ضم نسيج واحد متضام تداعى من فرط وجعه وأنينه الدافق في صباح يوم يختتم به العالم عام ميلادي ويستقبل آخر.
ويا لبؤس الزمان حين يحتضر مع أنفاس رجل بذل طاقته وأفنى عمره في سبيل تنمية البلاد.. سنوات طويلة انهكت جسده وسمت بروحه السامية، وتلاقت على مودة الكفاح وعرق الشغيلة.. لم يحسن غير صنيع المصنع الجميل وتصريف شؤونه في إباء وكرم ونشاط وفير.
سيذكره الجميع بالخير كلما تلاقوا لتلبية أذان الوقت المعلوم ونداء المصنع.. وستبقى سيرته جليلة وعطرة بوريف أعماله النيرة.
رجلٌ وضَّاحُ الحسب كان من غمار الناس صعد بزانة الإلفة وعُنْفُوان الشَّباب وملاحة الوجه الحُسن، وعبأ فراغات التراب بصباحة زرعه الأخضر، وكال من ماء عينيه النضرتين على الأرض العطشى، وتفتقت الحبة عن محبة ومودة تقود ركبها بريق لهفة وتحنان ما غابت عن محياه الوضاح وثغره البسام.
أذكره جيدا وهو على مرور بنا، ونحن في ميعة الطفولة نتشاغل بسمر يملأ أوقات الفراغ حين نتقاسم لعبة (الرمة والحراس) أو (شليل)، واظنها غابت لعبة (عَظمْ وضَّاحٍ): لُعبةٌ لصِبيانِ العرب؛ وذلك أَن يأْخذوا عظمًا أَبيضَ فيرموه في ظُلمة الليل، ثم يتفرَّقوا في طلبه، فمن وجده منهم فله الغَلَب، وقد يصغِّرونه فيقولون: عظيمُ وضَّاحٍ.
فاليوم غاب إبراهيم قرض (شليلنا) ودليلنا وأنقى ما فينا من طمى الروح الخصب، ورحل نقيّ السيرة والسريرة مستوضح الحي كلما نظر إليه، تجده يغُضُّ من بصره، هكذا ترامى الينا بظله النعيم وبهاء وسمو خُلقه الرفيع.
وفقد المصنع فخره وقلبه وسليل رعيله الأول المحارب الورع إبراهيم قرض رحمة الله عليه بعد رحلة عمل امتدت لأكثر من أربعة عقود من عمر الزمان قضاها عاملاً فنياً في قسم الكهرباء وطواها على حب الناس وعشرتهم في علاقة تظل أبد الحياة محل تقدير وفخر، وكما انها تظل محفورة بين وجدان مجتمع المصنع حين مشى بينهم خفيفا وظريفا وأنيقا ومهذبا ولبقا وطيبا وودودا وشهما وكريما.
وإبراهيم غني عن التعريف هذا البحر الخرافي والمشرق باللؤلؤ والمرجان كلما غصت فيه نلت حصتك وزادك في الكيل من ذوقه وبئر محنته وإشراقه.
هميما وحميما بالناس يمنحك كل شي في طي ملكيته المشاعة دون من أو أذى وعينه على الأرض يراقب نفسه حتى لا يراه أحد.. لا يحدثك كثيرا عن نفسه وفيما يروم فعله الا صدفة انت تواجهه فيها... وأذكر قبيل رحيله الفاجع بأسبوع واحد فقط التقيته هاشاَ باشاً في المسافة التي تقع بين فضاء بيته وباحة الروضة الشرقية في مهمة إنسانية نادرة، لم يود الإفصاح عنها إلا بعد أن حاصرته بالأسئلة الحرجة، وكلما ضيقت عليه الخناق يهرب من حصاري بعفويته وظرفه ومرحه حتى وجدته عالقا في واد آخر.. وغادرنا للحاق لصلاة المغرب يحمل قارورة لا أذكر من حليب الضان أو الماعز لطفلة صغيرة تزور بيته في تلك الأيام، وتعاني من فرط حساسية حليب البقر.
إنه إبراهيم الدقيق والعميق في تفاصيله كما في مجتمعه الذي أحبه وقيض له نوع نادر من الرجال الأوفياء الذين يتحملون فوق طاقتهم لإسعاد الجميع. 
وفي مقام حضرة رجل حمل المصنع على عاتقه، الكلمات قليلة وبخيلة لا تكفي لإنصاف ورثاء إبراهيم الأًشوسُ, المِغوار, المِقدام, الهُمام, الباسل، الخِنذِيذ، الكَرِيم, الرابطُ الجأش، المسالم الذي تميز بالهدوء والوادعة، وتحس ذلك في حركته ومشيهه الهش على الأرض وحديثه العذب.
ومن مثله هذا الكيِّس, المُؤدَّب، المُهذَّب في طاقة الحب، فكان شديد الأدب بين أهله وقبيلة المصنع، وهكذا أحسن ظنه بالناس حتى فاض بالمحبة كصوفي عذب نهل من معين الحب والإشراق والوجد.
وغادرنا أجمل الناس.. ابتسامة وأرقهم مودة الحبيب إبراهيم قرض في الساعة الثالثة من فجر يوم دامع من يوم الخميس الموافق 31 من ديسمبر 2015م، إلى رحاب الله مطوياً بمحبة الناس.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، إبراهيم عوض محمد موسى، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وكسلا، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.






اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)


ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 11 يونيو 2016, 9:28 pm

صلاح كسرة.. بصيرة ملاعب المصنع
ناصر البهدير




بقلب مثقل بالتوق وأماني النفس العذبة للقاء يسكن في البعيد بين طيات الماضي كذكرى خُلقت من نُطفة أَمشاجٍ؛ خلية عود قصب أخضر يانع، وخلية طين بشر.. وجاء المشيجُ دافئ القسمات والتعابير كأنه في سُّرَّة الواقع كون من الطفولة البريئة والبهية الطلعة. وكانت قبيلة المصنع في مد التحولات جسراً غليظاً من شجر الأرض حتى أضحت أَجمةُ ذات بشر كثير متكاثف من النضار. 
وبفعل السنوات دخلنا في المغيب، وتفرقنا كما شاء لنا الحظ، وها هو القلب ينوص ويكِر في طَّنس عميق المهوى، ولات حين مناص. فالقلب شجاه الحزن، وأثاره الشوق، وهيجه الحنين، واهتاجته الذِّكرى. وحبيب هنالك في البعيد مجرد أرض وطوفان من الصبابة واللهفة والإشتياق. صبوة ترهق أجفان الليل المسهدة، ووله عنيد يداعب مسام الريح حتى أهمّه وغمَّه وصيره معلقاً بين لهاة الوقت المصرور على وسادة تقضي حربها الكريهة بين منازل الدروب القصية والمتباعدة جداً. غائِرة كما أفلاك تتحرك بالمٌجافاةٌ والإعراضٌ عن هالة القمر، وهي وقت مطلب ومغاث، فالأمر ليس ساعة ملجإ ولا مهرب.
بخطوات واثقة تدلى القمر في جلال سكونه، مرتدياً فستان حبيبتي المنمق والرافل في الإخضرار.. أي زهواً هذا الذي يبصره القلب المعطوب.. وهل سيكشف عن نعومة أقدامها فقط أم عن ساق كاد أن يكون بليقسيا في تمرده الممرد! أجل هو الصدر الجامح الذي يموج بحبتين من برتقال الجنينة. 
وبت على يقين بأنّ جحافل الشوق التي تحيط بظنوني ستؤدي بي إلى هلاك صوب الجحيم.. قلق يغمره شرود قاتل، ورهق الحنين بلغ ذروته في الأعماق، ولا أمل في أفق مفازات السراب المُتناءٍ.
نعم! إنها زخات الحنين المؤلمة تزيد الروح تعبا على تعب، وتدمي الجسد بالمهق والقلب بالضعف وكل شيء يصبح أعمق في عزلة الوجع، وقسوة واجهة تنتصب أمام ناظريك كيف لك أن تنخرط فيها، وأنت أعزل من أنفاس بلد عطرة فقدتها بمحض الصدفة والظروف.
هي حرب نخوضها يوما في حرّ مزعج، ويوما في ظل برد مؤلم حيث تنتهي بالعزلة المجيدة، في مقابل براح هناك يمكن أن يحتويك ويضمك على صدره متى ما حليت على خضرته الزاهية.
نعترف الآن ومثلما قلناها كثيراً؛ لا شيء حقيقة يعادل حدائق السكر المعلقة بالثمار، ولا شوارعه المنثالة بالحب، ولا حقوله الدانية القطوف، ولا قهوته التي مزاجها زنجبيلاً، ولا طعام أهله العربيد بين تلال الخملات، ولا ترعه السلسبيل. أما إنسانه ذلك القمر الذي زين كوكب البطانة، وأضحى الاتبراوي قلادة على جيده أينما شق أديم المكان بحثاً عن حبيبات السكر المصون برحمة الله.
مهمّة شاقّة أن تجوس في الغياب بلا دليل سوى حفنة من الذكريات المعتقة بروائح المصنع؛ تحملها إلى كل الأمكنة التي تتنزه فيها بجسدك فقط كتميمة تضمها إلى صدرك كلما ضاقت بك الأرض الخراب! ويا لفداحة العبء المغموس في القلب أينما سار به انتكس على رقعة الوقت في الغبن الأليم.. وعزانا ذلك الحِرزُ الأمين ندفع به غوائل النسيان التي تتلبثها الأرواحِ الشِّرِّيرةِ حينما تطاردنا في كل حينٍ.
ومتى نميط عن كاهلنا تلك التَّمائم؟ أما زلنا صغارا ولم نكبر بعد وندرك سر هذه الطلاسم الفاسدة، أم أن الأمر حقيقة لا نفهم كنهه؛ فأعناقنا يا رب مُثخنٌة بِالجِراحِ الثقيل، ولا فكاك منها قريبا.
فرقتنا مآتم الخير والشر، وجمعتنا مناحة البعد القاسي في بيداء بتنا فيها نصارع هسيس حوار الرمل الحارق، وكأننا نواجه لوحدنا عزيف الجنّ في القفر.
وتمر الأعوام في تواليها ونحن في تيه اللواج لا نعثر على درب نقتات منه أمل الرجوع، ونبقى رهن جذوة الذكريات المُتأَجِّجة. 
كأني أقف على ميدان السكر بموازة لادو، وفاروق جبران، وعبد القادر مساعد (قدورة)، وأوكير، وبدوي عبد الرحمن، والأمين كسارينو، وسراويلو، وأحمد الشائب، ومدثر الشنقيطي بوخ، وغيرهم من كان يشعل لهيب التشجيع بدوري المصنع، وسط هذا الضجيج أتمتع بموهبة صلاح كِسرة أعظم المهاجمين الذين أنجبتهم ملاعب المصنع، وصاحب المهارة الفذة التي كانت من الممكن أن تأهله للعب لأندية الخرطوم العريقة؛ الهلال أو المريخ، بالقدر الذي وضعته في مصاف النجومية مع عميد مهاجمي المصنع الفلتة النادرة وثعلب الكرة والمرواغ الخطير والهداف المرعب قمر أحمد محمد إسماعيل.
وقد حدثنا عنه اللاعب قمر حديث الإفاضة في حوار سابق له لصالح منتديات مصنع سكر حلفا الجديدة من مقر إقامته العملية بسكر الجنيد حيث قال: "المصنع يعج باللاعبين المميزين لكن على سبيل المثال برز اللاعب علي ابراهيم (ملاكم) كمدافع متميز وصاحب قدرات عالية لا يمكن تخطيه، وأيضاً اللاعب خميس ابو مريومة كلاعب وسط بارع وصانع العاب فنان، وكذلك الفلتة رحمة الله عليه صلاح كِسرة كمهاجم متميز، وعندما يكون صلاح لاعباً مع فريقه التضامن ضد الشباب، أحمل هماً (بتعبنا تعب شديد جد)، فهو صاحب قدرات عالية في المراوغة والافلات من الرقابة، وأجد نفسي كثيراً مضطراً لمراقبته وبالي مشغولاً به رغم اني مهاجم، واتوقعه في أي لحظة أن يحرز هدفاً. 
وبرز صلاح خضر بخيت بادي كلاعب ذو إمكانات كبيرة أهلته للعب مع الكبار رغم صغر سنه وقتذاك مما أظهره كمنافس خطير لجميع لاعبي المصنع حيث اعترف الجميع بموهبته وقدرته على السيطرة على الكرة، وفعل ما يشاء بها في اللحظة المناسبة، ومن ثم تسديد هدفا. و مَنْ مِنّا ينساه، وهو يصول في ملاعب المصنع كحدة ذكاء الثعلب الذي يدخل في قلب خصمه التمزق والرعب كما يحلو له أن يفعل.. وهكذا امتع الجمهور بتهديفاته وقذائفه القاتلة في المصنع ضمن فريق العامل (التضامن حاليا)، وفريق الأمل (السكر حالياً)، وفريق الاتحاد (26) إسكان.
وشهدنا ذلك العصر الذهبي لكرة القدم بالمصنع، واستمتعنا بفنيات صلاح كِسرة رحمة الله عليه، وكيف كان الخصم يحاصره في أضيق المساحات حتى يفشل تسديداته المرعبة والمرهقة، ومع ذلك يخرج التضامن منتصراً عدا القليل من المباريات ضد فريق الشباب العدو اللدود والخصم التاريخي لفريق نادي العامل بالبركس.
ومثل صلاح صاحب الهدوء المفرط حلم وطموح جيل بأكمله للوصول لموهبته الإستِثنائية والعبقرية والفريدة، وكما مثل أمام الخصوم حال فريق بأكمله في كل مباراة خاضها لصالح التضامن أو السكر.
وانخرط في نشاطه الرياضي بهمة وشغف دون تقاعس وكسل حتى نال مرتبة النجومية التي تقاسمها مع اللاعب قمر وكليهما مدرسة قائمة بذاتها في فنون الاستعراض والامتاع وإحراز الأهداف القاتلة في أحرج اللحظات.
وكان علامة فارقة وبصمة لن تتكرر في ملاعب المصنع، وصاحب مهارة فذة، ورشاقة كالغزال، وخفة كالسنجاب، وذكاء كالثعلب، يحسده عليها نجوم المستطيل الأخضر.
وتميز صلاح خارج الميدان بالسُكُون, والهُدُوء، والصمت بينما في داخل الميدان كان يفصح عن نفسه في بلاغة حوار الثرثرة المتصل مع محبوبته كرة القدم فتجده محاورا لبقا وتارة راقصا حريفا يعبر عن مكنون موهبته الفطرية، وفي الميدان له قول وصليل وضجة ورواية وحديث ذو شجون من خلال قدمه السحرية التي لا تعرف الإطراق كحاله دوما في رواحه وغدوه.
وفقد المصنع لاعب فطِن، وأَرِيب، وأَلمعِيّ, وذَكِيّ, ومُميَّز, وحاذِق, وحصِيف، ومُنقَطِعُ النَّظِير لم يكمل مشوار إبداعه وأريج عطره الفواح.. ونقش صاحب الخُلُق الدمث، والذكاء المُتقد تاريخ مسيرته الوضاء على سجل كتاب المصنع الكبير بأحرف من نور تتناقله الأجيال عبر صفحات الذاكرة الجمعية كأروع مُلهم، ونفاذ بصيرة، ونبيه، ولمَّاح عرفته ملاعب المصنع.
ولد صلاح خضر بخيت بمدينة ود مدني في العام 1964م في أسرة مبدعة، والتحق بالمصنع في عمر الطفولة مع أبيه وإخوته؛ المبدع عزت خضر في عزف الموسيقى، ولاعب كرة القدم طارق خضر ضمن جيل الرعيل الأول المؤسس لمشروع سكر حلفا الجديدة، وسرعان ما شب عن الطوق وتفتقت موهبته الباكرة حتى وجد نفسه لاعبا مميزا وأساسيا بفريق العامل حينذاك.
وتلقى صلاح خضر تعليمه الإبتدائي والمتوسط بمدارس المصنع ومن ثم انتقل للمدرسة المصرية الثانوية العليا بحلفا الجديدة والتي أوشك على إكمالها لو لا رحيله الفاجع الذي لم يمهله كثيرا حتى غاب عنا فارس الميدان الذي تعلم على يديه الكثيرون فنون كرة القدم.
وفي العام 1986، اختطف الموت النجم اللامع صلاح خضر بخيت بادي في حادث حركة مؤسف عجل برحيله الباكر على طريق حلفا – المصنع، وهو طالبا في ريعان الشباب ضمن طلاب مدرسة التكامل المصرية بحلفا الجديدة وخاب أملنا في التحاقه بفريق المريخ العاصمي الذي تطلع ورغب للعب في أشباله، وبذلك طويت صفحة مشرقة للاعب تميز وسط أقرانه بالهدوء والإبداع.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، صلاح خضر بخيت بادي، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر ومدني، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.





اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأحد 12 يونيو 2016, 10:07 pm

حسن بخيت.. سرف دَّوِي الذِّكرُ 
ناصر البهدير
جوهر الأشياء ليس في ألوانها فقط بل يتمحور في الكثير مما يحيط بلبها وسطحها الخارجي كما أغوار القلب التي تصله بمشقة حبات الهواء الرطبة بندى فجر البلد عبر هويس الذكريات المحتقنة بفعل نبات البرمبيطة وبعض حيوانات ضالة فتك بها حريق القصب. وحسن ظني في حضور الذئب أكثر من المرفعين. ولكن هل غاب العواء! بالطبع لا، فهنا عواء تنتظم أنفاسه في ليل مُدلهِمّ لا غرّار في صُّبحه. وهذا عواء القلب ونداء البيْن!
على سبيل التدريج، فالشَّيءُ بالشَّيءِ يُذكَرُ. في الأمر شيء عدنا لا نخفي جموح غليان مراجله في نواص الغياب متحقّق يصحّ أن يُتصوَّر ويُخبر عنه سواء أكان حسِّياً أم معنوياً.
في المقابل يظل رعاف الروح أمام هذا الواقع نوع من رعام الحنين الذي نكابده عن لوعة، محكومين بنمطية رقاع الأقاصى المهلكة، وخاضعين لتضاريس سلطة موحلة في الغثيان، وخرائط تفتقر لأبجدية خطوط كنتورها.
ليس هذا وحسب، بل مناخ الربوة التي نحاول أن نصعد مسارها الصخري، يحفزنا لأن نتدثر ببرزخ غيم يتشظى على وحل الكتابة التي ما عادت جسرا يمنحنا الثبات وحلم الوصول؛ فهي نوع من التخدير المؤقت ريثما تعبر قافلة الأشواق هشاشة الأقلام وخربشة الأوراق.
ومن يمنحنا القدرة على نثر مقداراً من لقاح فحل عود قصب أخضر على أعذاق أرض المصنع ليلقحها فلاَّحُ الغياب عن الأيام الغابرة.
فالزمن موحش في حضوره حين يرسم ملامح قدره الجبار على حقول دفاتر الوقت الماثل لتلك الحياة البسيطة ونمط عيش أهلها الوديع، فما زال سحرها يبعث في النفوس الدعة والطمأنينة وراحة البال، وفي أديم المخيلة العنان لنحت وتصور تفاصيل بقعة عصية على النسيان.
ومضات كالبرق تنسل وتمر أمام ناظري من جهة القبلة، استعيدها من قبضة الزمن الفائت، وتتشكل وتنهمر في تدافع سحب حميم صوب جادة نهر الأزمنة المهرول إلى دلتا الحنين حيث تتجمع طمي من الذكريات في غيط السكر. 
وتنحدر أشواق الروح وتقود مسيرها على وهن تخوم الطفولة والصبا المتراصة بين أضلع تئن من مسافة السفر الذي لم ينتهِ خارج كون العزلة.. ويح قلب له بالمرصاد بُعيد هطول ريح أسمر يقتات من جغرافية المكان وشغب طفولته النزقة!
فأعواد القصب شَقَائق فرسان القبيلة التي أنجبتنا جميعا من رحم ولود حيث نثرنا كالشَّقِيقةُ أي كالبرق الذي انتشر في الأفق والمطر الغزير الذي رَوَّى بطاح البطانة، وسكن ظِماء القلوب.
واشتقَّ القلب في الفلاة، وغاب بين براثن الأرض الظامئة، وأضحى يعدو يميناً وشمالاً للخروج والتنصل، ولكن لا حياة لمن تنادي يا خيل دامر حين تحترق من العطش بين نواحي العتامير.. تحمحم داخل حنجرتك وتجتنب طريق الذهاب، ولا تظنه أجمل من إسطبلك يا عظيم سلالات خيول السكر الأبية. 
ومن وضع العربة أمام الحصان! هم المرابون أم أنت المبتل بالحكاية أم السلالة قصيرة التيلة! بالرواية تنمو الحكاية، ويُرْوى أنَّ، ويُحكى أنّ في قديم الزمان كان هنالك ملكاً غط في نوم عميق حتى سرقت أم الصبيان صَّفَنُه اليابس، ومن ثم استقيظ المعطوب على ثلاث قوائم.
والناس على دين ملوكها حتى في سفر أحلامها المرهون بالوصول إلى حظيرة قدسها الأرضي... أنا وانت وحصان دامر كلنا نسلك طريق (الجرون والقرون) ونبتغي عبور الحواكير، ولا ندري أين (الدمر) من (النشوق)، وغفاري بيننا شاهد على إقتسام الكلأ والماء والنار! وهكذا كنا في فسيح الأرض الطاهرة؛ مصنع سكر حلفا الجديدة.
وبين سوح تلك الأزمنة الأولى ونطفها البيضاء وينابيعها الخضراء حضر إلى المصنع رجُلُ قلبهُ مركوز بعمارة المسجد والكون، حمل نفسه على فعل الخير والعمل اللين والشاق في آن واحد، وما حاد عن جادة الحق حتى سلك طريق القوم مستقيما كميزان الماء الذي يحمله بين يديه كلما همَّ بمباصرة مهنته بين الطوب والطين والحديد.
وعلي يديه نهضت الكثير من المباني في المصنع وشهدت له بصنيع جهده المتصل ولمسات أنامله السحرية واتقانه الماهر والباهر، وعرفه الناس في مواطن شتى يصل ذلك بتلك في هندسة عمرانية فائقة الدقة والصنعة، وفوق ذلك نهض بعمارة حلقات المساجد ومداومتها المستمرة.
وتعلم الشيخ الجليل حسن بخيت محمد الحساني مدارسة وحفظ القرآن الكريم فى خلوة الشيخ عبدالمجيد بمنطقة الرباطاب التي ولد فيها من العام 1938م، بقرية أمكي الي ترقد على حضن نهر النيل العظيم.
وفي صباه الباكر ورث المرحوم حسن بخيت هم الهجرة والترحال من جده لأمه محمد صالح، فهاجر، وهو صبى لدن العود إلى بورتسودان، وعمل فى مجال المباني والإنشاءات وأجاد فى ذلك، ثم هاجر إلى الخرطوم، وكوستي، وسنار، وأبو نعامة، والدمازين، وحجر العسل، والقضارف، وكسلا في طواف لم يركن فيه للراحة وحياة التبطل والانتظار. 
وعند بدء عملية تهجير أهالي وادي حلفا، سافر إلى خشم القربة، وكان من أوائل المؤسسون لقرى أهل حلفا الجديدة بداية بقريتي عنقش (18 إسكان)، وصرص (19 إسكان)، حتى استقر به المقام مواطناً بمصنع سكر خشم القربة فى الحلة القديمة (الورشة الزراعية الآن) عام 1966 حيث عمل بالتجارة فى سوق المصنع في بادئ الأمر.
وما أن أستقر الشيخ حسن بخيت رحمة الله عليه في أرض السكر سرعان ما تم تعيينه بالمصنع في قسم الهندسة المدنية، وبدأَ يكتُبُ في دفترِه ملامح مهاراته فى البناء التي بانت فى إنشاء مسجد الشيخ ود المجذوب، ومئذنة مسجد البركس الحالي، ثم أحيل إلى الصالح العام مع بدايات حكومة الإنقاذ أوان زمان صاحب الوقت الحضاري الغشيم، فعاد إلى التجارة مرة أخري فى معاصر الزيوت بسوق المصنع، ثم استقر به المقام بعد حياة حافلة بالعمل والتطواف بالخرطوم فى العام 2004، حتى وافاه الأجل المحتوم بالخرطوم في يوم الأحد الموافق 18 أكتوبر من العام 2015م.
وشهد عهده تشييد مئذنة مسجد البركس العتيق، والتي قام بها على أكمل وجه مبارك ودُّربةُ. وفي تلك الفترة اتفقت إدارة الهندسة المدنية مع بعض المقاولين من مدينة حلفا الجديدة لتنفيذ مشروع المئذنة. ولكن لخلاف وقع بينهم والمهندس المدني شريف تم الاجتماع بأسرة الهندسة المدنية بقيادة المدير شريف ومن ضمنهم الراحل حسن بخيت وابراهيم. وافق الجميع خلال الاجتماع بالقيام بأعباء تنفيذ وإنجاز بناء مئذنة مسجد البركس تحت إشراف شريف مع مدهم بالمخطط والمقاسات والأبعاد الهندسية على أن ينفذ العمل بشكل يومي، وفعلاً بدأ العمل بها، وكانت لفتة بارعة لإدارة الهندسة المدنية، وجدت الإشادة من الجميع، وفي نهايتها أُصيب المرحوم حسن بخيت بحادث الموتر الشهير، وتعرض  فيه لكسر في رجله، ورقد أكثر من عام طريح الفراش.
وفى المصنع لعب أدواراً كبيرة في عمارة المساجد، وكان من أبرز مؤسسي خلوة الشيخ الباقر بحى التجار بالحلة، علاوة على ذلك يعد من عمار مسجد السوق مع الشيخ المرحوم محمد عبد الله محمد، والأستاذ النور محمد أحمد، وبابكر ابودقن، والمرحوم عثمان البشير أحمد البدوي المشهور بحاج بامسكيا، وكانت لهم دروس وحلقات للتلاوة شبه يومية، ثم طبق ذات البرنامج فى مسجد الحارة الثانية بالحلة، بعد أن أستقر بها مع أصدقائه محمد مجلى، وحاج التوم، ومحمد عبد الله، وعثمان الحاج، ومحمد زين، وأحمد موسى، والقائمة تطول من عمار بيوت الله.
وجاءت حياة الراحل المقيم حسن بخيت رحلة كفاح من أجل التربية القويمة والسليمة والبحث عن مظان الرزق الحلال، وسترة الحال. وكان دائماً عزيز النفس، وبسيط الحال، سباقا إلى عمل يديه يقتدي بزهده بعيدا عن ما تحمله أيدي الناس، معتمداً على نفسه دون النظر والمقارنة بالآخرين.
ولعبت أخلاقه الرفيعة، ووقاره، وتوجيهاته السديدة دورا متعاظما في تربية ابنائه وتعليمهم دون أن تنهار لبنة من التي وضعها بين عراميس أحجاره العتيقة، وهكذا نال آل بيته من بنيانه الذي شاده بصبره وعزيمته.
وعاش المرحوم صاحب الملح والنوادر مستور الحال في كنف عمله، يؤدي واجبه بانتظام وصبر يروم منه آخرته قبل دنياه التي غادرها مطمئن القلب لصلابة مواقفه طيلة رحلته ما بين ديار الرباطاب ومصنع سكر حلفا الجديدة.
ورغم صلابته في شؤون الدين والدنيا والتزامه الصارم، إلا أن  قريحته جادت بحفظ النوادر والطرائف التي لا يكف عن ترديدها والترويح بها عن النفس. 
يذكر أن العمل فى البناء شاقا على عمال اليوميات (الطلب)، ودائما ما يتحينون الفرص للهروب من العمل، ولو للحظات حيث قال رحمة الله عليه "بينما نحن فى ذروة العمل والجميع مرهقون إذا بأحد الطلب يستأذن بحجة قضاء حاجته ثم يعود، فكان له ما أراد إلا أنه تأخر كثيراً، فذهبت مجموعة لقص أثره، وإذا به نال سنة من النوم تحت ظل ما، فارهبوه وباغتوه وكاشفوه بأنه لم يخرج لذلك الغرض، فاصر والح على أنه فعل فعلته، ولقطع الشك قالوا له أرنا أين فعلت فعلتك، وإذا به يدلهم على فضلات جافة، فقالوا له هذا جاف وليس من صنعك الحاضر، فقال لهم: (شغلكم ده بخلى الزول يجيبو ناشف)".
وفي أبو نعامة التي قضى فيها شطرا من حياته نال نصيبه فيها من الطرائف، وقد روى عنه ابنه مصطفى هذا القول.. كنا فى أبو نعامة ونحن مجموعة من العزابة فى فصل الخريف والظلام حالك قامت مجموعة بصنع العشاء (عصيدة)، وجلسنا جميعا حول المائدة إلا أننا نسينا (اللبن)، والكل رفض إحضاره لبعده عن المنزل، ووقع الاختيار على فلان إلا أنه تعلل بحجة أننا سنأكل دونه إلا أننا اقنعناه بأن له اللبن اذا حدث ذلك، ولعدم ثقته بنا استقل الظلام الدامس وحمل (العصيدة) بيده وترك الإناء خالياً بيننا، وفى الطريق أكل (العصيدة) لوحده ثم أتى باللبن، وظل يبكي ويبكي بكاءاً شديداً، ويصيح بأننا أكلنا من دونه، فتعجبنا واشفقنا عليه حتى قلنا ليته سكت، وتم ارضاؤه بأن له اللبن. ولكن فضحته عبارة قالها بعد أن شرب اللبن وابتعد وهي (ااااااع الحمد لله تاكلو ناشف تبلوا جوه). 
أَمرٌ لاَ بُدَّ مِن ذِكرِهِ، مع تلك الحياة التي اتسمت بالكفاح والتدين ورصانة الخلق عرف المرحوم حسن بخيت دربا مختلفاً على غير عادة جيله المنغمس في الحياة. وقد انسرب إلى أتون السياسة وكان من أوائل المنتمين إلى الجبهة الإسلامية القومية، ولما تبين له بان وعاء التنظيم لا يسعه، ولا يتسق مع صدقه وطريقه المستقيم الذي يسير فيه سرعان ما انسحب وغادر إلى خلوته بين بيوت الله موحدا ربه حتى أيامه الأخيرة على محبة عظيمة الشأن.
وفي مغرب الأحد من يوم 18 اكتوبر 2015م، أسلم الروح إلى بارئها، وغاب الورع وصاحب الجسد الخفيف والقلب الرهيف في رحلة أبدية إلى رحاب الله تحفه دعوات ابنائه علاء الدين وخالد ومصطفى وقمر ومحمد الأمين.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، حسن بخيت محمد الحساني، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر وأمكي بالرباطاب في نهر النيل، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.






اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)




ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 13 يونيو 2016, 9:29 pm

عبد الحفيظ الطيب.. مِرجلُ قنديل الضوء
ناصر البهدير






كآبة تتسلق الحنايا وتقفز إلى دورة الدم مدفوعة بذاكرة جريحة وتاريخ مشحون بالشجن... هي مشاهد الطفولة المؤثثة بالحكي وألعاب نطرق فيها فضاء باب الوقت ونثقبه بالحاح عجول يسابق الريح، ونلج إلى معاركنا الوهمية المصطنعة من حولنا تأسيساً على بنية وعي فطرية وبسيطة وسط جلبَة متشاكسة وأَصوات ضاجة بفقاعات الصابون.
وها هو الليل في مده، سال قيحُ الجُرحُ وأنفرط تماسكه على إلمٍ مزمنٍ لا ينضب من الكرير والعزف على بارقة أمل يتشبث بها ويقتفى آثار دربه على رمل التوقعات الحيرى وصبوة الريح الفطن.
هواجس لا تعي أين تقع النفس! هل هي في حيض الغيبوبة أم برزخ الوعي؟ والتساؤلات تسيل كما يحيض نبات العوير الأخضر الولهان بمجاري الترع والجداول ومناهل الماء، مادة لبنية وأوراق خضراء تغري بالرعي كما أهش بنات أفكاري وهن رفلات في الهذيان. نوبات مضطرمة وحادة، أردد خلالها كلامُ مُجرَّد هُذاءٍ يفور بالنفس ويخضها كأنه سيف سريع القطع.
أحاول أن استعيد ما ارتسم في ذاكرتي من أجواء معارك حلبات الطفولة والصبا، والقلب حبيس خان الذكريات ورهن قبضة الزمن القابعة على إستحياء، وكل شيء يثقل الكاهل ودمعة حسرة تنهمر كما يسيل لبن العوير على أكفنا كلما همينا بقطعه كما نشتهي.
ماذا عساي أن أقول؟ والقلب في تنهيدة الشوق الكبرى يصارع أمد عوز الأقاصي، والعلة التي تضرب بقوة على تجاعيد اليأس تفشل كما عجزي الوالغ في وعاءه.
شيء ما يلتمع في درب التبانة حينما كانت السماء صافية في ليالي الصيف، نتتبع فيها المجرة بفرح غامر، ومن يحجبه عنا هذا المتوهج الفارع بين حمم دفق الأسئلة التي لا يتوقف نبضها! والسماء تتوهج بالنيازك والشهب كنهر منساب من النجوم والكواكب على حافة أبصارنا المتيقظة.
ويجلس أبي على مائدة أفكاره ويحكي لنا عن العنقريب والثريا وبنات نعش وأضرابهن السائحات بين الحزام العريض في سماء الليل والذي لم نكن نعرف انه سوى نجوم موجودة على مسافات بعيدة، ويمتد القص عن ذلك الصوفي ابن سليل الصمت الذي تمنيت أن التقيه في تلك المساءات العابقة بالحكايات الشيقة.
والآن الليل يصعد بكل شيء ويسافر بالخاطر فيما يشتهي ويحب.. وهكذا أمرن نفسي على فعل ذلك واجتر ذاك المد البعيد ولا استطيع والروح أعجز ما تكون بين ثنايا الحاضر.
أربعون عاما سماءها مرصعة بندوب الخيبة وخيوط فاترة تبين هنا وهنالك وتنزلق منكفئة على أقدارها ولا مناص بين سديم الحنين سوى الرقص كما رقص (سعدية) من الألم مذبوحا بسكين سيدته الطيبة قرباناً لكف البلاء عن البلد يوم أن زمجرت السماء بدخان البقاس وحريق كاد أن يقضي على الكائن الجميل؛ المصنع.
وفي اشتداد العاصفة لي مآرب كلما حاصرتني أشواك الحنين ومزقتني إرباً إرباً، أقضي حاجتي في الكتمان متنقلاً بين سُدف الليل، ولا خير في أَرب ألقاك في لهب. ما العمل عندما تغمرك أهوال المهلكة ورماح حرب الذكريات!
شيئا واحد يمكن فعله بين صُرُوفُ الدَّهرِ، أن تمتطي قافلتك وتمضي هائماً في رمال الذاكرة مع رفقة تطمئن إلى صحبتها ما دام هم أقرب إليك من حبل الوريد.
وبدأت روافد تذكير تجري بمشقة في بادئ الأمر، ودمي يسيل ببطء في عروقي بعد أن نال حصته من التجميد، وحلقت في عقر دار قسم (القيزانات)، وكيف تصنع الكهرباء من المراجِلُ البخارية التي يقف علي إدارتها أشاوس بحجم التضحيات الكبيرة وسط نيران لا تخبوء طيلة ساعات نوبة العمل.
وقفزت إلى ذاكرتي طلعة رجل مهيب وموغل في الصمت والإيجاز عن محبة يحملها بين ضلوعه وسط لظى وأوار النار المتصاعد وأزيز الآليات يوزع وقته بإنتظام كما شعر رأسه الأبيض الذي يقف بالتساوي من أجل أن تدور عجلة الإنتاج. 
ويقبض على جمر القضية والحياة ونوبة الوردية في صفاء ذهن متقد كاللهيب الذي يصنع الضوء للناس كما فعل من قبل بين ظل بيوت القضايا التي علمته معنى أن يعيش لغيره منارة وشمعة. 
وبين جُذوة النار وسعير الحريق يعمل كشُعلة متقدة؛ هيام يقابل هُيَام في ظل ظروف بيئية في غاية التعقيد لا يتوفر فيها الحد الأدنى من الحماية من إصابات العمل، ولا بدلات التغذية العاجزة.
ومثل حضوره في بواكير انطلاقة انتاج مشروع سكر حلفا الجديدة علامة فارقة وإضافة نوعية مهمة لعمليات الإنتاج التي اضطلع بأعبائها من باب الإيمان بالعمل وقضية الإنتاج والعدالة والمساواة والحق.
وفي مراجِلُ البخار عرف أهل المصنع الغيور عبد الحفيظ الطيب عبيد الذي ولد في قرية الحسيناب بريفي منطقة الدبة على أقصى منحنى النيل بشمال البلاد في العام 1938م، لأسرة بسيطة تكافح الحياة على زراعة قبضة أرض صغيرة تقع بمحازاة النهر العظيم.
وهاجر كحال معظم شباب البلاد وقتذاك حتى وجد نفسه يعمل في مشروع الجنيد لصناعة السكر في قسم (القيزانات) في عقد الستينيات من القرن العشرين.
وفصل الطيب عبد الحفيظ رحمة الله عليه من العمل بسكر الجنيد بعد فترة من استقراره بدواعي إنتمائه للحزب الشيوعي السوداني، وجراء ذلك تعرض أيضاً للإعتقال. و لم تضق في وجهِهِ كُلُّ السُّبُلِ بعد الفصل التعسفي الذي تعرض له حيث ساهمت إدارة السكر آنذاك بتوصية منها في أعادة تعيِينُهُ بمصنع سكر حلفا الجديدة نسبة لخبرته في عمل (القيزات) في العام 1968م.
وظل يعمل بهمة وإخلاص منقطع النظير حتى تدرج ضمن سجلات وظائف الخدمة المدنية في وظيفة مهندس بالإنابة لهذا القسم، ومن ثم أحيل للمعاش في العام 1997م.
ونسبة لخبرته الطويلة في مجال (القيزانات) أعيد للعمل مباشرة بنظام المشاهرة بسكر حلفا، ولكن نسبة للوعكة الصحية التي ألمت به، لم يتمكن من الاستمرار. وأصيب بالشلل التام في الأرجل حتى أصبح حبيس البيت في صراع مدِيدُ مع المرض والمعاناة منذ العام 1998م حتى رحل عن هذه الفانية في يوم السبت من 16 نوفمبر 2002م، الموافق 11 رمضان 1423هـ. 
ورحل واسع البال وسامق الروح بعد حياة عريضة أنفقها للعمل الجاد وفي العلاقات التي جمعته بزملاء العمل، وجيرانه في حي البركس، والذي يعتبر من أوائل من عمره بالسكنة والمودة والرحمة والحب، فكان أباً وأخاً للجميع.
ومنذ نعومة أظافره تميز بالصمت والطيبة، وفوق ذلك جمعته علاقة نادرة بالكائنات الحية، وشمل برعايته الكريمة عددا من الحيوانات الأليفة مثل الأبقار والماعز والدجاج والحمام، وأهتم بها لدرجة تفوق التصور والوصف، وبادلته المحبة، والدليل على ذلك عندما يخرج من باب المصنع وقبل أن يصل إلى البيت، كان أهل بيته يعرفون قدومه بإشارة من هذه الحيوانات صديقته التي لم تفارقه البتة.
وكان قريبا من الناس جميعا كدأبه مع آل بيته وابنائه الذين تربوا في كنفه على سعة من خُلقه وانضباطه كبندول الوقت لا يشذ عن ذلك، وتعلقوا به في سيرة عشقه الهلالي وأضحوا يحبون الهلال كما كان يعشق هذا النادي العريق.
وهنا تحضرني حكاية من حكايات المصنع التي لا تنتهي ما بقيت أنفاسنا تصعد وتنزل... في مطلع عقد التسعينيات من القرن الفائت، كتبت لي الأيام أن أعمل في قسم الأمن الصناعي بالمصنع لموسم واحد مع المرحوم بشير عبد الكريم بشير، والمرحوم عبده وهبة، والمرحوم أحمد تركي (1) إسكان – فرص غرب، وشريف محمد شريف (24) إسكان، وآخرين يضيق المجال بذكرهم.
أثناء مروري الاعتيادي لتسجيل ملاحظات عن سير العمل داخل أقسام المصنع ضمن نوبة عمل متكررة تشبه سابقتها كما كنا نطوي سجل الملاحظات اليومية، في العادة أمنح نفسي بعض الوقت مع الذين أعرفهم أو تربطني بهم صلة.. وكان المرحوم ضمن أولئك الذين أجد نفسي واقفاً معه بعد إلقاء التحية وبعض عبارات المجاملة، وخاصة أنني تربطني صلة صداقة وزمالة بابنه عماد عبد الحفيظ، وكنت لا أتحفظ في التعامل معه، وأحاول التبسط معه قدر المستطاع رغم إنكماشه البائن، وحاولت كثيرا في البحث عن حالة ما لكسر طوق تلك الحدة وصرامة العزلة التي ابداءها لي، وعندما عجزت اكتشفت وقتها بأنه لا يعرفني مما اضطرني لتوضيح العلاقة التي تجمعني به... عندها انشرح صدره واشعل ابتسامة صادقة أضاءت ظلام قسم (القيزانات) النسبي الإضاءة وانفرجت أساريره بعد صمت ونفور طويل ظل يقابلني به.. حيث قلت له ياعمي الطيب: انا صديق وزميل عماد ابنك، وابن مولانا محمد الحسن.. وقتها عرفت الدرب إلى قلبه، وبتنا في علاقة مديدة اتاحت لي الفرصة فيما بعد لمعايدته في مشفاه بالسلاح الطبي في أم درمان طيلة الفترة التي قضاها هنالك للعلاج من المرض اللعين الذي أعقده عن العمل والحركة.
وأسر لي فيما بان الجفاء الذي بادلني له يعود لظروف المرحلة التي تمر به البلاد وقتذاك حيث كان يظنني فرد من جهاز الأمن. وهكذا صحبته عن قرب وعرفت عنه الكثير وتبادلنا مقتنا للوضع السياسي عموما. 
وتعجز الكلمات عن وصف الراحل الطيب عبد الحفيظ الإنسان الوقور، والرزين، والحليم، والصبور، والهادئ بطبعه، والسكوت الذي لا يتكلم كثيرا، والعطوف والبار بأهله ومعارفه، ورحم الله رجلا سلم المسلمين من لسانه ويده.
وفي يوم السبت من 16 نوفمبر 2002م، الموافق 11 رمضان 1423هـ، أسلم الروح إلى بارئها، وغاب الحاضر الغائب وصاحب الروح اللطيفة ونقي السريرة في رحلة أبدية إلى رحاب الله تحفه دعوات ابنائه من البنين والبنات وأهل السكر أجمعين.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، الطيب عبد الحفيظ عبيد، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، وقرية الحسيناب بريفي الدبة في الشمالية، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الثلاثاء 14 يونيو 2016, 9:16 pm

سيد أحمد صالح.. أمير الظُرَفاءُ والطُرفاء
ناصر البهدير




بقلب المساء، ومع حلول أول دفقات الليل، تزحف براغيث الحنين وتملأ مسامات القلب المتعب بعلة الشوق. من شفق الأصيل وغسق الجرح حتى فلق القلق، فالطريق غير مطمئنُّ بين الرَّبوتين؛ الموطن والمهِجر. ولجوف الظلمة كدرة بين ضِّرامُ وميض نار البعد التي لها شهيق يشبه ضراوة ليل العاشقين الطويل ما بين مد وجزر الحنين. ومن يجتث هذا الداء اللعين ويستأصل شأفة هذه الزائدة الدوديّة التي تقلق راحة الإنسان، فالورم يبتر كلما علا باطن وظاهر الأشياء.
قبل النداء الأخير لوِردِ النوم، أصوات الضجيج تصنع موجة من التراتيل داخل قلب الإنسان، تتداخل وتتكامل على إيقاع واحد كأنها تسابيح وإبتهالات تصعد إلى الأعالي من أفواه وقلوب رجال الزاوية البرهانية أو حضرة نبوية للسادة الأحمدية بنواح البلد الأخرى، لعلهم فيها ينشدون ترانيمهم العذبة في بيت سيد قرمش أو محمد آدم عبد الله أو المرحوم حسن علي أحمد أو إسماعيل حمودة أو عبد الله عبد اللطيف عطية (ملح) أو قنديل الوسيلة أو عبد الرحمن الرشيد أو غيرهم من صدح بالنشيد المحمدي وثبت أركان البلد.
فالقلب هذا الكائن المجتر لا ينتمي لفصيلة ذات الفِلقتين، أنه أحاديّ النزعة والمصير، فنطفته مختلفة لا تشبه رُعُونةٌ الشَّيْبُ الذي إضطرم في الرَّأْسِ ولا الدم الأزرق الملفوف في عِرق الوَرِيدُ.
ومن ينقذ الرئتين من قلبي ويعيد إيقاع النَّبض والنَّفس؛ الوَريدان! 
وتبدل مرونة الطقس لا تكفي لإمتصاص الأكسجين من هواء الشهيق لكي تُخرج ثاني أكسيد كربون الأقاصى مع هواء زفير الضيق، ولا أشعر بالراحة ما دام لا أتنفس بملء رئتاي. فقصبة الحال رغم رقتها تصادر من حُنجرتي حق حركة أنسام بلادي وتعتقلها في فصوص البلغم المالح والدم، وماذا عساى فاعل لداء ذات الرِّئة ذو الورم الحار.. ومن يشفي الأنسجة الغضروفية الغشائية من جفاف الحال؟
أود أن أضحك بملء رئتاي المعطبوتان على صدى ضحكات شاردة من أزمنة حكايات متبلة برحيق السكر الناعم والخشن، حتى أنسف ضجري وحيرتي ووجومي على وقع صياد ماهر في عُمُر الوَرْد ينال من حبة ألياف رأس قصب السكر مبتغاه وينعم بمتعة الصيد في خلاء البطانة.
اتذكر ذلك الرجل المرح، وفي فمه غليونا أسودا كما يبدو لي وقتئذ، وعلي عينيه نظارة سوداء تدل على هيبته ووقاره وأناقته المفرطة، يرتدي جلبابا مائلاً للقصر، وحذاءاً أسوداً، وهو يحاول في كل مرة أن ينال رشفة دخان، ولكن تشغله الحكايات الشيقة التي يتلو متونها واقفاً بقامته القصيرة دون تذمر أو استعجال على وجوه أهل الحي أو الموظفين برئاسة مصنع سكر حلفا الجديدة.
واكاد من فرط التعلق الشديد بذلك الشادن أن أنصت وأصغى بانتباه إلى ذلك الصوت الساخر الجذّاب الذي يشق عباب سكون الليل بارتياح كما ينساب الماء من خلال هويس مجري الصرف الصحي الواقع بقرب دار الغربة.
وشتان المكان المُربك! تبدو الخرط الماثلة أمامي جغرافية فيها سلوى وعزاء لمقام بقعة لا تغيب عن البال لحظة، وإن تفرقت بنا السبل وبتنا على محك مفترق طرق عديدة؛ جميعها تقود إلى التوهان في بر الأقاصى الموحشة.
أن تقارن، وأنت على حافة قشرة يابسة من قصب سكر محروق، هي المحاولة لأن تسلك دروب فصوصها حتى لا تتقهقهر بين وحل الغياب القاسي.
وأظل أركز على بهو الحكاية وزمنُ الوَرْد؛ وهل هنالك أروع من رجل يُضرب به المثل في الحسن والطِّيب والفكاهة والسخرية والزهد والتقشف وكل شيء!
نعم! إنطلق ذلك المارد من قُمْقُمُ أسرة آل فقير ليس ذاك الذي نظنه وِعاءٌ محبس العفاريت والشياطين الخُرافيُّ، بل هو مسكن الحكايات اللطيفة والغنية بالطرفة هنالك في وادي حلفا في منتصف عقد الثلاثينيات من القرن العشرين.
وفي وادى حلفا العريقة بدأ الراحل المقيم سيد أحمد صالح محمد تلقى تعليمه الأولي والأوسط، ومن ثم التحق بالمرحلة الثانوية في مدرسة الملك فاروق (لاحقا جامعة القاهرة فرع الخرطوم). 
وبدأ حياته العملية بهيئة السكة الحديد في مدينة عطبرة فى أوائل عقد الخمسينيات، وبعد ذلك انتقل إلى مدينة بورتسودان التي عمل فيها ردحا من الزمن.
وفي عطبرة واصل المرحوم سيد أحمد صالح نشاطه الرياضي فى الربع الأول من خمسينيات القرن المنصرم في منشط كرة السلة كلاعب بنادى الشبيبة عطبرة، ولاحقاً كعضو مجلس إدارة بالنادى نفسه، وهذا مذكور فى الكتاب التوثيقي للرياضة فى عطبرة مدينة الحديد والنار.
وفي أوائل ستينيات القرن الماضي، تم انتدابه لمصنع سكر الجنيد فى للعمل في القسم الكتابى حيث قضى شطرا من حياته هنالك محباً لأهل ود السيد، والبويضاء، والجنيد الحلة، والعك، والطالباب، وقنب وغيرها من القرى الملتفة حول خصر مشروع السكر.
وفى أواخر العام 1969م، قيضت له الظروف الإنتقال إلى مصنع سكر حلفا الجديدة في نقلية غير عادية لتثبيت أركان المشروع الجديد بالبطانة كحال العديد من العاملين أصحاب الخبرة في صناعة السكر، حيث مثلت له حلفا أخصب الفترات التي قضاها في الحياة العملية وسط علاقات أهله بالقرية 23 إسكان، وأهل المصنع.
وتمكن الراحل سيد أحمد صالح رحمة الله عليه من الاندماج سريعا في وسط مجتمع المصنع، وكون علاقات عديدة مهدت له حب الناس لظرفه ولطافته وطرافته وقفشاته التي يطلقها أينما كان. 
وفى العام 1990م، بعد أن تولت حكومة الإنقاذ مقاليد أمور البلاد، أعملت مِبْضعُها السام تشريداً في العمالة الوطنية المخلصة، فتم فصل سيد أحمد صالح ضمن قائمة وطنية مشرفة من العمل في مذبحة كبيرة وسمت بـ(الصالح العام)، بعد أن أغنى جل حياته موظفاً عفيفاً وشريفاً ونظيف اليدين، وكان هذا هو جزاء سنمار. وكحال ضحايا مشروع الصالح العام المسموم، غادر المرحوم سيد أحمد فقير الأرض التي أحبها وعشقها وهام بها هياماً في العام 1990م، إلى مدينة حلفا الجديدة في حى مربع (10)، فى منزل إيجار بسيط، ثم انتقل إلى الخرطوم فى العام 1994م، حتى وافاه الأجل المحتوم بها في يوم الجمعة من 13 يونيو 2003م.
وضرب الراحل المثال الحي الذي قل نظيره في زماننا هذا في التضحية والعمل المثمر ضمن صحبة نفر كرام وعشيرة أهل، عمروا مشروع السكر، ورفدوا العباد بقيم الخير والحق والجمال بتجرد ونكران ذات عزّ نظيره.. ثلة تحمل قيم فاضلة وخصال نبيلة، يتميزون جميعا بالهمة العالية والاجتهاد والمثابرة في سبيل الانجاز، وهم يؤدون واجبهم في صمت وهدوء وشفافية، فصنعوا مجد بلدا طيبا، وخلدوا ذكرى زكية طيبة في نفوس أجيال سلالة قبيلة السكر.
ويعتبر الراحل سيد أحمد صالح أمير الظُرَفاءُ والطُرفاء بالمصنع في زمانه؛ بارع حاذِق، ممتع فَكِه، مَليحٌ، جذَّابٌ، ذَكِيٌّ، وديعٌ، وبَليغٌ، فيه فكاهة ودعابة، وكان يستملحُ الحكَايات العجيبةَ والمواقف العابرة، ويجِدُها طَرِيفةً مُضحكَةُ، ويرويها على لسانه بذاكرة بديهة نادرة.
وكان رحمة الله عليه يحب المقالب الطريفة مع زملائه في العمل ولا تمر لحظة وإلا تجده صنع مزحة مع أحد، وأضحى هذا ديدينه وألف الناس منه تلك الروح الطيبة والمرحة.
ذات مرة سأله أحد المديريين عن أصل النصوص القانونية الخاصة بشئون الخدمة والعاملين، بصيغة من قال هذا؟ فكان الرد على ملف الحكومة أبى هريرة رضي الله عنه. هكذا تجري الحكاية بكل سلاسة وبساطة على لسانه دون تعقيد وانتظار وتفكير.
وعندما وقعت جمهورية مصر العربية اتفاقية السلام المشؤمة مع الكيان الصهيوني، والتي وقع على طرفيها الرئيس المصري أنور السادات، والرئيس الصهيوني مناحيم بيغن، جاء سيد أحمد فقير رحمة الله عليه إلى البيت، وقال لزوجته الخالة الفاضلة بدرية أحمد طاهر متعها الله بالصحة والعافية: "اليوم انا فطرت عند ناس فلانة سوت لينا ملاح مناحيم بيغن"، فكان رد زوجته: "انت اصلكم كده نكارين للجميل انت قلت سوى ملاح مناحيم بيغن وانا ماسويتو".
هكذا جاء إلى الدنيا خفيفا وهاشا وباشا وفنانا يطلق الطرفة ويمضي إلى سبيل حاله غير مبالي بما يجري خلفه، ومع ذلك كان حازماً وصارماً مع أهل بيته، وكان حالهم معه كحال عبقري الفن السوداني ورائده خليل فرح التي لم تعرف أسرته بأن يجيد الغناء ويكتب الشعر ويلاطف الناس خارج داره إلا بعد رحيله، ولكن أسرة سيد أحمد صالح كانت على دراية بأنه صاحب نكتة، وكان يتملكهم العجب حينما يسمعوا عنه بأنه رجل مرح وصاحب طرفة. وهذه هي صفات الفنان الذي يحمل القلق والتوتر داخله ويخفيه عن أقرب الناس إليه كما كان يفعل الخليل رائد الأغنية الوطنية وصاحب عازة في هواك، وزهرة روما، والضواحي، وود مدني، وقوم نادي عنان واتباعه، والشرف الباذخ، وأذكر بقعة أم درمان، وام درمان، وغيرهن من الأغنيات التي ظلت عقدا من جلاد في جيد الغناء السوداني المجيد.
ومع تلك الطرافة امتلك حفيد آل فقير ناصية الحق والسير في صراطه كما يقول ابنه هشام: "إياك إياك أن تغتاب أحد أمامه لأنه سوف ينقل كل ما قلته دون نقصان للطرف الآخر في وجودك، فأمي كانت تخاف أن تلوم  أحد أمامه لأنه مباشرة سوف ينقل اللوم، وكان قلبه أبيض لم يحقد على أحد".
ورغم اهتمامه المتعاظم بالمزاح وروايته على طريقته النادرة، إلا أنه إنشغل بهواية صيد السمك والغزلان والطيور، وقضاء الوقت في الرحلات مع أصدقائه وأهل بيته بذهن خالي من المسؤولية التي يتركها خلفه بمجرد ما أن يغادر مكتبه حيث وقف ضد العمل الإضافى، والبحث عن أجر زائد، وكان يقول في ذلك: "ماذا فعلنا صباحا حتى نسجل زمن اضافى".
ومن الطرائف التي تروي عنه خلال عمله برئاسة المصنع، ضحك ذات مرة حتى كاد أن يفقد توازنه، حينما أحضر له أحد إدعياء التملق والتدين المظهري، والتمسح بجوخ السلطات العليا كشف بالعمل الإضافى لشهر فبراير، ودون عليه بأنه عمل 31 يوما، فرد عليه المرحوم سيد أحمد صالح: "حرام يامولانا بقيتو شهر اتنين 31 يوم".
ويحكي عنه موقفاً ظل مثار طرفة حتى يوم الناس هذا، وبحكم موهبته ومحبته للصيد، قام ذات مرة بضرب سيجارة بطلقة من بندقيته على فم ضابط العلاقات العامة عثمان حسن عامر المشهور بـ(عثمان كديس) الموجود حاليا بود مدني، والذي يعرف عنه بأنه كان من حكام كرة القدم بدوري المصنع وحلفا الجديدة، ومن ثم مدني، وكما حكم في الكثير من لقاءات دوري السودان سابقا، وعمل أيضا حكماً في بعض المنافسات الأفريقية.
ولم تخلُ حياة الراحل من الطرائف التي ظلت تلازمه منذ طفولته حتى رحيله وسط أصدقائه وأهله وزملاء العمل، وقد امتاز بتكوين صداقات عديدة وفي ذلك لديه عدد هائل من الأصدقاء الأقباط، ويبدو أن ذلك لعب دورا كبيرا في تفكيره المتصل لمصاهرة الأقباط، وأراد فعلاً ذات مرة الزواج من فتاة قبطية، ولكن لحقه أهله وأنزلوه من القطر المتجه لجمهورية مصر العربية.
وهكذا عاش الفنان المرهف سليم الذوق بين مجتمع السكر بسيطاً، وأنيقاً، وزاهداَ، وصارماً، ونقياً، وفرحاً لم ينتفخ وريدُه من الغضب ولا تغلبت عليه نوازع الدنيا الفانية حتى غاب في جوف الثرى في يوم الجمعة من 13 يونيو 2003م، تلحقه دعوات ابنائه، مجدى المحاسب بالمملكة العربية السعودية، والاستاذ هشام المحامي بالخرطوم، وابنته الوحيدة هويدا الموظفة بمستشفى سوبا الجامعى فى قسم التنميه البشرية نفس مجال والدها الراحل.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، سيد أحمد صالح محمد، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، وجنساب بوادي حلفا، والقرية (23) إسكان دغيم جنوب، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.





اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 15 يونيو 2016, 9:38 pm

بوكو.. فَراشة حقول السكر
ناصر البهدير
شُعُور ما تكتنفه مرارة، يجتاح الدواخل كما جرعة علقم تتسرب إلى الجسد العليل، ولا تذوب كعُلُوكٌ نشِبت في الحلقِ. إِحْساس , إِدراك يصاحبه ألم تدوم نوبته كما حر القيظ، له زفير كشِقشِقة البعيرِ عند الهدير. وأظنه علِكَةُ مضغة تدور مع لُّعاب الفم.
أنه الحنين إلى المكان يبدو في أقصى حالاته نوع من الأرباك اليقيني بأن العودة إلى الجذور مستحيلة خاصة إذا كانت دفة أرخبيل شوقك صوب الأقاصي التي كنت فيها تصنع ملاعب طفولتك الغضة.. لا شيئاً يعدل نعمة نبع الذكريات بين أفخاذ الغربة اللعينة والبعد المتناهي عن مراتع الصبا وأيام شُعبة الجنون والشيطنة.
هجيج ريح وأَجِيجٌ نار تلتهم شهيق وادي القلب العميق في أرض تسع أَفْياءٌ الحلم التي نستظل بها من رمضاء الحنين، قلق انبسط بعد زوال على باحة الروح، وما ملكت يداك من الأشواق. 
الحنين انفلات متعب يمكن مقارنته بوجع الضرس في ليالي العتمة والمطر والخوف وهوامُّ الأَرض.. وما أعذبه مع ذلك حين تنال حصة غير كافية، وتهوم هوَّم المسافرُ في القطار في دنيوات بلدك الجميلة؛ المصنع.. وقتها تتعاظم الأشياء وتتكثف كلما هميت في كل لحظة بإنسان هذه البلدة المتخم بالمودة والحب وأشياء الحياة الطيبة والتي في ثناياها نكون أحياء بدرجة كبيرة تبقينا على نقاء روحي كبير.
فالمصنع هو المصنع الذي لا نريد الفكاك منه بقدر ما نريد أن نكون قطعة من عظمته الفارهة والمطهمة بعبق الناس في رواحهم وغدوهم، وهم يسكبون العرق على تلك الدروب الأبية، وما أروعهم وهم في كل حين جبال من الشموخ وغيم من الخير يهطل على سُقُوفٍ البيوت، والحقول، وتلك القرى التي تطوق خاصرة المشروع الكبير الذي انجبنا جميعاً.
فالمخيلة ترسم عوالم البلد بدقة لا تتيح لروائحه بالتسرب والنفاذ في ظل مخاوف تتغذّى من تكهّنات منشطرة وكوابيس حالكة تمتزج بفرضيات واقع متصدع تحت وطأة سيل داهم من حنين متماسك لا يرهن ذاته لهشاشة صلة الدم حتى لا يقع في فخ سراب الخيال وينال بذلك صفعة مؤلمة وقاسية من عُباب موجاته الغادرة.
لا شيء هش مثل الروح المثقلة بتوابل حارقة وحاذقة تصنع فعلها على هياج الأنفاس المتصاعدة و لِسانُ النَّار. وأجدني أَمسك لِساني في حلقي بِصُعُوبةٍ وأبحر في صمت وأغرق في لهاة الوقت. تارة أحدث النفس هُنيهةً بأشياء الدنيا التي سرعان ما أغادرها وأركن إلى جذوة اللهفة، وتارة أخرى أسند جسدي وأغيب في فراغ الأفق.
تنتابني وتتجمع عندي في لحظة واحدة صبابة صبي يرهق الهواءُ الطَّلقُ، وعنفوان شاب نزقُ يبني في خِفَّةُ وطيش قصوراً في الهواء ويسعى في غير طائل، ووقار شيخ ناهز المائة سنة؛ هُنَيْدَةُ يملأ فراغاتها في التأمل والذكريات. وأراني قلباً خالياً لا يعي لفرط الحيرة أي المسارات أنعم بالراحة! وأي المفازات أبلغ في الصمت!
وجمرات بَيْن تمرح في ضلوعي، أقلبها على وهن ونَصَب وإِعْياء.. ومن لا يروم وصالٌ بلد احتوى مشميته، وترك وشم ونُدبة صغيرة على محيا روحه؛ سُّرَّة تقتفى أثرهُ إن مضى بعيداً ذات يوم.
ومن يخلِّصني من فضلات الليل، وحبْلي السّرّيّ يرقد تحت أسفل نخلة هنالك في بيتنا بالمصنع!
حقاً إختلط كل شيء، البقاس بالدخان وأنفاس الناس وعصير القصب وعود القصب أخضر، إلى أنْ رقص درويش قلبي في المزيج، ودار حابلُه على نابلهِ.
وفي بلاد المصنع، تتلاقى الأرواح والأجساد وتتآلف في مسيرها مذ أن تعاون الناس على وضع اللبنة الأولى لصرح مشروع سكر حلفا الجديدة، وكل شخص يمثل حالة لوطن كبير عشقناه جميعاً على قلب رجل واحد.
وعاش الجميع في إلفة وسكينة وفرح وهناءةٌ وإنشراحٌ، وصنعوا مجد البلد وحفوه بالحب دون تقاعُسٌ وتكاسُلٌ وتهاوُنٌ، فاستجموا وارتاحوا على حِضْن الإنتاج, وحِماية المودة, وكنف الإنسانية.
إنَّ تاريخ المصنع الاجتماعي والرياضي لم يشهد شخصية محبوبة مثل بوكو في رقته وبياض قلبه، فما زال أهل المصنع يحبونه ويذكرونه بالخير، ويتذكرون أيام مجده عندما كان لاعباً مرموقاً ومميزاً ضمن فريق التاكا والأمل (السكر حاليا).
ومثِيل بوكو لن تلده أمهات المصنع، وإن طال عهد الزمان؛ أُمثُولة نادرة في التواضع، والتهذيب، واللين، واللطف، والظرف، والصفح، والحب، والمودة!
وتعلقت به قلوب أهله بالمصنع حين خصها بالتقدير والاحترام والعطف، وكانت تسبقه ابتساماته المرسومة بعفوية على محيا وجهه الطفولي والملائكي قبل أن يصلك بجسده النحيل والنحيف، وكأنه يخصك لوحدك في مضمار الحب بقسط وافر من سويداء قلبه.
وفي مُهْجَتُهُ وأعمق أعماقه يمنحك البشاشة واللطف على إستحياء وخفِر تلحظه في عينيه قبل محاجره، وهو يلوذ بظرفه وببسمته الصادقة التي يوزعها على خلق الله بدون مقابل. هكذا عاش بين الناس بالحب ومن أجل الحب مقرونا بالإخلاص في العمل والتضحية في المجال الرياضي، فأضحى علماً وصرحاً يشار إليه بالبنان والقلوب التي أحبته بصدق؛ فراشة حقول السكر التي طارت واحترقت حول نار القضية؛ كواحد من الشغيلة الذين أبلوا بلاءً حسناً في سبيل أن يكون المشروع قائماً على المحبة، وناضحاً بالسكر.
وفي ميدان الكرة نهض الراحل المقيم ذو الكفل حسن عبد الصادق المشهور بـ(بوكو)، جباراً، وأطيش من فَرَاشة رقيقة؛ مندفعاً في تهوِّر، لا يتحرّى عواقب الأمور حينما تحين السانحة لتسجيل هدف في مرمى الخصم أو الذَّودُ عن عرينه، تجده كعود قصب أخضر يشق عنان السماء ولا يلام في أتون النار التي أوقدها عود ثقاب غَيرته وحميَّته. 
وكانت الجماهير تواقة للمشاهدة على إعجاب ومفخرة، وتحتشد من النهارات الباكرة حول ميدان المصنع الكبير شوقاً لرؤية الساحر بوكو، وهو يراقص الكرة ويفعل بها ما يشاء بموهبة فذة، ومهارة مدهشة ضمن فريق التاكا الذي إنتمى إليه في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين مع مجموعة كبيرة مثلت أمهر اللاعبين بالمصنع أمثال، الفنان على المصري، والصلد أبكر آدم الخير، والموهوب هاشم عبد الرازق (قوني)، والمرحوم عربي، وكمبوديا، وعبد الجداع، والمرحوم محمد حسن (أطرش)، وغيرهم من شكلوا بعبعاً مرعباً لفريق الشباب أقوى أندية المصنع زمانئذ، وكان مع فريق التضامن يشكلون أضلع المثلث الذهبي للأندية العريقة وصاحبة العطاء الوافر في ملاعب المصنع.
ولن ينسى أهل الرياضة تاريخ الراحل المقيم بوكو رحمة الله عليه الباذخ والناضر في رحلته الرياضية الباهية مع فريق (السكر حاليا) في الحقبة الأولى لتاريخه الناصع من مطلع سعبينيات القرن المنقضي، وجمعه ميدان الأمل بجيل الرعيل الأول من اللاعبين أمثال؛ عصام محمد البشير، وبشير أحمد عبد الباقي، واسماعيل، وعبد الرحمن كافي، ومحمد بكوسة، وفايز ازرية، عبد اللطيف بركة، وعبد الرحيم كافي، وعبدالله، والمرحوم محمد ناصر عبد الكريم، والطيب، عبد الله المحسي، وعبد الرحمن أبو زيد. 
وعاش بوكو رحمة الله عليه حياة هانئة وسعيدة وهادئة وسط أسرته بالمصنع يشارك الجميع أفراحهم وأتراحهم حتى المناسبات العامة لم يغب عنها حتى بعد مثوله للتقاعد عن العمل بعد مشوار شاق قضاه مستقيماً بين زملائه في وظيفته بقسم الترحيلات، ووفياً للبلد التي أحبته وأحبها، حيث أضحى قطب رحاها، وجزءاً أساسياً من نسيجها الاجتماعي والرياضي والعملي. 
واحتضر فراشة حقول السكر ذو الكفل حسن عبد الصادق (بوكو) على فِراش الموت بعد صراع مع المرض بالخرطوم في مساء الإثنين من 16 سبتمبر 2013م، حيث وارى جثمانه الطاهر الثرى بالخرطوم بعيداً عن أرض السكر التي عشقها حتى الثمالة.
واحتبله الموتُ بحبائله صاحب البصمة التي لن تتكرر بسكر حلفا الجديدة، والروح الطيبة، والوجه المشرق، والجبين الساطع، والأب والأخ الحنون ذو القلب الطيب وحسن المعشر.. وغادر وترك غصة في حلق أهل المصنع وحزن في القلوب.
وكان المرحوم بوكو طيب الله ثراه يقدر ويحترم الصغير والكبير على السواء، ويواصل الأرحام في بر متصل، ويشهد الله علي ذلك. فلن تكفي وتفي الكلمات العاجزة مهما كتبنا عنه وعن بسمته التي كانت لها طعم خاص، وهو يجوب بها أرض المصنع.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، ذو الكفل حسن عبد الصادق (بوكو)، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، والقرية (23) إسكان دغيم جنوب، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.






اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)




ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الخميس 16 يونيو 2016, 11:40 pm

عبد الغفار بابكر.. سليل البسمة الخضراء
ناصر البهدير




كيف يتجسد وجه النسيان المصرور عندما تحاصرك لوعة الفقد؟ وهل بإمكانك أن تكون مجرد شاهد زور على ما يجري وانت تغالب  انتهاكات الذكريات المسمومة وتجاوزاتها بندوب بثور الغياب التي تأكل الاعتياد بمرور الزمن أم في الغياهب غِمدُ الأماني يلوح لامعاً كرجل مُصابٌ بداء جربِ الروح المجُهد!
وهل هنالك وِجْدَان أجرب أكثر من ذات لا تعي إنها ستُعدي قطيع الذكريات وترهقها بعبث الدمامِلُ وعفن القَيْحُ مع حكة الليل القاسية. إنها حُمَّى السكر المتقطعة الباردة التي تسبقها رجفة، تأخذ يوماً وتدع يوماً بأدوار متناوبة، وكما تأتي أحياناً كثيرة نَّائبة؛ كلَّ يوم. حتى حُمّى الرّبع لها نصيب في الجسد المترامي، والذي تشعله القشعريرة وتصيبه بالهَذَيان والغثيان.
وتغمرني نوبة اغماء طويل أفيق منه على صوت جرار أليف وحبيب للنفس يشق أضلعي.. اتكلم بغير تفكير، واتمرغ في شجني الكثيف الذي يحاصرني في هويس جسر الترعة العفنة الصغير المنصوب ما قبل التقاء الترعة العفنة مع ترعة قادمة من حلفا، ولا يعرف طريقه إلا عظيم الرياضة ومستقيمها وغفاري زمانه هاشم قوني، وهو يختار أقصر الدروب الخالية من الضوضاء، وهكذ شق دربه إلى سوق البلد وملعب كرة القدم الكبير بلا تعب بعد ظهيرة كل يوم من حلته جبرونا. 
ومن يستطيع أن يشهر سيف النسيان ويغيب في دالات ظنه الموجبة! ومن ثم أغوص في رواسب الترعة، واحمل بقايا جسدي المترهل بفعل براغيث تحارب بحماس عن وطنها الذي نحبه بذات الحميمية التي هبت بها للدفاع عن جغرافية الماء المميزة ونباتاتها الوريفة.
إنَّ الرِّجال صناديقُ مقفلةٌ وما مفاتيحُها إلاّ التجاريبُ كما تبث الأقوال، ومثل قوني أيقونة وضمادة لأوجاع روح البلد المنكهة بالغبار، وفي الاقتراب من عرينه تعرف أنه رجل من غمار الناس أنفق شبابه وعمره في محبة البلد بالطريقة التي يفضلها دون تدخل من أحد، ومثله كُثر في علائق المحبة التي صنعت قبيلة السكر.
ما أَظلَّتِ الخضراءُ ولا أَقَلَّتِ الغبراءُ أَصدق لهجةً من غفاري المصنع الذي وضع ثوابته ومضى موفور الصحة والعافية عائداً إلى أهله على ضفة القاش بذاكرة البلد التي عشقها على طريقته البسيطة.
منذ مطلع عقد الستينيات من القرن العشرين لا نجرؤ على النسيان ولا على القدرة للمغادرة إلى خضراء الدِّمنَ مهما كان حسنها، وبتنا ننتقل بين الأمكنة، وبينبا وبين المصنع الأخضران من المخافة؛ البحر والليل.. وماذا أنت فاعل حينما يجنَّ عليك أخضرُ الجناحين حين يرخي سُدُوله في سِتر، كموج بحر هائج الأطراف والمتون!
إنه مسرح عريق يعيدك على سبيل التَّجربة، إلى التَّجارب المطبعيّة، لأول نسخة مطبوعة لمخطوط بعد تنضيده، ومن ثم تعقبه تجربة ثانية، يكون الغرضُ منها مراقبة التجربة الأولى للتأكّد من كفاءته.
كما يقولون إن التجربةُ أمُّ العلم، ولا خير فيمن لم تعظْه التجارب، وأيضا يمتحن الذَّهب بالنار والرِّجال بالتجارب، ومن عرف التجارب طابت له المشاربُ.
ومثل غفارينا قوني، هنالك سيد الاسم غفاري من نوع آخر علَّمته التَّجارب، وأضحى زعيماً في الخِبرةُ، والحِنكةُ، والدِرايةُ، صقلته الحياة ومشاويرها التي مشاها سيد نفسه؛ صاحب الروح اللطيفة، والبسمة الوافرة، والوجه الضحوك.
واختط الراحل المقيم عبد الغفار بابكر طريقاً مختلفاً وجاب بقاع المصنع بالبشاشة والطلاقة وسعة الصدر التي اتسعت لكل ما واجهه من صعاب في سيره الحفيف والشفيف بالابتسامة المرسومة على محياه بصدق وحب.
عبده نفيسه كم يحلو لخلصاء عمره عند وقت النداء، وما أعذبها من لحظات رسمت الأخاديد الغائرة في قلوبهم المكلومة برحيله، ورفيق دربه عيد بامسكيا خير من عبر عنها قائلاً: "رحلة عمر من المهد إلى أن سبقنا للحد.. حمل المسؤولية فى باكورة شبابه بعد وفاة والده مبكراً.. جالد مشاق الحياة باسماً رغم عظم الأمانة الملقاة على عاتقه.. كان شجاعاً فى رأيه، يأخذ المصاعب ببساطة، ودائماً أجد عنده حل لكل مشكلة مهما كانت عظمتها... البسمة ﻻ تفارقه مهما كانت الحالة... تجده فى كل المناسبات مع الكبير الكبير والعكس... مزاياه ﻻتحصر.. وإن كتبت الأيام والليالي... صديق لكل الناس عبده نفيسه كما يحلو لى.. كتاب مفتوح، ظاهره باطنه... صعب أن أكتب فيه... ابو الدكتورة ريهام".
ورحل غفاري في فجر يوم أغر، والدخان يزاحم أفق السماء ويغطي أديم الأرض، طاوياً كل المسافات التي عبرها بين الناس بهيبته وجلال أناقته حتى، وهو محمولا بين الكتوف على النعش الطيب. وانطوى ذاك اليوم على ترح، وجزع، وحُرقَة, وكَآبة, وكَدر, وكَرب, ومناحة, ونكد, وهمّ، وشقَاء, وشجن حين نعي الناعي وبث الخبر الأليم والفاجع.
وامتد الحريق في الجوف، ودوت الأرض بالحزن وعمّ النبأ الكالح وبلغ كل وجوه الرجال ورفقاء العمل وسيدات البيوت وأطفال البلد برمتها في إصطفاف شجًى، والكل واجم، ومغتم، وحزين، ومكروب.
وانكشفت الشمس على مشاهد شتى من الدموع واللوعة والبكاء المُر،  تحكي عن سيرة فقد عظيم لرجل نادر ذاع صِيتُه بين الناس وطبّق الآفاق على محجَّةُ الصَّواب وجادته حين اجتمعُوا على اتقاد وجع لِلتَّحاجِي عن سره وأخلاقه، وكيف يمسحون دموعهم التي سالت عن المحاجر في فقده الكبير، وكأن المصنع يفقد لأول مرة رجلاً بمقداره.
حقاً خط غفاري رحمة الله عليه سيرة من الجمال والروعة والمحبة، طرزها بخيوط قلبه وشرايينه التي ما وقفت يوما ما عن نداء مهمة البلد ومطايبة أهلها، ونسجها من فرط صور مودته التي رسمها على مدى الحقول الخضراء التي توسدتها روحه العبقة بالخير والإنسانية. 
ومن ذلك بدأت كتابة تاريخ جليل وفخيم عن نوع آخر من الرجال على صفحات المصنع عن سيرة شهم ونبيل سار بالابتسامات الندية والحيوية والاستقامة، ما ترك شبراً إلا وسكب فيه قطرة من دمه، ذكرى ولوعة وحب وانتصار فارع الابتسامة وسليل حقول السكر من جيل الرعيل الثاني الذي تدفقت وفاضت أجسادهم وأرواحهم بالتضحية وهمّ إعلاء شأن مشروع السكر بقلم دافق ووسيم دائخ بين أنامله في عطر أنفاسه من شدة الوله والعشق للبلد.
كبير في عقله حين جاء لموسم العمل، وخاض في العمل المكتبي بذهن متفتح وقلب طيب وعقل صارم ودقيق في كل كلمة تخط على الورق، هكذا يوزن الحروف والعبارات بميزان الذهب ولا يميل وإن مالت النفوس والأهواء. 
ومضى الساحر, المرح، الأَغرّ, الأَنيق, الباهر, البديع, البهيّ, الجميل, الرائع, الصبيح, الغرِير, الكَريم, المليح, الناضر, الوسيم, الوضّاح, وخلف حسرة بين أترابه السمر؛ الإخوان حيدر وعبد المنعم حسن دقاش، وحسن بكري، وعبدالواحد عوض، والمرحوم السر عبدالله عبد النعيم وشقيقه صلاح، وعيد بامسيكا، وصلاح حسن محمد علي، وغيرهم من سكن قلبه الأبيض، كُثر هم اليوم يخوضون بلا سلوان في متاهة اليتم.. أصدقاء ورفقاء عمل وابناء وآباء غارقون في لجج سيل الدمع غير المنقطع، وفداحة غيابه الكبير.
وتبقى صورته المُشرقة والنادية في كل مكان تحتشد بالبشاشة والظرف والتألق والتلألأ الذي يصنعه بين أقرانه وأصدقائه وأحبابه وابناء جيله ومع الصغار والكبار؛ رجالاً، ونساءاً، وأطفالاً.
وسيفقد الناس عبده نفيسة الأليف الودود, والأَنيس اللطيف, والحبيب الراقي, والحنين النبيل، والخليل العذب, والخِدن الرهيف, والخِلّ الوفي, والرفيق الصدوق, والزميل العفيف, والسمير الباسم, والصاحب النادر, والصفِيّ المرن, والعزيز الباهي, والعشير الظليل, والقَرين المثال, وقُرّة العين, والمحبُوب الطريف, والمُؤَانس الظريف, والنديم الفكه.
وستبقى سيرة عبد الغفار بابكر محمد صالح حية بين دفتي كتاب أهل البلد؛ طاهرة، ونقية، ومستقيمة، وعفيفة، ونزيهة، وشريفة، وصدوقة، وصالحة، وموثوقة مادم سار بين الناس لسان صدق.
ولن ينسى له الناس تلك الابتسامة الخفيفة والثقيلة، وهو يملأ بها فراغات المكان وضجيجه، حين تنفرج شفتاه دون من أو أذى عن ثناياه ضاحكا بصوت ودونه، وفي الحالتين يملك أقطار القلوب، كأنه سَّحابةُ تسعف الليل بالبرق.  
وتُنِيرُ الابتسامةُ وجهه الصبوح علامةً رِّضا حيث كانت لا تفارق شفتيه؛ لطيفة وساحرة، ويعبر باسم المُحَيَّا، ومُتهلِّل الوجه مجالس القوم ودروبهم وأسواقهم وأماكن شغلهم. واستطاع أن يوحد الناس على قيم الاجتماع بأريج بسمته الزكية، كما وحدتهم قيم الانتاج، حتى توحدوا جميعا على حب غمر الحنايا واتصل بدم القلب في مظهر فريد أكمل وشائج الصلة التي صنعتها الأرض الحنون؛ سكر حلفا الجديدة.
وارتحل غفاري في صباح يوم عبوس بعد معاناة مع المرض في يوم الخميس من 31 ديسمبر 2015، وتزاحمت نبرة الأصوات في كل الشوارع وأعلنت عن حضورها الباذخ في محاريب العزاء الذي ضم نسيج واحد متضام تداعى من فرط وجعه وأنينه الدافق في صباح يوم يختتم به العالم عام ميلادي ويستقبل آخر. ومنها أصبحنا على حزن مرير يمتح من قلوبنا المكلومة كل لحظة ولن يغادرها أبد أيامنا المتبقية.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، عبد الغفار بابكر محمد صالح، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، والدقاويت بمنطقة الحامداب بالشمالية، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.




اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)



ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 17 يونيو 2016, 7:51 pm

عثمان يعقوب.. نَّحلة العطاء الوافر
ناصر البهدير
يسعى الرجل أحياناً وراء المستحيل كأن ينقب في رمل الخيال لكي ينقي بذرة الحال من كمون سوء المآل.. حسناّّ ندع ذلك جانبا ونتمهل في بعض قوانين الكون التي تتيح لنا الاقتران مرات كثرة بالتابع القمر. ربما يبدو مثيرا للسخرية أن تكون جزءً من مشهد ابو الدرداق الذي شاهدته ذات يوم بشارع (حداشر بيت) بحي خمسين بيت في نهار خريفي تضج سمائه بالسحب والبروق والرعود إلى أن تصنع الأوهام التي تولدها الغيوم السارية من الاتجاه الجغرافي الجنوبي إلى الشمالي في حركة تتابع ليست مريبة كما تظن وانت رهن اعتقالك وسجنك في ليل موحش يغيب قمره كما لم تعتاد على ذلك.
أبو الدرداق ينشط خلال يومه بمهارة فائقة لإصطياد روث الأبقار تحديدا، ويكتفي بوجبته الوحيدة المتكررة ويظل ينفق ساعات نهاره وليله بصورة ليست ليها مثيل على الإطلاق.. أنه رهق مكابدة سبل العيش وشظفه على نحو يبدو صحيحاً، وليس كما تقول الخرافة بإنه يسعى للإقتران بالقمر في زيجة تجمع كوكب سيار وحشرة من كائنات كوكب الأرض، وشتان ما بين الثرى والثريا، وتلك أماني المستحيل التي يفضلها الكثير من الرجال في مغامراتهم لإكتشاف الدنيا الفانية. لا عجب فيمن يخمن ويقدح ذهنه ويشغله بمصارعة فعل الإستحالة.. إي سحرية تلك التي تفضح مهابة الرجولة، وهي تتلصص بين مفارق القمر في ليل كسول لا يعبأ به حتى، وهو بين هالة تضيئ عتمة الانتظار لواقف على شفا الحلم.
على عتبة اصطفافنا اليومي بقرب عربة المورس (فولكس واجن الألمانية) القابع بذلك الشارع أمام منزل عمنا الطاهر عبد الله موسى، نقضي سحابة يومنا من مطلع ومنتصف سبعينيات القرن العشرين على شراهة إدمان ألعاب الطفولة ومتابعة كل الكائنات الحية التي تنتشر بتلك الأنحاء.
وتظل العربة هي نفسها بذات الحجم والشكل ترقد هناك على بقعة طيبة في أقاصي جنوب أحياء الموظفين حيث تتمتع بحضور ساحر بجوار منزل العم عثمان يعقوب عبد الباقي في حى الألمان الصغير والشهير، كأول منطقة شكلت ملامح البلد وساهمت بصورة خاصة في إذكاء روح إنطلاقة صناعة السكر من الناحية الفنية بعد بدء تركيب أجزاء مصنع السكر العملاق الرابض في ذات المكان منذ مطلع ستينيات القرن الماضي.
وأعود إلى المستحيل الذي غزا كياني وأحاله الى نتف من بقايا روث ابو الدرداق في ظل مكابدته اليومية لنظافة الأرض وكنسها من وجه القاذروات حتى يرى القمر فيها وجهه منعكسا كما بهاء الضوء المعكوس والقادم للأرض. ومع ذلك الجهد المتعاظم الذي يبذله ابو الدرداق لكي ينجح للاقتران بالحسناء التي استعمصت عنه بالبعد والغياب من حين لآخر بينما هو لا يزال يتقدم خطوة ويتراجع خطوتين، وكأنما يا ابو زيد ما غزيت، ولا غزيت بملامح غربتي البعيدة عن ذلك الشارع، وسيارة المورس (القعونجة) العريقة التي شغلتني سواء في خمسين بيت أو حى الألمان، وكليهما في نظري يسترقاني، ويخلبان لبي كلما مضيت في حقل الذكريات متأبطأ تلك العوالم البهية.
ولعل الأقرب الى دائرة القلب الآن، وما حظيت به من قرب تلك (القعونجة) التي كانت تنام على عافية ورحمة ومقربة من عمنا عثمان يعقوب رحمة الله عليه.. كنا على قدر من الوعي مقارنة بفترة مورس الطاهر كهرباء، لذا نهلنا منها وتعرفنا على ملامحها عن قرب بمعية صديقي حاتم الدنجل. 
المستحيل هو أنت تذهب إلى ذات المكان، ولا تجد سيارة المورس، ولا شيء من هرجلة الإخوان سطلة وشغب الدنجل، ولا عزيف الرياح على حزام البان ولا الأشجار نفسها، ولا شيء سوى عبق المكان حتى ذلك، وأنت في البعيد محروم منه بالقدر نفسه حينما تجد كل بصرك موصول باتجاه القمر حيث تضبط بوصلتك في انتظار رفقة ابو الدرداق عسى أن تحضر عرسه الخرافي.
وابو الدرداق يمارس دحرجته لكرات الفضلات بعناية فائقة كما قلبي ينقي رمل خيالي ويصوبه على صفاء الأرض الفائضة بروث الغياب نحو المصنع.
وقد نتفق حينما يزداد نشاطنا في الليالي المقمرة ليرانا القمر، ويتذكر وعده حتى يفي به... الخنفس ابو الدرداق كم نعرف عشق القمر وتتيم فيه حباً حتى النخاع، حتى أشفقت عليه من قوس قيس وليلى، فوعدته بالزواج إذا نظف سطح الأرض من كل القاذروات... وقلبي في اتجاه المصنع يلوذ هنالك وينتظر حضوره حتى نحظى بلحد هناك لجسد أضناه الترحال، وروح أهلكها البعاد عن الوطن الأصيل.
وعند ذكر المصنع كل شيء يمور بضجيج الفخر لذكرى أولئك النفر العزيز الذين قام عليهم صرح السكر العملاق.. بشر من نوع خاص لهم سمت الفحولة والشهامة والإنسانية الخالصة في حبها للجميع وعمارة الكون.. ما أنفكوا منذ وطئت أرجلهم أرض الخير حتما عن توفير سواعدهم وقلوبهم في دفع عجلة الإنتاج في الواقع؛ ممارسة وتطبيقاً؛ فكانوا نعم رماة الحدق، وحماة القبيلة، وصناديدها الأوفياء الأشاوس. 
وبسط اللَّيلُ رداءه، وبدد ساعات النهار، والروح في بهو الذكريات التي تنقذ الإنسان من التآكل والضجر وسيل الكآبة ورتابة الأيام خاصة تلك المترعة بفيض الطفولة والصبا والشباب، تظل محفورة أبد الحياة وسريان الأنفاس في جيوب الذاكرة نشطة ترعى بين عشب الحنين.
وفي البال ألمعي أسمر وهبه فريق ريد المشهور جنوب دار الرياضة بمدينة أم درمان لمشروع السكر، المولود في حي الموردة العريق في العام 1924م، أوان أن زمجر الغضنفر عبد الفضيل الماظ بقضيته، وزلزل أركان عرش الإمبراطورية العظمى التي لا تغيب عنها الشمس، وقاد فرقة النضال ضد المستعمر البريطاني في هبة قوية مسجلة ضمن تاريخنا الوطني في لوحة شرفه، مؤرخة لثورة المناضل الجسور عبد الفضيل الماظ في 1924م، واستشهاده في معركة النهر.
في وسط أجواء النضال نشأ وترعرع بأم درمان الراحل المقيم عثمان يعقوب عبد الباقي، وتلقى تعليمه الأولي بمدرسة الموردة الأولية في عقد ثلاثينيات القرن المنصرم، حتى وجد نفسه مخطوفا للعمل في قوات دفاع السودان، والتي تحولت إلى قوات الشعب المسلحة فيما بعد، وجاب بقاع السودان المختلفة حتى ترك العمل بها، ليستقر بعض الوقت في شركة أدوية، ومن ثم شركة كلايانتي كونتسولاتي التجارية.
وفي العام 1970م، بان عثمان يعقوب رحمة الله عليه في سماء المشرُوع نحلة تصنع العسل، وانخرط في العمل في مصنع سكر حلفا الجديدة في قسم المخازن حتى تقاعد للمعاش في العام 1996. وما أن مرت الأيام مسرعة، وهو في شيخوخة العمر أصيب بجلطة عام 1998م، ثم عاد إلى الدويم مستقره الجديد أهل زوجته، إلى أن غادر إلى الرفيق الأعلى عام 2001م، بعد حياة نشطة ومفعمة بغبار المعارك، وأداء الواجب الوطني في حقول عديدة.  
وكان الفقيد عليه رحمة الله مقل في الحديث، ومنظم في حياته وعمله بصورة في غاية الدقة والانتظام، لا يترك مجالاً للعبث والفوضى والصدفة والتسويف والمماحكة وتأجيل الالتزام، وهو يؤدي واجبه في صمت وارتياح بالغ لاَ يُحبُّ ارتداء ثوبٍ لاَ يُناسبُهُ، وهذه هي مواقفه النبيلة والمعتدلة في خيار ديموقراطي لا يحيد عنه.
ومن الطريف كان يلبس الرداء القصير تأثراً بأبيه الذي عمل أيضاً في قوات دفاع السودان إِبّان العهد الاستعماري. وكان أخيه الأكبر لأبيه من الذين تم أسرهم في الباخرة البردين التي اقلت كتشنر في القرن قبل الماضي للانتقام لقتل غردون باشا القائد الإنجليزي علي يد أنصار الثورة المهدية.
وانتمى الراحل المقيم عثمان يعقوب لأسرة عمل جل أفرادها في الجيش السوداني، إنتهاءاً بابن أخيه اللواء كمال الدين طه يعقوب عبد الباقي المشهور بـ(كمال بور).
أذكر في جلسة أنس ضمتنا به رغم لواذه بالصمت كثيرا وإقلاله في الحديث غير المفيد، وايثاره العمل داخل بيته المنظم على النمط الغربي في كل شيء لو لا الفوضى التي يخلقها ابنه حاتم، وقال لنا الراحل: (لقد عملت في مشروع الجزيرة في قطاع امتداد المناقل مع فريق شركة التراكتورات السودانية (الكاتربيلر) في حفر قناة المناقل).
وتجد المرحوم عثمان يعقوب في خِفّة النحل داخل عش بيته الهادئ يعمل دون إنقطاع مرة في سيارته، وتارة في أجهزة كهربائية مختلفة وأشياء كنا نجهل كنهها، ويبدو أن ذلك ترك أثره عند العبقري حاتم الدنجل صاحب المواهب المتعددة في الابتكار والاختراع. 
وتميز المرحوم بالهدوء والبساطة والزهد والتقشف والأناقة والذوق الرفيع في كل شيء، مقارنة بزملائه، خاصة انه ابن المدينة أم درمان عاصمة البلاد الوطنية، علاوة على ذلك تجده منغمسا ومشغولا في عوالمه الخاصة بين هواياته المتعددة، وقلما تجده في الأسواق والشوارع الا في رحلته اليومية من البيت إلى العمل في إنضباط لا يخل بنظامه مهما ارتفعت وتيرة الأحداث بالبلد.
وغاب نحلة العطاء الوافر، وصاحب الصمت المهيب والإنسان البسيط والوقور والمهذب والأنيق والمثقف على درجة عالية الراحل المقيم عثمان يعقوب عبد الباقي في رحاب الله من يوم 25 نوفمبر 2001م، الموافق العاشر من رمضان 1422هـ بالدويم، بعد حياة راكزة بالعمل الصادق والجاد والترتيب، والروح الخلاقة والمثابرة.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، عثمان يعقوب عبد الباقي، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، وفريق ريد حى الموردة في أم درمان، والدويم، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم(.
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.




اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)



في شركة كلايانتي كونتسولاتي ١٩٥٠

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 18 يونيو 2016, 11:45 pm

فاطمة حامد.. سند الوعي النبيل
ناصر البهدير




ما زلت أتذكر تلك البدايات الأولي لأول رحلة انطلقت من عتبات الروضة الشرقية بحى الموظفين الكبير تبحث عن مبتغاها في دروب الحروف تتوه حيناً، وفي آخر تخلد إلى الراحة، ولا تزال تبحر في عباب المدى والأمواج المتلاطمة منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين.
في تلك الروضة العتيقة نهلنا من معين أمهات من غرس نساء الدنيا، وكن أجمل الشابات وقتذاك، ونحن في يفاعة المهد ندور مع ألعابنا بأزيائنا المزركشة بياقة رقيقة تميل إلى لون غامض والنساء يطلقن عليه اسم الكبدي تيمنا بكبدتهن ربما أو كبد البقر أو الخروف كما أظن، ربما أقرب إلى لون (لسان البقرة)! نعم، كانت كرفتة صغيرة وغريبة اللون حتى في نوعية قماشتها الترِفيلة.
وفي دار تلك الروضة وملاعب طفولتنا التي لا تزال تقف بذات المهابة، نهلنا الكثير من معلمات لهن باع طويل في أسس التربية والتعليم.. معلمات شكلنا بواكير الوعى لكل أطفال السكر وساهمن بربطهم بمراحل الدراسة المتعاقبة من ناحية إعدادهم وتدريبهم وتأهليهم في أفضل ما يكون وفق مناهج معدة لذلك رغم أن التعليم وقتها ينحصر في المدارس الحكومية على قلتها والخلاوى غير الرسمية.
الاستاذة منى عبد الجبار حمدي قادتنا إلى تعظيم الاهتمام بالمظهر العام ومحاولة الكتابة مبكراً، والتي كانت غير متوفرة وقتذاك في منهج رياض الأطفال كما يبدو، حيث اشتمل المقرر على تدريب على الموسيقى من خلال آلات صغيرة كنوع من اللهو، علاوة على المراجيح، والتنزه بالدراجات، ولعب كورة القدم، وبعض الالعاب، وحفظ الأناشيد، وقليل من سور القران الكريم. متعها الله بالعافية والصحة إذ لا تزال تعيش بالخرطوم.
أما الاستاذة بدرية المصباح، زهرة وريحانة رياض أطفال مصنع سكر حلفا الجديدة، تلك الأم الرؤوم التي احتضنتنا بحب عميق وأدب جم وإخلاص عظيم وافر وتفان منقطع النظير.. وكنا بين يديها كأطفالها تماما، ومنها تعلمنا الكثير، وقد خاطبت مشاعرنا وأذواقنا وكل أدواء النفس بصبر وتقدير لعظم المسؤولية الملقاة على عاتقها. ولا يمكن لي البتة نسيانها.. دائما في القلب تبقى كأعظم معلمة في حياتنا تلقينا أبجديات المعرفة والحياةعلى يديها وقلبها الأبيض.. متعها الله بالعافية والصحة.
لإني دوماً كنت أقول أمي الأخرى دون عسر وإبهام، لذا أجد نفسي مثقلاً بدينٍ تنوء بحمله رأسيات الجبال تجاه الإستاذة ومعلمتي عائشة سعد الله رحمة الله عليها. ولعله إلتزام يبدو غير قابل لقيد التحقق على الأقل في مستواه الأدنى مما يحزَّ في النفس كثيراً، وهذا شجن متقد، علاوة على فقدها الفاجع، طالما عجزت عن تكريم أمي العظيمة.
بلا شك على مستوى البنية التحتية أنجز الرجال المحاربون الأشاوس والنساء الكنداكات الأوائل الأسس الأولى لتشييد صرح مصنع سكر حلفا الجديدة في صمت وتضحيات جسام. أما على جانب البنية الفوقية تسلح العديد من الرجال والنساء بذات الحماس والروح الأبية، ولعل النساء كن اللبنة الأولى حيث قدن مرحلة تأسيس بنية الوعي، ورسمن بإقتدار وحنكة وبراعة ودقة، وسطرن أروع الملاحم في كتاب السكر الخالد بدمائهن الوفية قصص لا يمكن نسيانها البتة. نساء يصعب حصرهن، فالقائمة تطول ابتداءاً بالمرحومة محاسن الأمين بدري المشهورة بـ(محاسن المرشدة)، رائدة التعليم ما قبل المدرسي والإرشاد النسوي وتعليم الكبار بالمصنع، ومروراً بالأم ماما عشوبة (عائشة سعد الله)، وليس إنتهاءاً بالراحلة المقيمة فاطمة حامد، فكن ولا زالت تتوالى مسيرتهن القاصدة وتتزايد جهودهن بقيادة المربية الفاضلة الأستاذة خديجة يس.
وفي منطقة الحلة خاصة المنطقة الشمالية الشرقية وأيضا الشمالية الغربية منها، مثلت فاطمة حامد رحمة الله عليها قصب السَّبْقِ في أروع إخلاص وتضحية، وضربت النموذج القدوة في رفد عملية التعليم على نحو كبير لا يمكن حصر أفضالها رغم العبء الفادح الذي أثقل كاهلها إلا أنها مضت بجسارة ومصادمة لم تركن للظروف الصعبة وقلة الإمكانيات وشح وضيق ذات اليد.
وفي سنوات قليلة نهضت بمستوى التعليم في الحلة وارتقت به سبل العُلا، ومراقي التقدم في رحلة شاقة وصادقة كللتها بالنجاح والتفوق والفخر والمجد.
وبين عشية وضحاها انتقلت روضة الحارة الرابعة إلى مركز فاطمة حامد الشامل للتعليم التمهيدي والأساس والثانوي ودار لتحفيظ القرآن الكريم والعلوم الدينية، وعبره انطلقت خدماته لجميع الأطفال والتلاميذ والطلاب والأمهات بل أضحى حديث المجتمع ومركزاً مرموقاً يشار إليه بالبنان.
ومن ينسى هذا الصنيع الباهي!، تلك الصدقة الجارية، التي ينتفع بها الجميع دون من أو أذى كما تنتفع بها صاحبة المبادرة والمؤسسة للمشروع التعليمي النهضوي العظيم.
وفاطمة حامد إمراة نادرة من النساء الخالدات اللائي شغلن حيزا مقدرا في إثراء الحياة العملية والتعليمية والتربوية في مدينة المصنع بطولها الفارع في وضع اللبنات الأولى لإجيال عديدة تناسلت عبر خبراتها المعرفية الطويلة التي قدمتها في أرخبيل رياض الأطفال. وهذا جهد كبير لا يمكن الوقوف عليه كلية مهما اجتهدنا وتكاتفنا بكثافة عليه.. فمثلها للوقوف على تاريخها الناصع بلا شك دونه خَرْطُ القتاد، ولكن مع ذلك نحاول أن نقف على ملامح عامة من تلك السنوات الحافلة بالنشاط والجد والأمانة والإهتمام بناشئة المصنع.
الأم فاطمة حامد رحمة الله عليها، إذ جاز لنا القول يمكن إعتبارها المؤسسة الرسمية التي عبر خلالها أطفال وتلاميذ وطلاب وأمهات الحلة إلى حيوات مختلفة.. فهي لم تكن تعيش حياتها كمعلمة ومديرة رياض فقط وتكتفي بذلك، بل عبرت جسر الروضة إلى دنيوات المجتمع، ودخلت كل بيوت الأهل كما الهواء العنصر الديمقراطي، وتماهت فيها كواحدة من أعظم الأمهات العاملات اللائي لعبن دوراً مقدراً في الحياة الاجتماعية لمجتمع المصنع حيث كان يتشكل وقتها على وعى جديد مغاير لبنية الأفراد الذين نسجوا قماشته.
وقد أدت مربية الأجيال فاطمة حامد دوراً محورياً آخر ومكملاً لدورها الأساسي بقسم الخدمات الأجتماعية تحت رعاية معلمتها الأولى الوالدة وأمنا الكبيرة محاسن الأمين بدري (محاسن المرشدة) رحمة الله عليها.
وتقاسمت الأدوار بذكاء وفراسة، وأذكت نار الحراك الاجتماعي بين نساء المنطقة بكل ثقة واقتدار لم ينفصل عن دورها الكبير الذي قامت به حتى رحليها الفاجع وهي تؤدي واجبها الاجتماعي، وقامت فى طريق عودتها من حلفا الجديدة بمواصلة بعض المرضى، وبعض الزيارات الإجتماعية تصحبها بشاشتها التى عرفت عنها.. وتناولت إفطارها وشربت الشاى، وأبلغت إبنة أختها المرحومة ملكة حامد أنها تشعر بطعنة فى جنبها الأيسر، ثم دقائق وأسلمت روحها إلى بارئها بعد حياة زاهرة بالتضحيات والصمود.
وقضت الأستاذة الكبيرة فاطمة حامد مديرة روضة الحارة الرابعة ما يربو على الثلاثين عاماً تجاهد فى تعليم الأطفال بالمصنع حيث أعطت بلاحدود وتفانى وإصرار ونكران للذات. وقد أسست روضتها بمجهودها الشخصى، وما كانت تلقاه من دعم قسم الخدمات لم يكن يكفي لإستمرارية العمل، ولكن بإيمانها العميق بالعمل إستطاعت أن تواجه وتجابه كل الصعاب والتحديات، وإستمرت تعطي حتى آخر أنفاسها في تمام الساعة الواحدة بعد الظهر من يوم السبت الموافق 20 من أكتوبر من العام 2012م.. وورى جثمانها الثرى فى مقابر المصنع وسط ذهول ووجوم كل الحاضرين في مراسم تشييعها إلى مثواها الأخير.
ومَنْ مِنّا لا يتذكر سيرة هذه المرأة العظيمة وعطائها الثر وعشرتها النبيلة بين أهل المصنع قاطبة بذات السمت والبهاء المعروفة به منذ أن وطئت قدماها أرض المصنع ضمن الأجيال المؤسسة لتلك البلدة الطيبة والزاخرة بالمحبة.
وسقت المربية الفاضلة وروت بدمها شرايين ابناء المصنع ضمن كل الأمهات والمعلمات اللَّواتي رحلن، والآخريات القابضات على جمر قضية تعليم الأطفال بالمصنع بصبر جميل رغم المشقة والتحولات الاجتماعية الكبيرة التي طرأت وغيرت الكثير من ملامح ومعالم وجه المجتمع وبنيته.
لم أجد شيئا يعيد الكرة إلى تلك الأيام سوى خيط واحدا رفيعا تماهيت مع فك طلاسمه، وهو أنني تربيت في ذات رياض أطفال المصنع وتعلمت فيها، وهكذا أمهات رياض الأطفال أرضعن الابناء نفس الجينات بدفق حنين متوارث من قبيلة السكر.
وغدا مركز فاطمة حامد بالحارة الرابعة الذى تركته المرحومة صرحا ومعلماً من معالم المصنع، وتصدى له شباب غيورون يعملون فى صمت، ويؤمنون أن ما يقومون به يستهدف إنسان الحارات وأبناءهم الإستثمار الحقيقى لهم.. ظلوا على مدى سنوات يعملون تطوعاً فى تدريس الطلاب فى جميع المراحل التعليمية فى الفترة المسائية وطوال العام، منذ العام 2007م، في تطوير لافت لمؤسسة الروضة.
ويقف على رأس العمل شباب نذروا أنفسهم لخدمة المركز نذكر منهم الأستاذ بدوى أحمد سليمان، والأستاذ محمد جلال، والأستاذ أحمد تنقار، والأستاذة شادية البين، والأستاذة فاطمة وغيرهم، علاوة على الأخ عوض أحمد إدريس الذي يعتبر رأس الرمح في عملية البناء ومن الرواد الأوائل في تأسيس هذا العمل.
وفى العام 2007م، كما يقول الرائد عوض أحمد إدريس على لسانه في موقع منتديات المصنع، "حدثت كارثة  تعليمية فى مدرسة (ب) بنات الحلة. ففى ذلك العام لم تنجح أية طالبة، لكى يتم نقلها للصف الثامن، فحزَّ هذا الأمر فى نفسى الكثير وفعل ما فعل، وزادت الرغبة لتقديم شيء.
وبدأت بإعداد قائمة باسماء أولياء أمور الطالبات، وتوصلنا لاتفاق يقضى بأن نعيد تدريس تلاميذ الصف السابع فى فترة الإجازة، وعند بداية العام تقوم إدارة المدرسة بإجراء الإمتحانات. ومن ثم كان الاجتهاد برفقة الأخ المهندس مبارك عمر عثمان، وحينها كنا طلاباً بالجامعة نقضى فترة الاجازة، وكان نظام الدراسة ضاغطاً يبدأ من الصباح وينتهي فى المساء، وكانت المفاجأة نجاح جميع طالبات التجربة. ومن هنا كانت الإنطلاقة مع العلم بأن البدايات كانت تدار من مالنا الخاص حيث كنا نقوم بطباعة الامتحانات والمذكرات، والهدف هو تثبيت التجربة حتى تنطلق، وحينها كان هذا المركز عبارة عن قطعة أرض جرداء وكنا حينما ندرس ينظر إلينا الناس من كل فج، ويتهامسون حتى ذهب القوم شذر مذر؛ مذاهب شتَّى".
وختم عوض حديثه قائلاً: "وفى تلك الفتره التحق بى تلميذى وأخى الأصغر بدوى أحمد سليمان وحدثت الثنائية والتجانس، ولولا اجتهاد البدوى لما وصلنا إلى هذه الدرجة حيث إكتملت عملية البناء، ووصل المركز لهذه الحالة من إرض جرداء إلى مبنى".
وغابت أُم إبراهيم ومريم مكي عن دنيانا الوضيعة إلى رحاب الله، ورحلت، ولكنها تركت السمعة الطيبة والأخلاق الحسنة والقدوة النبيلة والأرث الطيب، وكانت موجهة ومشجعة وناصحة لكل من تتلمذ على يديها، وقد ربت جيلاً واعياً ومبدعاً علمتهم أُسس الكتابة والقراءة، وستبقى فاطمة حامد رمزاً وفخراً وسنداً بقوتها وعزيمتها. 
وفقد المصنع شخصية فذة صاحبة طموح وجدية وصبر وثبات في المواقف، ولها من الحضور الكثير بعد عمر طويل من الكفاح والفداء والعمل من أجل النهوض بإنسان المصنع وتنمية الروح فى أطفالنا؛ بذرة الأمل، وتعتبر الراحلة أول من أسس روضة خاصة للأطفال، وهي روضة الحارة الرابعة، ومثلها باقٍ بما خلفه فى الناس من ذكرى وسيرة عطرة لمشروع وصرح كبير رفد البلد من كل ناحية بحجم الآمال والذين خلف الكواليس يصنعون البسمة والحياة له.
اللهم أرحم أمنا جميعاً، الراحلة المقيمة، طيبة الذكر، فاطمة حامد، وتقبلها قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرتها وأحبابها وعارفي فضلها، وأهل السكر، وكسلا، فقد كانت عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.

اللهم ابدلها دارا خيرا من دارها واهلا خيرا من اهلها وادخلها الجنة واعذها من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهم اجزها عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كانت محسنة فزد من حسناتها, وإن كان مسيئة فتجاوز عن سيئاتها. اللهم ادخلها الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسها في وحدتها وفي وحشتها وفي غربتها.
اللهم انزلها منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزلها منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة, ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح لها في قبرها مد بصرها وافرش قبرها من فراش الجنة. اللهـم اعذها من عذاب القبر, وجاف الارض عن جنبيها. اللهم املأ قبرها بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنها فى ذمتك وحبل جوارك وقها فتنة القبر وعذاب النار, وانت أهل الوفاء والحق فاغفر لها وارحمها انك انت الغفور الرحيم. اللهم انها كانت تشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم بها. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمها ولا تعذبها. اللهم اّتها برحمتك ورضاك وقها فتنة القبر وعذابه وأّتها برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثها إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقلها من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها وثبت علي الصراط اقدامها واسكنها في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنها من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسها أّمنة مطمئنة ولقنها حجتها. اللهم اجعلها في بطن القبر مطمئنة وعند قيام الاشهاد أمنة وبجود رضوانك واثقة وإلي أعلي درجاتك سابقة. اللهم اجعل عن يمينها نوراً حتي تبعثها اّمنةً مطمئنة في نور من نورك.
اللهم انظر اليها نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنها فسيح الجنان واغفر لها يا رحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنها فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انها جاءت ببابك وأناخت بجنابك فَجْد عليها بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمها رحمة تطمئن بها نفسها وتقر به عينها.
اللهم احشرها مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشرها مع اصحاب اليمين واجعل تحيتها سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشرها بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعلها من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيها عليك ولكنا نحسبها انها اّمنت وعملت صالحاً فاجعل لها جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيها نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائه واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُ.
اللهم اجعلها في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنها صبرت علي البلاء فلم تجزع فامنحها درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انها كانت مصلية لك, فثبتها علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انها كانت صائمة لك, فأدخلها الجنة من باب الريان. اللهم انها كانت لكتابك تالية وسامعة فشفع فيها القراّن وارحمها من النيران, واجعلها يارحمن ترتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأتها أو سمعتها وأخر حرف تلته. اللهم ارزقها بكل حرف في القراّن حلاوة, وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمها فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنةً. وادخلها الجنة فانها كانت بنبيك مصدقةً وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهـم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين, وعرق منا الجبين, كشر الانين والحنين. اللهـم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب, وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات, وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.


اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي, واذا توعد عفا, وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لنا ولها، واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلها الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأحد 19 يونيو 2016, 10:01 pm

عبد القادر الطاهر.. حَبْر البلد الرشيق
ناصر البهدير
كثيرة هي الأمنيات التي تجد النفس فيها تبحر في خضم ضرام أحلامها، وهي تقبض على تلابيب الحنين وتتَّكئ على ذكريات موغلة في سِنِّ اليفاعة.
شيء ما واحد فقط يغزو شغاف القلب عبر ذاكرتي صوب هاتيك الأطلال التي تربض في الأعماق.. شيءُ لا تستطيع قبضه والسيطرة عليه كموج بحر يرخي سدوله بين مد الحنين وجزر الأشواق.
كلما أوغل الليل في ظلمته تبدو الدائرة أضيق ولا تتسع إلا لمدى الظنون وغيوم كتلك السنوات الغابرة التي انسربت وفرت مثل طائر البلوم عندما لمحناه ونحن قادمون في صباح مشرق برائحة بقايا الدعاش على مقربة من سور إبتدائية (أ) بعد غياب طويل في إجازة إستغرقت ثلاثة أشهر من خريف دافق في عام سبعيني القوام.. أنثى ترقد على بيضتين فقط، تمارس فضيلة تناسلها بين أفرع شجرة هجليج خضراء وعريقة في السنوات بعمر المدرسة الصبية.
لا إدري وقتها حقاً كنا منشغلون بقطف ثمار تمر العبيد أم روعة جمال البلوم الأخاذ، أم الصوت الحفيف والهامس الصادر من اتجاه مزيرة المدرسة الشرقية.
صوت هادئ وأنيس طالبنا بالصمت بعد أن وضع سبابته على شفتيه، ومن ثم أشار إلينا بتهذيب ولطف بضرورة الإبتعاد. وقد كان اخترنا ما نراه صحيحا في كل الأوقات ما يصدر من كبارنا.
وقبل أن ننتظم وننتمي إلى جغرافية جنوب المكان، نهض طائر البلوم كالعنقاء مقاوماً الريح وضغط الهواء وأصوات الصراخ التي تعالت من صلاح الطاهر، وبسرعة خيالية ملأ بأجنحته فضاء السماء وطار بعيدا محلقا ومرفرفا على قلق كفيف تعلق بمدى بصره الكليل وقت أن داهمته نوبة شغب تلاميذ المدرسة الفالتة.
وقبل أن تتلاقى الكفوف والأحضان بعد الغياب الذي استمر طيلة موسم الخريف الماطر، انزلقنا بجنون وشقاوة، وإنشغلنا بتعبِئَة حبات اللالوب المتناثرة على الأرض في حقائبنا القماشية (الخرتاية)، وحزنا على حصة معتبرة من تمر العبيد تكفي حتى مداخل الشتاء القادم.
وفي غمرة نشاطنا، تناول صلاح الطاهر بيض البلوم، واحتفظ به في (أمُّ الحبر) قارورة حبر مستطيلة الشكل أخفاؤها في داخل سور المدرسة بعيدا عن عيون الآخرين، وغاب هنالك في جوقة أخرى من الأقران والأصحاب.
ولعل صلاح كما أتخيل، وهو في الحقيقة واقعا، ربما أنه ينأى بغنيمته بعيدة المنال عن أمثال عبد الله قنونة، وآدم بركة، وهاشم حريري، واولاد بامبى، وعبده كنديسة، وعيسى ود فور، وكمال طاحونة، والتيمان خضر والياس، وغيرهم من فطاحلة الشغب من احتل مكانة عليا من الإشهار في خريطة مدرسة (أ) بنين الإبتدائية بمصنع سكر حلفا الجديدة.
وحلم كان أكثر من رشيق ورقيق، أضناني كم الشوق الذي يجوس بالخلايا وينتفها كما حاول صلاح الطاهر أن ينتف ريش طائر البلوم وفشل، وإن نلنا حبات اللابوب مضاد قطع دابر البلهارسيا الكريهة، رغم انها أعاقتنا في العام التالي وقذفت بنا ضمن جوقة تضم كبار رؤوس الشغب هاشم حريري وآدم بركة إلى مستشفى المصنع في أطول قافلة للمرضى تتحرك على أوتار الخوف وموسيقى الدواخل المهزومة دون دفتر العيادة المشهور. وحقا كانت حفلة من الخوف والرعب لا يمكن نسيانها وسط صحيات وشغب حريري وبركة وآخرين صغار في السن مثلنا لا حول لهم ولا قوة، رفضا لفكرة أخذ جرعة الدواء عبر حقنة زجاجية كبيرة للغاية، وإبرة مماثلة لها في الحجم، كأنها حقنة بقر حقيقة.
وفي نهاية الأمر انتصرت إرادة أفراد الشرطة في أكبر حملة لمكافحة مرض البلهارسيا اللعين، وتوزعنا على العنابر لنيل جرعة الدواء الجماعية، وأرخينا أرديتنا لبازوكة، ومحمد عثمان شاويش وكمال تقه، وبابكر القديل، وهاشم جمعة، رحمة الله عليهم أجمعين.
وهذا هي مثالب المشروع، التي تفتَّ في عضد الجميع وتفرق أجسادها وتلحق بها الضرر، رغم أجمل ما فيه أنه جمعنا على صعيد محبة نادرة صعدت بأحلامنا وتخوم قبيلة بطعم السكر، بل قربت بينهم أواصر المعرفة والحلم الكبير من أجل إنجاز مشروع السكر.
وسيبقى صلاح الطاهر المهذب، والظريف، والخلُوق, والدمِث، والسمح، والكيِّس واحد من الكبار الذين نفتخر بصداقتهم، وكان لنا بمثابة ولي الأمر حينما تشتد علينا النوائب، يقف مع الجميع بمحبة خالص تسكن قلبه الرهيف. ومثله إخوته الراحل المقيم الاستاذ عبد القادر الطاهر، والاستاذ حسن الطاهر بذات الوقار والأدب والتهذيب.
ونال المصنع حظه من تلك الأسرة القادمة من القضارف في تعمير الديار على مستوى بنية الوعي، وما بخلوا بجهدهم ونخوتهم وحميتهم وتكاتفهم بل ذابوا في بطون قبيلة السكر، وأضحوا باباً للشمس تشرق على كل الحقول بنضارة وعيهم وألمعيتهم وتضحياتهم الكبيرة التي لن ينساها المجتمع.
وجاء والد عبد القادر للمصنع في مطلع العام 1967م، ضمن الأفواج الأولى من الرعيل الأول التي انتظمت في سلك العمل مع الراحل المقيم محمد الحسن محمد زين، والمرحوم البين الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية في قوات دفاع السودان. وعمل الطاهر حسين شايب في الخدمة المستديمة بقسم الأمن الداخلي كخفير حتى تقاعد للمعاش في العام 1991م.
وكذلك عمل جده من ناحية والدته حاج أحمد الصومالي في الرئاسة كأول سكرتير للمدير العام ضمن الجيل المؤسس لمصنع سكر حلفا الجديدة. 
ولعل الاستاذ والمربي الجليل (عبد القادر الطاهر حسين شايب) ربّ, وزعِيم, وعمِيد, فخذ قبيلة آل الطاهر، هو القائد الحقيقي من قواد نهضة التعليم بالمصنع، قولاً وفعلاً دون ريب.
وزين ونمق قلمه الأحمر وطبشيرته البيضاء ومداده الأزرق، وبخط أنيق كتب على سبورة المدارس الكثير من الدروس والعبر والحكم والأمثال والقصص؛ وحبر الدَّواة، وكلامه، وأقلامه، وكتبه، وأوراقه، ورسوماته حتى أرض المدرسة زرعها وسقاها من فيض خيره إلى أن ابتهج نباتها ونضُر. وكان بحق حَبْر أمَّة المصنع كأعظم ما تكون القدوة دون أضواء صاحبته حيث غمس ريشته اللامعة في الحِبْر وفي الحياة، وسيظل مدادها سائل يُكتب به حتى آخر أنفاس البلاد.
ورمى المعلم عبد القادر الطاهر رحمة الله عليه سهمه، وانتصب مدافعا بقوسه وقيمه وضميره ووعيه عن قلعة العلم بكل صلابة وتريث وثقافة بُعيد وصوله لأرض السكر، وما توانى عن ذلك حتى اللحظات الأخيرة لرحيله الفاجع من فجر الخميس الثالث من مارس 2016م بعد حياة آهِلة وعامرة بالإشراق والتضحيات والبسالة والسؤدد.
في سوح المصنع وعرصات المدارس التقاه الناس شفيفا يمارس مهنته بصدق وإخلاص؛ وكنا نلتقيه في بعض الأحيان عابرا الشوارع أو في السوق مسرعاً لغرض ما في إستقامة وهدوء كبير. وكم كان أباً وأخاً ومعلماً ذو حكمة وبصيرة حين يتعلق الأمر بقضايا الحياة ومنعرجاتها، كما كان ودوداً وحميماً بسمت شخصي وإنساني، فتعلم منه المجتمع قبل تلاميذه الكثير، فكان مفخرة ووجهة يحتمي بها الجميع من شر نوائب ومحن الدنيا.
ولد المتفرد عبد القادر الطاهر حسين شقيق المرحوم حسين وحسن وصلاح في حي ديم النور بمدينة القضارف في العام 1952م، ودرس المرحلة الأولية والمتوسطة بمنطقة وقر ريفي القاش، ثم درس المرحلة العليا بمدرسة القضارف الثانوية القديمة.
وفي العام 1974م، التحق الراحل عبد القادر الطاهر بتعليم المرحلة الإبتدائية، في مناطق جنوب القضارف في ود الوليد، وود ضعيف، وعمل أيضاً في مدرسة ديم النور الإبتدائية بنين، ومنها انتقل إلى مدرسة القدمبلية الإبتدائية، والفاو، والمقطع شمال القضارف.
وبعد ذلك عمل في مدارس طوكر وعدوبنا بشرق السودان، حتى استقر بمدارس نهر عطبرة في مدرسة العليو ثم مدرسة أم قرقور المختلطة في الفترة من العام 1988م إلى 1991م.
وظل المرحوم ينتقل من منطقة لأخرى كدأبه في سبيل التعليم لا يتذمر ولا يشتط، وقضى في مدرسة الثورة بالمصنع خمسة أعوام في الفترة من العام 1991م إلى 1995م، كأول مدير يسكن في منزل المدرسة الداخلي.
ولم يطل به المقام كثيراً، سرعان ما تم نقله لإداء الواجب مديراً من مدرسة (ب) بنين التي مكث بها عام دراسي واحد فقط في الفترة من 1995م إلى 1996م، حيث غادرها إلى مدرسة البركس بنين مديراً في الفترة من العام 1996م إلى 2004م، حتى عاد مرة أخرى إلى مدرسة (ب) بنين في الفترة من عام 2004م إلى 2007م. 
وفي العام 2007م، تمت ترقيته إلى موجه تربوي لمادة اللغة الإنجليزية حتى تقاعد عن العمل في العام 2012م، بعد حياة زاخرة وممْلُوءة بالعمل والجد والاجتهاد والمثابرة، ورغم إنشغاله بالتدريس، إلا أنه التحق بجامعة السودان المفتوحة حتى تخرج منها في العام 2010م، بدرجة البكالريوس في تخصص اللغة الإنجليزية.
عركته الأيام وصقلت تجربته الفريدة في ظل تنقله من منطقة لأخرى، مكتسباً أرثاً معرفياً كبيراً، زاده صلابة وقوة في مجابهة محن الحياة وصعابها، وقد ترك بصمة لن تتكرر كل في منطقة حط فيها رحاله خاصة مصنع السكر الذي أخلص له وأوفى حتى وافته المنية المُباغِتة بعد معاناة قصيرة مع المرض في منطقة الفاو، وهو في الطريق إلى الخرطوم للعلاج حيث فاضت روحه الطاهرة فجر الخميس 3 مارس 2016م، وورى جثمانه الثرى بين أهله وعشيرته بوادي شعير بالجزيرة.
ومثل ما التقى من قبل المرحوم الناظر صديق الطيب زميلا له في مدارس المصنع أيضاً التقاه سابقا في مدارس الفاو إبان عمله هنالك قبل حضوره للمصنع، وكانت نعم الرفقة والصحبة في طريق العلم.
وأيضا قبل قدومه للمصنع زامل الأخ السر زروق في بعض المراحل الدراسية، وامتدت علاقاته المتسعة مع العديد، والتي كان نمير حراكها بالمصنع وسط المعلمين الأستاذ انور محمد إبراهيم الذي زامله في مدرسة (ب) بنين، والبركس بنين، وتزاملا أيضاً في نقابة التعليم لفترة من الوقت كأعضاء لمجلس الإدارة. 
وترك الراحل عبد القادر الطاهر رحمة الله عليه، فراغاً عريضاً وسط أهله وزملائه وأصدقائه وجيرانه بالبركس؛ غازي المهدي، وطه دفع الله، ودفع الله الطيب، ويعقوب أوشي، لن يملأه أحد، حيث قل أن يجود الزمان بمثله.
وأوجعنا نبأ رحيل أبو فدوى آل طاهر، الكثير الإطلاع، والمحب للتوثيق، والمهتم بالشأن العام.. فليرقد بسلام، وستبقى بيننا روحه الإنسانية ما بقينا بكسبه المعرفي وكدحه في ساحات المدارس. 
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، عبد القادر الطاهر حسين شايب، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، والقضارف، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.


اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.


اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)


ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 20 يونيو 2016, 8:21 pm

عبد اللطيف عبد الرحيم.. مِيسمُ الحديد الزَّهْر
ناصر البهدير

منذ سنين طويلة، المسرحي جمال التلة راية ترفرف بأيدينا، لا تنتقص ولا تزيد، إلا بمقدار ما تغمره نوبة غضب عابرة، والتي نادراً ما تصيبه، لذا ما تحمله الأيادي، تحمله القلوب، وأيضاً يحمله المكان؛ مدينة المصنع. 
سيان صمته وقهقهته، رجل جُبل على أن يكون محبوباً بين الناس، كما ولدته أمه، وأشهرته للناس ذات يوم من أيام الدنيا الجميلة، كقيثارة تمنح الناس البهجة وجمال الحياة لأهل المصنع. جاء هكذا، كهبة ربانية وهدية عظيمة من السماء، وهواءً نقياً لمسام الناس لكى يبدد حر طقس إرهاق العمل؛ حريق القصب، ونيران القيزان، والورش، والغلايات، وغيرها من المصاهر المشتعلة.
ذات عصر من صيف حارق في مطلع عقد تعسينيات القرن العشرين، جمعتنا الارض الممتدة شمال حى خمسين بيت، وقت أتفق فيه الناس وزاد إهتمامهم في تلك الأيام بزراعة المساحة الواقعة في منطقة المطار القديم وغربه وشمال حلة الهدندوة. تقريباً في المنطقة القريبة من مظلة المطار القديمة، بقرب مصرف مياه للرى يعمل كـ(ناكوسي).
فجاءة بينما نحن مروراً بهذا المكان، لفتت نظرنا مياه جارية بعنف نحو شق عميق، تفور من الفرح وتنسرب عميقا في جوف الأرض، تحدث صوتاً وشهيقاً، وكأنها تعبر عن سرورها الغامر بإطلاق قيدها دون مقدمات، وشكرها لشفع وصبايا الرعاة.
وبعفويته تلك، راقب التلة الموقف جيدا، وكأنه لم يمر بمثل هذا الحدث من قبل، وحنى جسمه يراقب عن كثب، ليعرف إلى أين ينزلق الماء!، ربما لقلة خبرته بتصاريف الزراعة وقف في المكان الخطأ، لان ذلك المكان لا يتوانى في أن ينفحه بحية أو عقرب أو حشرة مؤذية. ترجيته أن يبتعد قليلاً، لكى يمارس فضوله وإستغراقه في هذا المشهد بصورة توفر له الأمان بصورة أكثر تأميناً، ولكنه فضل أن يمضي في أندهاشه، قائلا لي بحركة درامية يجيدها كمسرحي عتيق بالمصنع: (شوف الارض دي كيف بتشهق). 
صور المشهد وأضاف إليه من مسرح خياله وعوالمه الجميلة ألقاً ولطفاً بمتعة رائعة ومفخمة بصوته الحنين. وأضاف: (الارض دي عطشانة شديد خلاص.. قربت تموت والموية جنبها.. الله يدي الهدندوة الصحة والعافية.. ديل تعرف الله جابن للواطة دي.. وقت تعطش يظهرو زى الملائكة يسقوها؛ خير للارض وخير للناس والبهائم.. الموية راقدة.. حابسنها لى شنو وقت بتعمل خير قدر دا.. الا بتعمل الخراب وتخرب الواطة.. لكن نعمل شنو؟.. اسمع صوت الموية حنين كيف!.. والواطة مالا الزي الماسكه ابو الشهيق ماكله عدس التعاون ولا شنو؟). 
ومن الصعوبة بمكان في تلك اللحظات أن تفرز بين صوته وصوت (شهقة الموية) كما يسميها، تماهى في صوت الطبيعة، واختلط علينا الأمر كما كنا نختلط على أمه الحنينة في معزتها تجاهنا.
هكذا كان صغار أبناء الهدندوة يفعلون برفقة صباياهم لضرورات إقتضاها الجفاف الذي يحدث كل عام في مثل هذا الوقت في شهور ابريل ومايو ويونيو، شهور عصيبة على مربو الأبقار، تجدهم في كل واد يهيمون من أجل خشاش الأرض وحشائش جافة تسد فراغ بطون مواشيهم الجائعة.
لذلك كانت حيلة صبايا تزعج الكثير من المزارعين وإدارة الشركة في بعثرة المياه في الأراضي البور، حيث يتيح هذا السلوك إنبات الحشائش، مما يوفر المرعى الخصيب لماشيتهم، وهم مضطرون لذلك؛ كواحدة من حيل الحياة في سبل كسب العيش.
المعروف أن جمال أب تلة مسرفاً في تفانيه وإخلاصه إلى الحد الذي لا يمكن توقعه إذا لم تكن عاشرته من قبل، يمتطي خيول إنسانيته الفارعة، ولا يغشى وغى التكاليف ومنغصاتها بل يتصدى لها ببسالة وشهامة، وإن طالته جريرة. 
وإستطاع أن يعطر أجواء المصنع ويحيل أيامه إلى طعم خاص. ويعيد العافية لحى خمسين بيت، وسنينه الخوالي، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. تمحور دوره التطوعي في أن يبقى الحى حيوياً، ونابضاً بالروح والنشاط، وله قصص نبيلة وطريفة في ذلك.
وتماما كانت أمه مثله، تفوقه حنيناً وشوقاً، لا يجاريها أحد في ذلك من نساء المصنع. مشت حتى يومنا هذا، بالمحبة والود والإخاء الانساني الشفيف بين الناس، ما دخلت مجلساً إلا وعطرته بصدق معشرها، ورقيق قولها، وحلو حديثها اللطيف. 
امرأة لم تغش نهارات النميمة والغيبة، لا تماثلها إلا أمهاتنا: (مريم سيد احمد وآسيا ابراهيم ومحاسن المرشدة)، عطرن سماء المدينة وبيوت خمسين بيت بطيب حسن خلقهما؛ حين يجتمعن نساء الحي في أي مناسبة إجتماعية أو غيرها. 
تملأ قلبها بجمال وأسامة وسامي، رجالها الأماجد، ولكن جمال التلة سيدهم وزينة شباب الحى كما تعتقد هى بصدق ومحنة تجاهه، عندها في كفة وحيداً، وفي الأخرى، ثلة من أهل بيتها المرجل بأمشاط جديتها، وأنامل ايمانها القوي. ولجمال حظ من الدنيا يوم أن منحته والدة بحجم أمنا بدرية التي لم تعزلنا عن عشها الدافيء، وضمتنا بجناحيها كأهل بيتها تماماً، وكبيرهم عبد اللطيف عبد الرحيم.
وقد نذر جمال أب تلة عمره ووهبه للناس وفق قناعته وإنسانيته، فلا يذكر عمل الخير بالمصنع إلا مقروناً بسيرته. وكان يتحرك بحماس زائد تتوهج به مجالس المدينة، وتفخر به كواحد من أبنائها البررة، مكتسباً حب قلوب الناس. 
كما نذر والده رحمة الله عليه الكثير من عمره للعمل في مصنع سكر حلفا الجديدة ضمن جيل الرعيل الأول المؤسس لمشروع السكر، فكان من المسارعون الأكارم إلى تلبية نداء العمل وفق قناعة تملكت قلبه واشعلته حتى غدا واحدا من أبكار ورشة المصنع متسيداً الساحة كأمهر فني في صناعة قطع الغيار التي يحتاجها المصنع بين الفينة والأخرى حتى ألغيت فاتورة ضخمة كانت من الممكن أن تذهب هدراً في إستيراد قطع الغيار من الخارج بحساب العملة الصعبة.
في كنف أسرة صغيرة تقطن بجمهورية مصر العربية يعود أصولها من ناحية الأب إلى منطقة جلاس، والأم من منطقة نوري اللتان يقعان بشمال البلاد، أَُنجب عبد اللطيف عبد الرحيم الحاج إبراهيم محمد ابوفاس في العام 1941م.
وفي العام 1958م، عادت الأسرة إلى منطقة جبل أولياء بالسودان، لطبيعة عمل الأب الذي كان ملتحقاً بالجيش المصري، كطبيعة عمل الكثيرين من ابناء الشمال الذين التحقوا بالجيش المصري، والذي كان وقتها معروفاً بالجيش السوداني المصري، حيث قضوا شطرا كبيرا من حياتهم في مصر.
وبانت ساحنة في سماء الحياة حتى التقطها عبد اللطيف عبد الرحيم رحمة الله عليه، وبدأ بها حياته العملية في الخرطوم بحري في مصنع للزجاج، مملوكاً لأحدى الوزارات، وبعدها إنتقل للعمل في مسبك الخرطوم المركزي حتى وجد فرصة للإنخراط في العمل بمصنع سكر الجنيد.
وقضى في مصنع الجنيد بعض الوقت القصير حتى لبى نداء مأمورية لمصنع سكر حلفا الجديدة تزامنت مع بدايات التأسيس، والتي بموجبها انتقل للعمل في ورشة المصنع كخراط موهوب لفترة طويلة حتى العام 2000م، نهاية خدمته المستديمة. 
وحقق الراحل المقيم عبد اللطيف الكثير من الإنجازات الوطنية التي تمثلت في تعديلات جوهرية في داخل أقسام المصنع الهندسية بدقته ونبوغه وموهبته وحبه وإخلاصه للعمل الذي لم ينقطع عنه طيلة فترته المملوءة بالعطاء والبذل والتضحيات. وكان له القِدْح المُعلَّى في تخفيف منصرفات صيانة الآليات بالمصنع بصورة كبيرة أراحت الخزينة العامة وأغقلت بعض بنود المصروفات المتكررة في ميزانة المصنع السنوية. وبذلك يعتبر من الرواد الأوائل بل يمكن أن نطلق عليه لقب الرائد الأول لتوطين صناعة قطع الغيار المحلية بالمصنع بعد جهد متصل بذله طيلة سنون عمله وتفانيه بورشة المصنع، علاوة على ذلك السرعة والإتقان في صيانة الآليات المتعطلة عن العمل مما ساهم في توفير مصروفات إضافية تخصص للصيانة في ورش أخرى.
وكانت يده تغوص في الحديد وتفله كما يشاء بمهارة فائقة الدقة، ويضحى طوع بنانه ويشكله وفق حاجة العمل، فالحديد بين يديه كالصلصال بين يدي طفل يلهو به في محبة.
وفي كل المرات التي وقف فيها العمل بالمصنع نتيجة لعدم توفر قطع غيار أجنبية انبرى المرحوم بعجلة وخفة ومهارة وذكاء وقاد للقيام بمهمة تبدو عسيرة في نظر المسؤولون وقتذاك، ولكن في عينيه تبدو المعضلة أقل ما تتصور حتى يتجلى لها ببراعة ويعمل فيها قلبه وعقله ويده لتغدو جاهزة للإستخدام في لحظات.. لم يدخل معركة إلا انتصر فيها، وكان النصر ينعقد له وتلاميذه بتوفيق من الله تعالى.
وزاد الله من نعمه على عمنا عبد اللطيف فأعطاه الابناء حتى ورث السفير الروحي ابنه أسامة مهنته وهوايته في صيد الأسماك كصدقة جارية بسكر حلفا الجديدة لن تنقطع مسيرها أبد أنفاس المصنع اللاهثة في الانتاج.
وأضحى صاحب أرث ورصيد كبير في العمل الفني، وحقق بذلك كسبا وكدحا لا تخطئه العين، وساهم بذلك في تدريب الكثير من الكوادر الفنية الفتية التي التحقت بالعمل في الورشة بخبرته الوافرة، وأصبحوا تلاميذا مخلصون للبلد ولمعلمهم الجليل عبد اللطيف رحمة الله عليه.
وبذات الدقة والإلتزام كانت حياته تسير في بيئة منزلية يسودها الهدوء والاحترام وتقدير الآخر، وحول بيته إلى معمل للثقافة والعمل حيث كان يعج صالونه بروافد الثقافة من كتب ومجلات وصحف وأفلام متنوعة. وإنشغل بتثقيف نفسه بجهد ذاتي، وعاش حياة هادئة وهانئة وسط أسرته التي طوقته بالحب والمودة بمعية زوجة كريمة وعطوفة وطيبة وابناء بررة سادوا المصنع ولا زال نمير عطائهم يستمر ويمتح منه المصنع، ويتدفق عبر الوارث الذكي والهميم لذات مهنة والده الابن أسامة الذي يحمل نفس سمت المعلم الكبير وامتداد إخوانه وأخواته؛ وجمال وسامر ومحمد وجيهان وسارة ابناء أمنا بدرية، وأختهم نعمات من زوجة سابقة رحمة الله عليها.
وفي العام 2002م، ودع المعلم الكبير عبد اللطيف عبد الرحيم صاحب الحظُّ الأَوفر في الإبداع والإنتاج، أرض المصنع مغادرا للإستقرار بالخرطوم بعد حياة غنية بالعطاء والسخاء والسماحة والأريحِيّة.
وفي حي الحاج يوسف بالخرطوم بحري استقر لبعض السنوات بين أفراد أسرته بذات سمت الحياة الهادئة التي عرف بها حتى وافته المنية في يوم الأحد من 17 مايو 2009م، بعد حياة خصبة وفاعلة نظم خيوط عقدها في صناعة السكر بالبلاد.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، عبد اللطيف عبد الرحيم الحاج إبراهيم محمد أبو فاس، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، وجلاس ونوري بالشمالية، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.


 اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.


اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)


ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 22 يونيو 2016, 1:13 am

فخر الدين الجيلاني.. وجيه رَّهْوُ الأدب 
ناصر البهدير
ليلة لم تكن كتلك المائسات المنسربات على مهل، مضى فيها الهواء العليل المنعش بين طقوس رحيله على عجل، بيد أن القمر ساطع منير عجز أن يبدد طبقات الظلام المتناسلة بين قبو الصحو. لم أكن أتوقع أن يكون كل الوقت المغسول برائحة المكان رهين أرجاء مجهولة في الذاكرة، يحاول أن يِلج سَمِّ خِياطِ جمر الشوق ويعبر ويعود بالقلب القهقرى إلى سنوات بعيدة تقبع بين طيات قبضة الزمن الكثيف.
بوسع الإنسان أن يتوه بشريان مثقوب على شطط حنين دافق من أغوار الروح المتعبة، وهو شعور دافئ وممزوج بالشجن لا يخطئه القلب. لعلي أهبط فجأة في تلك البقعة الخضراء وامتع ناظري من كل شيء يزدحم بركام الذكريات.
ذكريات مختلطة كما يلتقي دافق الأزرق الولهان بتمهل الأبيض المحتشم.. والوقت ينصرم من كتف الحياة نحو شعاب هشاب الذكرى، مشتعلاً وخارجاً من سوح أطلال الماضي البعيد.
هل أجوس عبر الزمن وابقى رهين بلدي الحبيب أم أسافر كما سافرت فعلا للحاق ولقاء زميل وابن من فرسان البقعة الطيبة على سبيل كسب سبل العيش!
سيان أن كنت بين (جمام) يمور بعذب الذكرى لأُناس كما الأتبراوي البشوش أو (سرف) يهدر بحفيف الأشواق لأجمة البلد الطيب؛ سدرة مبتدانا ومنتهانا، وما توقف مسيله بين الحقول.
ويبقى الايمان عميقاً بهؤلاء النفر الذين جاؤوا من كل صوب وحدب ومهدوا لنا طريق الحياة، وإن غابوا تحت الثرى وباعدت بيننا الأيام في بيداء مسيرها الطويل... وإن فشلنا وعزء اللقاء؛ اللُّحْد يكفينا على ضيقه أرحب ما يكون بأرض المصنع (هاش هاشون)، وقتها سنشعر بأننا التقينا من جديد على ذات منهل الحب.
لا أجد أعذب من بين ذكرياتي سِوى أن أسوح بين مجالس الدرس والدفتر وملازمة العلم، وأقران الطفولة الصبا والشباب.. تلك أيام زاهية بعبق الطفولة وعنفوان الصبا، ومنسوجة بخيط رفيع مشدود إلى البراءة والجهل والجنون.
رغم الغياب تبقى بعض الشخوص أكثر حضوراً ووهجاً في ذاكرتنا، إذ جعلها الرحيل خالدة بين طيات الوقت لا ينكسر محياها الوسيم كما نضارة عود قصب السكر الطاعم.. ولعل رفقة الطفولة والدراسة محور كل حديث نثيث من غيم الحكي الطاعم.
وكانت مدرسة مصنع سكر حلفا الجديدة الإبتدائية (أ) بنين مسرحاً لأقران وزملاء من شتى رهود المصنع الخضراء الممتدة على امتداد البصر، وكذلك متوسطة المصنع، وثانوية حلفا الأكاديمية.. وفيها التقينا بإخوة لنا أصحاب نخوة وجسارة وبسالة وبطولة، ولا زالوا على العهد باقون ويمضون بذات الوتيرة بكل رباطة جأْش ومودة في علاقة ربطتنا بالدفاتر وأسنة أقلام الرصاص وتشارك الحبر والكتاب والمجلة، وهم كٌثر.
وما جمعني بالراحل المقيم بابكر جمعة الكثير من المواقف غير رفقة الدروس والدفاتر... في العام 1994م أسر لي بتفاصيل مغامرة يروم صعابها.
مسارت بدت لي غريبة في تفاصيلها ومدن ومناطق أعرف بعضها والبعض أجهل سوحه... نيالا، والجنينة، وادري، وابشي، وانجمينا، وعسري، وعم بوري، ويروا، وكانو.. ويرد ضمن هذا الزحام اسم الإنسان صاحب الملامح والقسمات الأبية رحمة الله عليه إبراهيم التوم، ابن المصنع الأصيل والضابط السابق بالقوات المسلحة التشادية، ويرد كذلك طيبا الذكر الإخوان فخر الدين الجيلاني علي، والمرحوم ناصر محمد أحمد رحمة الله عليهما.
رحلة تبدأ من المصنع للخرطوم ومنها للأبيض والفاشر حتى طينة السودانية.. ومن ثم نسلك الدرب إلى انجمينا، للوصول إلى نيجيريا، كمرحلة أولى، وإستراحة محارب.
ولعل مبعث فخرنا سنكون بمعية الأخ وابن المصنع الأصيل المرحوم فخر الدين الجيلاني على إدريس الموظف وقتها في سفارة المملكة العربية السعودية في مدينة كانو بنيجيريا، وكذلك الأخ ابن المصنع الجميل والرقيق المرحوم ناصر محمد أحمد المشهور باسم (ناصر ابو شيبة).
كل ذلك كان عندي مهماً في تلك الرحلة التي قطعت جزء يسير من فيافيها مع الراحل أبو بكر جمعة رحمة الله عليه، واخلفت وعدي بالالتزام باكمالها حتى نصل إلى مبتغانا صوب دول الخليج عبر هذا الطريق الملتف الطويل والوعر والمليء بالصعوبات عن طريق دولتي تشاد ونيجيريا.
وفي الأبيض إفترقنا لظروف طارئة. وحظى الراحل المقيم بابكر جمعة بلقاء الراحلين فخر الدين وناصر ابناء السكر وعمومته في نيجيريا. ورجع قلبي بخُفيّ حُنين منتعلاً وحشة غياب أقران كانوا مِلْءُ السَّمْعِ والبصرِ، وغابوا بالفعل للأبد وطوتهم المنايا دون أن نلتقيهم مرة أخرى.
ونسجت الأقدار مسيرها، وغابوا أربعتهم بعيداً عن أرض المصنع في ريعان الشباب بعد حياة مُفعمة وممتلئة بالسيرة العطرة وسماحة الخصال وأنفة النفس الأبية ورقة الطبع ورفعة الأخلاق.
وكان أطول الناس أعناقاً بين ورى مجتمعه، فخر الدين الجيلاني رحمة الله عليه، حين لبى نداء الأدب، والتهذيب, والكياسة، والحِشْمة, والرزانة, والطهارة, والعِفَّة, واللَياقَة، والحياء؛ ونام مِلْء جفنيه دون خصوة مع أحد.
فكان نعم التهذيب في سلوك قويم، لَمْ يسْبِقْ لَهُ مثِيلٌ، بين أقرانه ورفقاء دربه وأصدقائه حتى في طريقة تعامله النادرة بأدب جم وتواضع مهيب ووقار غير مألوف بين من كان في صبوة الصبا وميعة الشباب.
وحقا نفخر به في دروب العلم والتعليم والتربية، فخر الدين العطر الطيب الحديث، صاحب الهدوء العميق، والصوت الخفيض، والروح الشفيفة، والنفس المطمئنة، والبال الطويلُ، الخالي، الرخِيَّ، والناعم.
وكنا نتزاحم عند أبواب سبيله الوافر بالمحبة والأدب طالما هو صاحب كنز في المعرفة والعلم والخُلق الرفيع، ونفوز منه بكنوز ننوء بحملها وإدراك كنهها حتى بتنا على محمل الوعى، وغدونا كبارا بما يكفي لأن نتجول في حقولٍ سبقنا إليها الذكي المحبوب فخر أمة المصنع.. وهو زادنا دوما في كل بحر عميق لجي نقطع أمواجه بسهولة تلك المفاتيح التي وهبها لنا ذات يوم من تلك السنوات العامرة في أرخبيل البلد الزاهر.
يأتي فخر الدين رحمة الله عليه إلى المدرسة أنيقاً ونظيفاً لدرجة أن يكون محل إنعقاد مقارنة كلما هم معلم بفحص طابور الصباح حين يصطفّ التلاميذ عند كل صباح بمدرسة (أ) بنين الإبتدائية أو متوسطة المصنع بنين... يقف كنمذوج في منتصف الدائرة ويشير إليه المعلم بالبنان بكل فخار في النظافة والترتيب والأناقة والأدب والذكاء.
هكذا جاء إلى الدنيا مؤدباً، ومليحاً، وبهياً، ووسيماً، تحفه سحب التأنق، والجمال، والنضارة، والنصاعة، والذكاء، والعبقرية. وأدرك كبد الحقيقة وعين الصَّواب بالقول والفعل باكراً، دون خُيلاء وكبِرياء وغطرسة وعجرفة بل في تواضع جم وكبير وتصاغر عالم.    
كان بيننا كالنسمة الفواحة طيب المعشر والخصال حتى غادر السودان إلى مصر ونيجيريا، وبتنا نتنسم أخباره بين الفينة والأخرى إلى أن عاد إلى الوطن، ومع ذلك ظلت الأيام تفرقنا حتى رحل مأْسُوفاً على شبابه الغض في العام 2014م، طاوياً صفحة من الوفاء والنبل والأناقة والأدب واللطف ستبقى في ذاكرة أهل المصنع.
وغاب صاحب الوجه الصبوح والجسد النحيل فخر الدين الجيلاني رحمة الله عليه بعد ترحال طوى فيه الأرض بين بعض مدن العالم منذ أن ولد في العام 1968م، بحي الختمية في كسلا، مرورا بمدينة مصنع السكر التي درس فيها المرحلتين الإبتدائية والمتوسطة بمدارس المصنع بنين، ومن ثم مدرسة حلفا الجديدة الاكاديمية. وبعد أن أكمل المرحلة الثانوية تقدم للالتحاق بالكلية الحربية، ولكن قبل بدء المعاينات، انصرف حازماً حقائبه ومتجهاً إلى جمهورية مصر العربية لنيل العلم في معهد تجاري حتى ذلك لم يمكث فيه الكثير من الوقت، إذ وجد نفسه عائداً للسودان، بروحه القلقة والتواقة إلى المعرفة وحياة أفضل.
وفي العام 1993م، سافر إلى جمهورية نيجيريا الإتحادية يحدوه الأمل للعبور لقارة أوروبا، كحلم لا يزال يراود العديد من شباب قارة أفريقيا، ولكن لم ينل مراده وخابت أمنيته ومسعاه، واستمر مقيماً في نيجيريا في مدينة كانو حيث انتظم يعمل موظفاً بسفارة المملكة العربية السعودية لمدة (18) عاماً، ثم عاد إلى السودان في العام 2008م، حتى وافته المنية في 20 يناير 2014م في مدينة الخرطوم، ودفن في مقابر فاروق.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، فخر الدين الجيلاني علي إدريس، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، وكسلا، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.



اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.


اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 22 يونيو 2016, 9:43 pm

زايد نورين.. حجر السكر النفيس
ناصر البهدير


في المرحلة الإبتدائية كنا نعرف أن للدنيا حدود على الأقل حسب المعرفة التي تلقيناها؛ فالجغرافيا تنقلك إلى أقاصي الدنيا عبر الخريطة، دعك من خارطة المصنع الصغيرة.. وفي خضم ذلك سحنا مع أقاصى تلك الجغرافيا في أرخبيل البحرين الذي أقطن أحد جزره الآن، وأتقلب في ليله الرطب الدامس.. اتذكر جبل الدخان المرتفع الوحيد بالجزيرة، وكذلك مدينة عيسى، والتي يطلق عليها مدينة حديثة.. وكنا نستغرب وتتملكنا الدهشة، لماذا الجزيرة صغيرة بهذا الحجم!
لم أكن أتوقع أن تنتزعني الأيام من عذب الأتبراوي المليح، وترميني في مالح الخليج العربي الأجاج وليل شجن أطول من مما أتصور.
ومع ذلك حينها حدود معرفتنا لم تتجاوز سوق المصنع وقليل من بعض بيوت أَحْياءٌ الحلة والبركس وكل أَحْياءٌ الموظفين.. وما أن أكملنا المرحلة الابتدائية حتى سلكنا دروب القراءة والتعلم عبر ولوجنا مدرسة المصنع المتوسطة بنين، وكانت وقتها لا يحدها سوى سور آيل للسقوط من نباتات العوير الهش والمتقطع والأقرب إلى حالة الموت السريري يمكن عبوره في أي مكان وزمان تشاء. ويمكن لك دخول المدرسة من جميع أركانها وأطرافها، وإن كان شكلياً لها بابان للدخول والخروج. فكان دخولنا أيامئذ القا واستكشافا للمكان، وتلك الوجوه الجديدة النيرة من بعض ابناء الحلة الذين شاء حظهم أن يكونوا ضمن طلاب مدرسة (ب) بنين الإبتدائية بالحلة. 
وخلال جوسنا وتسكعنا في بداية العام الدراسي تقريبا مايو 1983م، إندحنا في ساحة وفناء المدرسة حتى تعرفنا على الجميع بأسرع ما يكون، وفوق ذلك التمس طريقنا شاب وسيم الطلعة، وهادئ الملامح، ومرح تكسوه حفاوة اللين والأنس الشفيف والإنسانية العامرة، وتشابكت خيوط معرفتنا به في اوائل العام الدراسي من خلال حصة اللغة الإنجليزية.
بينما هو في بحر انشغاله بالتدريس ذات يوم في حصة اللغة الإنجليزية، انفجر داود زائد نورين بضحكة هستيرية، كأنها مصنوعة من الفولاذ الصلب شقت عنان زنك الفصل الذي كان يفصل بينه وبين ميدان العامل (التضامن لاحقا) سوى شارع ترابي مغمور، وأظنه لا زال يمرر العربات الداخلة إلى حى البركس، وكما كان هنالك شارع صغير يمر به أهل البركس في عبورهم اليومي إلى السوق أمام الفصل من الجهة الجنوبية، وكان البعض منهم لا يتحرج في عبور المدرسة لقضاء أغراضهم والمضي إلى أعمالهم لو تصادف ذلك من المدخل. 
انتظر رحمة عليه أستاذ كمال عبد الرحمن عبد الله حتى أكمل داود زايد نورين نوبة دهشته المباغتة والمتصاعدة، والتي جاءت فقط عندما ذكر الاستاذ اسم (بتول او منى) على ما اذكر خلال الدرس المقرر في الحصة.. لم ينفجر بغضب ولا مساءلة ولا إمتعاض بل بابتسامة خجولة وكل ما قاله ببساطة وبصوته الواضح النبرات: (مكيسه انت)!
العبارة كانت غريبة علينا، ولم تلامس افئدتنا بعد مفردات اللغة الإنجليزية حتى نستوعبها.. ولم يزد. وواصل شرحه باقتدار وعبر بنا إلى مساحة قربتنا منه أكثر حيث توقعنا منه أن يعاقب الأخ نورين. حينها دخلت الكلمة قاموسنا الخالي من بعض مفردات اللغة الإنجليزية كلُغَة حيّة؛ متداولة في حياة الناس اليوميّة ضمن سياق اللهجة العامية، عبر المشهد العفويّ الأخّاذ الذي صنعه داود.
ومن ذلك الوقت بدأت بإنتظام التعرف على مزامير داود الحبيب، المحبوب، وكأنه يترنم بعذب الحديث وأناشيد المدرسة بصوته الشجي، وتزامن ذلك، في فضاء مدرسة تمتاز بحرية اكثر إتساقاً مع سنوات عمرنا، فإزدهرت سِنون الخِصب، وبت أفرق أيضا بين الابن داود الصديق والزميل، والأب زايد نورين آدم العامل في الأمن الداخلي.
وفي شارع البركس المشهور، تعرفنا على معالم حياة جديدة وعلى أغلب من يقطن حيّ البركس الذي ينْبِضُ بِالحياة والحركة، وانفتحت لنا نافذة رأينا عبرها بقعة أخرى من حدائق المصنع.
وأول ما لفت نظري في ذلك الشارع المسكون بالجمال والنضارة؛ منظر النافورة، والصبايا اللاتي في عمر الزهور، ورجل قصير القامة يتربع على جلباب واسع الأطراف والأكمام، وأشجار تحف متن الأرض الخرصانية، ورجل طويل القامة ونحيف وبعين واحدة.
ولكن حقيقة ما شد انتباهي أكثر منظر الجلباب (علي الله أو أم جكو رمز الثورة المهدية) الواسع الأطرف والأكمام وإلى أي جهة يمضي لا تعرف (أي عدلته من قلبته)، ليس كحال الجلباب الذي يرتديه معظم الناس في العادة! وفوق ذلك صرامة رجل في عمر الشباب يسرع بخطى واثقة ويضرب الأرض بحذائه ليس كحال الموظفين والعمال الذين يمتازون بإرتداء البنطال و(ابرول) الشغيلة، كزي يوحدهم في العمل.
سريعاً يهرول في خطوات متقاربة ومتساوية يعبر الدروب أينما لمحناه إن كان في السوق أو الشارع المعروف أو المصنع أو الرئاسة أو في مداخل البراكس أو غيرها من الأمكنة حتى اعتدنا على ذلك التنوع الفريد في ملابس العمال، وأضحت تلك قاعدة لا شذوذ فيها طالما هو واحد من المغاوير الذين نهضوا للعمل من أَرض حيّة يبتغون رفع لواء الإنتاج ودفع ضريبة الوطن في إعمار مشروع السكر.
دوما لا يغيب عن البال بجلبابه الأنيق محيا العم زايد نورين الوضاح وإشراقه الوسيم الذي ملأ دروب المصنع وفاض، وهو معتمرا طَّاقيَّةُ لها رأس الجبل في العلو والشموخ، موضوعة بعناية تستشرف الطريق الذي مشى عليه وما نكص مدافعاً عن الحركة المهدية؛ أنصارياً قحاً وأصيلاً حتى الرمق الأخير في حياته قابضاً على جمر القضية.
وتلك قصة ككل القصص المجيدة والمسطورة في كتاب المصنع، والصورة الحيَّة لجيل الرعيل الأول المؤسس لمصنع سكر حلفا الجديدة كمثال محسوس لرجل حَيُّ القلب، وصادق أمين، وصاحب ضمير يقظ، ونشيط، ذو حيويّة وفاعليّة ملحوظة، أراد أن يحيا حياة حرّة كريمة حيث أَقبل مندفعاً بحيوية لإستلام حصته من العمل في قسم الأمن الداخلي كواحد من الأشاوس أصحاب الذخيرة الجادّة.
وسرت فيه رُّوح الجدية والإلتزام مقتسما الأدوار مع آخرين يؤدون واجب الحق ونصرة السكر الأبيض، أَدَّى مُهمَّتهُ، وقام بها على أحسن ما يُرام، وأَدَّى الرّسالةَ بِكُلِّ أمانة وحب وإخلاص.
عاش وصار ذا حياة، وذو سُمعة طيبة وعطِرة ومشرِّفة، ذائع الصيت، المرحوم زايد نورين آدم المولود في العام 1934م، بمنطقة لقاوه بغرب كردفان لأب وأم من بطون المسيرية.
فالسُّمْعة الحسنة خيرٌ من الذهب، هكذا نشأ وترعرع صبيُّ المسيرية البسيط الذي لم ينل حظه من التعليم النظامي، وشبَّ عن الطَّوْق على مكارم الأخلاق والأدب، وبدأ حياته العملية في بناء وتشييد خزان الرُوصِيْرِصْ حيث كان من ضمن الشغيلة العادية (اليوميات) التي تشتغل بأجر يوميّ.
وفى العام 1964م، شد الرحال للعمل في قطاع السكر، ومنذ ذلك الوقت أصبح ضمن عمال مصنع سكر حلفا الجديدة، وكان وقتها المصنع عبارة عن قطع حديد متناثرة ومكومة على أرض الموقع الذى بني عليه المصنع الآن. وشهد الراحل المقيم زايد نورين جميع مراحل تركيب المصنع، بل ساهم مع آخرين بإحضار أول شحنات عُقل قصب السكر (التقاوى) من مصنع سكر الجنيد شيخ مصانع السكر فى السودان.
وبعد توزيع المهن وإستلام الكل لموقعه، اختير كحارس أمين فى قسم الأمن الداخلي، والذي كان يتبع لقسم الخدمات الإجتماعية وقتذاك. وقد عاصر جميع المديرون الذين تعاقبوا على سدة إدارة المصنع حتى تدرج فى وظيفته التى لم يكل منها ولم يمل بل كان يتفانى ويخلص في الأداء والذود عنها.
وامتد عطائه في العمل إلى العام 1990م، متقاعداً للمعاش بقضاء المدة القانونية لوظيفة الخدمة المستديمة لرائد عملاق عطر بعطائه صفحات تاريخ كتاب المصنع الكبير.
وترك بصمة واضحة بين أهل المصنع وخلد اسمه بنمير عطائه ومعاملته الطيبة وأسلوبه الحسن وأدبه الجم، وأصبح معروفاً بين سكان المصنع ورقماً لا يمكن تجاوزه بين الكبار والصغار. ومن شدة تعلقه بالمصنع الذى عاش فيه ريعان شبابه وعلاقاته الواسعة، بعد مثوله للمعاش لم يفكر أبداً في العودة إلى مسقط رأسه بل امتلك عقاراً من حر ماله في الحارة الرابعة بالحلة، وطاب به المقام.
وكما لم تتخل إدارة المصنع عن خدماته الجليلة، فأعادته للعمل بنظام المشاهرة، ولكن حالة الهرم والطعن في السنِّ حالت دون ذلك حتى وافاه الأجل المحتوم في يوم الأحد الموافق 18 مايو من العام 1997م، وأقبر في المقابر الجديدة جوار صهريج البركس حيث يعتبر المرحوم زايد نورين من أوائل من دفن بهذه المقبرة كما كان من أوائل القاطنين بحيّ بركس العمال.
وغاب رائد حجر السكر الهش والنفيس، والذي قام تشييد صرح زاوية المصنع على أكتافه وأياديه البيضاء منذ لبنة البناء الأولى كما فعل من قبل في سد الرُوصِيْرِصْ، وهو في يفاعة الشباب، وها هو يفعلها في شيخوخته أوان غيابه الكبير حين حدد بقعة لحده الطاهرة في الأرض التي أحبها رائداً سباقاً في كل خير عمّ المصنع.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، زايد نورين آدم، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، ولقاوه بغرب كردفان، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.


اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الخميس 23 يونيو 2016, 10:32 pm

عبير أبو القاسم.. زرقاء وجه الصواب
ناصر البهدير




أكثر ما يوُّد الإنسان نسيانه، هي الذكريات العميقة التي تأكل بشراهة أعماق القلب وتحيله إلى كومة من رماد يصطادها الريح، مثل طائر طنان صغير فقد بوصلته حينما بارح أوراق نبات خضراء تقف بمحاذاة روح بلد أكثر من رائع ترويه مياه نهر صغير متسع الأطراف.
ذات مساء باهي ومزدان برائحة ثمار التين الشوكي، حط الطائر بقلق المسافر الذي يروم بلدة بعيدة تقع على أقاصى ضفاف السراب المتموجة بإنكسارات عدة بحدة ضوء شفيف يعبر أمام زرقاء الوقت التي تتحسس المسافة من خلف عيونها.
سرعان ما عمت الأرجاء ريح البارِحُ، وخطفت العصفور من بين أوراق التينة الشوكية الصلبة حين غرزت جسدها بساق واحد في عميق الأرض التي تتنفس هواء طيب لم يتغير منذ أن جرت المياه على هويس الترعة العفنة بطعم عصير السكر.
ما أشبه الليلةَ بالبارحة! والزرقاء تتمدد على غصن طيف غائر غزا القلب المثقل منذ غياب الطائر الأليف والوديع.. وللزرقاء حديث ذو شجون وألم يرتكز على الغياب الأكثر حضوراً الآن. أوراق الفراق تتساقط كما نثيث مطر تلك الليلة الموغلة في البعيد حين أدركت وقتها بأن الطائر يكاد أن يسقط بفعل الأنواء والريح والدخان ومشاكسة أشباح تسرق من بئر النسيان والإهمال حق تشارك الكلأ والماء والنار.
ومن ذلك الحين نصبت ابنة البارحة عينيها، وبرح الخفاء بين أقطار عقلها الوقاد، ومضت في صراط استقامتها على يقين الزاهد في الحياة حتى جاء الأمْرُ براحاً؛ جلياً واضحاً كما حدثها قلبها يومئذ.
ومرّ الطائرُ من يمين، شاهد اللحظة الغارقة في الصمتُ والنداء الساكن، إلى يساره؛ كأنه نذير شؤم ينبئ ويبعث على خوف وخراب.
وما برح اليومُ خسراناً مبيناً، إذ تفرقنا أيدي سبأ بعد معارك حامية الوطيس طال أمدها بسوس حياةُ الشُؤْمٍ، وضيقُ الدار وسوءُ الجار.
وسقطت أوراق التين الشوكي وجف الساق الأخضر بفعل موسم الصيف، وغاب الطائر بين السوانح والبوارح، ومضت زرقاء وجه الصواب ترى بعينيها ما لا نراه نحن عُصبة رفقتها في الطريق الشاق البعيد الذي فشلنا في اختصاره، لطالما قلوبنا على مفترق طرق ترى عبر ثقب الهروب.
وبت ليلة أمس بين أوراق ذكريات لا حصر لها، ترتجف بفعل هول الغياب وصدى فلسفة الدروس الماكرة ورق المذاهب التي لم ننعتق من ربقتها، ماضية تقول: "إنّ الشرَّ في العالم أكثر من الخير، وأنّ الحياة الإنسانيّة هي سلسلة من الآلام الدائمة".
ونحتضن الأشواق، قليل وكثير من البعد، وقليل وكثير من القرب، على مرمى حجر من حشرات يقظة وشبقة بفعل الضوء المرتكز على الحلم، وبوسعك عندها أن تمتص وتستدعي ملامح طنين قصاصات الذكريات، وهذا ما نملكه في شيخوختنا الباكرة.
وفي الذاكرة أناس كثيرون في بلدتي مهوى الأفئدة، تسلقوا وعبروا طول الطرقات الشاقة، وقالوا كلمتهم بكل بساطة وفي شفافية تكاد أن تكون مطلقة، يليق بهم أن نخوض في سيرتهم الوضيئة الطاهرة والصافية كجمامات الاتبراوي الدافقة.
وفي البال على نحو خاص، رفيقة مصادمة كعود قصب السكر، نضارة وجسارة، رسمت بصمتها على حقول البلاد بايقاع الاتقياء والشرفاء، وهي تكدح بصمت وجلال وشرف تكافح لإثراء قيم الحق والمساواة والعدالة.
وعرفتها دروب العمل العام بسمت وفضيلة الصبر والتضحية والمجاهدة بعيداً عن حُبُّ الظُّهور والتباهي في منصات المحافل العامة، كانت تقضي وتنفق سحابة يومها دون أضواء وفي صمت بليغ ينم عن حس واعي ومتقدم على أهل المنطقة بأحياء الموظفين، كأول رائدة تخوض غمار تجربة العمل السياسي كما أظن ذلك بائن من قرائن الأحوال.
ظهرت بروح التسامح والإخلاص والعمل الجاد المثمر في مطلع ومنتصف تسعينيات القرن العشرين ترفد عمل رابطة أحياء الموظفين، ومن ثم قادت ودعمت تنفيذية رابطة طلاب مصنع سكر حلفا الجديدة بالجامعات والمعاهد العليا ضمن كوكبة نيرة من فرسان وفارسات المصنع في عمل كبير إختارت فيه الإنزواء وفضلت أن تقدم معينها دون من أو أذى.
وخاضت الجسورة تجربتها بوعي مغاير مقتدية بكلمات بسيطة وقليلة "لا يليق بالبشر الحديث حول الاعتقاد بكون بعض الناس أكثر قيمة من الآخرين، فجميع البشر ولدوا سواسية، ويتمتعون جميعا بنفس الحقوق والواجبات أياً كان نوعها ومصدرها". بالطبع من يسكن المصنع وخبر دروبه لن تخامره شكوك حول مقولة الممثلة الأمريكية، أنجلينا جولي.
في ذات المساء الذي هرول فيه العصفور على جهة يسارنا، التقينا بطيبة الذِكْرُ؛ عبير أبو القاسم الأمين رحمة الله عليها بقرب التينة الشوكية التي ترقد في فناء بيتنا في اجتماعات متصلة لم تتوقف حتى كللنا أمرنا بإبعاد بُومةً الخراب؛ طائر الشُّؤْم عن أغصان شجرة رابطة الطلاب الجامعات في ملحمة خضنا جمرها بقيادتها الواعية والذكية، وصمودها وصلابتها. 
وفي العام 1997م، إنطلقت الرابطة لتؤدي دورها المنوط بها لخدمة ابناء المصنع والمدينة برمتها بعيداً عن تجاذبات الكائن السياسي الذي استطعنا لجم جماحه وابعاده عن رسن زمام عمل الكيان الطلابي. ونجحت التجربة التي رفدت المصنع بمشاريع كبيرة يشهد بها الجميع على مدى دورتين كاملتين من الاداء الإيجابي المسؤول.
وانتبذت المرحومة عبير أبو القاسم وراء الستار موقعاً قَصِيّاً ومشرقاً لتقدم جهداً خلاقاً وخارقاً، في كل المحاور التي عملت فيها بنشاط ومسؤولية لدفع ضريبة العمل العام وخدمة مجتمعها الصغير ووطنها الكبير.
وما خابت في مسيرتها الظافرة رحمة الله عليها عبير أبو القاسم منذ أن ولدت بمدينة ود مدني في العام 1971م، حى تاريخ غيابها الفاجع المتزامن مع أول يوم لإمتحان التخرج من كلية الصحة بجامعة الخرطوم من يوم الأربعاء الموافق 28 أبريل من العام 1999م، مخلفة حزناً بين جموع أهل المصنع. 
وفي ذلك اليوم الدامي بالحزن (أربعاء وعقاب شهر)، شق خبر رحيلها الأسماع مأسوفاً على شبابها الغض بعد حياة قصيرة ولكنها طوت صحفاتها الجليلة والعامرة بأعمال الخير والعمل العام.
ودرست الراحلة بمدرسة (أ) بنات الإبتدائية، والمتوسطة بنات بالمصنع، ومدرسة دهب عبد الجابر الثانوية بنات بحلفا الجديدة، وكذلك مدرسة مدني الثانوية بنات حتى التحقت بكلية الصحة بجامعة الخرطوم متوجة مسيرتها العلمية الناجحة.
وحقا كانت نموذجا في القدوة ومثالا في إنسانيتها التي لم تتجرد منها ولو للحظة عابرة من عمر الزمان، لا تتأرجح بين إلتزامها وواجبها الأخلاقي، سائرة على توازٍ رشيق لم يخلُ بميزان صراطها المستقيم، هكذا عبرت مشرقة الوجه والجبين وصاحبة العطاء والنوال والسخاء والبذل. حتى وهي بين دفة الدرس، امتطت صهوة الصعاب، وغادرت إلى أطراف العاصمة في بحث للتخرج في رفقة زميل لها بالتخصص نفسه، وفضلت أن تكون أرض المشروع بيئة مناسبة لدراستها المتعلقة بالبحث عن عينات حقيقية لتلوث المياه بعد معاناة يومية متصلة مما أضطر زميلها للإنسحاب من أول يوم، متوراياً عن الأنظار، ومكتفياً بدور المرحومة عبير.
وكتبت سيرتها المشرقة بإستنارتها ووعيها النبيل بأحرف من نور ضمن كتاب المصنع الخالد كواحدة من ابناء جيل الرعيل الأول والمؤسس لمشروع مصنع سكر حلفا الجديدة. وهي على فراش المرض، تتقلب بين هم البلد العام، متناسية ألمها، كعهدها شجاعة وشهمة لا تخاف في الحق لومة لائم كديدن وسلوك عرفت به طيلة المعارك التي خاضتها بين أركان دراستها ونضالها.
وستبقى الراحلة عبير أبو القاسم، نسمة فواحة عطرت سماء المصنع ولا تزال سيرتها مضيئة بذات الحضور والرائحة الذكية نستنشق نفحة وندى عبيرها.
اللهم أرحم أختنا جميعاً، الراحلة المقيمة، طيبة الذكر، عبير أبو القاسم الأمين، وتقبلها قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرتها وأحبابها وعارفي فضلها، وأهل السكر، وعطبرة، ومدني، فقد كانت عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.
اللهم ابدلها دارا خيرا من دارها واهلا خيرا من اهلها وادخلها الجنة واعذها من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهم اجزها عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كانت محسنة فزد من حسناتها, وإن كان مسيئة فتجاوز عن سيئاتها. اللهم ادخلها الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسها في وحدتها وفي وحشتها وفي غربتها.
اللهم انزلها منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزلها منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة, ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح لها في قبرها مد بصرها وافرش قبرها من فراش الجنة. اللهـم اعذها من عذاب القبر, وجاف الارض عن جنبيها. اللهم املأ قبرها بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنها فى ذمتك وحبل جوارك وقها فتنة القبر وعذاب النار, وانت أهل الوفاء والحق فاغفر لها وارحمها انك انت الغفور الرحيم. اللهم انها كانت تشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم بها. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمها ولا تعذبها. اللهم اّتها برحمتك ورضاك وقها فتنة القبر وعذابه وأّتها برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثها إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقلها من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها وثبت علي الصراط اقدامها واسكنها في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنها من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسها أّمنة مطمئنة ولقنها حجتها. اللهم اجعلها في بطن القبر مطمئنة وعند قيام الاشهاد أمنة وبجود رضوانك واثقة وإلي أعلي درجاتك سابقة. اللهم اجعل عن يمينها نوراً حتي تبعثها اّمنةً مطمئنة في نور من نورك.
اللهم انظر اليها نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنها فسيح الجنان واغفر لها يا رحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنها فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انها جاءت ببابك وأناخت بجنابك فَجْد عليها بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمها رحمة تطمئن بها نفسها وتقر به عينها.
اللهم احشرها مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشرها مع اصحاب اليمين واجعل تحيتها سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشرها بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعلها من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيها عليك ولكنا نحسبها انها اّمنت وعملت صالحاً فاجعل لها جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيها نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائه واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُ.
اللهم اجعلها في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنها صبرت علي البلاء فلم تجزع فامنحها درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انها كانت مصلية لك, فثبتها علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انها كانت صائمة لك, فأدخلها الجنة من باب الريان. اللهم انها كانت لكتابك تالية وسامعة فشفع فيها القراّن وارحمها من النيران, واجعلها يارحمن ترتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأتها أو سمعتها وأخر حرف تلته. اللهم ارزقها بكل حرف في القراّن حلاوة, وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمها فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنةً. وادخلها الجنة فانها كانت بنبيك مصدقةً وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهـم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين, وعرق منا الجبين, كشر الانين والحنين. اللهـم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب, وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات, وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي, واذا توعد عفا, وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لنا ولها، واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلها الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 24 يونيو 2016, 11:40 pm

عم قمر الدين.. سماسِمُ البيع الرابح
ناصر البهدير




مخيلة الغريب سريعة التهيج, تنقله من الضجيج إلى الصمت، ومن الصمت إلى النحيب، في غمضة عين، في محاولة لمقارعة إيقاع الزمن المتدحرج، ونفي وطمر أوصال الغربة، وهدهدة مفاصل وعظام الحنين.
كأنك تحبس أنفاسك، وأنت الغريب حقاً، في انتظار فجر لينقشع، ويبدد الفجوات الزمنية والمكانية التي يتعذر معها اللقاء أو يستحيل عل سبيل أن تمهد لأشواقك أن تنطلق كما تحب، وتسكن بلقاء بلدي الصغير الطيب.
تنطلق الأشواق هناك في سهل البطانة تغازل أَواصِرُ علاقة السكر التي نبتت بالقلب وشبت كعود قصب سكر أخضر تزيده الأيام نضارة كلما شوته النَّارِ نْضج، وأضحى حريقه نبض حقول تتلألأ كضوء القمر حين يغازل الأرض.
لهيب كل ذلك يبقى رهين القلب مناط الذكريات التي تحرق كل شيء ينمو بحَبَّةُ القلب، فالحنين والفراق إبتلاء طالما عبر مفازة لا ندري متى نهاية شوطها الرملي!
وفي داخل كل منا مضمار لحكايات متشعبة تنفلق بذرتها مع عُقل قصب السكر التي تزدهر على يد الشغيلة؛ يموت بعضها ويحيا بعضها، وبينهما حكايات غمِيسةُ؛ أَجمةُ من القَصب تُستخفى فيها.
ولعلها عصية على النسيان تدرج في دفاتر القلب بكل سهولة كما نبذز الأرض بالحبوب كلما حان خريف البطانة الماطر.. وتلك قصص تتدفق وتروي شغاف القلب، تبدأ من حلواني طه الفكي لنهنل من باسطته اللذيذة، وتنتهي عند دكان عم قمر الدين، وهكذا دواليك وبيدي شاهراً أشياء الدنيا؛ صمغ نلصق به دفاترنا وكتبنا، وحبر نؤدي به واجب المدرسة، وكراس نحل بين دفتيه الواجب الدراسي، وحبات من البلي الزجاجية نخرط بها ما نشاء ما عدا عصام طه يوسف أخطرنا مهارة، وصبغة حتى نصبغ بها شعار فريق الموظفين، وكرتلة نكسب بها بعض مال وشغب، وحلوى لبان ودبرس ونعناع وشكلت وسندباد وباذوكة نبيعها لأطفال الحيّ، وليدو نبدد به نهارات الإجازة، وكرة نراقص بها المساءات الندية، وكل المعدوم الذي لا نجده في السوق. المكان لا يقل سعة عن دكان السر هتش بسوق حلفا الجديدة، وكليهما مسرفاً في بيع أشياء الحاضر والماضي أي المُستجد والتراثي. 
انتابني شُّعور غائماً، مصحوب بأوهام وهلوسة، كأفكار تجري على غير تناسق، كما يرافقها عدم الراحة، وحنين غامض كلون الليل العاتم.. وبدأت أسوح في بحر أسئلة عويصة خارجة عن طاعة القلب، لم أستطع معها كبح وحبس دمعي وسيلانه الغزير.. وانشغلت بالتهرب من حكاية لحكاية أخرى حتى وقفت على دَّبَّةُ سهلة الصعود وصعبة النزول، وغرقت في أتون رملها الحارق. وقلت للغيْهب: دعنِي ودُبَّتِي؛ اُترُكني أَتصرَّفُ كَما أُريدُ طالما في حضرة قمر مصنعي مُنير.
الأشياءُ التي أنساها كثيرةٌ، للغاية، ولا يمكن إدراكها على اتساع الأزمنة الممهورة بتواقيع شتى، لكني لا أقوى على نسيان حانوت رجلُ، مثل قلب البلدة، محفورة قسماته في أعمقٍ مكانٍ بالذاكرة.
صاحبه رجلٌ صوته، كخريرُ الاتبرواي يتدفق موجه الهادر متلاصفاً. مختصر العبارة، يحدثك بكلمات قليلة ومُناسِبة بمُناسَبة، وإن زاد عبارات تقوى على الصمود في وجه الزمن، كأنها حديث يصيب جُلْجُلان القلب، ولا يزيد إلا إنتصاباً في ضحكةً مُجلجِلةً يهتزَّ لها جسده.
خفيف الرُّوح، نشيط في عمله وتنقله بين رُفوفٌ متجره المثقل بالبضائع المتنوعة؛ جديدها وقديمها تسكن قلبه والمساحة التي يشغلها على مودة نادرة جعلتنا على قرب منه.
ما بين هنا وهناك، تبقى توابل المكان هي سيدة الموقف، تزف إشهارها، وتحرك مطلق الحنين في تلك كل الدروب التي يمضي فيها القلب سفر أشواقه كما الجسد الذي قطعها ذات يوم بعيد.
الدروب هى الدروب لا تتغير ولا الأمكنة، كلما أمضي بسوح السوق بعد الخراب الكيبر الذي غمر المكان أكون متيقناً بأني سالتقي عمي قمر الدين رحمة الله عليه. ولكن لا أجد شيئاً البتة وفي كثير من الأحيان كما اتخيل أجد مبارك ومحنة وغيرهم من أصحابه يسدون الدرب بأنس شفيف يصل ضجيجه إلى سوق القش المجاور أو إلى جملة العياشة الساندون ظهورهم إلى ضوضاء الطاحونة المجاورة للمكان.. بهاء عندي لا يعدله شيء.. أصوات تتداخل تعيدني إلى ذاكرة المكان ونضارته وأيام شبابه المضيء وإشراقه البائن في كل زمان ومكان بين أتراب دكاكين سوق المصنع التحفة... ذلك الزنك المكوم الذي تركه مبارك لفترة طويلة من الوقت كشاهد؛ ندبة في السوق تذكرنا بقوة وعنف يطرق على أحوال الزمان المتغيرة. تصيبني حالة من تقلص الذاكرة وتوهجها في وقت واحد، وأنت تكاد أن تلامس أشياؤك القديمة والمرصوصة بأناقة، وكأنها بين أياديك تلمسها وتضمها إلى قلبك قبل جسدك المنهك في مقارعة السير إلى سوق المصنع من حى خمسين بيت البعيد، وإن كنا نرى الطريق أجمل الممرات التي تزدهر بنفوسنا وتزيدها عبقا، كمثل رائحة أشياء قمر الدين حتى زيت غلغله المهيب ومزحة ذلك الزمن الرائع.. ويا له من خسارة حارقة حين أعرف بأنه لن يعود، ولن يعود كما بهاء المكان المخضر بصوت عمي قمر الدين وابنائه الغر الميامين. 
وهذا حديث شيق حين يتصل ويمتد إلى قامة بقدر الهامة الجليلة مبارك قمر الدين، ويا له من شخص نبيل وصادق في دائرة لا تتعدى مسار عينه للطريق وكان ولا يزال وهكذا سيمضي.. فمعرفتنا به كانت عبر المعرفة.. كنت دوما أبحث في دكان والده الراحل قمر الدين عبد الله محمد عن الحبر والصمغ وأقلام الحبر والرصاص والكراسات وصبغة الألوان وأشياء كثيرة لن أنساه بيد أني كنت أغشى أحياناً بعد أن أحزم متاعي حلواني العم طه الفكي ليستقبلني ابو عبيدة أو غيره، فالمهم عندي ذلك المكان الأسطوري، والذي يذكرني دوماً بدكان السر هتش بحلفا المدينة، إذ لا يخلو مما تطلبه وتتمناه وتبحث عنه مهما كانت الظروف؛ فالدكان عبارة عن سوق وبازار كبير فيه كل شيء تسعى إلى اقتنائه، وكان من أعمدة سوق المصنع بنوارته مبارك والنحلة أسامة وأبيهم الرجل الشهم والصادق صاحب البحة العالية والمحببة إلينا، والتي لا يمكن لي أن أنساها، لا زالت عندي بطعم الحبر والصمغ والأشياء التي اشتريها من دكانه الباذخ والفاتن؛ محط إعجابنا وإلهمانا حيث لعب دوراً كبيراً في تعليمنا ومعرفتنا الأولى بجانب مكتبة سالم الأطرش رحمة الله عليه. 
مبارك قمر الدين متعه الله بالصحة والعافية رجلا لا تفارق الابتسامة والطرفة ملامحه الطيبة، مهما كانت قساوة الظروف، تجده فى غاية الأريحية والهدوء، وهو يستقبلك هاشاَ باشاً، ويتناقش معك حول ما تطلبه أو تريده من نقاش وجدل في شأن ما، حتى نستأذنه لأن الوقت قد سرقنا ونريد أن نمضي. 
هو ابن العم قمر الدين من أشهر تجار المصنع الأوائل الذين حملوا لواء التجارة، وانعشوا السوق بالغالي والنفيس من البضائع حتى أوجدوا اقتصادا يوازي حركة بيع السكر، ومضوا في منافسة شريفة بينهم بتلك الاستقامة والأخلاق الرفيعة التي صنعت الثقة ما بين التاجر والمستهلك في علاقة تضامنية.
في منطقة المحمية على ضفة نهر النيل، ولد قمر الدين عبد الله محمد في العام 1918م، ونثر أريجه مذ شبّ إلى أن دبّ حتى وفاته في شهر رمضان المعظم من العام 1988م، بالمصنع، والذي صادف فيه اليوم نفسه ميلاد ابن للعم المرحوم حسن بخيت محمد الحساني، حتى أطلق عليه اسم قمر الدين تميناً برجل عظيم لعب دوراً متعاظماً في أرساء الحركة التجارية بالمصنع مع العديد من التجار. وترك من الابناء محمد، ومبارك، وأسامة، وتسعة من البنات اللائي مهدن له طريق النعيم.
وعمل الراحل المقيم قمر الدين بالتجارة فى وقر وأروما في منطقة القاش ثم منطقة (سكسني) القرية (3)، ثم حضر إلى المصنع عام 1964م، كآخر مطاف له في ظل تنقلاته المتعددة.
ولن ينسى الناس عم قمر الدين رحمة الله عليه، صاحب الخطى الواثقة، والمجهود الوافر، والأمانة، والإخلاص, والإِستقامة, والتفانٍ, والثِقَة, والصراحة, والصِدق, والوفاء. وكان حانوته منارة ومحل ثقة الجميع ومقصدهم قلمّا تجده خالياً من الزبائن؛ فدائماً مزدحماً وعامراً بكل الناس؛ فالكل منهمكاً في شراء أغراضه بفرح طفولي نبيل تغمرهم أريحية وبشاشة وأمانة عم قمر الدين صاحب الطرفة والملح والنوادر بصوت رحب راسخ في ذهني منذ نهايات عقد السبعينيات من القرن المنصرم لا يمكن نسيان نبراته الواثقة.
ويبادله زبائنه المزحة بأخرى، ويكيلون له (دقة بدقة) كلما ولجوا بين أشياء دكانه الواسع حيث يجدونه بصعوبة منغمساً في ركن ما يبحث عن بضاعة لزبون مستعجل.
يذكر الناس عنه طرفة صارت، مقولة تجري على ألسنة الجميع حتى يوم الناس هذا، (عم قمر الدين ما عندك زيت غلغل!)، وتغلغلت الحكاية بين أوصال المجتمع وغدت سيرة تحكي عن لطافة وظرف الناس أيامئذ رغم أخلاقهم الرفيعة والجدية البادية على أوجههم.
وأصل الحكاية كما رواها البعض أن زبوناً حضر للمحل، وسأل بصوت مائع: (عم قمر عندك زيت سمسم)، فرد عليه المرحوم قمر الدين قائلاً: "لا... عندي زيت غُلغُل"، وكان ذلك من باب المغازلة والظرف والأدب السائد بين الناس. وضحك كل الحضور، وعندها صاروا يرددونها في كل أرجاء البلد وكلما حضروا إليه في دكانه، وأصبحت مقولة متكررة.
فـ(الغلغل)، هو حبة بذرة القطن، كما يطلق أهل اليمن (الجلجل) على حبة السِّمْسِمُ؛ فـ(الجُلْجُلاَنُ) في اللغة العربية تعني السِّمْسِمُ في قشره قبل أَن يُحصد.
وغاب سِمسِمة البيع الرابح، الذي وهب دهنه للمصنع، وما بخل به، وهو يفني حياته محباً للبلد، التي كلَّفته بَيْضَ طير السماسم، أَي ما لا سبيل إِليه من الرجوع الى أهله بمحاذاة مجري النيل العظيم. وطار السُّمْسُمُ محلقاً بروحه الأبية صاعداً إلى أعلى أشجار حدائق المصنع؛ فكان سمسم من الرجال الخفيف، النشيط، فأكلنا من قدحه سمسميّة وحِمّصيّة، وكثير مما لا نقدر على رد جميله.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، قمر الدين عبد الله محمد، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، والمحمية بالشمالية، وكسلا، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.


اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.


اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).


ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 25 يونيو 2016, 10:36 pm

ماريَّة أم التيمان.. ميسان التمر والسكر
ناصر البهدير




في ظهيرة يوم من سبعينيات القرن الماضي، كنا على عتبة بيت بسيط من بيوت العشيرة، بعد معاناة سفر طويل على ظهر قطار أيامئذ. تحرك بنا القطار من محطة دغيم الواقعة على مسافة من حي الريّ العريق بالمصنع. وقطعنا المسافات تلو المسافات على تعب ورهق، عبر مدن وقرى وفيافي وأنهار عدة حتى وصلنا محطتنا الأخيرة بمدينة كريمة.
منذ أن ولجنا البيت، تعلقنا بفرح طفولي على أشجار نيم ظليلة تغمر فناء الحوش وبطنه وأطرافه، وساحته الأمامية، برفقة فتاة تشبه (جين إير) في طلاقة محياها وطولها ونحافتها، وتلك قصة شيقة غصنا في رونق عباراتها وحكاياتها المؤثرة التي ليس لها أدنى علاقة ما بخالتي الفتاة التي رحلت ذات يوم ما من أيام الدنيا. فقط علاقة شكلية تتنمط في بساطتها وجسدها الرشيق.
وتعتبر رواية "جين إير" للروائية والشاعرة الإنجليزية، شارلوت برونتي، واحدة من أقدم التجسيدات لشخصية نسائية فردية، عاطفية ومعقدة، على الرغم من أنها تعاني إلى حد كبير، فقد قالت إنها تعتمد دائمًا على نفسها للوقوف على قدميها.
أنبل قصص الحب تلك التي ولدت في أشد المحن, مع طفولة قاسية عاشتها جين إير في منزل خالها بعد وفاة والديها بالتيفود، أصبحت جين خادمة لدى زوجة خالها حتى ساعدها طبيب الأسرة في التخلص منهم والذهاب لإحدى المدارس الخيرية، قضت جين بالمدرسة ست سنوات قاسية قتل فيها الوباء صديقاتها لتقرر بعد ذلك العمل كمدرسة خاصة بمنزل السيد روشيستر للتدريس.
شعور بالإعجاب ولد بين السيد والمدرسة يقضون على أثره ساعات طويلة يتجادلون ويتقاربون أكثر حتى صارحها بحبه وطلبه الزواج منها، استعدت جين لزفافها بفستان قسمته امرأة وحشية لنصفين كانت هي الزوجة الأولى لروشيستر والتي حبسها أعوام لجنونها ليمنعه ظهورها ثانية من الزواج بجين التي رفضت السفر معه لفرنسا والعيش سويًّا دون زواج لتترك القرية وتتسول من أجل الطعام حتى تكتشف مصادفة أنها وريثة لثروة خالها الطائلة الذي تبناها قبل وفاته، ولسوء حظها فقدت المال في طريقها لتعود لعملها كمدرسة وترفض الزواج بالقديس بعدما عادت ثروتها لتحن لروشيستر الذي فقد بصره بعدما أحرقت زوجته المنزل وانتحرت ليتزوجا ويشفى بعد إنجاب طفلهم الأول.
وفي البيت توزعنا على أشجار عدة، نقفز من هنا إلى هناك بقلق وشغب جنوني، كعصافير تشدها خيوط شمس الصباح الراعفة، حتى خلقنا حالة من الفوضى التي لم يعهدها المكان من قبل؛ إذ عرف السكون والهدوء وأصوات عشيرة هادئة تخرج الكلمة من شفاههم ليست بذات السهولة التي يستقبلون بها الضيف والأهل.
فالكلمة عندهم موزونة بمقياس دقيق؛ إذ فلتت تكون طيبة وذات عطر فواح، ولها شجي كنداء العصافير في أشجارهم العالية.
وهكذا كنا نمضي من إجازة لأخرى في رحاب بيوت العشيرة بقرية قوز هندي الواقعة في منطقة القرير بالشمالية، حتى تعرفنا على أدق أواصر علاقة صلة الرحم من جانب الوالدة متعها الله بالصحة والعافية.
وغدت ماريَّة درو رفيقتنا ضمن قائمة طويلة من الأهل موضوع الحفظ والصون كلما قضينا خريفا رائعاً بالبلد، وأضحت بيننا كفراشة تسوح بين رمل بيتهم الكثيف، هكذا نظن أن الأرض كلها كثبان من الرمل فيها أحذيتنا عالقة تغرقنا في فخ الوحل كما الشغب الذي ربطنا بخالتي ماريا الوديعة، والتي كانت تعاني من كثرة حراكنا المتجدد في كل لحظة. وما بين بيتهم، وهو منزل والدها محمد أحمد درو، وبيت جدي على أحمد درو، وبيت جدي إدريس أحمد درو، وبيت جدي عثمان أحمد درو، والأخير إن كنا نعرفه ببيت بشيرة بت ود عيسى، يمر اليوم متداعياً على مهل الوقت.
مربع صغير تَدُورُ فيه عجلتنا وتتواتر حركتنا دون استقرار كما خشبة في هويس الحفير لا تعرف لها مرسى؛ تارة في العميق، وتارة أخرى على السطح، وأخرى لا قرار لها تمضى كما مشيئة حبات التمر على الماء، ومن جدول لآخر، حتى تجد نفسها ربما في حوض برسيم أو حوض نخلة عريقة تقبض بساقها على الأرض.
دار الزَّمان وتقلَّب، وكبرنا وكبرت ماريَّة، وما عدنا نعرف أخبار العصافير التي تقضي سحابة نهارها في أشجارهم الظليلة. وكان يسعدها أن نحكي لها عن نبات قصب السكر، وحبات المطر الضخْمة، وصولات الرعد المخيفة، وأسلاك أعمدة الكهرباء، وعن بيتنا الذي كانت كثيراً ما تتمنى رؤيته، كما يسعدنا ويسر بالنا أن تحكي لنا عن أعمدة سلك التلفون التي تمر بمحاذة القرية، وعن البحر والجنيات واب لمبة والبامسيكا والصبر (الثعالب)، وغيرها من الأشياء التي تخلب لبنا ونحن في البلد، نتنقل ما بين قرية قوز هندي مسقط رأس الوالدة، وقرية الكنيسة مسقط رأس الوالد في رحلات عديدة خلال اليوم خاصة أن القريتين تفصلهما مدرستين؛ المهاجر الإبتدائية بنين وبنات.
ما لم يخطر ببالنا شيء ما واحد رغم خيالنا الخصب في مقارعة الطبيعة وتلك المقارنات التي نجريها ما بين البلد وسكر حلفا.. شيء واحد لم نكن نتوقعه أن يحدث رغم أننا كبرنا وبلغنا سن النضج حتى وجدنا خالتي وأختي ماريَّة في بيتنا بحى خمسين بيت بسكر حلفا الجديدة بعد مطلع تسعينيات القرن العشرين.
ودخلت ماريَّة درو بيتنا برفقة زوجها محمد سيد أحمد حمد (المصري) الموظف بمخازن سكر حلفا الجديد أحد المنتمون للأجيال التالية لجيل الرعيل الأول الذي شيد مشروع سكر حلفا الجديدة من العدم. جاء محمد سيد أحمد الإنسان الخلوق والنبيل والطيب للعمل في المصنع منذ أوائل عقد الثمانينيات موظفا في ذات القسم الذي يعمل عليه الآن، أميناً على مخازن مصنع سكر حلفا الجديدة من قسم لآخر يؤدي بأمانة واجبه.
وعاشت ماريَّة درو ما بين القرية (21) إسكان وحي البركس ما يربو على عقدين من عمر الزمان رمانة وفراشة بين قلوب الناس حتى ملكت قلوبهم، وكانت نعم الجارة المؤمنة بدورها وعظم مسؤوليتها نحو مجتمعها الذي تمنت ذات يوم من طفولتها أن تراه.
وعرف أهل البركس  ماريَّة على نحو أكثر، وسارت بينهم باسم (ام التيمان) على مودة، وأضحت في نسيج علاقاتهم المتين إمراة تسهم كما قريناتها في رزانة وتَأَنٍّ وتمهُّل كما تتكلم بكلِّ رويَّة، وتتصرَّف في الأمور بتُؤدة، هكذا مشت ذات الورع والنبل والإنسانية بخُطًى مُتَّئِدة؛ منقطع القرين: لا مثل لها أو شبيه في العرفان والواجب والأخلاق.
وسارت على درب من سبقها من جيل الرواد الأوائل حتى وضعت بصمتها ابنة البركس والمصنع بعد حياة قصيرة وعامرة النشاط خلدت فيها الراحلة المقيمة ماريَّة محمد أحمد درو نفسها في صفحات تاريخ البلد.
وغابت ماريَّة درو رحمة الله عليها في مساء دامٍ حزينٍ بالخرطوم من يوم السبت الموافق 14 مارس 2015م، بعد رحلة معاناة ليست قصيرة قضتها تسشتفى من الداء الذي ألم بها، حتى خرت صريعة على فراش المرض منتقلة إلى رحاب الله تعالى.
وبرحليها وقعنا في مضايق مثل أخراتِ الإبرِ؛ شدائد لا مخرج منها، وسلكنا أَخرات المفاوز؛ طُرُقَها الخفيَّةَ ومضايقَها، كأنما نتنفس عبر ثَّقب إبرة إحتضارها الفاجع.
في مفازات الشجن، المواقف عديدة ومربكة يدمع القلب فيها أحياناً قبل العين، والمُقل ميزاب الفجيعة مأمورة بالدفق، مُقلَة دمعُها حثيثٌ وأخرى كلما جفَّ دمعُها أَسعدتها.
جرح لا ترى دمه أعمق جرح، وسيلان الدم وتخثره لا يوازيه في شيء. وفي محراب شعيرات الدم، فقد أليم.
كثيفاً هو الحزن حد الإمتلاء والغرق حين يفلت ويولد من أصابع الآخرين ويصطفيك بين مد الخراب وجزر الفجائع.
أعرف بأنهم هنالك يصولون ويجولون بشغبهم وجنونهم المعهود... دون مبالاة للمواقيت والتراتيب التي تضعها أم التيمان في كل ناصية وتحاصرهم بها.
ما أعرفه حقيقة! أن التيمان (أسامة وسامي) غداً سيصحون على وقع جرس المدرسة كالمعتاد لوحدهم، ويغادرون على عجل دون شاى صباح أمهم.
كما أن أحدهما سينسى قلم الرصاص، والآخر كراسته المحروسة بعنايتها وتنميقها للأشياء هكذا عرفناها على الرمل تصنع دروباً للغيم والعصافير وصفق الأشجار اليابسة وبين ظلال النيمة التي لعبنا تحتها وجلسنا كثيراً.
حتماً ستوافيهم حالة الاستيقاظ مجدداً على وقع أقدامهم المتعثرة هذه المرة وسيفشلون في الصمود أمام جحافل الاعتذار للنسيان الذي يلازمهم، وهو عاهة الأطفال.. وأياديهم خلو من الكتاب حتى من حقائبهم الحمراء، وفي فؤادهم نزعة ألم.
ولا أحد يلتفت إليهم ويصيخ إلى رعاف بصيرتهم الدامي.. ولكنهم على يقين كامل بأن أمهم ستأتي في حُلَّة باهية، وهي تحمل قوافل الحنين وكل شيء يزدهي بدفاترهم وسبورة الفصل بمدرسة البركس الإبتدائية بنين، كما ينتظرها أحمد والصغيرة ريان، وأنا مثلهم أنتظرها على باب ذلك البيت الماهل بجوار الجامع العتيق وبمعيتي صديقي محمد المصري وشِلّة من ابناء المصنع على مائدة إفطار شهي وطازج من صنع أياديها.
نفتقدها جميعاً... وسنفتقد الذوق الرفيع والروح الأبية والأدب الجم والخلق القويم وأشياء كثيرة لن نجدها البتة مرة أخرى تلوح في سماءنا.
وأظني منشغل كالآخرين بسماع هدير فيض دموع القلوب في ليل طويل يمتد بغياب امرأة سقت ظمأ الناس الشديد حتى ارتوت عروقُهم، ونضدت حيضان النخيل وحقول قصب السكر، ومشت بينهم بساق الإنسانية والعفاف والطهر الشفيف.
امرأة ميسان؛ رزينة، وفارعة النقاء.. لم تخلط الخاثرُ بالزُّباد أي خلط الخير بالشر، والجيِّد بالرديء، والحق بالباطل.. هكذا ولدتها أمنا آمنة بت عثمان آخر العنقود (حتالة) في سلسلتها على ضفة أطول نهر في العالم في ذات عام أبصرنا فيه سوياً لأول مرة مشهد الشمس والتحولات الكبرى التي جرت في البلاد.
وسنمضي كلنا في طريق اليتم الواحد تتزاحم خطواتنا، بيد أننا مبتهلين سيان ذلك في صمت أو عويل بأكف الدعاء!
أعرفهم جميعاً في إصطفافهم النبيل غارقون في نَّشِيجهم دون نحيب. وأعرف أنهم ينتظرون ويحدقون في الأعالي ويلتمسون ملاقاتها على سرر الرحمة.. فجرح الغياب لن يندمل وإن طالت الأيام.
اللهم أرحم أختنا جميعاً، الراحلة المقيمة، طيبة الذكر، ماريَّة محمد أحمد درو، وتقبلها قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرتها وأحبابها وعارفي فضلها، وأهل السكر، والقرير بالشمالية، فقد كانت عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدلها دارا خيرا من دارها واهلا خيرا من اهلها وادخلها الجنة واعذها من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهم اجزها عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كانت محسنة فزد من حسناتها, وإن كان مسيئة فتجاوز عن سيئاتها. اللهم ادخلها الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسها في وحدتها وفي وحشتها وفي غربتها.
اللهم انزلها منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزلها منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة, ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح لها في قبرها مد بصرها وافرش قبرها من فراش الجنة. اللهـم اعذها من عذاب القبر, وجاف الارض عن جنبيها. اللهم املأ قبرها بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنها فى ذمتك وحبل جوارك وقها فتنة القبر وعذاب النار, وانت أهل الوفاء والحق فاغفر لها وارحمها انك انت الغفور الرحيم. اللهم انها كانت تشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم بها. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمها ولا تعذبها. اللهم اّتها برحمتك ورضاك وقها فتنة القبر وعذابه وأّتها برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثها إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقلها من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها وثبت علي الصراط اقدامها واسكنها في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنها من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسها أّمنة مطمئنة ولقنها حجتها. اللهم اجعلها في بطن القبر مطمئنة وعند قيام الاشهاد أمنة وبجود رضوانك واثقة وإلي أعلي درجاتك سابقة. اللهم اجعل عن يمينها نوراً حتي تبعثها اّمنةً مطمئنة في نور من نورك.
اللهم انظر اليها نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنها فسيح الجنان واغفر لها يا رحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنها فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انها جاءت ببابك وأناخت بجنابك فَجْد عليها بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمها رحمة تطمئن بها نفسها وتقر به عينها.
اللهم احشرها مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشرها مع اصحاب اليمين واجعل تحيتها سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشرها بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعلها من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيها عليك ولكنا نحسبها انها اّمنت وعملت صالحاً فاجعل لها جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيها نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائه واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُ.
اللهم اجعلها في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنها صبرت علي البلاء فلم تجزع فامنحها درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انها كانت مصلية لك, فثبتها علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انها كانت صائمة لك, فأدخلها الجنة من باب الريان. اللهم انها كانت لكتابك تالية وسامعة فشفع فيها القراّن وارحمها من النيران, واجعلها يارحمن ترتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأتها أو سمعتها وأخر حرف تلته. اللهم ارزقها بكل حرف في القراّن حلاوة, وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمها فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنةً. وادخلها الجنة فانها كانت بنبيك مصدقةً وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة.




اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهـم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين, وعرق منا الجبين, كشر الانين والحنين. اللهـم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب, وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات, وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي, واذا توعد عفا, وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لنا ولها، واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلها الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).


ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأحد 26 يونيو 2016, 10:15 pm

الفكي البشاري.. بُشارة الحب الأبلج
ناصر البهدير
أن تنتقل بسرعة مطلقة العنان تتخللها بُرهةٍ خيالية وانت بين براثن الحلم العابر تغط في نوم عميق، هو نوع من المغامرة المحتملة لفوارق الوقت الضيقة جدا التي تجد لها ما يبررها قِياساً على ذلك مرحلة السنوات التي تركتها خلفك.
وخيوط الوقت تنقضي في الحلم وتتلاشى فتائلها بسرعة مذهلة لا يمكن تقديرها وقبضها حتى في متخيل صورة فوتوغرافية مهما اجتهدت وارهقت الذهن في ذلك.. هذا هو الإفلات والتمزق كلما نده نداء القلب إشتياقا كأنك تسوق أبل حنينك نحو بلد بعيد تبعده فيافي وبحار الجغرافية، وقريب لأنه يسكنك في سويداء الفؤاد.. لا تدري كم من الوقت سيمضي؛ بُرهةٍ قَصيرةٍ أم سنلبث في حقبة زمنية ربما تصبح مُدَّةً من السنوات!
هو الخيال نطلقه صوب أجمة بلد بعيدة تقع هنالك على خط عرض وطول من الجغرافيا العريضة حينما يحتشد مخضراً ومعربداً وعارياً كما ولدته أمنا البطانة ذات يوم ما من من مطلع ستينيات قرن مضى على عجل لم يمكننا من قبض زمانه وخزنه كما يحلو لنا سوى قبضة تلك الذكريات التي تعربد كلما هاج الحنين وماج بين الضلوع.
ويبقى الانتقال هو ومضة خاطفة لا مثيل لها في قدح شرارة الوقت المهول الذي يسيطر على كل شيء فينا رغم تداعيه وسيره المنتظم، أياً كان بين عتبات الحلم أو الواقع.. سيان أن تروَّى قليلاً ثمّ تحْجم بُرهة وكل شيء فيك عالق وموقع على تواقيع محفورة بشدة في أقاصى الوقت العميق الذي كنت بين دهاليزه الرطبة بالماء والندى والناس والريح لا يقاس مداه بمئات الآلاف من السِّنين ويندر أن نتحجج على مقولة.. (هل الوقت حسام حاسم سيقطع رقاب الطريق حتى نبقى محبوسين الأمام!).
فالمشهد قاصر بين ثنايا اللحظة العابرة التي اخطفتني على عجل وباغتتني، وقفذت بي في أتون شارع حداشر بيت بحى خمسين بيت.
والانتقال هو الانتقال؛ زمانيا أو مكانياً! وفي المكان أسئلة مشرعة بلا أمل عن آخرين نشعر بأهميتهم، وقيمتهم، ومحبتهم، تولد فينا شعور أكثر من طيب ورائع لا تصفه الكلمات ولا تفي العبارات في رسم لطافة نسيمهم حين يمر عن محبة.
كم هو مربك ذلك الانتقال الفجائي غير المرسوم في خريطة العمل من بيت لبيت آخر في ذات البلدة! لا شيء تتوقعه وتتوخاه وأنت في وليمة في الغياب غير أن تنتمي إلى شجنك الكثيف وتغادر نحو تل رمل الذكريات بلا طعام سوى الذكريات.
في مطلع ثمانينيات القرن المنقضي، وفي ذات الشارع الذي عرفنا فيها الدنيا ولمسنا بأيادينا (اب قرشين او الفريني، والمليم، والتعريفة، والشلن، والريال، ولاحقا ورقة الطرادة، والخمسين، والجنيه)... ولجنا عوالم مدهشة تزيد روعة كلما تعلمنا شيئاً جديداً علينا في بيت عمنا الطاهر عبد الله موسى.. كان كون من تجليات العالم وحضارته يبدأ من الراديو الروسي، مرورا بالقطار العتيق، وليس انتهاءً بسيارة المورس (فلسكواجن). في ذلك البيت شهدنا كيف تعالج الأجهزة المعطوبة الكهربائية وغيرها، وكيف تصنع أجهزة التبريد، والمبردات، والتسخين، والثلاجات، وقطارات الأطفال، وأشياء كثيرة كانت محل دهشتنا حتى يوم الناس هذا. فالمعلم الطاهر متعه الله بالصحة والعافية، نوع نادر من الأذكياء والعباقرة الذين طوعوا مهاراتهم وصقلها فيما يفيد الناس في مجتمع المصنع.
ولم تمهلنا حزم الوقت كثيراً حتى غادرتنا أسرة عمنا الطاهر كهرباء إلى البيوت المتوسطة، وغدونا نتوه في مفازات الفقد واليتم لفترة قصيرة حتى طوينا الشجن بقدوم أسرة زرعت فينا المحبة والمعرفة والأدب والسماح والعفو.
وجاءت البشريات تتْراً كلما صدح عصفور يغني بجزالة على جريد نخلة تعيش في فناء البيت، تنبُّؤ عن صبح سيسفر ذات يوم أبلجاً، وفعلاً بلج الصُّبحُ وعمَّ ضوْؤُهُ السُّهول؛ أَشْرق، وأَضاء وظهر الحقُّ... وبان ينضَّر وجه رجل بسيط سُروراً وحبوراً؛ كأنه (الحقُّ أبلجُ والباطلُ لجْلجٌ). واِستبشرنا به خيراً.
وفصلتنا أيام فقط حتى طرق رجل خمسيني بمعية ابناء بررة أضحوا نسيم المكان ونضارته، باب البيت ودخل على ثقة الذين نحبهم منذ أن رأينا الشمس لأول مرة هنا في أرض السكر.. وسرعان ما دخلت الأسرة قلوب الجميع حتى احتلوا مكانتهم الطبيعية بوقارهم الذي عرفوا به، إلى أن غادروا بعد عقد كامل من الأنس الشفيف والعلاقة الإنسانية الطيبة.
وعوضتنا الأيام أسرة بحجم طعم السكر، لونت فضاءات حارة القصب بألوان قوس قزح، بل وجدنا أننا إندمجنا في محيطهم ولغتهم الغريبة علينا ما، وألعابهم المختلفة، وشغبهم، ووقارهم، فكل فرد فيها يمثل نفسه ونيل بربر العملاق، وتفردهم الحقيقي وإختلافهم عنا في الكثير.
وحظينا بعائلة مثالية، غاية في التنظيم والأدب، قدمت مشاركتها ضمن أجيال المصنع المؤسسة لمصنع سكر حلفا الجديدة، بإفراط وحب وتفان حتى مثلتنا وأضحت جزءٌ لا يتجزَّأ من نسيج البلد.
ولم تمض الأيام كثيراً حتى غادرت إلى الصف الأخير والمشهور بـ(صف البان) بنفس الحي، ومكثت ما شاء الله لها الوقت المبروم بقرارات الحكومية الديموقراطية (1986- 1989م)، زهاء العشرة سنوات.
ولعل من مفارقات الزمان أن نحكي عن رحيل داخلي وخارجي في ذات الوقت في يوم مثل هذا، ونحن نتحدث عن مأثر الفقيد رحمة الله عليه الفكي إبراهيم البشاري موظف الأمن الداخلي بمصنع سكر حلفا الجديدة في عقد الثمانينيات الماضي، الذي جاء المصنع محمولاً على أكف الحب كمبشر بالغيث يتلمس خطاه في أرض ألفها منذ أن وطئت قدماه ثراها حتى وصل يلْهثُ حاملاً معهُ البُشْرى؛ وعدا وسكرا. وبلغنا رسالته على مطوية صغيرة أفردها على حزام البان ليقرأها القاصي والداني ويتعلم من حروفها ونقشها المرسوم بعناية بخط أبنه الاستاذ المعلم هاشم البشاري، ليعلنها للملأ على قلم ولسان ابنه الفصيح الاستاذ الصحفي حسن البشاري، حتى يجوس بها رسما على الحقول ابنه المصور مصطفى البشاري.
ومنذ ذلك اليوم، عرف مجتمع المصنع الصغير الرجل الحازم والعفيف البشاري رحمة الله عليه بمهابته وجديته وصفحه وعفوه في ذات الوقت، يمشي بيهم باللطف والظرف والأدب واللين والشِدِّة.
وعمل الفقيد البشاري في قسم الأمن الداخلي بمصنع سكر حلفا الجديدة جل فترة الثمانينيات من العام 1981 حتى 1989م، قادماً من منطقة القدواب التابعة لمدينة بربر حيث ولد فيها من العام 1936م.
وعمل الفكي إبراهيم البشاري رحمة الله عليه بالشرطة منذ فترة الخمسينيات من القرن الماضي قبل التحاقه بجهاز أمن الدولة الذي قضى فيه فترة ليست بالطويلة في عقد سبعينيات القرن نفسه، حتى استقر بمصنع السكر في قسم الأمن الداخلي المسؤول عن تأمين منشأت المصنع وأرض المشروع.
وفي فترة الديمقراطية الثالثة (1985-1989)، صدر قرار من مجلس الوزراء بإعفائه من العمل في أواخر العام 1988م، ضمن آخرين عملوا في أجهزة حكومة مايو (1969- 1985)، حتى غادر المصنع في العام 1989م، وفقدت البلد واحد من ألمع من عملوا لحماية المصنع من التعدي والسرقات بصمت وإخلاص وشرف، عائداً لبربر القدواب مسقط رأسه بعد حياة طويلة قضاها في خدمة البلاد.
ورحل الفكي البشاري رحمة الله عن دنيانا الفانية في يوم الأربعاء الموافق 28 من يوليو 2010م، بإم درمان بعد أن أسلم الروح لبارئها بعد يحاة حافلة بالخير وحب العمل.
وعاش المرحوم البشاري حياة هادئة وبسيطة خط سطورها بيديه الطاهرتين ولسانٌه الذَرِبٌ والرطب بذكر الله وعبادته التي لم يغفل عنها لحظة وسنُ طيلة عشرتنا به وقربنا منه؛ تجده على بساط الأرض وعلى يقين الخاشع الراكع يتلو ما تيسر من وِرده اليومي الذي لا يكل ولا يمل عن ترديده، وهو متوسطا بطون الشوارع وماشيا بين الناس كافاً يديه ولسانه عن حب.
هكذا عاش قنوعا وبسيطا بحياة هانئة لم تتخللها فراغات سهو ونكد وعبث وتعب وشقاء وبحث عن راحة أخرى غير تلك التي وجدها عند قدميه.
وتعاقبت عليه الأيام والسنوات، وهو ممكساً بقيم النظام والترتيب بحب عميق لا يشذ ولا يتحرك قيد أنملة، وإن دعا الداعي وإختلت الموازين... تلازمه رقّة وعطف ورحْمة؛ إذ كان حنَّانٌ بِطبْعه، وحكيمُ، وودود رغم صرامته التي تلون جزءً من سلوكه، والتي لا يميل إليها إلا إذا حاد أحد عن طريق الصواب حتى يعيده إليه بإلفة.
فكان نعم الأبٌ الحنون والشفوق والعطوف في البيت والشارع والعمل دون غلظة وجفوة ونزق منه، وعركته الحياة فعرفها وخبرها بقلب طيب وإنسانية وافرة.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، الفكي إبراهيم البشاري، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، وبربر القدواب بالشمالية، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.




اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
)إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 27 يونيو 2016, 10:30 pm

أمنا حاجة.. سنابل الخير الوافر
ناصر البهدير




ما بين ضيق وواسِع العطن مسافة؛ فالوسع حياة لذوو الألباب والعقول الرّاجحة التي تستعين بذكر الله تعالى وأمهات الكتب في حياة مستقيمة لا يخنقها مُنْعرجُ ولا مفترق طريق، وإن فقَرتْهُم المُصيبةُ، والفقْران، لا يكترثون طالما حاتمهم بينهم على قيد الحياة.
"حسْبُك من القِلادة ما أَحاط بالعُنُقِ"، كما جاء في "المستقصى في أمثال العرب": قيل لعقيلِ بن علفةَ: لِم لا تُطيلُ الهجاء؟ فقال ذلك. ويُضربُ المثل في وجوب الاكتفاء من الشيء بما تتمُّ به الحاجةُ.
هذه هي حياة أُناس عمروا أرض السكر في تضامن وود ووئام وصفاء على قيم الحق والخير والجمال ينجزون أعمالهم على صعيد أماكن عملهم أو علاقاتهم الإنسانية؛ فالكل منشغل بما يليه من التزام.
حياة تسيدتها قيم الكرم، والجود، والأصالة، وطلاقة اليدين، والإغداق، والعطاء، والسخاء، والإحسان، صنعتها أسرة مثل كوكب الزُّهرةُ السيَّارٌ، تارةً تكونُ نجمةَ الصُّبحِ وتارةً نجمةَ المساءِ، تَدورُ حول الشَّمسِ بين الحقول والناس، شديدةُ اللَّمعان بعد قصب السكر الأخضر. 
وفي فلك أرخبيل السكر حضرت عائلة طيبة المعشر والنفس، من جهة المغاوير بنهر النيل، ونزلت تعطر الأرض بعطائها وعملها ضمن عوائل المؤسسون الأوائل الذين رفدوا الحقول بسناء إشراقهم وإبداعهم وخيرهم الوفير.
وعرف الناس رب الأسرة المِعطاءة؛ الخِنْذِيذ، النفَّاح، البذّال، الواسع العطن، المرْثد, المُحْسِن, عبد الرؤوف سعيد محمد، كواجهة لجيل الرعيل الأول المؤسس لسوق المصنع ضمن آخرين باتوا رحى تجارة رابحة وصاعدة وعنوان للصدق والشفافية والأمانة.
ولم يكن إقتصاد مدينة مصنع سكر حلفا الجديدة قائماً لوحده على زراعة قصب السكر وصناعة السكر بل ساهم سوق المصنع الكبير في ردم تلك الفجوة التي عادة ما تحدث في منطقة يعتمد حراكها التجاري على نمط واحد من الإنتاج أو سلعة نقدية معينة.. ودخل السوق دائرة الانتاج بقسطه الوافر من خلال عدد كبير من التجار الذين وضعوا اللبنات الأولى لنشأته، والتي تزامنت مع تأسيس مصنع سكر حلفا الجديدة في تضامن سريع عكس رغبة كل طرف في دفع سهمه بارتياح في هيكل البنية التحتية لمدينة تقوم على صناعة السكر كواحدة من المشاريع العملاقة والتنموية الكبرى التي حظيت بها منطقة البطانة في عقد ستينيات القرن المضي.
ضمن هؤلاء التجار صعد نجم شخصية هادئة الطباع، وسمحة البيع والتعامل، ونقية السريرة، وعفيفة النفس، وشريفة ومتواضعة، وغير عجولة في جني الربح حيث تأبطت الحكمة وسبل الرشاد والصلاح والخشوع، وتوخَّى مسلك الرزق في مظانه الصحيحة والشرعية دون عنت وحيل وتطفيف واحتكار وسوء كيل وحشف.. وهذه واحدة من مظاهر تلك الشخصية النادرة في تجارتها الرابحة التي طبعت بسمتها ووقارها مجمل حراك السوق، وكانت نعم النموذج والمثال الذي يُقتدى به في شريعة البيع والشراء علاوة على علائق المجتمع الأخرى التي كانت فيها بارة بكل جيرانها وأهلها ومعارفها.
ما يزال الراحل المقيم عبد الرؤوف سعيد محمد حيّاً بقيمه وأخلاقه التي أرساها بين الناس وريادته لجيل أفنى زهرة شبابه وعمره في تدعيم اقتصاد المصنع، كما تظل روحه النقية ماثلة في أذهان كل الذين عاصروه أيام عنفوان مجده وسطوة قيادته الأبية التي رسمت للجميع طريقا سهلا لسبل كسب العيش الحلال في قطاع التجارة بالمصنع.
كان من الطبيعي أن تنداح علاقة أسرة عبد الرؤوف سعيد رحمة الله عليه في ذلك الحراك الاجتماعي الذي اتسم وشمل كل نطاق المصنع في علاقات متعددة ومتشابكة لا يحكمها شيء سوي ذلك الإنتماء الأصيل لبقعة السكر الخضراء.. ومثلت دارهم العتيقة والمفتوحة بحي التجار مثوى للكثير من أهل المصنع في تواضع وحب عميق لم يتقاصر دونه شيئاً.
ولا تزال الأسرة شجرة حياة وصلة علاقة نبيلة تكبر وتمتد بنبلهم وخُلقهم الكريم وإنسانيتهم الشفيفة بإمتداد حقول قصب السكر الريان.. تعجز الكلمات حقيقة عن قول يليق بمقام العم عبد الرؤوف سعيد محمد والراحلة فاطمة عبد الله محمد عبد السلام (حاجة أم كمال) سيدة نساء حي التجار التي رحلت في الخامسة من ديسمبر للعام 2006م بعد حياة حافلة بالإيمان والورع والإستقامة والكرم.. الإنسانة التي كانت حافظة لحقوق جيرانها وأهلها وعلاقاتها علاوة على كرم يدها التي لم تتوقف عن الإنفاق والبذل، وقلبها الحنون الذي كان مكاناً آمناً وملاذاً طيباً ومتكئاً يفوح عبيره ونداه وعبقه، إضافة إلى ذلك حفظها لكتاب الله الكريم قولاً وفعلاً.
حاجة أسم يختصر لك كل معاني المحبة والطيبة والتواضع والبساطة.. نعم كانت تملك قلباً كبيراً ورحيماً تجسدت فيها كل معاني الإنسانية السمحة، وحظيت بحسن السيرة بشهادة كل الجيران والأحباب والمعارف وأهل المصنع، وكانت عوناً للسائل والمحروم، وملاذاً للخائف والمظلوم، كالنخلة شامخة وكريمة تجود على الكل دون من ولا أذى.. لقد من الله عليها بطيب المقام والمقال في هذه الدنيا الفانية.. كانت ملئها الصلاح وتقوي الله.. هادئة، وورعة، تملئها السكينة والوقار أينما حلت.. كم قال أحباب المصنع.. في عتمة هذا الحزن لا نجد إلا التضرع والدعاء لهما.
حينما يتبين لها الخيط الأبيض من الأسود من فجر كل يوم تبدأ رحلتها سعيا للخير، غير عابئة بمشقة، فلا يهدأ لها بال إلا والجميع بين واسع كرمها ينعمون بخيرها السخي، هم سعيدون بحضور وجهها المشرق وأياديها المبسوطة، وقلبها النقي، تحاصرهم بابتساماتها النضيرة وأريحيتها ورزانتها.
مئات من ابناء أهل المصنع من أعمار مختلفة في حوض بيتها الماهل والمتسع لشغبهم وجنونهم وراحتهم، يتحلقون كالفراشات في فناء البيت بين ظلها الظليل الممتد، ينهلون من جمام حبها ودفق عطفها الماطر. وحول مائدتها تتلاقى الأرواح ممثلة في بلد واحد على صعيد حب واحد، يجتمعون على قلبها؛ فرادى وجماعات.
تستقبلهم الخالة حاجة، المولودة في منطقة المغاوير على ضفة نهر النيل من العام 1955م، مُتهلِّلة على أكف الراحة حافية القدمين وبِوجْهٍ طلْقٍ وبشاشةٍ وحفاوة وهناءةً ومسرَّةً، كأنها تباشير الخريف في سهل البطانة تبشر الناس بالخير العميم.
فكانت أم الكل، مشرفة على كل شيء داخل البيت، لا تشتعل الحيرة برأسها يومياً من كثرة سكان البيت والضيوف والأحباب، لا تفكر في الأطباق التي تود أن تعدها، على سليقتها وفطرتها تكون الأطباق قد تنوعت من صلب عاداتنا وتقاليدنا، فقط تريدها أن تكون مشتهاة على ألسنة الجميع، يتذوقونها كما تتمنى على بركة أياديها الطيبة والماهرة. وبمثلما تحضن عشيرة المصنع في بيتها المفتوح على مدار اليوم، جرت العادة عندها لمعاودة أواصر علاقاتها حيث تحب أن تكون بينهم، تشاطرهم أفراحهم وأحزانهم بروح الأخاء الإنساني.
وهبها الله حنكة وتواضع وحيوية عطاء ثر استطاعت عبره أن تغير في مفاهيم مفازة العلاقات الأسرية التي تربط بين أحياء المصنع المختلفة حيث حولتها إلى حدائق غناء تمور بدفء قبيلة المصنع.
ومنحت البلد من فرط عبقها روحا جميلة مثيلة التي تسكنها على خُلق وعفة وجمال؛ فالجمال بلا فضيلة كزهْرة بلا أريج... وفاح عبيرها، وغدت علماً من أعلام نساء البلد كما كانت سيدة نفسها ومجتمعها متشربة بروح تلك المقولة المأثورة: "أيتها الأنثى لا يكفي أن تكوني جميلة، كوني أيضا سيدة نفسك، دون أن تمحي دور الرجل من حياتك".
فكانت أمنا الحاجة، رفيقة صالحة لزوجها عبد الرؤوف سعيد رحمه الله، الهدوء الذي يعقب هدوء، والكبرياء التي يملؤه التواضع، والصدق الذي يعقبه صدق لاغير، إذا تمشي يتبعها البهاء والرضى والوفاء والسخاء، وتسبقها المحنة والعطف والإحسان.. التقية، النقية، العفيفة، الشريفة التي يعقب عطائها عطاء وصبرها صبر.
لم تكن الراحلة جارة طيبة وكريمة فقط بل كانت نعم الأم الحنونة والعطوفة، لا تفرق بين ابنائها وأصدقاؤهم وابناء الجيران؛ فالجميع ابن لها في المعاملة، وفي بيتها ترعرع الجميع؛ يمرحون، يلعبون، يضحكون. وكانت بمثابة ركيزة لحي التجار، في رقة وحسن معشر، وكرم كحال زوجها الذي يعطي باليمين ولا تعلم يساره.
وفي دربها، على قدم وساق، سار أبنائها في قضاء حوائج الناس بالمعروف دون من أو أذى، الشهم كمال، وفخري، وخالد، والسعيد، وقرَّة عين أمّها (غادة)؛ فأضحوا سلالة طيبة من أم وأب اشتهروا بالعطاء والنوال من العيار الثقيل في بيت حجر زاويته الكرم.
من ينسى إبتسامة أمنا حاجة العريضة المُضِيئة كل قسمات وجهها؛ تطلقها كضياء قمر منير، تطوف نسمة وتحلق حول أحبابها ورواد مجلسها الأنيق في تلك المساءات التي تحفها بروحها السمحة.
وفي خاطري الكثير من تلك الأمسيات التي استقبلتنا فيها بترحاب كنا فيها ملازمين لكرمها حين أحسنت وفادتنا حتى حضورها الكريم بمنزلنا حيث شرفتنا كثيرا بمعية أسرتها الكريمة.
في إِصْباح ما بعد منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة فقد المصنع امرأة رزان؛ ذات ثبات ووقار وعفاف، حكيمةً وحليمةً وصاحبة بصمة لا تخطئها العين.. وإحد أكثر نساء المصنع تشريفا، صاحبة الحسّ السليم والذوق الرفيع الخالة حاجة، ولا يمكن للناس نسيان عطائها وإنسانيتها الجليلة التي ظهرت بها، كأنها واحدة من العاملين في خدمة المصنع الحكومية.
وغابت الراحلة المقيمة حاجة عن دنيانا الفانية في يوم 5 ديسمبر من العام 2006م بالخرطوم، مخلفة ذكرى عطرة من سيرتها الطيبة لا تزال عبقة بجلائل أعمالها التي قدمتها للمصنع قاطبة في تجرد ونكرات ذات.
اللهم أرحم أمنا جميعاً، الراحلة المقيمة، طيبة الذكر، فاطمة عبد الله محمد عبد السلام (حاجة)، وتقبلها قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرتها وأحبابها وعارفي فضلها، وأهل السكر، والمغاوير وشندي بالشمالية، فقد كانت عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدلها دارا خيرا من دارها واهلا خيرا من اهلها وادخلها الجنة واعذها من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهم اجزها عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كانت محسنة فزد من حسناتها, وإن كان مسيئة فتجاوز عن سيئاتها. اللهم ادخلها الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسها في وحدتها وفي وحشتها وفي غربتها.
اللهم انزلها منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزلها منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة, ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح لها في قبرها مد بصرها وافرش قبرها من فراش الجنة. اللهـم اعذها من عذاب القبر, وجاف الارض عن جنبيها. اللهم املأ قبرها بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنها فى ذمتك وحبل جوارك وقها فتنة القبر وعذاب النار, وانت أهل الوفاء والحق فاغفر لها وارحمها انك انت الغفور الرحيم. اللهم انها كانت تشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم بها. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمها ولا تعذبها. اللهم اّتها برحمتك ورضاك وقها فتنة القبر وعذابه وأّتها برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثها إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقلها من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها وثبت علي الصراط اقدامها واسكنها في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنها من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسها أّمنة مطمئنة ولقنها حجتها. اللهم اجعلها في بطن القبر مطمئنة وعند قيام الاشهاد أمنة وبجود رضوانك واثقة وإلي أعلي درجاتك سابقة. اللهم اجعل عن يمينها نوراً حتي تبعثها اّمنةً مطمئنة في نور من نورك.
اللهم انظر اليها نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنها فسيح الجنان واغفر لها يا رحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنها فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انها جاءت ببابك وأناخت بجنابك فَجْد عليها بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمها رحمة تطمئن بها نفسها وتقر به عينها.
اللهم احشرها مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشرها مع اصحاب اليمين واجعل تحيتها سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشرها بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعلها من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيها عليك ولكنا نحسبها انها اّمنت وعملت صالحاً فاجعل لها جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيها نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائه واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُ.
اللهم اجعلها في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنها صبرت علي البلاء فلم تجزع فامنحها درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انها كانت مصلية لك, فثبتها علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انها كانت صائمة لك, فأدخلها الجنة من باب الريان. اللهم انها كانت لكتابك تالية وسامعة فشفع فيها القراّن وارحمها من النيران, واجعلها يارحمن ترتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأتها أو سمعتها وأخر حرف تلته. اللهم ارزقها بكل حرف في القراّن حلاوة, وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمها فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنةً. وادخلها الجنة فانها كانت بنبيك مصدقةً وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهـم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين, وعرق منا الجبين, كشر الانين والحنين. اللهـم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب, وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات, وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحما اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي, واذا توعد عفا, وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرها ولا تفتنا بعدها واغفر لنا ولها، واجمعنا معها في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلها الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 29 يونيو 2016, 1:37 am

جلال الشكري.. غِطْرِيف الإبداع الخلاَّق
ناصر البهدير


ولع غريب يتشبث بالقلب كما الأنامل في علاقة يصعب فك شفرتها وكأني أُضرب في طلب شَّيء يؤدي إلى الهلاك كما ينهض المثل (لا تكن كالباحث عن الشَّفْرة).
تعلقت بشغل النجارة، ورائحة الخشب والغراء والطلاء والمِطرقة (الشاكوش) والمنشار والكماشة والفارة والنشارة حين تعبث بها بين يديك بفرح طفولي وتعطنها بالماء حتى تصعد إلى أعلى رئتيك. وددت أن أكون نجاراً كبيراً بحجم جلال الشكري، أو الطيب الرضي أو مولانا أحمد حسن أو عبد الفتاح أو محمد فضل أو الهادي الأطرش أو العم أمريكاني أو غيرهن من أعلام ورشة النجارة بقسم الهندسة المدنية.  
على الأقل لكنت سعيداً بجوار طاولة خشبية كبيرة بسوق المصنع أمزح مع هذا وأضحك مع ذاك، وأشرب قهوتي من سوق الرواكيب على مهل الوقت الطيب بين أهل القبيلة.
لكن شاءت لنا الأيام مهنة ولدت وترعرت ما بين بقايا حبات النشارة الذهبية التي كنا نطوي فيها أحلامنا الوردية على أمل أن نكون شغيلة في ورشة النجارة بالمصنع. ومر الوقت ووجدنا أنفسنا في ميعة الورق المصقول واللامع والخشن، نغالب ساعات يومنا من رهق معاقرة الحروف وأجفان تذوَّي من التعب. وما تركت لنا الحياة شفراً ولا ظفراً حتى نكون أحياء نرزق من أكف المصنع النبيل كما نتمنى ولا يزال الحلم قيد الحياة.
شيءُ ما علق قلبي بشغل النجارة والهمني حبها، وجعلني أدور في محور لبها بين رحى الوقت خاصة أن الخشب متاح بأيدينا في البيت وخارجه.
في العام 1978م، اندلعت موجة تركيب مراوح سقف في بيوت حي خمسين بيت، وامتلأت البيوت بشطط الهواء الفالت؛ مروحتين مقابل كل بيت. وأهدتني الموجة صندوقين صغيرين، وكانت بمثابة فرصة لأنقب في داخلهما وأحولهما في وقت وجيز إلى مكتبة صغيرة لها رفين، ضمت مجلاتي وكتبي القليلة العدد.
ومنذ ذلك الوقت بدأت اتعرف على عوالم الطيب الرضي ومحمد فضل وغيرهم من نجاري ورشة المصنع، وشعرت بضرورة أن اقتني أدوات بسيطة في حدود المعقول الذي يطوع ما بيدي من أخشاب قديمة أجدها من مخلفات صيانة أبواب ونوافذ البيت. 
وهذا ما حدث، وكلما صنعت مكتبة صغيرة كبرت أحلام أخرى زاحمتني في عمل النجارة حتى نسيتها بالمرة بمرور الوقت، وانشغلت بأفة القراءة التي داهمتني وملكت أقطار القلب، وما أنفكيت منها حتى لحظة هذه الضجيج الذي يملأني ويشدني إلى عوالم المصنع، وهو أكثر سكونا في مرقده بين الحقول اليانعة.
لحظات حنين لا نقوى على مقارعتها وطردها، وأشواق تترا موجة إثر موجة دافقة، لا تهدأ لطالما القلب يسافر في كل حين متجولاً بين أركان البلد، متذكراً على نحو خاص بهاء ورشة نجارة المصنع التي تمتعت بعناصر وطنية صلبة ذات مهارة فائقة الدقة في التعامل مع كتل وألواح الخشب بقيادة المعلم الكبير جلال الشكري صاحب دور الريادة وقصب السبق في تأسيس هذا المعمل؛ فخر ورش المصنع وأساسها في كل عمل فني يختص بالأقسام الفنية الأخرى.
ولم يقتصر عمل جلال الدين شكري على النجارة فقط بل تعداها إلى أعمال أخرى أظهرت موهبته وعشقه للمصنع حيث ساهم في جميع المجالات علاوة على نشاطه في العمل العام، والذي يعد فيه من أبرز المؤسسون للعديد من مؤسسات المجتمع المدني والاجتماعي.
ولد الراحل المقيم جلال الدين إبراهيم شكري بمدينة الخرطوم بحري في العام 1936م، ونشأ وترعرع ما بين مدينة عطبرة حيث مسقط رأس والده، والخرطوم بحري حيث موطن أعمامه.
وتنقل في المراحل التعليمية المختلفة حيث درس الأولية والوسطي بالخرطوم بحري، ثم درس النجارة، ونال دبلوم الهندسة المعمارية من المعهد الفني (جامعه السودان للعلوم والتكنولوجيا حاليا).
وفور تخرجه بشهادة المهعد الفني، انخرط في العمل بجامعة الخرطوم بورشة العلوم منذ العام 1953م، وحتي 1963م، حيث قدم استقالته منها بعد خلافه مع مدير الورشة الأجنبي، ثم عمل بشركة هندسية لفترة قصيرة. بعد ذلك التحق بوزارة الأشغال، وتم الحاقه بالعمل بخشم القربة في تشييد مشروع توطين أهالي وادي حلفا في مدينة حلفا الجديدة.
في العام 1965م، وفي الأول من يناير، وجد جلال الدين شكري نفسه معيناً في وظيفة فني نجارة بورشة النجارة بمصنع سكر حلفا الجديدة، وظل وفياً لتلك المهنة والحياة الاجتماعية التي انغمس فيها حتى إحالته للتقاعد إجباراً في العام 1990م، فيما عرف بمشروع الصالح العام فجر وثوب حكومة الإنقاذ على كراسي الحكم بالبلاد.
وتخللت فترات العمل الطويلة بالمصنع، فترة فصل من الخدمة بعد انقلاب العسكري الرائد هاشم العطا من العام 1971م، حتي العام 1975م، إلى أن أعيد للعمل لحاجة المصنع الماسَّة إلى خدماته النوعية والمتعددة في آن واحد.
أثناء عمله بالمصنع، تزوج شكري رحمة الله عليه السيدة عزيزة أحمد فوزي من أم درمان في العام 1969، وزرقه الله بالبنين؛ جمال وياسر ومحمد، ورانية  قرّة عين أبيها.
ولالتحاقه بالعمل بالمصنع قصة تروى. إِبَّان عمله في تشييد مباني مدينة حلفا الجديدة، قصد مصنع السكر لزياره أحد أصدقائه المهندسين العاملين في تشييد المصنع لقضاء يومين معه. وأثناء هذه الزيارة، وفي جولة له داخل المصنع أعجبته ورشة النجارة، وكانوا حينها يبحثون عن من يديرها، قالوا له جرب العمل معنا لمدة قصيرة، فوافق بعد إلحاحهم، خاصة وإن الورشة صادفت هوي في نفسه، وهو الذي يعشق النجارة رغم دراسته للمعمار. وقد كان، وكانت هذه الزيارة التي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود من عمر الزمان، شخصاً مرموقاً ومحبوباً ومرهفاً في كل شيء لمسته أنامله.
حيث أسس ورشة النجارة بالمصنع، والتي تخصصت في عمل (الأرانيك) وهو عمل فني دقيق للغاية، ويختص بصناعة قطع الغيار للآليات المختلفة بالمصنع، والذي عبر تخطيط يبدأ تصنيع قطعة الغيار بمرلحة الأورنيك ومن ثم للمسبك أو المخرطة.
وأسهم مع رفقاء دربه وأصدقائه المرحوم محمد إبراهيم ترير، والمرحوم جيب الله، والمرحوم عبد اللطيف عبد الرحيم إبراهيم، والمرحوم عيسي بابكر، والمرحوم عبد الحفيظ الطيب عبيد، والمرحوم عوض حسن أبو سوقي، والعم عطية، في وضع اللبنات الأولى لصناعة قطع الغيار محلياً، وبدرجة عالية من الكفاءة أدهشت كل الخبراء الأجانب الذين كانوا يزورون المصنع. واستفادت جميع المصانع من هذا العمل، ولا زالت تصميماته وأعماله من (الأرانيك)  تعرض في كل المعارض داخل وخارج السودان حتى الآن. 
وكان أيضاً الراحل المقيم جلال الدين شكري صاحب الفكرة في تصنيع الأثاث والموبيليا للعاملين بالمصنع بتكلفة المواد فقط، حيث ساهم هذا العمل في استقرار العاملين وسعادتهم.
وعلى يده تخرج العديد من الشباب فنيي النجارة، وتتلمذ أمهر النجارين، ومن أشهرهم (مولانا أحمد حسن). واشتهر المرحوم بالجدية والصرامة في عمله وتفانيه وإخلاصه في أداء واجباته. وكان مصمماً مبدعاً على درجة كبيرة من الرقي والتفنن في عمل الموبيليا وسابق لعصره في هذا المجال مستفيداً من دراسته لهندسة المعمار حيث كان متميزاً في الرسم الفني. وكان يؤمن بمبدأ التخصصية في العمل، لذا لا يقبل التدخل في عمله علي الإطلاق، وله العديد من المواقف مع مديري المصنع ورؤسائه في العمل.
وحقق جلال الدين شكري إنجازاً خاصاً به تمثل في قيامه بعمل ورشة خاصة لصناعة الموبيليا بسوق المصنع يعمل بها مساءاً، وجلب لها أحدث الماكينات في ذلك الحين من ألمانيا، واشتهرت منتجاته بالقوة والمتانة، وحتي بعد إحالته للصالح العام في بداية عهد الإنقاذ، وافتتاحه لورشته الخاصة بمدينة حلفا الجديدة، ظلت الإدارات المتعاقبة من أهل السكر توكل إليه كل مهام أعمال الموبيليا بالمصنع لمعرفتهم التامة بقدراته، كما ظل أهله من قبيله السكر يفضلون صناعته. وكان شعاره دوماً (الإخلاص في العمل والصدق في القول، وأن تقوم المحبه مكان القانون بين الناس).
في مجال العمل العام، أسهم الراحل جلال الدين شكري، مع زملائه من الرعيل الأول بالمصنع في وضع اللبنات الأولي لهذا المجتمع الفريد، وساعده في ذلك خبراته المكتسبة بنشأته في مدينة الحديد والنار (عطبرة)، والخرطوم بحري، حيث أسس بفعاليته وضرواته وامتشاقه لزمام الأمر نادي العمال بالبركس، وكان سكرتيراَ للجنة التمهيدية، وقدم مساهمته بباعه الطويل في وضع دستور النادي، ثم رئيساً لأول لجنة تنفيذية للنادي. وكما أسهم في بناء وتشييد النادي بشكله الحالي.
ولهذا قصة حيث كان في ذلك الوقت جميع العاملين في المصنع من الشباب، وكانوا بعد نهاية العمل يعيشون فراغاً كبيراً لا يمكن ملئه بسهولة في بلد يفتقر للكثير من المؤسسات الاجتماعية الأخرى، ولا يوجد نشاط أو مكان يلتقون فيه، مما أضطره بكل شجاعة وحماس أن يذهب لمقابلة المدير العام للمصنع السيد محمد بشير الوقيع الأب الروحي لصناعة السُكَّر في السودان رحمة الله عليه، وكان ذا شخصية قوية وطاغية ومهاباً من الجميع. وقال له المرحوم شكري: "نحن العاملون نريد منك أن تصدق لنا بقيام نادي للعاملين"، وكان يحمل مفتاح ورشه المصنع في جيبه فإذا رفض المدير طلبه فسوف يسلمه مفتاح الورشة. فقال له الوقيع بلهجته الحادة "داير تعمل لي تجمعات ونقابات"، فرد المرحوم جلال قائلاً "من الأفضل أن يكون هناك مكان يقضي فيه العاملون أوقات فراغهم بدلاً عن الإتجاه لأشياء أخري". ثم جاءت مواقفة الوقيع رحمة عليه علي قيام نادي للعاملين بحي البركس.
وشارك الراحل أيضا ضمن سياق عمله التطوعي في تأسيس الجمعية التعاونية للعاملين، وذلك لمحاربة الغلاء وتوفير جميع السلع داخل المصنع. وفي عهده إكتمل بناء مبني التعاون الحالي.
وفي خضم إنشغالاته العديدة، تقاسم عبء العمل مع آخرين عبر عضويته في كل اللجان التي كونت للإحتفالات وأعياد الإنتاج والأعياد الوطنية، وكذلك حفلات الاستقبال والوداع التي درج أهل المصنع على إقامتها للقادمين الجدد والمغادرين.
وكان غِطْرِيف الجود والإبداع جلال الشكري حبيب الكل وصديقاً لجميع أهل المصنع، وعرف بالبشاشة، وطلاقة الوجه، والتهلل، والإغتباط، والإنشراح، ومشاركة الناس أفراحهم وأتراحهم وجميع مناسباتهم الخاصة والعامة، وبهذا لعب دوراً إيجابياً في إتمام العديد من الزيجات التي إكتملت داخل قبيلة السكر في مصاهرات عضدت من تلاحم الناس وتضامنهم. 
أينما سار، تجد وجهه يفيض بالبشر والحفاوة ويطفح بالنقاء والبراءة في وجه كل من يلتقيه كأنه يذكرك ويلقي عليك عبارته الشهيرة التي ما أنفك يرددها بإستمرار "اثنان لا تذكرهما أبداً: إحسانك للناس وإساءة الناس إليك، وإثنان لا تنساهما إبداً: الله والدار الآخرة".
وسيبقى نشاطه الأخير الذي قام به قبل أن يفارق المصنع، محل تذكر وفخر من قبل الجميع، هو تصميم وتنفيذ مجسم لصناعة السكر والمشاركة به في معرض الإستثمار الصناعي في بداية عهد حكومة الإنقاذ. وكان سكر حلفا ممثل لجميع مصانع السكر، ونالت هذه المشاركة إعجاب الجميع لتفردها، وافتخرت بها وزارة الصناعة. والمضحك والمبكي في الأمر أن وصله خطاب شكر من وزارة الصناعة لهذه المشاركة المتميزة، وفي نفس الوقت تسلم خطاب فصله للصالح العام. ويبدو أنهم أجلوا فصله لحين الإنتهاء من هذه المشاركة لعلمهم التام بقدراته التي قادت مشروع السكر للأمام.
سياسياً تعرض للإعتقال عدة مرات لمعارضته شمولية حكومة مايو الدكتاتورية، وكذلك مواقفه البطولية والداعمة للحركة العمالية، حيث تم إعتقاله لأكثر من عام ما بين الفترة 1971 و1972م، وكان آخرها إعتقاله لأكثر من ستة أشهر في العام 1983 إلى 1984م. 
ورفد السجن ذاكرته بالعديد من القصص خاصة على مستوى علاقته مع زملائه المعتقلين وسجانيه. وكانت شنطته دوماً جاهزة للذهاب للسجن معتقلاً.
وفي عصر الخميس من يوم 12 مايو من العام 2011م، بالمستشفي الدولي بالخرطوم، إثر علة لم تمهله طويلاً، أسلم المُبْدع الخلاَّق والمناضل الجسور ورجل العمل التطوعي والعام جلال الدين إبراهيم شكري الروح إلى بارئها بعد حياة قضاها نشيطاً ومتفاعلاً مع قضايا مجتمعه كما رفدها بجهده الدؤوب من أجل أن تكون راية السكر مرفوعة وخفاقة في كل المحافل.
ويعتبر الفقيد صاحب العطاء المتفرد والمتنوع إحد إعمدة ورموز مصنع سكر حلفا الجديدة، علاوة على أنه كان من الرعيل الأول لقسم الهندسة المدنية، وكان نموذجا للتفاني والإخلاص والتعاون.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، جلال الدين إبراهيم شكري، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، وعطبرة بنهر النيل، والخرطوم بحري، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.


اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.


اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
)إنا لله وإنا إليه راجعون).


ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 29 يونيو 2016, 11:46 pm

عوض أبو سوقي.. رهو الحنين المسجُورُ
ناصر البهدير




متعة لا توصف وأنت تتحسس بقايا لهاث حلم وتنهض على أصوات تبين لك من بين شرفات الدار.. أصوات قدرت لها تباريح البارحة أن تعناق عنان السماء وتختلط بفيوضات النور الذي مر على عجل.
ومن حسن حظك أن يكون العابرون محيط الحلم هم الأقرب إلى القلب؛ فالأحلام لا تقترح على أحد كما الجيران الذين يأتون فجأة ويقتسمون معك فناء دارك وساحة قلبك.
هبّ أن في الحلم هبط طائر الرهو كما كان في مسيره الذي فيه لا يتوه عن بلاد السكر في مروره الموسمي الذي كنا ننتظره على شغف عند مداخل الشتاء، وهو عابراً إلى حواشات وأملاك قرى حلفا الجديدة أو في خواتيم الشتاء، وهو يزيد سرعته في عجل للحاق بديار أخرى.
يظلل طائر الرهو سماء المصنع كأوان قدوم غيم الخريف ودخان المصنع بلونه الرمادي المميز.. يلون كل بقعة بتشكيلات بديعة، وهو يصطف على أجنحته، مصدراً أصواتاً تملأ الفضاء نسمعها ونحن على الأرض، (قاااق قاااق)، وتتحول إلى إيقاع نغمي رخيم ننتشي به في أغلب الأحوال.
ويأتي طائر الرهو (الكُرك أو الكركي)، في خط مستقيم ومواعيد منتظمة، كما يطلق عليه الانجليز اسم (crane)، واحسب أن مفردة آلة (الكرين) جاءت من هنا.
في البارحة هبط طائر الرهو على مقربة في غير العادة؛ وكأني أقبض على قول التابعي ابن سيرين البصري العالم البارع بتأويل الرؤى: "كلما رأى الإنسان طيراً كبيراً فإنه يؤول بعلو همته".
لكل منا قصة مع أسراب طيور الرهو عدا قصتي مع رهو آخر ظل محل إهتمامي وانشغالي منذ أن إتخذ من خمسين بيت وكراً لم يفارقه لثلاثين عاما في تضام فريد وحياة أروع ما تكون.
وتعد هذه الرُّؤيا العابرة من بين أشياء أخرى بعيدة الدّلالة حيث تقترن بمواصفات سخاء رجل ذو شأن وفرادة، وهي تتصل بواحدة من المسارات التي تعكس خصوصية علاقة باذخة إنداحت في محيط المصنع الكبير.
وأجدني واجد بعض العزاء بين هذيان الحلم الأنيق والسّلوك المُفارق لطبيعتي، في محبّة رجل أضحى محل ثقتي ومدار الكثير من ثقل علاقاتي حيث أجده منغمساً بتزايد في تأكيد على نقاء روحه ومعدنه.
إذ حط رهو الحنين المتقدُ ذات يوم على كتف شارع (حداشر بيت) بحي خمسيت بيت فجأة دون إنذار، في ظهور خلاق وكاسح أسس لتجرد شخصية مرنة ولينة وهشة وصلبة في تضادات مفارقة لبعضها البعض من أقصاها إلى أقصاها في علوّ روحاني مكنني من أن استقبله بكل طاقة احتمالي ليبعث مجده وروحانيته الخاصة ويطفو شخصاً عميقاً بالمحبة في ملامحه الداخلية.
وانفق الطائر يومه في عبقرية تصقلها المودة وسمو الروح وورع القلب والضمير، وانكفئ في هجرته الصغيرة ممهدا لحقبة زمنية مهمة من حياته التي عاشها على بساطة وهو يغالب الريح ومتغيرات الطقس.
بادئ ذي بدء، ارتكز الطائر وبنى عشه الدافئ بين شجرة الناس، واستقامت طريقته على حب يلخص كامل عبوره واختراقه لسماء وأرض السكر. 
وحظيت خمسين بيت بنمطية رجل ليس عادياً في مشهده الأليف، بل تلمس فرادته في قوله القليل وغدوه ورواحه اليومي ما بين العمل والبيت والمسجد والسوق في رحلة لا تنقطع من الزهد والعبادة والعمل في رزانة.
عوض أبو سوقي من أبرز الصناع السودانيين الذين بزغ نجمهم في ستينيات القرن الماضي، حيث أسسوا لصناعة قطع الغيار في صناعة السكر، وبل امتدات للقطاع الصناعي بإثره على نطاق البلاد كلها، مستفيداً من عبقريته الفذة مع آخرين في الأوان ذاته من إنجاز مرحلة تأسيس صناعة السكر الوطنية. 
ولد عوض أبو سوقي في العام 1942م، في السواقي الجنوبية بمدينة كسلا في شرق البلاد، لأب فلاح وأم ربة منزل. ونشأ وترعرع بين مزارع وجنائن السواقي الجنوبية وهدير نهر القاش. وسمي عوض لأنه كان عِوض عن إخوانه الإثنين الذين افترسهم الذئب (المرفعين - الكراى)، وهم صغار. وأنجب حسن أبو سوقي أصغر أبناءه عوض في المنطقة التي تسمى الآن محطة البستان بالسواقي الجنوبية. 
ونزح والده حسن عبد الرحمن أبو سوقي قديماً من منطقة نوري التي تقع بشمال السودان، وأسس السواقي الجنوبية بكسلا مع إثنان من إصدقاؤه، وتتبع لهم معظم السواقي حينذاك.
ولدى إنهائه الدراسة الأولية والوسطى، بدأ العمل مؤقتاً في جنائن والده، ولكن انعطف إلى الوظيفة، وعقد العزم على العمل في سكر خشم القربة عندما بلغ سن (24) عاماً من عمره. 
وفي العام 1966م، التحق بالعمل بالمصنع فنياً في قسم الطواحين، وظل مواظباً على العمل حتى تقاعد عنه في العام 2003م، بعد حياة زاخرة بالانجازات والتضحيات والمسؤولية في قسم عرف بالأهمية في عجلة الإنتاج بالمصنع.
ودوام بهمة ونشاط يدور مع التروس طوال العام، بمهارة العارف والعالم بكل خفايا الآليات التي ظلت ولا تزال تمضي في طحن قصب السكر وإعداده لمرحلة التحضير لعصير القصب، علاوة على ذلك ساهم بصورة لا يمكن نسيانها في توفير قطع الغيار المهمة لتروس الطواحين وغيرها من الآليات بالمصنع مع آخرون رفدوا مسيرة الإنتاج بالمصنع.
ويعتبر عوض حسن عبد الرحمن أبو سوقي واحد من تأسست قماشة ونسيج المصنع الفني على يديه التي أضفت على عملية الإنتاج بعداً آخر تمثل في تقليل المصروفات المتكررة للصيانة المستمرة.
وتقديراً لما أدى من جليل أعمال للدولة، منحته رئاسة الجمهورية في يوم 27 من مايو 1972م، نوط الجدارة من الدرجة الثالثة بتوقيع رئيس الجمهورية جعفر محمد نميري.
وكان عوض أبو سوقي رحمة الله عليه دعامة حقيقة في مسيرة الإنتاج بإخلاصه الجم، ونشاطه الدائم، وحيويته الفعالية طوال خدمته وفياً وملتزماً للعمل بمحبة يندر أن تجدها في أيامنا هذه.. وقادته صرامته في العمل الذي كان لا يجامل فيه أحد حتى ابنائه لنفور البعض وتخوفهم منه؛ إذ كان مهاباً بصورة مرعبة في اداء الواجب ولا يعرف أن يجمال في شأن يخص العمل ولا القيم والأخلاق.
ويحكي عنه دائما ابناؤه بأنه كان صعب المراس وصاحب شدة وبأس معهم، ومن النادر أن يمنحهم فرصة للعمل في الإجازات إلا عبر الطريقة الرسمية بالتقديم للشخص المسؤول شأنهم كالآخرين، وذات مرة اضطر لتعيين ابنيه جعفر ومحمد لحاجة العمل، وفي اليوم الأول عاد إلى البيت في شأن يخصه؛ إذ به يجد جعفر مستلقيا، مما أضطر لفصله في الوقت نفسه دون أدني مجاملة. 
وفي ذلك قال ابنه محمد "أذكر لما نكون عايزين نشتغل في الاجازة بقول لينا تعالو قدمو للشغل في محل الشغل.. ومره شغلنا انا وجعفر وجا راجع البيت النهار بالصدفه لقى جعفر زايق من الشغل وقاعد في البيت... قام قال ليه انت مرفود تاني ماتجي الشغل.. جعفر قال أبوى ده يعينك في الشغل ويرفدك في البيت".
وهذه هي الصرامة والصلابة التي أسست مشروع سكر حلفا الجديدة والتي قامت على دعائم الصدق والإخلاص والمسؤولية التامة بعيداً عن المحاباة والتفكير في المال العام أو حتى السطو والاستفادة من إمكانيات وآليات العمل أو إستغلال زمن العمل في عمل خاص.
وانطبعت هذه الجدية حتى على سلوكه الشخصي، وجعلته يجافي ويبتعد عن الأشخاص غير المسؤولين والمستهترين بصورة مرعبة ومخيفة، وكل من ينظر في وجهه يجد صعوبة في التأقلم معه، وإن كان صاحب قلب وديع وطيب وعطوف ورحيم، وشخص مسالم وهادئ الطباع ومهذب ويحب المزاح والطرائف والمقالب.
تعرفت عليه في بواكير قدوم الأسرة من حي البركس، ووجدته إنساناً بمعنى الكلمة، وكان نعم الصديق والأخ والأب، في تجرد ومحبة، وفي جواره نعمت بالكثير من وضوحه وإريحيته وملحه ونوادره التي لا تنتهي في حضرة رفيقة دربه الإنسانة الطيبة مريم حسن المبارك المشهورة بـ(مريم عوض) متعها الله بالصحة والعافية، والتي يجد فيها نفسه وخلاصه من رهق الحياة، بالكاد أن يغيب عنها كثيراً، تضمهم  جلسات أنس لطيفة وشفيفة وممتدة لا تنقطع مهما انفلت من وقاره وولج في مزاحه الساخن والساخر.
ومريم لمن لا يعرفها امرأة نادرة في علاقاتها مع الجيران والأهل، ولقد وضعت بصمتها منذ أن شرفت حي خمسين بيت، وأضحت محل إرتكاز لنساء الحي، وكانت نعم الدليل والمعين والمساعد والنشط في المناسبات العامة والخاصة.
واقترن عوض أبو سوقي رحمة الله عليه برفيقته مريم حسن في أواخر عقد الستينيات من القرن العشرين، وجاء ذلك في غضون مأمورية لمصنع الجنيد، والتي قضى فيها فترة من الوقت. ولقد ذهب مع صديقه عبد الباقي لزيارة أهله بود سلفاب بالجزيرة لقربها من الجنيد، وهنالك عرف بأن له نسب يربطه بالشايقية المقيمين في القرية، وهم في الأصل أهل زوجته مريم حسن المبارك، والفنان مصطفى سيد أحمد المقول. وتعود أصول العلاقة إلى منطقة ديوم ود حاج القريبة من منطقة نوري.
وتم التعارف وتلاقت الأرواح واقترن الراحل المقيم عوض أبو سوقي بابنة ود سلفاب مريم حسن في علاقة تميزت بحسن العشرة والرحمة والمودة، ورزقهما الله منها بالإخوان جعفر، ومحمد، ووليد، وكمال، والأخوات سعاد، وثريا، وامال، وفوزية.
وتفرعت الأسرة في علائق السكر حتى ربطتهم مصاهرة أخرى بأسرة أخرى في المصنع من ذات شارع (حداشر بيت)، حيث ربطت علاقة الزواج بحفيدتهما وجدان إدريس أبو سوقي إبنة الأخت سعاد عوض بالأخ محمد (حماده) ابن مولانا وقطب السادة البرهانية بالمصنع سابقاً العم والشيخ محمود كيخا متعه الله بالصحة والعافية.
وتجمع الراحل عوض أبوسوقي علاقات عديدة بأهل المصنع، وبرزت خصوصيتها في مجال كرة القدم وتشجيع فريق المريخ العاصمي والذي كان يعشقه بجنون، وتتصل حكاياته مع الأعمام عثمان خالد محمد وأحمد دفع الله، ويوسف عبد الرحمن كتائب.
حقاً اتسع المصنع ذات يوم لرجل ذكيٌّ الفؤاد ومحبوب وصادق في حياته، ومنزّه نفسه عن الإسفاف في القول والعمل حيث كان حسن السلوك وهادئاً ومرحاً وظريفاً، وصاحب حضور اجتماعي راق ينضح من قلب طيب وأبيض.
في فجر الخميس من يوم 30 أكتوبر من العام 2014م، فقدنا الألمعي والصديق والأخ والأب ودعامة السكر عوض حسن عبد الرحمن أبو سوقي، منتقلاً للرفيق الأعلى بعد حياة فاعلة قضاها بصمت وصبر في خدمة الإنسانية والوطن، وفي حفظ وصيانة قسم الطواحين بالمصنع.
وها هو صاحب الحب والبسمة والطيبة والأخلاق الكريمة والعفاف والنزاهة يرقد في قبر صغير بقرية الضقالة الواقعة على ضفة النيل الأزرق جنوب الحصاحيصا، طاوياً حقبة زمنية رائعة من الجمال والبهاء والإخاء والإنسانية.
وغاب صاحب السهل الممتنع، وحرمنا رحيله الفاجع من التزود من تواضعه الجم، وخُلقه الرفيع، وخبرته وعلمه الغزير. فكان يتميز بالأسلوب الذي لا يخلو من الجدية والاستقامة والطرفة والفكاهة.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، عوض حسن عبد الرحمن أبو سوقي، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، ونوري وديوم ود حاج بالشمالية، والسواقي الجنوبية بكسلا، وود سلفاب والضقالة بالجزيرة، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.




اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).





ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الخميس 30 يونيو 2016, 10:51 pm

عثمان ود الحلال.. غرِيرُ الباشندي العبق
ناصر البهدير
كثيرة هي التعرجات التي تقتحم خط مسيرك وتحرفه إلى منحنيات منزلقة؛ فتجد نفسك تعانق مفترق طرق يلتقي فيها رمل صحوك بطين يقينك، وأنت في رحاب علو الأحلام موجة بأمر طقسك.
كأني في تلك الأزمنة تتراى سهول البطانة للعين عن كثب.. ظللت أحدق في الخطوات التي مشيتها بين شجيرات وأعشاب ومروج مد البصر تمارس سطوة لونها الأخضر، ولا فرق بين الثابت والمتحرك في أفق المكان إلا حبات مطر تصل ما بين الأعالى والمنخفضات.
بعض الأحلام تضيق من فرط نُّبُوءتها ولا تحقق ذاتها ولا تخبر حزراً وتخميناً سوي روائح تسيل بفضاء الذاكرة فتنعشها وتجعلها تعانق ماضيها على توتر خفي تفضحه حاسة الشم.
ثمة رائحة زكية تملأ خياشيم كل شيء حتى فراغات الحجر.. سحب قطيع إثر قطيع من روائح زهور الباشندي تعلن بمقيات الكون ظهور مُسْتهل الخريف، وباكُورة زخات المطر في إشهار صريح لموسم تبرج الجميلات من الأشجار والأعشاب التي سدت منافذ الأرض.
ما أن يحل موسم الخريف تكتسي جُل الأمكنة بالبطانة بألوان الفراش الخلابة، ويختلط عبقها بدعاش نثيث المطر ورذاذه الوضاح.. حُلة زاهية في متنها تسوح الأرواح وتلتحم بأشكال وألوان عديدة من الزخارف والمنمنات التي تضج بالإشراق والحياة.
ويفوح عبير الباشندي ويملأ أقطار السماء والأرض خارجا بمنتهى الذكاء من شجيرات الكتر مع مُقَدِّمة دفقات المطر سرعان ما تبدأ غُرة الحياة في التكون بين سهول البطانة المترامية الأطراف، ويرحل الجفاف حتف أنفه. 
وتشرع الأرض في الابتهاج والناس يتبعون أنوفهم في حالة شمَّ متواصل لا ينتهي عند حدود رائحة الباشندي الزكية ما لم تغيب الخضرة وتندحر الغيوم، وهو عيد لأفراح طيبة ومتشبعة الرِواء والراحة.
هكذا أشعر مع غيوم ذاكرتي العابرة وطيف عبق برائحة الباشندي الذائع الصيت بلا مشقة وتنكب للطريق؛ فوصف الجمال في السهل المنبسط تضيق به العبارات حتى ينزوي ويعانق جدائل الدهشة التي تنسج لك الحكايات على نول الغياب.
على امتداد الأرض المسيجة بأشواك الحنين وسيقان الأشواق كل شيءُ يطول ويقفز إلى مساحة القلب ويحتلها عن جزالة حب كلما أرخيت أنفاسي إلى صوت رجل عميق الروح، وبسيط العبارة، وقليل الحديث، وزكي الرائحة، ولين الرشاش، وطيب العبارة، وسهل الصحبة، وعفيف النفس، وسمح الخصال، وباشندي البياض، وغرِيرُ الأخلاق؛ خلقُه حسن.
رجل حمِيّ الأنف؛ يأْنف أَن يضام ويذَلَّ، يقف كأَنف الجبل بين قضاء حوائجه القليلة التي لا تزيد عن تصفح صحيفة أو مجلة أو كتاب أو الاستماع إلى المذياع أو مشاهدة التلفاز.. لا يحشر أنفه في ما لا يفهمه، ولا يتدخَّل فيما لايعنيه، ولا أحد يكسر ويحطّ من كبريائه ويذَلّه ويخزيه ويجعله يخجل حتى الشيطان لا يستطيع أن ينفخ في أنفه ويدحرجه إلى التطاول إلى ما ليس له.. فكان إِنسانٌ أَنُوفٌ؛ عزِيزُ النَّفسِ في أُباة. 
أراه بقلبي أكثر مما يمر بعيوني؛ كالمطر ينفحك بروائح طيبة من رائحة الطين وقصب السكر والباشندي وريح الدعاش.  
كل رجل حفر بأنامله في عميق حقول المصنع وكتب أسمه بأحرف من نور له قصة تحكي على الملأُ. ثمّة رجل من أرباب الجيل الثاني؛ حزم زمام أمره، جاء المصنع وصنع الشيء نفسه الذي فعله أهل الرعيل الأول المؤسس لمشروع سكر حلفا الجديدة حيث سجل جهده في تاريخ كتاب البلد. 
أمر شاقّ أن تصف عطر الباشندي كما هو الحال أن تكتب كلمات تفي بقدر رجل نبيل ينبض قلبه بالحب والوفاء، اعتاد الناس أن ينادونه بود الحلال! سيان عندي الأمر في الصعوبة، أن أوفر عبارات تليق بهما الإثنين حينما منحانا ذكرى طيبة وعبقة بالخير والفلاح.
نعم شاقّة المهمة في وصف رجل بحجم دفق المطر وخصوبة الحقول.. وإن طاوعت الكلمات المداد، لا شيء سيتذلل كما أعرف ذلك، لطالما لم يطأ عثمان ود الحلال أرض المصنع بكعب وظيفته فقط، بل جمله ومهد له السبيل سمت خُلقه الرفيع، لتبقى ذكراه حية بين الناس. 
كلماتي تبقى عاجزة عن البوح وهي تنساب على إيقاع حزين وعلى تواتر مرتجل رغم أني أغرقت مدادي في المعاجم وفشلت، غير أنها تعود بالذاكرة إلى تاريخ علاقة قربى وصداقة جمعتني به منذ أن وطئت قدمه أرض المصنع في مطلع ثمانينيات القرن العشرين، وهذا ربما يوضح بعض من قليل أود قوله عن سر محبتي الخاصة له، علها رسالة حب وشجن وحزن تؤرخ لجزء يسير من نقاء دواخل عمي عثمان ود الحلال، وإن إختزلت ثراء موروثه الأخلاقي والمعرفي والثقافي.
في العام 1943م، ولد عثمان محمد محمد صالح  بقرية قوز هندي بمنطقة القرير الواقعة على ضفاف نهر النيل بين أشجار النخيل وخرير المياه العذبة. وشهد في طفولته الباكرة فيضان النهر الكبير في العام 1946م، كحدث هزَّ البلد، وغير كثيراً من جغرافيتها حيث جرت تحولات كبرى أرخ الناس لها بـ(تساب 46).
كشأن العديد من شباب أهل الشمال حينذاك بعد أن تلقى تعليمه الأولي والأوسط، انخرط في عمل الشرطة. وجاب العديد من المدن بدءً من كريمة، ودنقلا، ووادي حلفا، وبربر، وعطبرة، وشندي، وغيرها من مناطق شمال السودان.
وخلال خدمته الطويلة نال عثمان ود الحلال رحمة الله عليه وسام نوط الخدمة الطويلة الممتازة من رئاسة الجمهورية، تقديراً وعرفاناً لخدماته الجليلة التي قدمها للوطن في إخلاص وتفان طيلة مسيرته المُشرفة بين قلاع الشرطة السودانية.
وفي العام 1980م، انتقل للعمل في إدارة شرطة حلفا الجديدة، والتي قضى فيها متلزماً بعمله لنحو ثلاثة أعوام حتى تم نقله إلى المصنع في العام 1983م.
واستقبله حي البركس ضمن البيوت المعدة سلفا لأفراد الشرطة في منطقة الوسط الشمالي، وعاش بين الناس مسالما وهادئا كما عرف بين أهله في القرير إلى أن تقاعد عن العمل في العام 1994م، بعد حياة عملية ناجحة وهادئة لم يعكر صفوها شيء. 
في العام 1995م، انتقلت الأسرة إلى الحلة في منزل يخصها مودعة حي البركس التي مكثت فيه لأكثر من عقد من عمر الزمان، قضته بين ربوع أهل البركس في عشرة علائق المصنع الممتدة، والتي أضحت مثار تواصل لن ينقطع ما دام حقول قصب السكر تنبض بالحياة.
رغم تقاعده عن العمل إلا انه لم يستسلم لفترة المعاش وشيخوخة العمر، بل سكب عصارة جهده في عمل بمحكمة المصنع ملتزماً بكتابة عرائِضُ الدَّعوى المتعلقة بالمنازعات في المحاكم، وهي مُذكّرات قانونيّة مكتوبة عادة تعرض أسباب الدَّعوى أو الدِّفاع في قضيّة، وفي تلك الصحيفة يكتب المدَّعِى فيها ظُلامته إِلى القاضي والجمع، وامتدت لغاية شهر يوليو من العام 2008م، مستفيداً من خبرته الطويلة في عمل الشرطة. 
عاش المثقف عثمان ود الحلال بسيطاً وزاهداً ومتقشفاً في صمتٍ نبيلٍ بعيداً عن أضواء الحياة ومفاتنها ومباهجها، إذ ظل بين قراءاته المتنوعة يلتهم بنهم وشغف كل مطبوعة سواء أكانت صحيفة أو مجلة دورية أو كتاب، تقع بين أياديه.
وتفرد بأدب النقاش على ذائقة كبيرة، وعقل واعي يستخلص زبدة القراءة بوعي متقدم وراق، سبر فيه كل تفاصيل أغوار المعرفة وسط جيله العازف عن تذوق طعم الحروف والكلمات والعبارت.
وفي يوم الإثنين من يوم 19 يناير 2009م، أَفل نجم عثمان ود الحلال وغاب بين الثرى بالخرطوم، بعد حياة بات فيها بين زينة وهيبة صمته البليغ ولحظات حديثه العذب والأنيق في عبارات تتوج كل جمال روحه ونقاوة قلبه الأبيض الذي لم يدنسه بغوائل الحسد والكراهية والغيبة والنميمة.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، عثمان محمد محمد صالح (ود الحلال)، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، والقرير بالشمالية، وشندي، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.


اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.


اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الجمعة 01 يوليو 2016, 8:43 pm

الأمين العبيد.. صمام جرَّةُ الأمانة
ناصر البهدير


بحلول منتصف الليل، تأتي صور مختلفة هذه المرة لمكان واحد يحتل صميم سويداء الفؤاد. ولا تتزحزح الصور الباهية قيد أنملة حتى ينهق حمار الوادي، وتعاود الكرة من مسرح لآخر في أبهى معانيها ومبانيها. وهنا تختلط الخرافات بالحقائق، هل المقصود حمار الوحش المخطط باللونين؛ الأبيض والأسود، كما تقول تفاسير الأحلام: "إذا سمعت نهيقاً بعيداً يملا الفضاء بالحزن والكآبة فإنك سوف تتلقى ثروة وتتحرر من قيود بغيضة بموت شخص قريب منك"! 
حين نأتي لتفسير قبضة العنكبوت السام المعروف بـ(الكربة) الذي يسبب الأذى للإنسان ويفتك بفرائسه كما تفعل في العادة الأرملة السوداء صاحبة الثمانية أرجل. لعل الموروث الثقافي الشعبي والأقرب إلى روح الأسطورة يورطك في الانتظار الشاق حتى يُسمع صوت نهيق الحمار على الملأ كما اشترط الخيال الشعبي، عندها ستغادر (الكربة) دون معركة تخسر فيها أنت أو هي شيءُ ما. 
فجأة كما لا أتوقع خرج من سبيل النوم صوت كريه وله أَزِيزُ الرِّيح ذو حِدَّة تتبدى في صلابته وصفيره، انقذني من فك براثن الموت الشاق. وأجدني مرعوباً، هالني وأثارني وأزعجني طنين العنكبوت الكبير السام لوقت طويل مستغرق في دوامة.
صوت غير محبوب ثقب طبلة الأذن وعبر بقوة، واستقر في مجرى الدم إلى حين من الوقت غير محسوب. لم أعر الأمر أدنى إهتماماً. مضيت مع مشقة قبضة العنكوبت السام إلى أقصى إحتمالات الألم الموجع ولا رَّجاءُ في عتمة ليل تنوء بالظنون ولهيب الغياب، والقلب وقتها يتجول في رِحابُ بادِيةٌ مُنْبسطةٌ فسيحةُ الأَرْجاءِ كأنها أَرجاءُ المعمورة.
والطريق أطول ما يكون في وصف خشونته. كان لا بد من حمار كدليل في سلوك الطرقات الوعرة تحديدا، لأنه خبير حتى لو مشى فيها ولو مرة واحدة. كما أنه يتمتع بحدة سمع وقدرة تحمل تفوق الحصان بالنظر لحجمه.
وامتشقت بين صرير الليل والريح صوت حمار حتى حملني إلى بقعة خضراء من خلالها نظرت إلى العالم فوجدته خير من المحبة وبين عيال الأرض التي أخضرت بحقول قصب السكر.. وقتها ايقنت بأن حمار الوادي، حمار نوم معسول قد حملني إلى بلادي العزيزة الواقعة بين ضلعتين من ضلوعي.
عدت بعد غيبة فوجدت أن أجيال جديدة قد شبت عن الطوق، وأثمرت حقولاً يانعة بالمودة، يعملون في صمت وفي مجالات مختلفة بنشاط يلغي زبده ويرتجف.. بينهم زعيم خدمة حقل الركن الخامس من العبادة، رجل أسمر نحيف الجسد ورقيق وطويل القامة يبلغ طوله من العطاء أكثر من طول دخان المصنع الممتد في الآفاق حينما يسافر بلا عودة ولا انقطاع، ويعود غيماً لخريف البطانة في مواسم إشتعال انتاج السكر، كما وزنه من المحبة أثقل من أطنان الطواحين بل من كل حديد هيكل المصنع، له إبتسامة، وحيوية، وصبر رحب الباع، واسع الخلق ذو معرفة وعلم، وحاذق، وسمحٌ، وذو شخصية تملأ المكان.
أهتم بشؤون الحجيج بصورة مثالية تكلل نجاحها بأمانته وعفافه ورحابة صدره وتحمله لمشقة التكليف وحبه للعمل العام، فكان أوان الكَرْبان؛ في الغداة والعشيّ يصول ويجول يقظ ومنتبه طوال سحابة يومه ومنصرف بعزيمة نحو تقضية حوائج ضيوف بيت الله العتيق من قبيلة السكر، لا يتوانى ولا يتقاصرعن تقديم واجب التضحيات من أجل راحة القوم وسكينتهم.
هكذا عرفه مجتمع المصنع قامة تمشي بينه بالخير وخدمتهم أينما حلَّ واستقر محارباً ورعاً من أجل حقوق السكر، وهذا يكفيه فخراً وشرفاً صاحب المقام الطيب طالما عاش أميناً وشفيفاً، وهو في صميم القوم أي من أصلهم وخالصهم كصغيرهم وابنهم تماماً.
وأبصر الناس الأمين محمد العبيد، في خواتيم عقد السبعينيات من القرن العشرين، شاباً يافعاً ونضراً تسكنه روح الهدوء وشمائل الصمت وجلائل العزة والشموخ ومخايل الأدب وعلامات العفاف وإشارات سمو الأخلاق. 
ودخل المصنع بتواضع العلماء وسمت المهذبين، وهو في ريعان الشباب في زمرة الجيل الثاني، إذا جاز لنا القول في عمر تصنيفات أجيال المصنع التي صنعت هيكل مشروع السكر ورفدته بالعطاء.
وثبّت اللهُ قدمه بين حقول السكر على قدمٍ وساقٍ، ومشى على أطراف قدميه كم حال السكون الذي يجلله بالوقار، ووضع النابغة الألمعي قَدمه في العمل بصورة حسنة أهلته للتدرج في صناعة السكر كخبير عليم بأدق تفاصيلها. 
نهض الأمين العبيد عليه رحمة الله، المولود في عام 1958م، بقرية أبو جلفة الواقعة جنوبي شرق مدينة رفاعة بالجزيرة، واستقلّ وأصبح مسؤولاً عن نفسه كما الجميع بعد فترة وجيزة منذ قدومه مصنع السكر في شهر أبريل من العام 1979م.
ودرس الراحل النجيب المرحلة الإبتدائية بقرية أبو جلفة، ثم المرحلة المتوسطة بقرية فطيس التابعة لمنطقة الحصاحيصا إلى أن أكمل المرحلة الثانوية بالخرطوم في مدرسة المهدية بأم درمان في العام 1977م، حتى نال الشهادة الثانوية التي أهلته للعمل كفني ماهر ومقتدر عمل في عدة اقسام داخل المصنع مثل معمل السكر الخام، والغلايات، وأخيراً التصفية. 
ولَبِث يعمل بهمة وجدية وإخلاص بلا إنقطاع في تسيير شؤون وظيفته التي ما فتِئ يرفدها بصبر وعزيمة دون أن تثنيه غوائل الدنيا وكربها إلى أن خر صريعاً تحت صولة جوائحُ المرض في العام 2014م، حتى اضطر للسفر في رحلة للعلاج إلى جمهورية مصر العربية في شهر نوفمبر من العام نفسه، متأثراً بنوبة ألم لازمته، حتى رحيله المُؤلمٌ الذي فجع الناس وأُوجعُهُم.
وما برح الجواد الأمين العبيد يتقلب بين أتون المرض بصبر وجلد وتحمُل وإِطاقَة حتى غاب عن دنيانا الفانية بعد رحلة رشيقة وغنية بالحياة، شق فيها طريقه بإستقامة وتفان في خدمة أهل قبيلة المصنع وقطاع السكر.. وفي صباح الجمعة من يوم 19 يونيو من العام 2015م، أسلم الروح لبارئها بمستشفى آسيا بأم درمان حتى ورَّى الثرى بقريته أبو جلفة التي تقع شرق النيل الأزرق على مبعدة قريبة.
وما قدمه المرحوم الأمين العبيد للمصنع مسجل في صحائف أعماله التي احتواه كتاب تاريخ المصنع التليد بين صدر المجتمع، فقد كان نعم الانسان الفاضل، العفيف، الأمين, الزاهد، التقي، الورع، الوديع، البسيط، الشهم، الكريم، والبسام.
وكان هادئاً وسمحاً بين أهل بيته وأهل المصنع يجمع ما بين نخوة الصديق وشجاعة الأخ وحنان الأب، يتعامل بالحكمة والموعظة واللين والحب والتعاون، ويحث الجميع على الاجتهاد والمثابرة والعمل في تفان بهدوء يبين في حديثه، ومع ذلك لا يجامل تجده حاسماً في قرارته دون تراخ.
وسكنته روح الدعابة والفكاهة، وكثيرا ما يوصي آل بيته ومن حوله بالتواصل مع ذو الرحم وحق الجار وإكرام الضيف. وكان متواضعاً وبسيطاً في أناقة تظلل محياه ووجهه الصبوح، حيث تجده دائم التبسم وأنيساً لكل من يجالسه.
مثلما وهب عمره لأعمال الخير وخدمة المصنع بنية صادقة وخالصة لوجه الله تعالى، رزقه الله الوهاب من البنين السعدني وعمر، وثلاث من البنات متعهم الله بالصحة والعافية كصدقة جارية لأبيهم الذي عطر بجليل عمله أرض المصنع.
وتترع أعماله التي مخضها بعرق جبينه ودم قلبه، وتفيض بألق بالأُخُوَّة, والأُلفة, والإعزاز, والإِخاء, والحنان, والرأْفة, والرحمة, والرفق, والرقة, والشفقة, والصبابة, والصداقَة, والعطف, والمعزَّة, والمودَّة, والوداد, والولاء, والوصال.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، الأمين محمد العبيد، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، وأبو جلفة بشرق الجزيرة، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.


اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.


اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).




ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في السبت 02 يوليو 2016, 9:50 pm

إبراهيم حسن.. ثَّغر الحروف البشُوش
ناصر البهدير




ما زلت اتذكَّر الصفحات الرقيقة البيضاء، المكتوبة بعناية لمسة الأصابع على الآلة الطابعة الزرقاء أو الرمادية.. كنت أحلم بالرقن عليها رغم محاولاتي العديدة البائسة التي لم يكتب لها النجاح، حيث أجريها في الخفاء بعيداً عن عيون والدي. أختلس وقت إنصرافه لغسل أياديه إستعداداً لإفطار الصباح. أجد نفسي منغسماً في فك طلاسم الآلة الصغيرة التي تأخذ بألبابنا وتذهب بها مذاهب شتى في الدهشة التي لا يقرعها شيءُ.
منذ زمن بعيد أمضي في تحسس مثل هذه الأحلام التي تساعدني على أن أكون وسط هؤلاء الكبار البارعون متسللاً إلى دائرة جوقتهم الآسرة التي أدخلتهم فيها عبقريتهم الفذة في عداد جيل الرعيل الأول المؤسس للقسم الكتابي برئاسة المصنع فيما يسمى القسم العام.
يمكنني بكل ثقة القول، بدون أدني تردد، إن اليوم تماثلت من علة ذلك الذهول، وأجدني أكثر سعادة، وذاكرتي تسترجع ذلك التاريخ القديم ما يربو على نحو أربعة عقود من عمر الزمان.
أشعر بسعادة غامرة لا تضاهيها إي نجاحات مررت بها، أن أتعلم الرقن مؤخراً على آلة مختلفة، بعد أن قاربت الوصول إلى عتبة الأربعين من العمر. وفي ذلك أدين بالفضل لهؤلاء البارعون الأوائل في صف الحروف على الآلة الطابعة القديمة والتي تجاوزها الزمن لدرجة أنه لم يدر بالخلد مثل هذا التغيير الكبير الذي طرأ، حتى أضحى الرقن بصورة مريحة دون مصاعب على آلة الحاسوب الأكثر إتساعاً وإدهاشاً لإداء العديد من المهام في وقت واحد كأنها عصى موسى.
في ذلك الزمان الغابر يبدو أن الحلم صعب المنال، وإن استدبرت بوصلته وعبرت، ولكن قد تحقق مؤخراً على شفا حفرة من الغياب.
الغياب الذي لا يتيح لك أن ترى تلك الأجهزة العتيقة مرة أخرى، ولا أولئك البارعون على مهارة الطباعة بصورة تدهشك كأن يحادثك أحدهما وهو يتجه صوبك بوجهه وعقله، وفي الوقت ذاته تجده مسرعا في عملية الرقن دون أخطاء. فالخطأ لا يحتمل ليس كما يحدث هذه الأيام من فوضى في الطباعة على كل المستويات حال من يُخطئُ طريقهُ في كُلِّ مساءٍ، لا يهتدي إِليه حيث يميلُ عنهُ ضالاٌّ.
شخصيات ملهمة، لا تحيد عن الصواب مثلوا صفحة ناصعة البياض، لا تشوبها شائبة. كانوا كنجم لا ينضب معينُه، من الورع الأخلاقي والحكمة الموروثة والتجربة الرصينة.
في وسط ضجيج طرقعات الرقن المستمرة من صباحات الدوام إلى نهايته في نهار ينتهي بغداء يحين موعده قبل بث نداء صلاة العصر على الهواء الطلق، برز رجل متين وغليظ في الجدية والإلتزام والنظام.
ثُّلَّةُ من العباقرة تلقوا تعليماً بسيطاً لم يتعد المرحلة الوسطى.. كثيرون منهم يجيدون اللغة الإنجلزية بطلاقة، ويكتبون على الورق بخط واضح وجميل ومنمق في غاية البهاء والنضارة حين يسطرون خطاباتهم إلى أهلهم أو وقت أن يوقعوا على الأوراق الرسمية.
بتوقيعه الأنيق ظهر الثلاثيني إبراهيم حسن، ولمع نجمه، كواحد من جيل العمالقة الذين شادوا أساس طباعة المكاتبات الرسمية وتعميمها وحفظ سجل شؤون العاملين بالمصنع وغيرها من الإجراءات الإدارية.
وعمل الراحل المقيم إبراهيم حسن محمد سمل، المولود في منطقة دغيم بوادي حلفا في العام 1947م، في قطاع السكر لأكثر من ربع قرن من الزمان في مصنعي سكر الجنيد وحلفا الجديدة.
وتعين في العام 1964م، بمصنع سكر الجنيد حيث قضى فترة قصيرة من العمل موظفاً في الرئاسة، ثم نُقل إلى مصنع سكر حلفا الجديدة إلى أن أحيل للتقاعد الإجباري فيما سمي بمشروع الصالح العام الذي تخلصت عبره حكومة الإنقاذ من عدد مهول من العاملين بالدولة في نسخته الأولى بتاريخ 23 أكتوبر من العام 1989م، بدون أي مبررات رغم كفاءة المحالين للمعاش.
بقرار جائر فصل المرحوم إبراهيم حسن من العمل رغم أنه منح علاوة إستثنائية قبل الإحالة بأربعة أشهر نظير عمله إبان إضراب عمال المصنع، حيث كان من أوائل الذين تقدموا للعمل داخل المصنع، في الوقت الذي كان فيه يشغل منصب مدير شؤون الأفراد.
وحاق به ظلم كبير لم يندمل جرحه خاصة أنه من الطليعة التي تأسس عليها العمل الكتابي منذ إنطلاق مشروع سكر حلفا الجديدة، والتي يعرف عنها الحفاظ على المبادئ والإخلاص والولاء والتضحية والمثابرة.
وتعتبر تلك الفترة من أسوا المنعطفات في صناعة السكر، والتي أساءت فيها حكومة الإنقاذ التقديرات بفصلها لأفضل وأمهر العاملين بالدولة وأكثر حباً للوطن وللمهنة علاوة على نظافة يدها وعفافها، وكانت غصة في حلق الجميع لا تزال فاجعة مرارتها بادية على وجوه الكثيرين، وإن طال الزمان.
عندها توجه الراحل إبراهيم للعمل سائقاً في عربته الخاصة متنقلاً كل يوم في رحلات كفاح عدة من أجل كسب العيش الحلال ما بين المصنع وحلفا الجديدة والقرية (23) إسكان، حتى وهن الجسد، وخرّ صريعاً لعلة لازمته طويلاً حتى وافاه الأجل المحتوم في يوم الجمعة في الثاني من شهر مارس من العام 2012م، بمدينة كسلا، حتى واراه أهله الثّرى بمقابر دغيم شمال، القرية (23) إسكان، بعد حياة مُفعمة, وباثقة بأعمال الخير والإنسانية، وحب مهنته بإخلاص وتفان.
فلم يعهد عنه مجتمع المصنع سوى البشاشة والثغر الباسم والخلقُ الحسن في أوج الصعاب لتزيح تلك البسمة ضغوط الحياة وهمومها التي واجهته، فكان رغم ذلك مُكتنز بالحيوية والوجه الطلق والايمان والصلاح قلما تجده غائباً لا يؤدي صلواته في جماعة، ففجر مسجد خمسين بيت يشهد له بذلك كما شهد له الناس بالطيبة والإلفة والوقار والمودة والكرم.
وعاش مرحاً وطريفاً يحب الفكاهة على طريقة عشيرته حتى بين أهل بيته تجده يمزح بطريقة محببة محتفظاً فيها بوقاره وصرامته التي لم تبارحه في الحق العام والأخلاق والقيم، مشبعاً بالحكاوي والطرائف والمقَالبُ التي يدبرها على نواياه الطيبة حتى تعلم منه ابنه حمزة مهارة تدبير المكائد والحِيل الطريفة.
وكان بينه وبين حمزة مساجلات وحكايات من ظرف لا تنتهي إلا وتبدأ واحدة جديدة. وعندما يهزمه تلميذه حمزة يقول له: (انت متين ح تعقل)؟.
وحمزة صاحب مزاح في أغلب الوقت رغم الجدية التي تظهر على محياه، لا يمكن لك أن تجده خالياً من مكيدة ينسج تفاصيلها في هدوء مبالغ فيه. لا يزال هو حمزة يصنع البسمة والضحكة بدلاً عن الملل والرتابة والضجر، وأضحى ببصمته المميزة ضد عبَّس الوجهُ وكلاحته وتقطيبه مما أهلته ليعمل لفترة من الوقت مع فرقة الهيلاهوب الفنية.
وفاق الابن حمزة أبيه في مزاج المقالب، وغلبه على الأَغلب وفي الأَغلب، لا يتوخَّى أمره نحو أحد في المزاح عكس أبيه المرحوم الذي جُبل على الحياء وإقتصار طرائفه على من يعرفه فقط في حدود دائرته الضيقة التي لا تتعدى جيرانه وأصدقائه وأهله وزملائه في العمل.
وعاش الراحل إبراهيم حسن حياة طيبة ومسالمة وخالية من العويل والمماحكات والمناكفات، نسج خيوطها على نول المحبة والإريحية وشكيمة الصرامة واللين حتى جعلته محبوباً بين الناس أينما وطئت قدمه مكان ما.
وتجده ملكاً متوجاً بالإنسانية والبهاء والفخار وهو محاطا بابنائه؛ حمزة، وحافظ، وحلمي، وحكمات، وحميدة. فكان مغرماً بالحرف السَّادس من حُروف الهجاء الذي اتخذه عند مدخل كل اسم لبنيه؛ خاصة أنه حرف مهمُوس رخو، ومخرجه من وسط الحلْق. وكان حديثه عذب وطيب ومعسول نثره بين الناس وغاب تاركاً لهم هذا الإرث العظيم.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، إبراهيم حسن محمد سمل، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، ودغيم بوادي حلفا، والقرية (23) إسكان بحلفا الجديدة، دغيم شمال، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.




اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).




ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأحد 03 يوليو 2016, 10:07 pm

علي القصاص.. الفطُن القسيمٌ الوسيمٌ
ناصر البهدير




أن تمسك بخيوط الحلم نوع من المغامرة الخطرة التي لا يمكن لك تتبع مسارها وتقفي أثرها، وأنت تتوهَّط في صلصال الهذيان وطين النوم اللزج كأن بينهم أوهاط أي خصومات وصياح تملأ ثغر الفراش الوثير. خيوط من الإلفة تتسلل إلى المكان وتنهش ذاكرة الغياب وتسرق لحظات المنام القليلة وتفر بكل سهولة مع أول دفقة ريح عابرة حتى تغيب في فجاج الأرض. لا أحد بإمكانه تعقب آثار الهاربون في الليل.. حفاة ينتعلون الرمل في يوم ريح عاصف.
لا شيء مثل الحنين يجعلك عارياً في دمس الليل المخيف، وآثارُ التَّعب واضحةٌ علَى مُحيَّاك تظل معلقة في الهواء كأنشوطة لخطة تسوية عجولة تحاول أن تتخلص من فوائض دهون الروح.
فِيِ الحالِ لاَ ألتمسُ شيئاً غائباً وأَترُكُ ما هُو موجُودٌ أمام عيني رغم أن المتاح لم يعد هامشه واسعاً كما رمل مفازة تتدفق بفيض السيولة التي تبتلع كل أخضر من راهن الحلم الذي أنشد حضوره في غابة الذات.
إحساس مختلف وغريب يداهمك، كُلُّ ما بنيته صار أثراً بعد عينٍ بين ظلال الأجمة. وكل شيء اِضمحلَّ وذاب في العتمة وبين الأشجار الكثيفة الملتفة في أرض برِّيَّة غير منزرعة. هو الحنين يسرق ذاتنا ويهبنا الضياع الموحش لا ننجو منه، كما الموت لا تنجو منه الأُسْد في الآجام ولا الملوك في الآطام. 
مازال أثرُ الجُرح باقياً يدل على ضياعُ الوقت حينما نبدده سُدىً وبِلاَ فَائدةٍ بعيداً عن حقول السكر المترعة بالخير والحياة. ولا أحد يقتفى دربنا حتى يعيدنا إلى ملاعب جنتنا الصبية! ومن يقتفى أثر لصّ الزمان الهارب في غياب (القصاص) الكبير!
منذ أن غاب (القصاص) بات الشُّعُورُ بِالحِرمان والوحدة ملاذنا الأول والأخير، ولا أحد تتبع خطى المعلم الكبير، وتعلم منه الدرس، واتخذه مثالاً. 
جاءت فِي أثرِه، ولكن بعد فَوات الأَوان، ثُّلَّةُ من الأرواح التي لا تبالغ في المجاملة ولا الصراحة ولا الشفافية طالما تطلب ظل رجل مشى بين طمي النهر وأثر الطريق خيطا دقيقا وشفيفا من دخان رمادياً يصب في خصوبة الحقول وليس وحل الوقاحة التي تغرقنا في حدّ التوهان.
عندما تهدي الناس الأمن، فأنت تهديهم الحياة كما فعل ألمعي زمانه علي القصاص الذي سكب عصارة جهده في إبانة دلالات الثمين من الغث المكرور.
لم يترنح في الدروب التي شقاها بنفسه وانتشلها من قاع النسيان وبث فيها الروح بعد موات حتى لا تغشاها السابلة وهوام النفوس المريضة التي ستلتذ بما في أيدى الآخرين.
كم نحتاجك اليوم لتبين لنا سبل الرشاد وتشق لنا طرقا عديدة لكي ننجو من معسكرات الموتُ الزُّؤامُ المنصوبة عند كل المداخل، كما تكشف ظل الذين مشوا بالغدر والخيانة.
وكان على القصاص - وهو نيلي المولد – عارفاً وذكياً وشجاعاً عمل على مناصرة الضعفاء وأصحاب الحق ورد حقوقهم كاملة غير منقوصة دون مساومة لوجه الله تعالى وراحة مجتمعه الذي أحبه فارساً ونبيلاً.
فشخصيته الاستثنائية وعلو همته التي لا تنسى صنعت انتصار الروح الإنسانية على شر السلب والنهب والسرقة، وكان شعاعاً من الضوء يبرق في كل الدروب التي حارب فيها ضلالات الهمباتة واللصوص.
جعل حادث قتل تاجر جرى في منطقة غرب قرى أدنى نهر الإتبراوي التفكير والنظر في الإستعانة بالفارس على القصاص أمرا لازما، ولا غرو إذ أنه حقق شهرة واسعة بعد أن تم القبض على القتلة عند وادي القاش في فترة وجيزة من الوقت. وجاء ذلك بمحض الصدفة، إذ لعبت علاقة القربى التي ربطته بالتاجر المقتول في منطقة أم شديدة، سببا في إنضمامه لنفير البحث عن الجناة.
في أواخر ستينيات القرن الفائت حدثت جريمة قتل في منطقة إم شديدة لصاحب دكان، فقد تم نهب المحل وسرقة البضاعة. وعرفت الحادثة وارتبطت بتاريخ الهمباتي ذائع الصيت محمود أب أصبع الشهير. ولقد توصلت مباحث الشرطة بمنطقة أروما وحلفا الجديدة مع على القصاص للوصول إلى الجناة الثلاثة من عصابة الشفتة، الذين تم أمر قبضهم في غابة صابون بمنطقة نهر القاش، وجرت محاكمتهم بالسجن لفترة من الوقت.
ولجرأته وصراحته وذكائه الوقاد ومكارم أخلاقه الحقة، جرى تعيينه كمسؤول رسمي عن تتبع أثر الجناة في وظيفة (قصاص) بمنطقة مصنع سكر حلفا الجديدة، تلك الخطوة التي لقت ترحيباً من الأهالي ومجتمع البلد بأثره لمعرفتهم به، كواحد من الأذكياء الذين لهم قدرة فائقة وذكاءاً فطرياً.
وعرف في بداية أمره بين الناس باسم (علي أبو شنب) حتى تداخلت سلطة عمله فيما بعد مع شرطة المصنع، ففرضت عليه لقباً جديداً منسوبا للوظيفة التي تقلدها عن استحقاق وجدارة، وأصبح مقرونا بلقبين؛ علي أبو شنب، وعلي القصاص.
أَقبل علي عبد الله عبد القادر، المولود في عام 1923م، بمنطقة المحية بنهر النيل، إلى حاضرة مشروع سكر خشم القربة، مدينة المصنع، في ريعان الشباب من العام 1964م، حتى استقر بصورة نهائية في العام الذي تلاه.
وعمل مزارعاً في حواشته في منطقة السبعات لفترة طويلة من السنوات وظل متنقلاً إليها بين الفينة والأخرى، كما كان يملك عربة كارو بالمصنع يعمل به في أوقات فراغه من عمل الشرطة حيث لم تقيده الوظيفة حسب طبيعة عمله المفتوح في وقت الحاجة.
ينتمي علي القصاص رحمة الله عليه لأسرة معروفة ومنطقة تشتهر بالفراسة وتتبع الأثر إلى درجة الكشف، ولقد حباه الله بموهبة تقصي الأثر ومعرفة الشخص من أثره على الأرض في مجمل الأحوال والظروف. 
وساعدته هذه الموهبة في الانضمام إلى الشرطة بعد الكشف عن عدة حوداث حيث عينه ضابط الشرطة آنذاك بوظيفة قصاص. خلال فترة عمله ساعد في كشف كثير من الجرائم والسرقات التي حدثت كما ساهم بصورة فاعلة في استرجاع كثير من المسروقات من داخل المصنع وخارجه.
وتميز القصاص بالشجاعة والبسالة، وكان مهاباً وصارماً في عمله يهابه كل الخارجون عن القانون، كما كان كريماً وجواداً، بيته محط راحة واستراحة لكل العابرين من الأهل وقيادات القبائل الأخرى. 
ومن أهم وأشهر الجرائم التي حلها، وبموجبها تم استرجاع كل الأبقار التي سرقت من حي الموظفين، مثل سرقة ونهب مدير الخدمات الاجتماعية، ومدير المشتريات صديق الخضر، ومدير المخازن أبو القاسم الأمين، وكذلك فك طلاسم ملابسات مقتل عبد اللطيف الكرف. وساهم في الكثير مع فريق المباحث والشرطة، ولديه قصص وحكايات يرويها شهود العيان الذين كانوا يعملون في تللك الفترة.
وعمل المرحوم علي القصاص بمنهجية وسرية تامة في تتبع الأمر المراد منه، ويجري ذلك في إمعانٍ وتَقَصٍّ. ويبحث الموضُوع من أَوَّله إِلى آخره عن قربٍ، ويدقق فيه بتمهُّلٍ ورويَّةٍ حتى يتثنى له تعقب الجناةَ والهاربين والقبض عليهم.
واتسم بالمُرُوءة، والتي باتت محلَّ تقدِير في مجتمع المصنع، إذ بادله الحب والتقدير. وكان ماهر في صنعته، وحاذق، وصاحب فطنة، وذكاء خارق، أهله ذلك لأداء دوره بصورة مثالية وبكل سهولة في تفانٍ ومحبة.
ومنحه الله ذرية، بلغت تسعة من البنين والبنات وعدد من الأحفاد، وتمددت في عروق أوصال قبيلة المصنع وانصهرت فيه في تضام ومودة لا تزال تقدم فاتورة حبها للبلد الذي تعلمت فيه، والذي أخلص له رب بيتهم الكيبر الأب علي القصاص.
وغاب وسيمُ الطَّلعة، والوجهٌ القَسيمٌ، والنقي السريرة على القصاص، في العام 1988م، وأسلم الروح لبارئها بالحارة الثانية في المصنع حث دفن بمقابر الحلة، مخلفاً ذكرى عبقة وتاريخ ناضر في سجلات كتاب المصنع الكبير كأول من تقلد وظيفة القصاص لمهنة نادرة لتقفى أثر الجريمة.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، علي عبد الله عبد القادر، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، والمحمية بنهر النيل، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.




اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الإثنين 04 يوليو 2016, 11:10 pm

بشير عبد الكريم.. رَّهوُ نهر الرِقَّة
ناصر البهدير
هواجس متلصصة عن عمد، تهاجم خلايا الجسد وتمزق أوصال الروح، وترتطم بقاع الذاكرة، مفجرة أرتالاً من كتل الحنين.. وفي همسها هسيسُ الفُلفُل ينداح كموجات متنافرة ومتناحرة.. رويداً رويداً، تصطدم بزبد متطاير يرغي وينثال رهواً دون توقف حتى فلق الصباح.
خلايا بحر هائج الأطراف والمتن وعلي وجهه شوق له شاطئان، والليل يوغل في دياجيره ويصطلي برطوبة ساخنة ومرتفعة الحرارة.. لا شيء يماثل ندى ثُفل من بقايا سيقان قصب السكر، متكوم في البعيد يمضي إلى حتفه وجحيم نار غليظة.
كلانا وقف على حافة المرجل يستطلع ما يعكر صفو مقاييس الحرارة العادية ومستويات درجات الغليان ليوم عمل أكثر من طبيعي اعتدنا فيه أن نسجل تقريراً مرصوداً عن واقع الحال اليومي لسير نوبات العمل.. عادة ما تدبج كلمات مكرورة من شاكلة.. الأحوال هادئة.. ولا أحداث تذكر، وتهمل في دفتر أنيق لا أحد غيرنا يراه طالما مؤسسة بأكملها لا ترى أمن الشغيلة المهني مهماً بذات القدر الذي تفسح فيه المال لمهمات أخرى غير ذات جدوى في الإنتاج.
وجهه المألوف يثقب حُلكة الليلة ويحيل كل شيء إلى نور خافت كتلك الأضواء التي نمر تحتها وندون إفادات العمل، وهو في كامل هندامه وأناقته كأنه يعمل تحت سلطة إمرتنا.
نداء خفيف يستدرج الأنسام.. التفت إليه، وأجده بوجهه الصبوح والباسم كما يشتهي أن يلتقي الناس، شعور يعتمل ويحتدم في دواخله ولا يكف عن رشح عطره الفواح.  
وغيوم الأمنيات الصادقة تترنح على أفق يلوح على براح الوقت، تضمر رغبات جامحة يصعب كبحها، وهي رهوٌ بين سنامين.
وقفت أتامل بزهو في لوحة رسمتها الأيام بين رُّكحُ الذاكرة، في منتصفها تبين ملامح خمسيني رقيق الروح وعطر الأنفاس ولطيف العبارة تتخلله وتظلله سحب الابتسامة ونداوة لا تغيب عن وجهه الطفولي أينما ولى شَّطرُه واتجه. 
حنين جارف شدني إلى بهاء الصورة المقبوضة في الخيال لأكثر من ربع قرن من عمر الزمان.. صورة تحبل بحميمية راعفة وراعشة تنهض على قوائم ذهبية منسوجة من هالة القمر الذي ارتكزت عليه لحظة البارحة وقتها راق لي أن أعيش هكذا دوماً في فناء محطة الذكريات.
الناس يسرعون الخطى والأصوات الضاجة تشغل فراغات الأمكنة كما الحمام الذي يتسلل ويلتقط الحب من أرضية الشارع المعفر بالغبار والمحطة الناضحة بالحياة.. هناك يقف ليمرَّغ وجهه في التُّراب ويدسَّه في قاع البحر برقة العارفين العذبة.
في خبايا الذاكرة نفحة تنشط معتقة، تضوّع من النور والرائحة الزكية، ما برحت عتبة تلك الصباحات الندية حيث يأتي جميل المُحيَّا، والمليح الصَّبُوح، أنيقاً ومستقيماً كالضوء، تسبقه ابتساماته الوديعة والتي يوزعها بلا مقابل، منذ أن يصلى فجره حاضراً، يخرج من بيته، ومروراً بشارع البركس – النافورة حتى يصل مكان عمله بناحية المصنع، وختامها مسكاً بين جيرانه وأهل بيته الميمون والمصون بفيض إنسانيته الرحبة التي ما ضاقت عن أحد.
هذه النفحة الطيبة أيقظت جمر الحنين المتدثر، وأزالت عنه رماد النسيان المؤقت لا غير، سِيَّما أن غشاوة القلب ينحيها مثل هذا التذكر الطيب، وأنت في حضرة رجل موسوم بالحب يسكن قلوب أهل قبيلة المصنع.
رجُلٌ حفيٌّ، مُبالغٌ في الإكرام والبرِّ واللُّطف، حباه اللهُ بروح نقية وطيبة تحفك كأنها الحبا أي السحابُ المتراكمُ القريبُ من الأرض.. إنسان يدهشك برذاذ ترحيبه الحار، ويستقبلك بحفاوة الغيم حينما يرسل الماء مِدراراً لأهل الأرض بعد عطش، كما يسترسل معك في السؤال عن الآخرين والعناية بأمورهم، وهو الحاضر الدائم فيما يخصهم حتى التلاشي والإنصهار.
حظيت بالتعرف عليه، وتشرفت بصداقته رغم فارق العمر، حيث جمعنا العمل في بدايات عقد التسعينيات من القرن المنصرم في قسم الأمن الصناعي في مكتب صغير يقع عند بوابة المصنع الكبيرة، الذي لا يزال البعض منا يخلط بينه وبين الأمن الداخلي أو جهاز الأمن. والثلاثة لا يربط بينهما سوى حماية أرواح الناس من منطلقات أمنية واضحة، وإن إختلفت طريقة التعامل والمهام والسبل. فلسنا بحاجة للتوضيح أكثر من ذلك، فجميعنا ابناء شغيلة السكر يعرف تلك الحدود والسياج التي تسور آلية الخدمة المدنية.
في ذلك المكتب الضيق المساحة، والواسع الرحابة بحضور موظفيه الرائعيين، التقيت الراحل المقيم بشير عبد الكريم الهادي، عن قرب بمعية المرحوم أحمد تركي، والمرحوم عبده وهبة فاكهة مجالس المصنع حينذاك، صاحب الطرفة والسخرية الفالتة التي لا يحدها شيء من الإنطلاق صوب كل قضية وموقف.
عام كامل، تعلمت فيه الكثير؛ طرائق العمل، وحقوق الشغيلة المهنية والنقابية، وكيف تعامل الكبير الذي في سن والدك عندما تكسر أريحية العمل الحواجز، وكيف تلتزم بالمواقيت وقوانين العمل، وكيف تعالج المشكلات التي تقع في طريقك علاوة على المثابرة في أن تندفع في طموحك واحلامك وترتقي بها كما علمني وبصرني عمي بشير عبد الكريم رحمة الله عليه.
وكان ذلك درساً عملياً مهماً أعاد بوصلتي للتفكير بجدية والتحرك بصورة عملية خطوات للأمام، وقد كان بفعل السحر الذي منحنه إياه عن طيب خاطر وأبوة صادقة عم بشير تغمده الله بواسع رحمته وعفوه، حيث قادني إلى دروب مختلفة من النور، وأشعل في الروح شرارة الحماس والبحث عن وضع أفضل عبر التعليم ونيل الشهادات العليا دون ذلك ستظل عاملاً تستجدي حق تناول الحليب خلال ساعات العمل لحماية رئيتك وجسدك من أخطار وسموم صناعة السكر.
وبان المرحوم بشير عبد الكريم في سماء حقول السكر مع جيل الرعيل الأول، معلناً عن مهمته في بناء وتشييد المشروع بكبرياء وحزم ونشاط مبالغ فيه حتى حجز مكانه في سجل كتاب المصنع بكل فخار وتواضع.
أهدت أم جريس بريفي طابت الشيخ عبد المحود، بلاد المصنع واحدا من جيل عمالقة التأسيس، حيث أنجبته تلك القرية من أم وأب وطنيان، مثيل أخلاقهم وانتمائهم في يوم 27 أبريل من العام 1942م.
درس وتعلم المراحل الأولى من المعرفة والعلم بمنطقته إلى أن أشتد عضده وعوده، فغادرها للعمل في مصنع سكر حلفا الجديدة لحياة جددية أرخت لبقية عمره الذي قضاه في خدمة السكر بلا انقطاع حتى تقاعد عن العمل في بداية العام 2002م.
وتنقل بين أهل حي البركس، وقضى شطراً كبيراً من حياته مع الكبير كبيراً، ومع الصغير صغيراً في أدب جم وتعامل راق وإلفة ووقار، لم ينقطع عن مجالسهم في كل المناسبات حاضراً بجسده وقلبه الكبير الذي وسع الجميع بمحبة نادرة دون رياء ومراء.
كان يمشي على بصيرة وقادة وذهن صافي يرى وجه الصواب والحق ويتبعه دون رهق وإنشغال بالآخرين فيما يجري في ألسنتهم، وظل هكذا مستقيماً منذ أن ولدته أمه في ربوع الجزيرة الخضراء.
لم تمهله الأيام كثيراً، إذ إختاره الموت في صباح الجمعة من يوم 11 مايو من العام 2012م، بقرية أم جريس بالجزيرة، منتقياً عبده الصالح بإذن الله بشير عبد الكريم بعد حياة إخلص فيها بورع وإيمان وحب لربه ولمجتمعه الذي تفانى في خدمته بصدق ومودة.
وغاب أبا عصمت، وعمر، وعبد الكريم، والواثق، وعلاء الدين، وبهاء الدين، ومحمد، واليسع، في ثرى الجزيرة مبللة بقطرات الندى وعبق روحه، وبقيت سيرته حاضرة مطوية بجلال أعماله وطيبته وحبه للناس وتلك الابتسامة والأريحية التي ظلت تملأ محيا وجهه بالبشر والحيوية.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، بشير عبد الكريم الهادي، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، وأم جريس بريفي طابت في منطقة الجزيرة، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.




اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).




ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غياب بطعم الحضور (2)

مُساهمة من طرف ناصر البهدير في الأربعاء 06 يوليو 2016, 1:36 am

بابا عبده.. مُريد العرفان الفواح
ناصر البهدير




للإنسان ميعة خوف ومجاهيلُ غارقة في العتمة لا يمكن تخطي مفازاتها إلا بالمعرفة.. دونها سيبقى الإنسان سجين ذاته القلقة والمضطربة دون أن يتعرف على طبيعة ما حوله من ألغاز كأنه لم يبلغ مرحلة الكُمون أي مرحلة نموّ الشَّخصيَّة في عمر الطفل، وهي التي تسبق مرحلة البلوغ كما يعرفها علم النفس.
لذا ينجز الليل مهمته في نفس الإنسان بكل سهولة ويتملك أقطار قلبه، ويقيم نصبه التذكاري على هوى رياح البارح التي تستمر لأربعون ليلة ونهار دون توقف إلا من ومضات عابرة من الغياب.
في تلك الليالي تصحو المخاوف وتطفو على السطح بعد أن كانت في كُمُون عن الأَنظار وتائهة في الأَماكنُ النَّائيةُ التي لا تزالُ مجهُولةً، لا علامة بها.
في الداخل العميق أشعر بان هنالك كائن ضال في حالة توار، منذ سنوات عدة يتجول في تخفٍ مريب لا أشعر معه بقرار أستقر فيه على بر نجأة في تلك اليابسة الممتدة.. هكذا أقدر على يقين بأن الأرض خضراء تنتصب كما كانت أيامئذ يانعة على حبل معلق بأفق حقل قصب السكر.
تكشف البسيطة عن متوار أَرى على وجهه انبساطاً واِنشراحاً، له هوية وعنوان يظل رمزاً لكل الجُنُود من أمثاله الذين عمروا أرض السكر بالخير والعافية.. ذو شخصية انبساطيّة، اجتماعيّ يألف الغير، غير انطوائيّ، يخالط الناس بالفكاهة والدّعابة، بسيط القلب على الفطرة، وبسيط الوجه؛ متهلِّل، مشرق، مبتهج، وبسيط اليدين؛ كريم، سمح، سخيّ، بشكل بسيط؛ بدون تكلُّف ولا تصنُّع.
يأتي في منامات أهل بيته، يخفف عنهم همومهم ويثلج قلوبهم ويلاعبهم ويضاحكهم بتحنانه وضحكته، وهم بين أحضان حي خمسين بيت، شاب أبيض، يرتدي جلابيته المميزة أو (عراقيه) المتواضع. 
بسيطٌ في كَلامه أي لاَ يتَكَلَّفُ، طاف كُلَّ أَرجاء أرض المصنع بحب حيث انبسطت يدُه بالخير والعطاء كما أساريرُ وجهه التي نضحت بالسُرَّ والفرح. تذوقناه على السعة والرحب، مع طعم نكهة كاكاو (اوفالتين) المخلوط بالحليب الذي يعده لضيوفه بدقة وحرفية متناهية ومودة صافية كماء مطر البطانة.. ما زلت اتذوق طعمه في اللسان يأتي مثل الكائن الخرافي الخارج لتوه من بيوت جرَّةُ  الذاكرة، ملائكياً أخضر مبسوط الجانحين طائر على فنن بين أعواد قصب السكر وأشجار حزام البان والدمس.. هُنيهة ينتظر على استحياء بين أغصان شجرة الحيارى دون ملل يسكنه، ريثما يغادر إلى نوبة عمله، فهو الباسط روحه لله وخلقه.
كان أباً رائعاً، وورعاً، ولطيفاً، ونظيفاً، وأنيقاً يجمع ما بين الحداثة والتدين، وأجمل مافيه يعاملنا كأصدقائه، ونحن وقتها نخاف الكبار، ونفسح لهم الطريق. يخدمنا في بيته كلما جئنا لغرض ما، لا يترك الأمر لأهله ويكتفي بذلك، بل يزيد من إنائه الخزفي كأنه يخرج الأشياء الطيبة من قلبه الواسع.. ويتوسع في كرمه من شعره المنظوم وأحاجيه العديدة، وقصصه التي يحكيها على طريقته الخاصة من القرآن الكريم والسنة، لا يفتح لك المجال ولا يدعك تتسرب إلى الملل، يعطيك من فوح عطره الأخاذ، وينعشك، وينفحك بأدب وحب. 
رجل بمعنى الكلمة، تعجز الكلمات صراحة أن تفيه حقه، كما عن الثَّناء والتقريظ والتقديرٌ والتبجيلٌ، وهو العالق في بحر مودة ومحبة الناس بلطفٍ، وطريقة مختلفة.. تدهشك طريقته بين آل بيته ومع الناس على حد سواء، ما وجدت رجلاً بين أهل المصنع بهذا السمت والخصال الفاضلة، شق لنفسه طريقة نادرة قلما انتشرت بين مجتمعنا.
تجده في المسجد أماماً يوعظ ويرغب ولا ينفر، وفي الشارع طفلاً مع الصغير، وصبياً مع الصبي، وشاباً مع الشاب، ورجلاً مع الرجل، وكهلاً مع الكهل.. تسري في روحه البساطة والتدين والجمال وحب الحياة دون إسراف، وفي الوقت ذاته منشغلا في المستقبل بعبور الصراط المستقيم، وفي ذلك يمضي بأخلاقه الرفيعة وكل ما يملكه من مهارة وموهبة في أشياء الدنيا.
تقوى وورع وحسن ضيافة، تركيبة وشّحت محيا الوجيه عبده محمد علي الذي خلد نفسه بين الناس في المصنع، وفقا لهدى القران الكريم والسنة، وقيم المجتمع السوداني، وتعاليم الصوفي عبد المجيد شيخ الطريقة الأحمدية الدندراوية.
وسلك في حياته نهج صوفي، تأسس مزاجه وعقله دون شطط وهوى، وهو منهج مشتقّ عن الأحمدية، والتي تعتبر من أكبر الجماعات الصوفية في منطقة حلفا الجديدة، كما أنه استقطب مقدراته وذكائه الوقاد وأريحيته، التي جعلته يصنع لنفسه طريقا من السهل الممتنع، جمعنا على صراطه دون رهبة، نحن الذين أغلبية لا ننتمي لطُرُق الدين العديدة.
وطوال إختلاطنا به صاحب الصوت الشجي، يتدفق عليه الناس لنيل نواله وعبق معرفته ورحيق علمه ومواهبه الأخرى في مهن عديدة. يترك كل شيء وينصرف إلى أحبابه وأصدقاء بيته الذي لا يخلو من الزوار.
عبده محمد علي هو شيخ ورع وعالم جليل وفنان ماهر، عرف كيف يحكم قبضته على قلوب الناس بالكلمة الطيبة التي يطلقها كالنسمة؛ خفيفة وباردة، وهو إحدى الشخصيات البارزة في مدينة المصنع، والصوفية المنتمين لخلاوتهم المفتوحة للعلم والمعرفة والحياة، من خلال حركته الدائبة بين أفراد المجتمع.
ونذر بابا عبده حياته للعبادة وذكر الله والوعظ والإرشاد وما توانى عن ذلك الإخبات؛ ماضياً في جلال الخشوع والتواضع والاطمئنان لله تعالى. كما كان واحد من ظرفاء البلد، علاوة على بلاغته في قرض الشعر العربي الفصيح في محبة ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث كتب الكثير من الأشعار الماجدة التي بينت عبقريته الفذة في نظم القصائد الجياد.
ونجح آنذاك في أن يدخل قلوب الناس بكل سهولة دون عنت، وعرف أيضاً بمحبة الأطفال، فكان قريباً من قلوبهم، للحد الذي تجده لا يخلو من هدية صغيرة تقبع بين يديه.
ويعرفه عن قرب أطفال حي الموظفين من أجيال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بمهارته في فن الحلاقة، وتقليعة تسريحته الرائعة الأناقة، كما تميز بجلباب فخم له ياقة، يختلف عن العادي والسائد بين الناس.. هكذا عرفه المجتمع يحب الأناقة والنظافة والأطفال والكبار، وتلك شهادة من طفل حينذاك حضر عهده الذهبي. وهذه شهادة نطق بها محمد سيد عبد الوهاب: "أنا وقاسم أخي في صغرنا وطفولتنا الأولى لا أحد يحلق لنا غير (بابا عبده) واذا ما سرحنا مثل (بابا عبده) لا نخرج من البيت, والله العظيم اذكر كل التفاصيل الدقيقة عن عملية الحلاقة وأدوات وماكينات الحلاقة وترتيبها وتنظيمها، وكيف يلاعبنا وننسي تماما اننا لا نحب الحلاقة".
ولد المرحوم عبده محمد علي أحمد سعد في الديوم الشرقية عام 1946م، في منطقة محطة حجازي المعروفة، وتربطه صلة الدم بصاحب المحطة حجازي، هو خاله في علاقة الرحم شقيق والدته. 
درس في مدارس الأحفاد بأم درمان، ثم لاحقاً بمدارس الكمبوني، وعمل في مهن وأعمال مختلفة في مستهل عمره، وأخيراً استقر في مجال صناعة السكر، ملتحقاً بالعمل في مصنع سكر الجنيد في العام 1964م.
وفي عام 1966 انتقل إلى العمل بمصنع سكر حلفا الجديدة ضمن جيل الرعيل الأول المؤسس لمشروع سكر خشم القربة آنذاك، والذي تغير مسماه إلى مصنع سكر حلفا الجديدة.
وسكن في بدايات عمله بالمصنع، في القرية (22) إسكان. وبحكم انتمائه الباكر للطريقة الأحمدية والسكن في مهد مقرها، اختاره الشيخ عبد المجيد الرجل الثاني لتولى أمر الطريقة في ما بعد منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وكان ذلك عندما غاربت روح الشيخ الطاهرة وأزفت على الرحيل، ولكن الراحل المقيم عبده محمد علي رفض الخلافة نسبة لظروف العمل، وطبيعة نفسه التي لا تميل للتزعم والسيادة، إذ كان ميالاً لخدمة الناس بعيداً عن الأضواء.
وفي عقد سبعينيات القرن المنصرم، انتقل إلى السكن في حي خمسين بيت، حيث ساهم في تأسيس مسجد خمسين بيت العتيق مع مجموعة من قاطني الحي. وكان المسجد في بدايات تشييده مبني من القش. وأصبح أماماً للمسجد والخطيب الأول كما عمل أبو حواء مؤذناً ومسؤولاً عن خدمات المسجد فيما بعد، حينها كان يؤذن في البدايات، ويعرف آذانه من صوته العذب، ومازال صدى صوت آذانه يسكن ذاكرة أهل الحي خاصة عندما يأتي على ذكر: (الله أكبر الله أكبر)، بصوته القوي الذي يشجي آذان كل من يسمعه، وكذلك خطبته التي لا تخلو من محبة النبي محمد صلي الله عليه وسلم، ما إن ذكر اسم النبي إلا وفاضت عيناه وغرقت بدمع المحب لحبيبه صلي الله عليه وسلم.
رجل مثلُ الذَّهب والياقُوت، عفيفاً، ومخلصاً ومتفانياً في عمله ذو نفس كبيرة تتعالى على الصغائر، وقلب طيب حنون، مع الصغير صغيراً، ومع الكبير كبيراً، بتواضع جم. كما كان يحب الأطفال ويكرم من تقدم به السن، في بيته المفتوح للكل، وفي أي مكان يلتقي فيه الناس. 
وفارقنا صاحب القلب الطيب عبده محمد علي، في يوم الخميس الموافق العاشر من فبراير عام 2011م، بعد أن لبى نداء ربه بالخرطوم إثر علة لازمته لبعض الوقت على السرير الأبيض بمستشفي الشرطة، ملتحقاً بالرفيق الأعلى، ومخلفاً سيرة عطرة تحفها الرقة واللطافة والمحبة في قلوب محبيه ومريده وأهل المصنع وعشيرته. 
رحمك الله أبا ايهاب، ومجتبى، ومحمد، وناجي، وأثيلات، وشوق، صاحب الطلة الباسمة، والقلب الكبير الذي دخل قلوب الكل، الصغير قبل الكبير، كما أحبه زملاء عمله بقسم الانتاح في وحدة الغلايات بالمصنع، بإخلاصه واهتمامه وحبه للعمل.
اللهم أرحم حبيبنا جميعاً، الراحل المقيم، طيب الذكر، عبده محمد علي أحمد سعد، وتقبله قبولاً حسناً وأحسن عزاءنا وعزاء أسرته وأحبابه وعارفي فضله، وأهل السكر، والديوم الشرقية وبري بالخرطوم، فقد كان عَلَماً يُهتدى به في حالكات الدجى.




اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. اللهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً. اللهم إن كان محسنا فزد من حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
اللهم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين. اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللهم اعذه من عذاب القبر، وجاف الارض عن جنبيه. اللهم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
اللهم إنه فى ذمتك وحبل جوارك وقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم. اللهم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به. اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه. اللهم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه وأّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود. اللهم إحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".
اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت علي الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم).
اللهم اّمنه من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسه أّمنة مطمئنة ولقنه حجته. اللهم اجعله في بطن القبر مطمئنا وعند قيام الاشهاد أمنا وبجود رضوانك واثقا وإلي أعلي درجاتك سابقا. اللهم اجعل عن يمينه نوراً حتي تبعثه اّمنا مطمئنا في نور من نورك.
اللهم انظر اليه نظرة رضا فإن من تنظر إليه نظرة رضا لا تعذبه ابداً. اللهم أسكنه فسيح الجنان واغفر له يارحمن وارحم يا رحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم. اللهم اعفو عنه فإنك القائل "ويعفو عن كثير". اللهم انه جاءك ببابك وأناخ بجنابك فَجْد عليه بعفوك وإكرامك وجود إحسانك. اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.
اللهم احشره مع المتقين إلي الرحمن وفداً. اللهم احشره مع اصحاب اليمين واجعل تحيته سلام لك من أصحاب اليمين. اللهم بشره بقولك "كلوا واشربوا هنئياً بما أسلفتم في الايام الخالية". اللهم اجعله من الذين سعدوا في الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض.
اللهم لا نزكيه عليك ولكنا نحسبه انه اّمن وعمل صالحاً فاجعل له جنتين ذواتي أفنان بحق قولك: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". اللهم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربة هنيئة لا يظمأ بعده ابداُ.
اللهم اجعله في جنة الخلد التي وعد المتقون كانت جزاءً ومصيراُ لهم ما يشاءون وكان علي ربك وعداُ ومسئولاً. اللهم إنه صبر علي البلاء فلم يجزع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون اجورهم بغير حساب. فإنك القائل "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب".
اللهم انه كان مصليا لك، فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام. اللهم انه كان صائما لك، فأدخله الجنة من باب الريان. اللهم انه كان لكتابك تاليا وسامعا فشفع فيه القراّن وارحمه من النيران، واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة إلي اّخر اّية قرأها أو سمعها وأخر حرف تلاه. اللهم ارزقه بكل حرف في القراّن حلاوة، وبكل كلمة كرامة وبكل اّية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جْزءٍ جَزاءً. اللهم ارحمه فانه كان مسلما واغفر له فانه كان مؤمنا. وادخله الجنة فانه كان بنبيك مصدقا وسامحه فانه كان لكتابك مرتلا.




اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكّرنَا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه علي الاسلام ومن توفيته منا فتوفه علي الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. اللهم ارحمنا اذا اتانا اليقين، وعرق منا الجبين، كشر الانين والحنين. اللهم ارحمنا اذا يئس منا الطبيب، وبكي علينا الحبيب وتخلي عنا القريب والغريب وارتفع النشيج والنحيب. اللهم ارحمنا اذا اشتدت الكربات وتوالت الحسرات واطبقت الروعات وفاضت العبرات، وتكشفت العورات وتعطلت القوي والقدرات.
اللهم ارحمنا اذا بلغت التراقي وقيل من راق وتأكدت فجيعة الفراق للأهل والفراق وقد حَمً القضاء فليس من واق. اللهم ارحمنا اذا حملنا علي الاعناق الي ربك يومئذ المساق وداعا ابديا للدور والاسواق والاقلام والاوراق الي من تذل له الجباه والاعناق.
اللهم ارحمنا اذا ورينا التراب وغلقت القبور والابواب وانقض الاهل والاحباب فإذا الوحشة والوحدة وهول الحساب. اللهم ارحمنا اذا فارقنا النعيم وانقطع النسيم وقيل ماغرك بربك الكريم. اللهم ارحمنا اذا أقمنا للسؤال وخاننا المقال ولم ينفع جاه ولامال ولا عيال وقد حال الحال وليس الا فضل الكبير المتعال. اللهم ارحمنا اذا نَسي اسمنا ودَرس رسمنا وأحاط بنا قسمنا ووسعنا.
اللهم ارحمنا اذا اَهملنا فلم يزرنا زائر ولم يذكرنا ذاكر ومالنا من قوة ولا ناصر فلا امل الا في القاهر القادر الغافر يامن اذا وعد وفي، واذا توعد عفا، وشفع يارب فينا حبيبنا المصطفي واجعلنا ممن صفا ووفا وبالله إكتفي يا ارحم الراحمين ياحي يا قيوم يا بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام.
اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، واجمعنا معهم في جنات النعيم يا رب العالمين. اللهم انزل علي اهلهم الصبر والسلوان وارضهم بقضائك. اللهم ثبتهم علي القول الثابت في الحياه الدنيا وفي الاخره ويوم يقوم الاشهاد.
اللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اّله وصحبه وسلم إلي يوم الدين.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

ناصر البهدير
مدير عام سابق

عدد المساهمات : 3661
نقطة : 10629
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 46
الموقع : البحرين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى